بعثة الأمم المتحدة السياسية المتكاملة وبناء السلام في السودان  حتى لا نقع فريسة للتضليل
May 16, 2020

بعثة الأمم المتحدة السياسية المتكاملة وبناء السلام في السودان حتى لا نقع فريسة للتضليل

بعثة الأمم المتحدة السياسية المتكاملة وبناء السلام في السودان

حتى لا نقع فريسة للتضليل

بتاريخ 2020/01/27م أرسل رئيس وزراء السودان عبد الله حمدوك، خطاباً إلى الأمين العام للأمم المتحدة، يطلب إنشاء بعثة سياسية تحت الفصل السادس لميثاق الأمم المتحدة، تكون لها الولاية على كامل أراضي السودان بتفويض من مجلس الأمن، وقد ورد في خطابه: (يطلب السودان من الأمم المتحدة أن تسعى إلى الحصول على ولاية من مجلس الأمن لإنشاء عملية لدعم السلام بموجب الفصل السادس في أقرب وقت ممكن في شكل بعثة سياسية خاصة تضم عنصرا قويا لبناء السلام وينبغي أن تشمل ولاية البعثة المرتقبة كامل أراضي السودان). أما صلاحيات هذه البعثة فهي على النحو الآتي: (المساعدة في تعبئة المساعدات الاقتصادية الدولية للسودان، وتيسير المساعدة الإنسانية الفعالة في جميع أنحاء السودان، وتقديم الدعم التقني في وضع الدستور والإصلاح القانوني والقضائي، وإصلاح الخدمة المدنية، وقطاع الأمن، ودعم إعادة المشردين داخليا واللاجئين إلى أوطانهم، وإعادة إدماجهم، وتحقيق المصالحة بين المجتمعات المحلية، وتحقيق مكاسب السلام، والعدالة الانتقالية، وحماية المدنيين، وبناء قدرات قوة الشرطة الوطنية بطرق منها نشر مستشارين من شرطة الأمم المتحدة والاتحاد الأفريقي). (صحيفة القدس العربي 2020/02/09م). وبالرغم من أن خطاب حمدوك هذا قد ضربت حوله سياجات من السرية إلا أنه تسرب إلى وسائل الإعلام بالتاريخ أعلاه، فأثار لغطاً كثيفاً وجدلاً عارماً في الساحة السياسية وفي وسائل الإعلام، ولما كان هذا المضمار؛ العمل السياسي مظنة الخطأ والزلل فيه كبيرة ومظنة الوقوع فريسة للتضليل أيضا كبيرة إلا لمن ينطلق من قاعدة فكرية قطعية الأساس توفر لصاحبها الحقائق العاصمة من التضليل ليرى الواقع بمنظار الوعي السياسي، لذلك فإنني أحاكم الموضوع من خلال الحقائق الآتية:

أولاً: خطاب حمدوك إنما هو نقل لصلاحيات الحكومة الانتقالية؛ مجلس السيادة ومجلس الوزراء، نقلها إلى البعثة السياسية بتفويض من مجلس الأمن؛ فمثلاً من صلاحيات البعثة، حماية المدنيين، وبناء قوات الشرطة وإصلاح القضاء والخدمة المدنية وقطاع الأمن وحتى القوانين، والإشراف على وضع الدستور، وتحقيق العدالة الانتقالية، ولا شك أن هذه الصلاحيات هي عمل الحكومة الذي أدت القسم من أجل القيام به. أضف إلى ذلك أن تداخل هذه الملفات بين صلاحيات الجهاز التنفيذي وصلاحيات مجلس السيادة سيجعل من مجلس الأمن الدولي حكماً في النزاع بين المدنيين والعسكر وساحة للصراع بينهما.

