بالترويض والتدجين والتضليل احتنكوا الأمة
December 16, 2009

بالترويض والتدجين والتضليل احتنكوا الأمة

لقد كانت هذه الأمة في عزة ومنعة لما كان سلطانها بيدها، أي الحكم بكتاب الله وسنة رسوله. وكان الكفار يستهدفونها بالحرب والقتال للقضاء عليها. ولكن بعد جهد وعناء تبينوا أن القوة الكامنة في هذه الأمة مصدرها العقيدة الإسلامية، فغيروا أساليبهم تجاهها يوم أحسوا بالضعف الفكري والسياسي قد دب فيها. فهجموا عليها بأفكارهم التي استحدثوها بعد انفلاتهم من هيمنة الكنيسة وتحررهم من رجال الدين. وبدءوا عندئذ بترويض أبناء المسلمين على تقبل أفكارهم والتخلي عن موروثهم العقائدي والفكري. ونستشهد على ذلك بما قاله أحدهم في هذا المضمار. وهو المفكر الوجودي والفيلسوف الفرنسي "جان بول سارتر" صاحب مجلة " الأزمنة الأخيرة " التي كان يفضح فيها قذارة الحرب الاستعمارية التي كانت بلاده تشنها على الشعب المسلم في الجزائر. يقول هذا الشاهد على طريقة الغرب في صناعة المفكرين والمثقفين والزعماء والقادة، وكيفية إعدادهم لتولي شؤون هذه الأمة، ما نصه : [ كنا نحضر رؤساء القبائل وأولاد الأشراف والأثرياء من إفريقيا وآسيا ونطوف بهم بضعة أيام في أمستردام ولندن والنرويج وبلجيكا وباريس، فتتغير ملابسهم، ويلتقطون بعض أنماط العلاقات الاجتماعية الجديدة، ويتعلمون منا طريقة جديدة في الرواح والغدو، ويتعلمون لغاتنا، وأساليب رقصاتنا وركوب سياراتنا ـ إلى أن يقول ـ : وكنا ندبّر لبعضهم زيجات أوروبية ثم نلقنهم أسلوب الحياة الغربية، كنا نضع في أعماق قلوبهم الرغبة في أوروبا ثم نرسلهم إلى بلادهم، وأي بلاد! بلاد كانت أبوابها مغلقة في وجوهنا، ولن نجد منفذا إليها، كنا بالنسبة إليهم رجساً ونجساً، لكن منذ أن أرسلنا المفكرين الذين صنعناهم إلى بلادهم كنا نصيح في أمستردام، أو برلين، أو باريس: (الإخاء البشري)، فيرتد رجع أصواتنا من أقاصي إفريقيا، أو الشرق الأوسط، أو شمالي إفريقيا، كنا نقول: ليحلّ المذهب الإنساني - أو دين الإنسانية - محل الأديان المختلفة، وكانوا يرددون أصواتنا هذه من أفواههم، وحين نصمت يصمتون، إلا أننا كنا واثقين من أن هؤلاء المفكرين لا يملكون كلمة واحدة يقولونها غير ما وضعنا في أفواههم ]. ومن يتمعن في هذه الكلمات المعبرة والمختصرة يدرك أن هذا الرجل يحدثنا عن عملية تصيد بعض أبناء المسلمين لترويضهم وتربيتهم على أفكارهم ليكونوا من بعد خدما لهم في بلادنا. وبمعنى آخر يخبرنا عن صناعتهم للعملاء والخونة الموالين له لخدمة مصالحه في بلاد المسلمين التي كانت أبوابها مقفلة في وجوههم. وهذا فيه جواب كاف على سؤالنا السابق حول إمكانية ترويض البشر.

