باريس ومؤتمرات ما يسمى بأصدقاء السودان وتكرار حصاد الوهم
May 29, 2021

باريس ومؤتمرات ما يسمى بأصدقاء السودان وتكرار حصاد الوهم

باريس ومؤتمرات ما يسمى بأصدقاء السودان وتكرار حصاد الوهم

ظلت الحكومة الانتقالية منذ مجيئها تعد أهل السودان بحلول المشاكل عبر ما يسمى بدول أصدقاء السودان أو الدول المانحة، وهي في الحقيقة الدول الرأسمالية الاستعمارية التي لها تاريخ أسود في مص دماء الشعوب ونهب خيرات بلادها. وقد تم عقد عدد من المؤتمرات قدمت فيها وعود كثيرة لحل أزمة الاقتصاد الطاحنة مع انهيار العملة ولكن كل يوم يمر يزداد الحال سوءا.

تشكلت مجموعة أصدقاء السودان في حزيران/يونيو 2019م. وفي يوم الاثنين 21 تشرين الأول/أكتوبر 2019م عقد اجتماع في واشنطن، ترأسه وكيل وزارة الخارجية الأمريكي ديفيد هيل، ومساعد وزير الخارجية للشؤون الأفريقية ناجي تيبور بحضور ومشاركة وزير المالية السوداني إبراهيم البدوي، ضم كلاً من فرنسا، وألمانيا، والنرويج، وبريطانيا، والاتحاد الأفريقي، والاتحاد الأوروبي، والأمم المتحدة، وبنك التنمية الأفريقي، وصندوق النقد الدولي، والبنك الدولي، بينما شارك كمراقبين كل من فنلندا، وإيطاليا، والسويد. وهدف الاجتماع كان محدداً وهو البحث في كيفية مساعدة الحكومة الانتقالية في برنامج إصلاحها الاقتصادي.

وكان أول اجتماع لها في الخرطوم، الأربعاء 11 كانون الأول/ديسمبر 2019م، الذي افتتحه رئيس الوزراء السوداني عبد الله حمدوك بحضور 24 دولة وممثلين ضمت أمريكا وفرنسا وألمانيا والنرويج وبريطانيا والهدف المعلن لهذا المؤتمر هو تقديم الدعم الاقتصادي والسياسي للحكومة الانتقالية في السودان والذي تعول عليه الحكومة الانتقالية في تمويل موازنة 2020م والبالغة 15 مليار دولار.

وفي ألمانيا عقد في مدينة برلين يوم الخميس 2020/6/25م، شارك فيه أكثر من 40 دولة ومنظمة، والغرض من المؤتمر دعم الحكومة الانتقالية المدنية للضغط على المجلس العسكري الانتقالي. وتعهدت الدول بمنح السودان 1.8 مليار دولار. (موقع دي دبليو 2020/6/25م). أما مؤتمر أصدقاء السودان الذي عقد بفرنسا في أيار/مايو الماضي 2020م لدعم السودان بمبلغ 100 مليون يورو 110 مليون دولار فقد تم عقد مؤتمر لأصدقاء السودان عبر تقنية (فيديو كونفرنس) بمشاركة 22 دولة ومنظمة دولية.

وفي يوم الأربعاء، 12 آب/أغسطس 2020م، انعقد مؤتمر عبر تقنية الفيديو كونفرنس، شارك فيه نحو 25 دولة ومنظمة، ووفقا لشبكة سكاي نيوز الإخبارية، أكد المؤتمرون دعم عملية المفاوضات ودعوة جميع أطراف النزاع للتفاوض من أجل تحقيق السلام، بالإضافة إلى حشد الدعم الاقتصادي للسودان.