ثانياً: ما هي حقيقة الأمم المتحدة ومجلس أمنها اللذين يسعى حمدوك للاحتكام إليهما؟ ولتسليمهما أمر البلاد والعباد؟ نشأت الأمم المتحدة عقب الحرب العالمية الثانية في 24 تشرين الأول/أكتوبر 1945م بتوقيع 51 دولة مؤسسة على ميثاق المنظمة، غير أن المنظمة كانت فعلياً تمثل مصالح أمريكا بالدرجة الأولى والأربعة الكبار الآخرين بنسب متفاوتة، حيث يمتلك الخمسة الكبار؛ أمريكا وبريطانيا وفرنسا وروسيا والصين حق الفيتو؛ أي لا يمرر أي مشروع قرار عبر مجلس الأمن بموافقة؛ إلا بعد أن يضمن مصالح هؤلاء الخمسة؛ لذلك فهي من أدوات الدول الاستعمارية الكبرى خاصة أمريكا وبريطانيا وفرنسا، والاستعمار ليس مجرد حقبة تاريخية كما يتصور البسطاء، بل هو طريقة من جنس فكرة مبدئية؛ هي المبدأ الرأسمالي الذي تعتنقه هذه الدول وبضبط أفعالها وتصرفاتها في حلبة الصراع الدولي، فالاستعمار هو فرض الهيمنة العسكرية أو السياسية أو الاقتصادية أو الثقافية أو الفكرية على الشعوب المستضعفة لاستغلالها؛ لذلك فإن الأمم المتحدة قولا واحداً هي منظمة استعمارية، فهل يعقل أن يستأمن الراعي الذئب على الغنم يرجو فلاحها وصلاحها؟!!!

ثالثاً: إن أهل السودان مسلمون، والمسلمون يحرم عليهم الاحتكام إلى غير الوحي؛ الكتاب والسنة وما أرشدا اليه، لذلك يحرم عليهم الاحتكام إلى الأمم المتحدة، وأن يجعلوا لها سبيلاً عليهم بوصفها منظمة كفر، تقوم على غير أساس الإسلام أي طاغوتاً. يقول الحق تبارك وتعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يَزْعُمُونَ أَنَّهُمْ آمَنُوا بِمَا أُنْـزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنْـزِلَ مِنْ قَبْلِكَ يُرِيدُونَ أَنْ يَتَحَاكَمُوا إِلَى الطَّاغُوتِ وَقَدْ أُمِرُوا أَنْ يَكْفُرُوا بِهِ وَيُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَنْ يُضِلَّهُمْ ضَلالا بَعِيداً﴾ ولخطورة الأمر فإن الله سبحانه وتعالى نفى الإيمان عن من يحتكم إلى غير منهجه فقال جل من قائل: ﴿فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّىٰ يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لَا يَجِدُواْ فِي أَنفُسِهِمْ حَرَجاً مِّمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُواْ تَسْلِيماً﴾ ويقول سبحانه: ﴿وَلَن يَجْعَلَ اللَّهُ لِلْكَافِرِينَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ سَبِيلاً﴾، فكيف لمسلم بعد ذلك أن يضبط بوصلته على الأمم المتحدة وبعثتها يرجو منهما صلاح البلاد والعباد؟!

رابعاً: إن ميثاق الأمم المتحدة عبارة عن نصوص تشريعية عامة فضفاضة تتخفى في داخلها مطامع الدول الاستعمارية كلٌّ يفسرها بما يحقق مصلحته، فإن توافقوا انقضّوا على الفريسة فتركوها أثراً بعد عين، فالذين يتحدثون عن أن السودان كان تحت الفصل السابع؛ بعثة اليوناميد ويريد حمدوك نقله إلى الفصل السادس الخالي من استخدام القوة العسكرية بهذه البعثة؛ نقول لهم لماذا إذاً طلب حمدوك حماية المدنيين؟ وكيف ستحمي البعثة المدنيين من غير تفويض باستخدام القوة العسكرية؛ الفصل السابع؟ ومن ألاعيب المستعمرين في استخدام ميثاق الأمم المتحدة ما قاله سكرتيرها السابق داغ هيمرشيلد عندما سئل تحت أي فصل في الميثاق أنشأ بعثة الأمم المتحدة في الكونغو؟ فأجاب: أنشأتها تحت الفصل السادس والنصف، ويبدو أن هذا الخبث هو الذي ساقه إلى حتفه بتفجير طائرته في سماء الكونغو عام 1961م.