فالغرب الحاقد على هذه الأمة استطاع اقتناص بعض المنهزمين فكريا ونفسيا وقام بترويضهم وإغوائهم من غير أن يكون له سلطان عليهم. لكونه فاقدا للعنصرين المذكورين سالفا. أي فاقدا للحجة التي يستطيع بها مقارعة حجج الإسلام ودحض أفكاره والتفوق عليه فكريا. وفاقدا كذلك للقوة القاهرة التي ينفذ بها إلى قلوب المؤمنين ليستأصل منها عقيدة الإسلام ويضع مكانها عقيدته الفاسدة. وعليه فإن الغرب الكافر استطاع استدراج الضعفاء من أبناء هذه الأمة وروضّهم على عقائده وأفكاره فزادهم بذلك تخلفا على تخلفهم. أي ضاعف فيهم التخلف الذي وجدهم عليه، وهو التخلف الفكري العام الذي شمل الأمة من قبل سقوط الخلافة. وسببه ضعف القدرات العقلية في فهم الإسلام وتطبيقاته على وقائع الحياة وحوادثها المستجدّة. وليس ضعف الإسلام وعدم قدرته على معالجة مشاكل العصر كما يزعمون. فأضاف إلى ذاك التخلف تخلفا آخر. وذلك بإغرائهم وإغوائهم بأفكاره التي يسمونها أفكارا تقدمية. وهي في الحقيقة أفكار ومعالجات متخلفة ورجعية لأنها من وضع البشر. بخلاف أفكار الإسلام ومعالجاته فهي من وضع خالق البشر. وعليه فإن الثقافة الغربية التي اغترّ بها بعض المسلمين هي ثقافة متخلفة عن الثقافة الإسلامية. وبمعنى آخر إن حضارة الغرب متخلفة عن حضارة الإسلام. وذلك في الزمن الذي نشأت فيه وفي الفكر الّّذي تقوم عليه.

لأن الزمن الذي ظهرت فيه هذه الأفكار الجديدة التي أنشأها الغرب ليقاوم بها السلطة القديمة، أي سلطة رجال الدين. كان زمنا متأخرا جدا لزمن ظهور الإسلام. أي لمّا كان الغرب المسيحي يتخبط في ظلمات القرون الوسطى وتتحكم فيه القوى الظلامية. كان الإسلام حينها في أوج نشاطه وحركته العالمية. حيث كان يجوب العالم شرقا وغربا، ويتوسع في الفتوحات لتحرير البشرية من الرق والاستعباد وظلم الأباطرة والملوك. إلا أن الغرب المسيحي كان يحاربه ويصده عن دياره وبقي منغلقا عن نفسه راضيا بعيشه التعيس. وحتى التغيرات الجوهرية التي أحدثها الإسلام في الشعوب التي حكمها. من رقي فكري، وازدهار حضاري، وتطور علمي، وتقدم مدني. لم تبعث فيه التوقد الفكري لينظر في حاله ويفكر في أوضاعه. بل احتاج إلى عدة قرون ليحس في النهاية بالظلم والتخلف، وبضرورة التغيير والتخلص من تلك القوى الظلامية التي تحكمه. وبدأ عندها بوضع هذه الأفكار والمعالجات الجديدة التي قاوم بها سلطة الكنيسة والملوك. ومن ثمة بدأ تاريخ النهضة الأوروبية. أي بعد عشرة قرون أو يزيد من ظهور النهضة الإسلامية في العالم. وهذا في الحقيقة تخلف زمني كبير.

وأما الأفكار والمعالجات التي وضعها الغرب فهي كذلك أفكار ومعالجات متخلفة بالمقارنة مع أفكار الإسلام ومعالجاته. لأنها أفكار ومعالجات من وضع الإنسان المحدود عقلا وطاقة. ولأنها لا تقوم لها حجة ولا برهان على صوابها وصحتها. ولكونها كذلك تناقض الواقع وتتصادم مع حقائق الحياة. ولكونها لا توافق فطرة الإنسان. وبالإضافة إلى ذلك كله فإنها أفكار ومعالجات لم تفِ بحاجة الإنسان ولم تعطه الإجابة الشافية على كل تساؤلاته في هذا الوجود. فهي لم تعالج فيه جميع مشاكله وتركته يتخبط بمفرده وجهده الخاص في البحث عنها. كمشكلة الدين والتدين وحل العقدة الكبرى. فهي تجاهلت في الإنسان غريزة التدين الفطرية فيه ولم تعطه الإجابة عنها ولم تهده إلى الطريق الصحيح. لهذا كله كانت أفكار الغرب الرأسمالي ومعالجاته متخلفة عن أفكار ومعالجات الإسلام، الذي لم يترك ولا جزئية واحدة من جزئيات الحياة، سواء كانت تتعلق بالعقائد أم بالأخلاق، أم بالمأكولات والمشروبات والملبوسات، أم بالعلاقات، إلا وعالجها علاجا تاما.