ثم انعقد الاجتماع الدوري لمجموعة أصدقاء السودان بألمانيا الخميس 2021/1/28م. شارك فيه وزير شؤون مجلس الوزراء السفير عمر بشير مانيس ومساعد وزير الخارجية الألماني السفير فيليب أكرمان، بمشاركة عدد من الدول وذلك بحضور وزيرة المالية والتخطيط الاقتصادي المكلفة د. هبة محمد علي. وقدم وزير شؤون مجلس الوزراء في فاتحة المؤتمر تنويراً حول الإصلاحات التشريعية، وتنويراً عن ترتيبات اتفاق السلام، وقدمت وزيرة المالية عرضاً للأوضاع الاقتصادية وموازنة 2021م. وشهدت هذه الدورة حضوراً كبيراً من عدد من الدول والمؤسسات باعتباره أول مؤتمر للأصدقاء ينعقد بعد إزالة اسم السودان مما يسمى بقائمة الدول الراعية للإرهاب، بمشاركة ألمانيا، أمريكا، بريطانيا، وفرنسا، وكندا، والأمم المتحدة مُمثَّلة برئيس بعثة اليونيتامس، فولكر بيرتس، والاتحاد الأوروبي والاتحاد الأفريقي وغير ذلك.

"أعرب الشركاء عن تجديد التزامهم بمخرجات مؤتمر برلين لشركاء السودان، وأكدوا وقوفهم بجانب السودان في مساره نحو تحقيق الاستقرار الاقتصادي. وفي ختام الاجتماع قدّم المبعوث الفرنسي للسودان جان ميشيل تنويراً للحضور عن سير العمل والترتيب والتحضير لمؤتمر القمّة لأصدقاء السودان الذي تُنظِّمه فرنسا خلال شهر مايو القادم لحشد الدعم الدولي للسودان..." (الموقع الرسمي لمجلس الوزراء بتاريخ 2021/1/28م)

على الرغم من المؤتمرات والجولات التي عقدت لمجموعة أصدقاء السودان إلاّ أن السودان لم يحصد منها غير الوهم المتكرر والوعود الزائفة، ﴿يَعِدُهُمْ وَيُمَنِّيهِمْ وَمَا يَعِدُهُمُ الشَّيْطَانُ إِلَّا غُرُوراً﴾ إلا أن حكام السودان لا يريدون الاعتراف بهذه الحقيقة. فحقيقة هذه الاجتماعات والمؤتمرات، ما هي إلا أوكار مؤامرات تفرض فيها هذه الدول الاستعمارية شروطها على الحكام في السودان، وتعرض أجندتها لتحقيق مصالحها، لنهب ثروات البلاد باسم الاستثمار، لذلك فبعد هذه المؤتمرات ازدادت الحكومة جرأة في تنفيذ أجندة هذه الدول الاستعمارية. والشواهد على ذلك كثيرة منها:

بتاريخ 2021/02/21م، أصدر البنك المركزي بيانا أعلن فيه عن انتهاج سياسة سعر الصرف المرن المدار بغرض توحيد سعر الصرف وهو ما يسمى بتعويم الجنيه حيث بلغ سعر صرف الدولار ما يفوق 400 جنيه، وهي تقريبا الخطوة الأخيرة لإكمال تنفيذ روشتة صندوق النقد الدولي، بعد أن رفعت الحكومة الدعم عن أغلب السلع والخدمات، التي ظل صندوق النقد يطالب بإغلاء أسعارها على أهل البلاد!