خامساً: بتعليمات من السفارة البريطانية، ملأ حمدوك بخطابه إلى الأمين العام للأمم المتحدة الطلب، وعندما تسرب الخطاب من مكتب حمدوك، انزعج سفير بريطانيا الخبيثة بالخرطوم، نقل موقع تاق برس قول السفير البريطاني: (تسريب مسودة مشروع القرار في هذا الوقت عمل غير مسؤول للغاية، ما يجعل إجازة مشروع القرار في مجلس الأمن أمراً صعباً، كما تابعتم فإن تسريب مسودة مشروع القرار ونشرها في عناوين صحف الخرطوم، أدى إلى حملة انتقادات عنيفة على الحكومة السودانية، أود أن أكون واضحاً، إنها مسودة مشروع قرار أولية تعكس أفكاراً أولية لبريطانيا وألمانيا، ولم نطلع الحكومة السودانية عليها بعد، وليس للحكومة السودانية أي إسهام فيها، ولا يمكن الادعاء بأنها تعكس وجهة نظر الحكومة السودانية، أو تحظى بدعمها)! على خلفية التسريب اجتمعت أطراف الحكم في السودان؛ حكومة حمدوك ومجلس السيادة وقوى الحرية والتغيير، وتوافقوا على صيغة أكثر تحديداً للمطلوب من البعثة السياسية، ورفع خطاب جديد بتاريخ 2020/02/27م، وبدلاً من أن يحل الخطاب الثاني محل الأول السابق أبقي على الخطابين، لتتقدم عرابة خطة البعثة السياسية؛ بريطانيا الخبيثة تسوق معها ألمانيا لحشد الدعم الأوروبي، تتقدم بمشروع القرار إلى مجلس الأمن بصياغة خبيثة ليصدر قرار المجلس بالصياغة الآتية:

"وإذ يحيط علما برسالتين من حكومة السودان موجهتين إلى الأمين العام للأمم المتحدة بتاريخ 27 كانون الثاني/يناير 2020م و27 شباط/فبراير 2020م، يقرر مجلس الأمن:

"يقرر إنشاء بعثة سياسية لدعم السلام وبناء السلام تعرف باسم بعثة الأمم المتحدة السياسية المتكاملة وبناء السلام في السودان ابتداء من 1 أيار/مايو 2020م ولمدة أولية مدتها 12 شهراً".

يقرر "أي مجلس الأمن" كذلك أن يكون لدى البعثة الأهداف الاستراتيجية التالية:

1/ الانتقال السياسي والحكم الديمقراطي والسلام المستدام

أ. دعم ومساعدة الجهود الوطنية السودانية لتنفيذ الإعلان الدستوري، بما في ذلك الرصد المنتظم والإبلاغ عن التقدم المحرز في تنفيذه؛

ب. تقديم الدعم الفني لعملية صياغة الدستور، والتحضير للانتخابات، والإصلاح القانوني والقضائي وإصلاح قطاع الأمن.

2/ عملية السلام وتنفيذ اتفاقات السلام المقبلة

إلى جانب بذل المساعي الحميدة ودعم مفاوضات السلام السودانية؛ تقديم دعم قابل للتوسع، في حالة طلب أطراف المفاوضات، لتنفيذ أي اتفاقات سلام مستقبلية، بما في ذلك دعم المساءلة والعدالة الانتقالية وكذلك مراقبة وقف إطلاق النار المحتمل والتحقق منه ونزع السلاح والتسريح وإعادة الإدماج. مع التركيز بشكل خاص على النيل الأزرق وجنوب كردفان (المنطقتين) ودارفور

3/ بناء السلام وحماية المدنيين وتعزيز حقوق الإنسان وسيادة القانون"...