وبناء على ما تقدم تكون الأفكار التي يروج لها في بلادنا. ويسمونها أفكارا تقدمية، كالليبرالية، والديمقراطية، والاشتراكية، والقومية، والوطنية، وفكرة فصل الدين عن الحياة والحريات، هي في حقيقتها أفكار رجعية وليست تقدمية كما يزعمون. لكونها رجعت بالحياة والإنسان إلى الخلف بعدما تقدم بهما الإسلام. ويكون الذي أخذها عنهم قد ازداد تخلفا لأنه استبدل الفكر الغربي الفاسد بالفكر الإسلامي الراقي. أي استبدل الذي هو أدنى بالذي هو خير. ومن دلالات عمق التخلف أنهم لازالوا متمسكين إلى اليوم بالأفكار التي تراجع عنها الغرب وألقى بها في الزبالة وأنهى العمل بها، كفكرة الشيوعية. إذ لازلنا نرى في بلادنا أحزابا شيوعية.

فمصيبتنا اليوم تتمثل في هؤلاء الذين روضهم الغرب في حظيرته وزرع فيهم أفكاره وأنظمته ورباهم على طريقة عيشه في الحياة. ثم تحولوا بعد ذلك إلى ديارنا ودخلوا علينا بتلكم الأفكار، وتموقعوا المواقع الحساسة في الدولة والمجتمع. واستلموا المناصب المتقدمة في الحكم والإدارة. ووضعوا أيديهم على المؤسسات الحيوية. وتولوا إدارة الاقتصاد والتعليم والصحافة والإعلام. وشكلوا أحزابا وجمعيات علمانية. وألبسوا الحق بالباطل. وفتنوا الناس عن دينهم. ويا ليت هذا الأمر بقي محصورا فيهم ولم يسر في غيرهم. ولكن مع الآسف قد فشت عدواهم بين فيئات أخرى من المجتمع. فتلوث بها بعض المثقفين وبعض الكتاب والمؤلفين وطلبة الجامعات، وحتى بعض الأحزاب والحركات الإسلامية باتت تردد هي الأخرى هذا النشاز وتدعوا لهذه الأفكار الفاسدة، كالديمقراطية والاشتراكية. ولهذا لا يمكن أن نتصور أن هذه الأمة بمقدورها أن تسترجع مجدها وعزها بهؤلاء القادة والزعماء والمفكرين والمثقفين الموالين للغرب الكافر أو المضبوعين بأفكاره وحضارته. وإنما تتحرر الأمة بأبنائها المخلصين لها.

أما حال العامة في هذه الأجواء فهو كحال الغلمان في مسرح الدمى الخشبية، يتابعون فصول المسرحية دون أن يتفطنوا للأصابع الخفية التي تحرك الدمى. فهؤلاء تبلد فيهم الإحساس وتبلدت فيهم الطبائع، حتى ألفوا العيش إلى جانب الحكام العملاء. وألفوا الخيانات المفضوحة، والمؤامرات المكشوفة، والتواطؤ مع دول الكفر. وألفوا القرارات المجحفة والتنازلات المخزية. وألفوا رداءة الحياة السياسية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية. وألفوا الفقر والعيش تحت القهر والظلم، وألفوا القتل والتدمير والتعذيب في إخوانهم وأبناءهم. وألفوا العيش بين المنكرات. ألفوا كل شيء حتى عادت الفواجع والكوارث السياسية والاقتصادية والاجتماعية لا تستفزهم. وهاهم لازالوا يصفقون ويهتفون بحياة الرئيس والملك. أبعد هذا التدجين من تدجين ؟