يقول فيليب أكرمان، المدير العام لأفريقيا وأمريكا اللاتينية والشرق الأدنى والشرق الأوسط بوزارة الخارجية الألمانية، في ختام مؤتمر أصدقاء السودان الذي انعقد إسفيرياً من برلين بتاريخ 2021/1/28م: "نشدد على الحاجة الملحة لمعالجة إصلاح سعر الصرف دون مزيد من التأخير" (إيلاف العدد 769 في 2021/02/09م)، وفي التاريخ نفسه شدد المتحدث باسم الخارجية الأمريكية على الحكومة السودانية على "المضي قدماً على وجه الخصوص في الإصلاحات الاقتصادية العاجلة" (موقع الحرة)، بالطبع هو يقصد بـ(الإصلاحات الاقتصادية) تنفيذ روشتة الصندوق! وقال وزير الخارجية البريطاني دومينيك راب، في المؤتمر الصحفي المشترك مع وزير الخارجية السوداني المكلف، في مطار الخرطوم، في 2021/01/21م قال: "إن المملكة المتحدة على استعداد لتقديم قرض مرحلي بقيمة 330 مليون جنيه إسترليني لتسوية المتأخرات المستحقة لبنك التنمية الأفريقي في حال استمرار السودان على المسار الصحيح للإصلاحات الاقتصادية المتفق عليها مع صندوق النقد الدولي" (روسيا اليوم). وكان رئيس بعثة الاتحاد الأوروبي بالسودان روبرت فان دن دول قد قال يوم 2021/02/14م: "إن على السودان إجراء إصلاحات اقتصادية شاملة وسريعة" (رويترز). وقد رحّب رئيس البنك الدولي ديفيد مالباس بانصياع الحكومة لتعليماتهم، حيث قال: "نرحّب بالأخبار القادمة من السودان حول توحيد واستقرار سعر الصرف" (السوداني العدد 5254).

كل ذلك يثبت أن هذه السياسة الاقتصادية وتعويم سعر الصرف، إنما هي إملاءات خارجية من دول الغرب الكافر ومؤسساته الربوية التي تتحكم عبر شروطها المذلة المخالفة الشرع، يقول زافير فورتادو، ممثل البنك الدولي في السودان: "الدين الخارجي الكلي للسودان يبلغ تقريباً 46 مليار دولار، وأصل الدين هو فقط 15% (حوالي 6.9 مليار دولار) من هذا المبلغ، أما 85% (أي 39.4 مليار دولار) من الدين، فهي جزاءات عدم الدفع وخدمة الدين!" (صحيفة التيار). وخدمة الدين (يعني الربا)! مما يؤكد أن مؤتمر ما يسمى بأصدقاء السودان في فرنسا في أيار/مايو ما هو إلا حلقة من حلقات التآمر لمصلحة الدول الاستعمارية وليس لمصلحة أهل السودان، والدليل الوضع المأساوي الذي يسوء بعد كل وصفة تنفذها الحكومة.

إن الحل الحقيقي والجذري هو بقطع يد الدول الاستعمارية وإيقاف تدخلها في بلادنا ولا يكون ذلك إلا بإقامة دولة الخلافة الراشدة على منهاج النبوة التي تطبق أحكام الإسلام وتنفذ شريعته السمحة حيث المال لله يتملكه الإنسان حسب الأحكام الشرعية فلا نهب ولا غش ولا خداع ولا استعمار، فتعود الملكيات العامة من ذهب وبترول وأراض زراعية... الخ لمصلحة أهل البلاد وليس لشركات الدول الرأسمالية. اللهم عجل لنا بالخلافة الراشدة على منهاج النبوة يا رب العالمين.

كتبه للمكتب الإعلامي المركزي لحزب التحرير

محمد جامع (أبو أيمن)

مساعد الناطق الرسمي لحزب التحرير في ولاية السودان

المزيد من القسم null

لا تنخدعوا بالأسماء فالعبرة بالمواقف لا بالأنساب

لا تنخدعوا بالأسماء فالعبرة بالمواقف لا بالأنساب

في كل مرة يُقدَّم لنا "رمز جديد" له جذور مسلمة أو ملامح شرقية، يهلل كثير من المسلمين، وتُبنى الآمال على وهمٍ اسمه "التمثيل السياسي" في نظامٍ كافر لا يعترف بالإسلام حكماً ولا عقيدةً ولا شريعةً.