إنّ الخوف من الحكام وبطشهم. والخوف على الأرزاق ولقمة العيش. والخوف على النفس والحياة. والخوف على الأبناء والنساء. والخوف على متاع الدنيا. هو الذي فتح الطريق أمام الطغاة والجبابرة ليستعبدوا الشعوب ويدجنوها. فلو استقاموا على الهدى وما تخاذلوا عن الحق، وثاروا على الباطل وما سكتوا عليه، وتمرّدوا على الظلم وما ركنوا له، ما كانوا ليحيوا حياة الذل والهوان. ولما تسلط عليهم أعداء الله وأعوانهم. " ‏عَنْ ‏ثَوْبَانَ ‏قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏يُوشِكُ الْأُمَمُ أَنْ ‏تَدَاعَى ‏عَلَيْكُمْ كَمَا ‏تَدَاعَى ‏الْأَكَلَةُ ‏إِلَى ‏قَصْعَتِهَا ‏فَقَالَ قَائِلٌ وَمِنْ قِلَّةٍ نَحْنُ يَوْمَئِذٍ قَالَ بَلْ أَنْتُمْ يَوْمَئِذٍ كَثِيرٌ وَلَكِنَّكُمْ ‏غُثَاءٌ ‏كَغُثَاءِ ‏السَّيْلِ وَلَيَنْزَعَنَّ اللَّهُ مِنْ صُدُورِ عَدُوِّكُمْ الْمَهَابَةَ مِنْكُمْ وَلَيَقْذِفَنَّ اللَّهُ فِي قُلُوبِكُمْ الْوَهْنَ فَقَالَ قَائِلٌ يَا رَسُولَ اللَّهِ وَمَا الْوَهْنُ قَالَ حُبُّ الدُّنْيَا وَكَرَاهِيَةُ الْمَوْتِ ".[ رواه أبو داود] وفي حديث آخر لعَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو قال : " سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏يَقُولُ ‏إِذَا رَأَيْتُمْ أُمَّتِي تَهَابُ الظَّالِمَ أَنْ تَقُولَ لَهُ إِنَّكَ أَنْتَ ظَالِمٌ فَقَدْ تُوُدِّعَ مِنْهُمْ ". [رواه أحمد]‏.

المزيد من القسم سياسة

يا علماء الأزهر: الشام لا تنتظركم تحت راية الاستعمار!!

ذكرت جريدة اليوم السابع في 26/10/2015م، أنها حصلت على نسخة من تقرير مهم لمرصد الأزهر الشريف أكد فيه "أن التحالف مع جيوش غير مسلمة لمواجهة الجماعات المتطرفة وإن كانت مسلمة "جائزة"، ما دامت ليست من قبيل الاستعانة بالمشركين على المسلمين طلبا لخذلان المسلمين، كما ذكر أن من مقاصد الشريعة عمارة الكون ولتحقيقها تمت الاستعانة بهم في نواح عديدة، منها الإدارية والصناعية والكتابية والقتالية وغيرها، واستدل بأن الرسول r استعان حينما هاجر إلى المدينة برجل مشرك ليدله على الطريق، وكان له غلام يهودي يخدمه بالمدينة، ولما قدم إلى المدينة كتب معاهدة بين المسلمين واليهود جاء فيها: (وأن بينهم النصر على من داهم يثرب)، ولما توجه رسول الله إلى مكة عام الحديبية ووصل إلى ذي الحليفة أرسل عينا له من خزاعة يأتيه بخبر قريش، وكان ذلك الرجل مشركا"، ليختم قائلا: "أما التحالف مع غير المسلم في مواجهة جماعة متطرفة تهدد أمن المجتمعات وسلامتها فعلينا هنا أن نفرق بين من يستعين بالمشركين على المسلمين طالبا خذلان المسلمين، قاصدًا هدم دولتهم، هادفًا إلى إضعاف شوكة الإسلام، كارها مبغضا لهذا الدين وأهله، فهذه الحالة نهى عنها ربنا تبارك وتعالى بقوله: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى أَوْلِيَاءَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ مِنْكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِى الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ﴾، وبين من يفعل ذلك ردا لعدوان فئة باغية لا يستطيع رد عدوانها وحده، مع احتفاظه بسيادة دين الإسلام في بلده ظاهرا غالبا، فلا مانع له أن يستعين بغير المسلمين تحقيقا لمصالح المسلمين؛ ولضرورة أمن المجتمع وسلامته".

من الواضح جدا أن الوضع في الشام يلقي بظلاله على المنطقة كلها، وأن هناك ترتيباً وتحضيرات لكي تصبح مصر مخلبا من مخالب أمريكا في الشام بإدخالها إلى حلبة الصراع كما فعلت في ليبيا من قبل، كجزء من حلف أمريكا في حربها الصليبية الجديدة بعد أن أوشكت روسيا على الفشل، وحتى لا يغضب أبناء الكنانة لتحرك جيشهم تجاه إخوانهم في الشام، ويكون هناك مبرر لقمع من يظهر الغضب منهم، فلا بد من مبرر قوي وفتوى شرعية لخداع أهل الكنانة وأبنائهم في الجيش حتى لا يؤرقهم فيما بعد تلوث أيديهم بدم إخوانهم في بلاد الشام، وبدلا من أن يصدر مرصد الأزهر وعلماء الكنانة بيانا وفتاوى تحرم تلك التحالفات على أبناء الأمة وتجرم الدخول فيها، وتبين وجوب نصرة أهل الشام وأهل فلسطين وغيرهم ورد كيد أعداء الأمة من أمريكا ويهود والغرب الكافر، أصدر المرصد تقريرا أجاز فيه التحالف مع جيوش غير مسلمة لمواجهة الجماعات المتطرفة وإن كانت مسلمة، ما دامت ليست من قبيل خذلان المسلمين، وكأن قتل المسلمين ليس خذلانا لهم أو أنه قد أصبح أحد مقاصد الشريعة، ولا ندري من أين أتى المرصد بهذه الفتوى وما دليله عليها؟! ولا عن أي شريعة وأي مقاصد يتحدث؛ فمقاصد الشرع تحفظ النفس المسلمة لا تقتلها بتحالف مع عدو الله ورسوله وعدو الأمة، والمعلوم من قول رسول الله r «إنا لا نستضيء بنار المشركين» ورده على المشرك الذي لحق بالجيش «إنا لا نستعين بمشرك»، أما الاستعانة في الأمور الإدارية فلم يرد تحريمها، وهي تختلف جملة وتفصيلا عن الاستعانة في القتال فضلا عن قتال المسلمين، والأصل فيها الإباحة ولا يجوز قياسها على قتال أهل البغي من المسلمين بأي حال من الأحوال، فهي ليست من الأمور الإدارية وإنما هي أحكام شرعية لأفعال الأصل فيها التقيد بأحكام الشرع المستنبطة من أدلتها، وما أتى به النص الصريح هنا في قتال طائفتين من المؤمنين ﴿وَإِن طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا فَإِن بَغَتْ إِحْدَاهُمَا عَلَى الْأُخْرَىٰ فَقَاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي حَتَّىٰ تَفِيءَ إِلَىٰ أَمْرِ اللَّه﴾ فالأصل في قتال طائفتين من المؤمنين أن نعمل على الإصلاح بينهما ثم يقاتل المسلمون، والمسلمون فقط دون غيرهم، الفئة الباغية طالما بقيت على بغيها حتى تعود عنه، ولا يجوز لهم أن يستعينوا بكافر على إخوانهم بعدوهم أبدا، فكما في الصحيحين «الْمُسْلِمُ أَخُو الْمُسْلِمِ، لَا يَظْلِمُهُ، وَلَا يُسْلِمُهُ، وَمَنْ كَانَ فِي حَاجَةِ أَخِيهِ، كَانَ اللَّهُ فِي حَاجَتِهِ، وَمَنْ فَرَّجَ عَنْ مُسْلِمٍ كُرْبَةً، فَرَّجَ اللَّهُ عَنْهُ كُرْبَةً مِنْ كُرُبَاتِ يَوْمِ الْقِيَامَةِ، وَمَنْ سَتَرَ مُسْلِمًا، سَتَرَهُ اللَّهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ».