نذكر جميعاً الفرح العارم الذي اجتاح مشاعر كثيرين عند فوز أوباما في 2008. فهو ابن كينيا، وله أب مسلم! وهنا توهم البعض أن الإسلام والمسلمين باتوا قريبين من النفوذ الأمريكي، لكن أوباما كان أحد أكثر الرؤساء إيذاءً للمسلمين فقد دمر ليبيا، وساهم في مأساة سوريا، وأشعل أفغانستان والعراق بطائراته وجنوده، بل كان سفاك الدماء في اليمن عبر أدواته وكان عهده استمراراً لعداء ممنهج ضد الأمة.

واليوم يتكرر المشهد، لكن بأسماء جديدة. فـزوهران ممداني يُحتفى به لأنه مسلم ومهاجر وشاب، وكأنه المنقذ! لكن قليلين فقط ينظرون إلى مواقفه السياسية والفكرية. هذا الرجل من الداعمين الأشداء للشواذ المثليين، ومشارك في فعالياتهم، ويعتبر انحرافهم حقوقاً إنسانية!

أي خزي هذا يُعلق عليه الناس آمالاً؟! ألم يكن تكراراً للخيبة السياسية والفكرية نفسها التي وقعت فيها الأمة مراراً وتكراراً؟! نعم لأنها تُفتن بالشكل لا بالجوهر! تُخدع بالابتسامات، وتتعامل بالعاطفة لا بالعقيدة، وبالأسماء لا بالمفاهيم، وبالرموز لا بالمبادئ!

إن هذا الانبهار بالأشكال والأسماء نتيجة غياب الوعي السياسي الشرعي، لأن الإسلام لا يقاس بالأصل أو الاسم أو العرق، بل بالالتزام بمبدأ الإسلام كاملاً؛ نظاماً وعقيدةً وشريعةً. ولا قيمة لمسلم لا يحكم بالإسلام ولا ينصره، بل يخضع للنظام الرأسمالي الكافر، ويبرر الكفر والانحرافات باسم "الحرية".

وليعلم جميع المسلمين الذين فرحوا بفوزه وظنّوا أنه بذرة خير أو بداية نهوض، أن النهوض لا يكون من داخل أنظمة الكفر، ولا بأدواتها، ولا عبر صناديق اقتراعها، ولا تحت سقف دساتيرها.

فمن يُقدّم نفسه عبر النظام الديمقراطي، ويقسم على احترام قوانينه، ثم يدافع عن الشذوذ الجنسي ويحتفل به، ويدعو إلى ما يغضب الله، فهو ليس نصيراً للإسلام ولا أملاً للأمة، بل هو أداة تلميع وتمييع، وتمثيل مزيّف لا يُقدّم ولا يؤخر.

إن ما تسمى النجاحات السياسية في الغرب لبعض الشخصيات ذات الأسماء الإسلامية، ما هي إلا فُتات يُقدَّم كمسكنات للأمة، ليقال لها: انظروا، التغيير ممكن عبر أنظمتنا.

 فما حقيقة هذا "التمثيل"؟

الغرب لا يفتح أبواب الحكم للإسلام، بل يفتحها فقط لمن يتماهى مع قيمه وأفكاره. وأي شخص يدخل نظامهم لا بد أن يقبل بدستورهم، وبقوانينهم الوضعية، وأن يتنكر لحكم الإسلام، فإن رضي بذلك، أصبح نموذجاً مقبولاً، أما المسلم الحق، فهو مرفوض عندهم من جذوره.