وحتى نفصل في الفتوى يجب أن نستعرض واقع الأمة اليوم؛ حيث لا وجود لدولة إسلامية بالمفهوم الشرعي بل كلها بلاد إسلامية يسكنها مسلمون، يحكمها حكام ضرار مغتصبو سلطة وضعهم الغرب الكافر على رؤوس البلاد والعباد لرعاية مصالحه ولقهر الأمة واستعباد شعوبها للغرب الكافر، وكل من حاول الانعتاق من التبعية والتملص من ربقة الغرب يتسلطون عليه بسلاح ثمنه من أموال وأقوات الأمة واصفين كل من حاول الانعتاق بكل أوصاف التطرف والإرهاب والخروج.

وهنا مع هذا الواقع يكون واجب الأمة خلع هؤلاء الحكام وتنصيب خليفة واحد تكون رئاسته عامة لجميع المسلمين ويحصل الحكم ببيعة شرعية صحيحة ويحكم الأمة بالإسلام كاملا شاملا غير منقوص، ويكون له وحده حق تبني الأحكام الشرعية وسنها دستورا وقوانين، بهذا فقط يكون لدينا دولة إسلامية من حقها وحدها قتال البغاة والخارجين، أما هؤلاء الحكام وعلماؤهم وعملاؤهم فهم مغتصبون لسلطان الأمة محاربون لله ورسوله وأوليائه، وهم آخر من يقيم للإسلام وأحكامه وزنا أو احتراما في بلادنا ولا علاقة لهم لا بالشرع ولا بمقاصده، وأول من يدرك ذلك هم العلماء قبل عوام الناس من أهل الكنانة وغيرها، فلا يجوز لهم أن يبرروا ويشرعنوا خياناتهم في تجارة بالإسلام واستغلال واضح لجهل الناس بأحكامه لصالح حكام السوء ومن خلفهم الغرب الكافر عدو الإسلام والمسلمين، والذي يبررون الآن التحالف معه لوأد ثورة الأمة في الشام وغيرها، في محاولة يائسة لمنع عودة الخلافة على منهاج النبوة والتي أصبح نجمها يعلو في الأمة بعمومها والشام خاصة، والتي فضحت العملاء وعلماء السوء وأبت إلا أن تكشف كل متلون مخادع، ولن يبقى ثابتا إلا من يستحقون بحق أن يكونوا كأمثال الصحابة وأن تقام على أكتافهم دولة خلافة على منهاج النبوة يرضى عنها ساكن السماء وساكن الأرض.

يا علماء الأزهر الكرام وأحفاد العز بن عبد السلام سلطان العلماء، لا تكونوا أكثر الخاسرين فتبيعوا دينكم بدنيا غيركم، ولن ينفعكم حكام السوء أو يغنوا عنكم من الله شيئا، فكونوا مع الحق الذي تعلمون وطالبوا أهل مصر الكنانة وجيشها بخلع حكام السوء وإعلانها خلافة على منهاج النبوة، ونصرة أهل الشام وفلسطين وسائر المستضعفين من أبناء الأمة، فهذا دوركم ودورهم، فأنتم ورثة الأنبياء وهم جند الله ورسوله ودرع الأمة وحماة الإسلام فحرضوهم على نصرة الله ورسوله تفوزوا وإياهم ويكون لكم وللكنانة السبق في ركب الجنة.

يا أهل الكنانة وعلماءها وجيشها، يا من كنتم للإسلام درعا وحصنا وكان للإسلام بكم عزٌّ ومنعة من للإسلام، إن لم يكن أنتم من ينتصر لحرمات المسلمات غيركم من يحرر الأقصى دونكم، إن الأقصى والشام لا تنتظركم تحت راية الاستعمار وخلف عدو من أعداء الله ولخدمة الغرب الكافر ولفرض نفوذه ومخططاته ومنع عودة الحياة الإسلامية من خلال خلافة على منهاج النبوة، وإنما تنتظركم أنتم جند صلاح الدين تحت راية رسول الله r، تنتظركم ناصرين فاتحين محررين كما عهد بكم، تنتظركم بأسا شديدا على أعداء الله ورسوله وعزا لدينه ومددا لأنصاره، واعلموا أن نصر الله قادم لا محالة، فليكن بأيديكم أنتم وليكن لكم السبق للفردوس الأعلى مع أنصار الأمس فإنها الجنة، والأيام القادمة أيام فاصلة فانحازوا فيها لما يحب الله ويرضى وانصروا إخوانكم في حزب التحرير واحملوا معهم مشروع الأمة المنبثق عن عقيدتها خلافة على منهاج النبوة تنهي التبعية للغرب الكافر وتعيد عز الإسلام وأهله وتعيد بلادنا سيدة الدنيا كما كانت، اللهم اجعله قريبا واجعله بأيدينا.