فمن هو زهران ممداني؟ ولماذا يُصنع هذا الوهم؟

هو شخص يحمل اسماً مسلماً لكنه متبنٍ لأجندة منحرفة مخالفة تماماً لفطرة الإسلام، من دعم المثليين، والترويج لما يُسمى بـ"حقوقهم"، وهو نموذج حي لكيف يصنع الغرب نماذجه: مسلم بالاسم، علماني بالفعل، خادم لأجندة الليبرالية الغربية لا أكثر. بل لإشغال الأمة عن طريقها الحقيقي، فبدل أن تطالب بدولة الإسلام والخلافة، تنشغل بالمقاعد النيابية والمناصب في أنظمة كفر! وبدل أن تتوجه لتحرير فلسطين، تنتظر مَن "يدافع عن غزة" من داخل الكونغرس الأمريكي أو البرلمان الأوروبي!

فحقيقة الأمر أن هذا تشويه لطريق التغيير الحقيقي، وهو إقامة الخلافة الراشدة على منهاج النبوة، التي تُعلي راية الإسلام، وتقيم شرع الله، وتوحد الأمة خلف خليفة واحد يُقاتل من ورائه ويُتقى به.

فلا تنخدعوا بالأسماء، ولا تفرحوا بمن ينتمي لكم شكلاً ويخالفكم مضموناً، فليس كل من حمل اسم سعيد أو علي أو زهران هو على طريق نبينا محمد ﷺ.

واعلموا أن التغيير لا يأتي من داخل برلمانات الكفر، بل من جيوش الأمة التي آن لها أن تتحرك، ومن شبابها الواعين الذين يعملون ليلا ونهارا لقلب الطاولة على رؤوس الغرب وأعوانه وأتباعه الخائنين في بلاد الإسلام والمسلمين.

فالمسلمون لن ينهضوا عبر انتخابات الديمقراطية ولا من خلال صناديق الغرب، بل بنهضة حقيقية على أساس العقيدة الإسلامية، بإقامة دولة الخلافة الراشدة التي تُعيد للإسلام مكانته، وللمسلمين عزّتهم، وتحطم أوهام الديمقراطية.

لا تنخدعوا بالأسماء، ولا تعلقوا آمالكم على أفراد في أنظمة كفر، بل ارجعوا إلى مشروعكم العظيم: استئناف الحياة الإسلامية، فهذا وحده طريق العزة والنصر والتمكين.

فالمشهد تكرار مُهين لمآسٍ قديمة: رموز مزيفة، وولاء للأنظمة الغربية، وانحراف عن طريق الإسلام. وكل من يُصفّق لهذا المسار، إنما يضلل الأمة. فعودوا إلى مشروع الخلافة، ولا تجعلوا أعداء الإسلام يصنعون لكم قادتكم وممثليكم. فالعزة ليست في مقاعد الديمقراطية، بل في سدة الخلافة التي يعمل لها حزب التحرير ويُحذر الأمة من هذا الانحدار الفكري والسياسي. فلا خلاص لنا إلا بدولة الخلافة، التي لا تسمح بأن يحكم المسلمين من يدين بدين غير الإسلام، ولا بمن يبرر الشذوذ والانحراف، ولا بمن يُشرّع للناس غير ما أنزل الله.

كتبه لإذاعة المكتب الإعلامي المركزي لحزب التحرير

عبد المحمود العامري – ولاية اليمن

مصر بين الشعارات الحكومية والواقع المرّ  الحقيقة الكاملة عن الفقر، والسياسات الرأسمالية

مصر بين الشعارات الحكومية والواقع المرّ

الحقيقة الكاملة عن الفقر، والسياسات الرأسمالية

نقلت بوابة الأهرام الثلاثاء 4 تشرين الثاني/نوفمبر 2025م، أن رئيس الوزراء المصري، في كلمة ألقاها نيابةً عن الرئيس في القمة العالمية الثانية للتنمية الاجتماعية في العاصمة القطرية الدوحة، قال إنّ مصر تطبّق نهجاً شاملاً للقضاء على الفقر في جميع أشكاله وأبعاده، بما في ذلك "الفقر متعدد الأبعاد".