كتبه لإذاعة المكتب الإعلامي المركزي لحزب التحرير

عبد الله عبد الرحمن

عضو المكتب الإعلامي لحزب التحرير في ولاية مصر

نعمة الأمن والأمان في الأردن

نتغنى في الأردن بالأمن والأمان، وإذا ما تكلم بعضنا بوجوب نصرة الشام والأقصى رد علينا آخرون بقولهم أنتم تريدون إشاعة الفوضى في البلد والقضاء على الأمن والأمان، ألا ترون ما حدث لأهل سوريا ومصر وليبيا واليمن وغيرهم؟

أقول لمثل هؤلاء: إن نعمة الأمن والأمان والرخاء الاقتصادي كان يتنعم بها أهل مكة، فقد آمنهم الله من الجوع والخوف بينما كانت القبائل من حولهم يغير بعضها على بعض فيقع فيهم القتل والأسر، قال تعالى مذكرا إياهم أنهم كانوا في أمان بينما غيرهم يعيش في خوف ﴿أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّا جَعَلْنَا حَرَمًا آمِنًا وَيُتَخَطَّفُ النَّاسُ مِنْ حَوْلِهِمْ أَفَبِالْبَاطِلِ يُؤْمِنُونَ وَبِنِعْمَةِ اللَّهِ يَكْفُرُونَ﴾ فماذا حدث لأهل مكة؟ هل استمر الأمن والأمان؟ هل حافظوا على نعمة الأمن والأمان؟ قال تعالى: ﴿لِإِيلَافِ قُرَيْشٍ * إِيلافِهِمْ رِحْلَةَ الشِّتَاءِ وَالصَّيْفِ * فَلْيَعْبُدُوا رَبَّ هَذَا الْبَيْتِ * الَّذِي أَطْعَمَهُم مِّن جُوعٍ وَآمَنَهُم مِّنْ خَوْفٍ﴾.

أطعمهم من جوع: أمان اقتصادي... كانت خيرات الجزيرة العربية والشام واليمن تجبى إليهم في رحلتين سنويتين، رحلة الشتاء إلى اليمن ورحلة الصيف إلى الشام، وآمنهم من خوف: كانت القبائل تسعى إلى ودِّهم لأنهم أهل الحرم،كما أن الرحلة في الصحراء إلى اليمن جنوبا والشام شمالا دليل على الأمن الذي تنعَّم به تجار مكة.

ولما بعث رسول الله r إليهم طلب منهم أن يحافظوا على هذه النعمة، كيف؟

اسمعوا قوله تعالى ﴿فَلْيَعْبُدُوا رَبَّ هَذَا الْبَيْتِ * الَّذِي أَطْعَمَهُم مِّن جُوعٍ وَآمَنَهُم مِّنْ خَوْفٍ

إذن المحافظة على الأمن والأمان تكون بطاعة الله عز وجل، وتنفيذ أوامره سبحانه في الحياة العامة، في الحكم والاقتصاد والاجتماع والتعليم والسياسة الخارجية، وليس الاقتصار على تنفيذ أمر الله في العبادات والأخلاق والمطعومات والملبوسات فقط، قال تعالى ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ ادْخُلُواْ فِي السِّلْمِ كَآفَّةً﴾ أي نفذوا أحكام الإسلام كلها، فلا يجوز أن نقصر الإسلام على جزء منه ونترك الباقي خوفا من أمريكا وأوروبا وغيرهما من دول العالم.