منذ سنوات، لا يكاد يخلو خطاب رسمي في مصر من عباراتٍ مثل "نهج شامل للقضاء على الفقر" و"الانطلاقة الحقيقية للاقتصاد المصري". يكرّر المسؤولون هذه الشعارات في المؤتمرات والمناسبات، مصحوبة بصور براقة لمشروعات استثمارية وفنادق ومنتجعات. لكن الواقع، كما تشهد عليه التقارير الدولية، مختلف تماماً. فالفقر في مصر ما زال ظاهرةً راسخة، بل متفاقمة، رغم الوعود الحكومية المتكرّرة بالتحسن والنهضة.

بحسب تقارير اليونيسف والإسكوا وبرنامج الغذاء العالمي لعامي 2024 و2025، يعيش نحو واحد من كل خمسة مصريين في فقرٍ متعدد الأبعاد، أي محروم من أكثر من جانب من جوانب الحياة الأساسية كالتعليم والصحة والسكن والعمل والخدمات. كما تؤكد البيانات أن أكثر من 49% من الأسر تعاني من صعوبات في الحصول على غذاء كافٍ، وهو رقم صادم يعكس عمق الأزمة المعيشية.

أما الفقر المالي، أي انخفاض الدخل مقارنة بتكاليف المعيشة، فقد ارتفع بصورة حادة، نتيجة موجات التضخم المتلاحقة التي أكلت أجور الناس وجهودهم ومدخراتهم، حتى أصبحت نسبة كبيرة من المصريين تحت خط الفقر المالي رغم عملهم الدائم.

وبينما تتحدث الحكومة عن مبادرات مثل "تكافل وكرامة" و"حياة كريمة"، تكشف الأرقام الدولية أن هذه البرامج لم تغيّر بنية الفقر جذرياً، بل اقتصرت على مسكّنات مؤقتة أشبه بالقطرة التي تُسكب في صحراء. فما زال الريف المصري الذي يقطنه أكثر من نصف السكان، يعاني من ضعف الخدمات وانعدام فرص العمل اللائق وتهالك البنية الأساسية. ويؤكد تقرير الإسكوا أن الحرمان في الريف يفوق نظيره في المدن بعدة أضعاف، ما يدل على سوء توزيع الثروة والإهمال المزمن للأطراف.

حين يشكر رئيسُ الوزراء ابنَ البلد "الذي تحمّل مع الحكومة إجراءات الإصلاح الاقتصادي"، فإنه في الواقع يُقرّ بوجود معاناة حقيقية ناتجة عن تلك السياسات. غير أن هذا الاعتراف لا يتبعه تغيير في المنهج، بل مزيد من السير في الطريق الرأسمالي نفسه الذي سبّب الأزمة.

فالإصلاح المزعوم الذي بدأ عام 2016 ببرنامج "التعويم" ورفع الدعم وزيادة الضرائب، لم يكن إصلاحاً بل تحميلاً للفقراء كلفة الديون والعجز. وفي الوقت الذي يتحدث فيه المسؤولون عن "الانطلاقة"، تتجه الاستثمارات الضخمة إلى العقارات الفاخرة والمشروعات السياحية التي تخدم أصحاب رؤوس الأموال، بينما لا يجد ملايين الشباب فرصاً للعمل أو السكن. بل إن كثيراً من هذه المشاريع، كمنطقة علم الروم في مطروح التي تُقدّر استثماراتها بـ29 مليار دولار، هي شراكات رأسمالية أجنبية تستحوذ على الأراضي والثروات وتحوّلها إلى مصدر ربح للمستثمرين، لا مصدر رزق للناس.

النظام يفشل ليس لأنه فاسد فحسب، بل لأنه يسير على أساسٍ فكريٍّ باطلٍ هو النظام الرأسمالي، الذي يجعل المال محوراً لكل سياسات الدولة. فالرأسمالية تقوم على حرية التملك المطلقة، وتسمح بتكديس الثروة في يد القلة التي تملك أدوات الإنتاج، فيما تتحمل الكثرة عبء الضرائب والأسعار والدَّين العام.

ولهذا، فإن كل ما يُسمى "برامج حماية اجتماعية" ما هو إلا محاولة لتجميل وجه الرأسمالية الوحشي، وإطالة عمر نظامٍ جائرٍ يراعي الأغنياء ويجبي من الفقراء. فبدلاً من معالجة أصل الداء؛ أي احتكار الثروة وتبعية الاقتصاد للمؤسسات الدولية، يُكتفى بتوزيع فتات من الإعانات النقدية، لا ترفع فقراً ولا تحفظ كرامة.

إن الرعاية ليست منّةً من الحاكم على الرعية، بل واجب شرعي، ومسؤولية يحاسبه الله عليها في الدنيا والآخرة. وما يجري اليوم، هو إهمال متعمّد لشؤون الناس، وتخلٍّ عن واجب الرعاية لصالح قروضٍ مشروطة من صندوق النقد والبنك الدوليين.

لقد أصبحت الدولة وسيطاً بين الفقير والدائن الأجنبي، تفرض الضرائب وتقلّص الدعم وتبيع الممتلكات العامة لسدّ عجزٍ متضخم صنعه النظام الرأسمالي نفسه. وفي هذا كله تغيب المفاهيم الشرعية التي تضبط الاقتصاد، كتحريم الربا، ومنع تملك الثروات العامة للأفراد، ووجوب النفقة على الرعية من بيت مال المسلمين.

لقد قدم الإسلام نظاماً اقتصادياً متكاملاً يعالج الفقر من جذوره، لا بمجرد دعمٍ نقدي أو مشروعات تجميلية. هذا النظام يقوم على أسسٍ شرعيةٍ ثابتة أبرزها:

1- تحريم الربا والديون الربوية التي تُكبّل الدولة وتستنزف مواردها، فبزوال الربا تزول تبعية الاقتصاد للمؤسسات الدولية، وتُعاد السيادة المالية للأمة.

2- جعل الملكيات ثلاثة أنواع:

ملكية فردية: كالبيوت والمتاجر والمزارع الخاصة...

ملكية عامة: تشمل الثروات الكبرى كالنفط والغاز والمعادن والمياه...

ملكية دولة: كأراضي الفيء والركاز والخراج...

وبهذا التوزيع تتحقق العدالة، إذ تُمنع فئة قليلة من احتكار موارد الأمة.

3- ضمان الكفاية لكل فرد من الرعية: فالدولة تضمن لكل إنسان في رعايتها حاجاته الأساسية من مأكل وملبس ومسكن، فإن عجز عن العمل وجب على بيت المال أن ينفق عليه.

4- الزكاة والإنفاق الإلزامي: الزكاة ليست إحساناً بل فريضة، تجمعها الدولة وتصرفها في مصارفها الشرعية للفقراء والمساكين والغارمين. وهي أداة توزيع فعّالة تعيد الأموال إلى دورة الحياة في المجتمع.

مع التحفيز على العمل المنتج ومنع الاستغلال، والحثّ على استثمار الموارد في مشاريع نافعة حقيقية كالصناعات الثقيلة والحربية لا في المضاربات والعقارات الفاخرة والمشاريع الوهمية. إلى جانب ضبط الأسعار بالعرض والطلب الحقيقيين لا بالاحتكار ولا بالتعويم.

إن دولة الخلافة على منهاج النبوة هي وحدها القادرة على تطبيق هذه الأحكام عملياً، لأنها تُبنى على أساس العقيدة الإسلامية، ويكون هدفها رعاية شؤون الناس لا جباية أموالهم. ففي ظل الخلافة، لا يوجد ربا ولا قروض مشروطة، ولا بيع للثروات العامة للأجانب، بل تُدار الموارد بما يحقق مصلحة الأمة، ويتولى بيت المال تمويل الرعاية الصحية والتعليم والمرافق العامة من موارد الدولة والخراج والأنفال والملكية العامة.