فحتى نحافظ على الأمن والأمان يجب تغيير الدستور إلى دستور إسلامي وتغيير النظام الحاكم من نظام علماني إلى نظام إسلامي، وأن تسترد الأمة سلطانها وتختار حاكمها لتبايعه على الحكم بكتاب الله وسنة رسوله r... وفي ذلك تحقيق لعبادة رب البيت.

وأما عصيان الله وإعلان الحرب على أحكامه الشرعية فهو خسران الأمن والأمان، والحكم بغير ما أنزل الله خروج عن طاعة رب البيت، والتنسيق مع روسيا في حربها على المسلمين في الشام خروج عن طاعة رب البيت، والمشاركة في التحالف الصليبي خروج عن طاعة رب البيت، وإباحة الربا باسم الحرية الاقتصادية، وإباحة التعري والسفور والاختلاط والمثلية الجنسية باسم الحرية الشخصية خروج عن طاعة رب البيت، وترك قطعان يهود يمارسون عربدتهم في الأقصى خروج عن طاعة رب البيت، وتأييد نتنياهو في تركيب كاميرات التجسس خروج عن طاعة رب البيت، وخذلان أهل سوريا وتركهم لبشار وروسيا وإيران وحزبها في لبنان خروج عن طاعة رب البيت، وإرسال الجيش الأردني ليحارب المسلمين بدلا من توجيههم لمحاربة يهود وتحرير الأقصى وفلسطين منهم هو خروج عن طاعة رب البيت...

أهل مكة رفضوا دعوة الله فخسروا الأمن والأمان.

انقسم المجتمع إلى مؤمنين وكافرين... أصبح الأخ يعادي أخاه والابن يعادي أباه والزوجة تعادي زوجها والعبد يعادي سيده. عصا العبيد أسيادهم، وعصا الشعب حكامه، وسموا زعيمهم أبا الحكم بأبي جهل. وأمر الله نبيه والمؤمنين بتهديد أبي جهل ﴿كَلَّا لَئِن لَّمْ يَنتَهِ لَنَسْفَعًا بِالنَّاصِيَةِ﴾ ثم أمره أن يعلن الوصف الحقيقي لأبي جهل ﴿نَاصِيَةٍ كَاذِبَةٍ خَاطِئَةٍ﴾ ثم يستأنف التحدي والتهديد والوعيد ﴿فَلْيَدْعُ نَادِيَه * سَنَدْعُ الزَّبَانِيَةَ﴾ ثم أمر رسوله والمؤمنين بعصيان الحاكم المجرم وإعلان التمرد على دستوره ﴿كَلَّا لَا تُطِعْهُ وَاسْجُدْ وَاقْتَرِبْ﴾.

لو دخل أبو الحكم في الإسلام وعبد ربَّه الذي أعطاه الأمن من الجوع والأمن من الخوف لما فرق مجتمعه، ولو آمن زعماء مكة لحققوا شرفا ما بعده شرف، ولظل ذكرهم معطراً خالدا، ولكنهم رفضوا الشرف واستغربوا وعد الرسول r بالانتصار على فارس والروم، واتهموه بالجنون، ففقدوا الأمن والأمان وقُتلوا في معركة بدر، أين هم الآن؟!.. في الجحيم والعياذ بالله وقانا الله وإياكم ذلك المصير. أما أولادهم الذين آمنوا بدعوة الإسلام فقد حافظوا على نعمة الأمن والأمان وأصبحوا قادة البشرية.

ونحن في الأردن إذا لم نعِ الدرس وندرك أن الحفاظ على الأمن والأمان لا يكون إلا بعبادة رب البيت... فسنخسر الدنيا والآخرة.. نعوذ بالله من ذلك... وها نحن نرى بعض البوادر في فقدان نعمة الأمن والأمان من انتشار العصابات والعنف في الجامعات والعشائر وفساد الدولة ونهب المال العام والفقر والبطالة... وإذا لم نعد إلى ديننا عودة حقيقية فسيستمر الخسران حتى نجد أنفسنا مشردين لاجئين كأهل البلاد من حولنا... لا قدر الله.

كتبته لإذاعة المكتب الإعلامي المركزي لحزب التحرير

نجاح السباتين – ولاية الأردن