أما الفقراء، فتُكفل حاجاتهم الأساسية فرداً فرداً، لا عبر صدقات مؤقتة بل كحقٍّ شرعي مضمون. ولذا فإن محاربة الفقر في الإسلام ليست شعاراً سياسياً، بل نظام حياة متكامل يُقيم العدل ويمنع الظلم ويعيد الثروة إلى أهلها.

ما بين الخطاب الرسمي والواقع المعاش مسافةٌ هائلة لا تخفى على أحد. فبينما تتغنّى الحكومة بمشروعاتها "العملاقة" وبـ"الانطلاقة الحقيقية"، يعيش ملايين المصريين تحت خط الفقر، يعانون الغلاء والبطالة وانعدام الأمل. والحقيقة أن هذه المعاناة لن تزول ما دامت مصر تسير في طريق الرأسمالية، تُسلِّم اقتصادها للمرابين وتخضع لسياسات المؤسسات الدولية.

إن أزمات ومشكلات مصر هي مشكلات إنسانية وليست مادية، وتتعلق بها أحكام شرعية تبين كيفية التعامل معها وعلاجها على أساس الإسلام، وإن الحلول أسهل من غض الطرف لكنها تحتاج إدارة مخلصة تملك إرادة حرة تريد السير في الطريق الصحيح وتريد الخير لمصر وأهلها حقا، وحينها على هذه الإدارة أن تراجع كل العقود التي أبرمت سابقا والتي تبرم مع كل الشركات التي تحتكر أصول البلاد وما هو من ملكياتها العام وعلى رأسها شركات التنقيب عن الغاز والنفط والذهب وباقي المعادن والثروات، وتطرد كل تلك الشركات لأنها في الأصل شركات استعمارية ناهبة لثروات البلاد، ثم تصوغ عهدا جديدا يقوم على تمكين الناس من ثروات البلاد وإنشاء أو استئجار شركات تقوم هي على إنتاج الثروة من منابع النفط والغاز والذهب وغيرها من المعادن وتعيد توزيع هذه الثروات على الناس من جديد، حينها سيتمكن الناس من زراعة الأرض الموات التي ستمكنهم الدولة من استغلالها بحقهم فيها، وسيتمكنون أيضا من صناعة ما يجب أن يصنع ليرتفع باقتصاد مصر ويكفي أهلها، وستدعمهم الدولة في هذا السبيل، وإن كل هذا ليس ضربا من الخيال ولا مستحيل الحدوث ولا مشروعا نعرضه للتجربة قد ينجح أو يفشل، وإنما هي أحكام شرعية لازمة ملزمة للدولة والرعية، فلا يجوز للدولة أن تفرط في ثروات البلاد التي هي ملك للناس بدعوى عقود أقرتها وأيدتها وتحميها قوانين دولية جائرة، ولا يجوز لها أن تمنع الناس منها بل يجب أن تقطع كل يد تمتد ناهبة إلى ثروات الناس، هذا ما يقدمه الإسلام ويجب تنفيذه، إلا أنه لا يطبق بمعزل عن باقي أنظمة الإسلام بل إنه لا يطبق إلا من خلال دولة الخلافة الراشدة على منهاج النبوة، هذه الدولة التي يحمل همها والدعوة إليها حزب التحرير ويدعو مصر وأهلها شعبا وجيشا إلى العمل معه من أجلها، عسى الله أن يكتب الفتح من عنده فنراها واقعا يعز الإسلام وأهله، اللهم عاجلا غير آجل.

﴿وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرَىٰ آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَفَتَحْنَا عَلَيْهِم بَرَكَاتٍ مِّنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ﴾

كتبه للمكتب الإعلامي المركزي لحزب التحرير

سعيد فضل

عضو المكتب الإعلامي لحزب التحرير في ولاية مصر