سادساً: سوف تكون ساحة مجلس الأمن الدولي، هي حلبة الصراع بين الدول الاستعمارية؛ بريطانيا ومعها الدول الأوروبية من كفة، وأمريكا من الكفة الأخرى، حول تشكيل البعثة؛ من يكون على رأسها وما هي تفاصيلها، وإن كانت بريطانيا هي صاحبة الكلمة الأولى، إلا أن أمريكا سريعا ما تحركت، باتصال وزير خارجيتها مايك بومبيو بالبرهان، حيث بحث معه من ضمن قضايا أخرى مشروع قرار مجلس الأمن، بحسب موقع باج نيوز الإخباري بتاريخ 2020/04/27م، وقد دفعت أمريكا بأهم أدواتها الإقليمية؛ الاتحاد الأفريقي. أورد موقع صحيفة القدس العربي يوم 2020/04/29 الخبر الآتي: (قال مبعوث الاتحاد الأفريقي لدى السودان، السفير محمد بلعيش، إن الاتحاد مستعد لدعم طلب رئيس الوزراء السوداني عبد الله حمدوك إنشاء بعثة سياسية أممية في بلاده، جاء ذلك حسبما نقله وزير الدولة بالخارجية السودانية عمر قمر الدين، عن بلعيش، في تصريحات متلفزة أدلى بها عقب لقاء جمعهما). إلا أنه على ما يبدو فإن الإنجليز يسبقون الأمريكان بخطوات في سبيل التحضير لهذه البعثة؛ لأن تعيين السفير بلعيش مبعوثاً إلى السودان تم قبل حوالي شهر فقط، علماً بأن الرجل هو أحد مهندسي اتفاق الصخيرات المتعلق بليبيا وكان يشرف على تنفيذه بوصفه سفير المغرب في ليبيا إلى تاريخ تعيينه مبعوثاً إلى السودان بتاريخ الخميس 2020/03/26م بحسب موقع الراكوبة.

سيظل السودان خلال الفترة الانتقالية هذه، ساحة للصراع السياسي بين قطبي الاستعمار الدولي؛ بريطانيا وأوروبا من جهة، وأمريكا من الجهة الأخرى، وستظل قضايا السودان في أي محفل مادة لهذا الصراع الدولي، إلى أن يأذن الله بفجر الخلاص، حيث تقتلع جذور الكافر المستعمر من بلادنا، وتتحرر أمتنا بمبدأ الإسلام العظيم تطبقه دولة الخلافة الراشدة الثانية على منهاج النبوة التي أظل زمانها: ﴿إِنَّ مَوْعِدَهُمُ الصُّبْحُ أَلَيْسَ الصُّبْحُ بِقَرِيبٍ.

كتبه للمكتب الإعلامي المركزي لحزب التحرير

المبارك عبد الله – ولاية السودان

المزيد من القسم null

لا تنخدعوا بالأسماء فالعبرة بالمواقف لا بالأنساب

لا تنخدعوا بالأسماء فالعبرة بالمواقف لا بالأنساب

في كل مرة يُقدَّم لنا "رمز جديد" له جذور مسلمة أو ملامح شرقية، يهلل كثير من المسلمين، وتُبنى الآمال على وهمٍ اسمه "التمثيل السياسي" في نظامٍ كافر لا يعترف بالإسلام حكماً ولا عقيدةً ولا شريعةً.

نذكر جميعاً الفرح العارم الذي اجتاح مشاعر كثيرين عند فوز أوباما في 2008. فهو ابن كينيا، وله أب مسلم! وهنا توهم البعض أن الإسلام والمسلمين باتوا قريبين من النفوذ الأمريكي، لكن أوباما كان أحد أكثر الرؤساء إيذاءً للمسلمين فقد دمر ليبيا، وساهم في مأساة سوريا، وأشعل أفغانستان والعراق بطائراته وجنوده، بل كان سفاك الدماء في اليمن عبر أدواته وكان عهده استمراراً لعداء ممنهج ضد الأمة.

واليوم يتكرر المشهد، لكن بأسماء جديدة. فـزوهران ممداني يُحتفى به لأنه مسلم ومهاجر وشاب، وكأنه المنقذ! لكن قليلين فقط ينظرون إلى مواقفه السياسية والفكرية. هذا الرجل من الداعمين الأشداء للشواذ المثليين، ومشارك في فعالياتهم، ويعتبر انحرافهم حقوقاً إنسانية!

أي خزي هذا يُعلق عليه الناس آمالاً؟! ألم يكن تكراراً للخيبة السياسية والفكرية نفسها التي وقعت فيها الأمة مراراً وتكراراً؟! نعم لأنها تُفتن بالشكل لا بالجوهر! تُخدع بالابتسامات، وتتعامل بالعاطفة لا بالعقيدة، وبالأسماء لا بالمفاهيم، وبالرموز لا بالمبادئ!

إن هذا الانبهار بالأشكال والأسماء نتيجة غياب الوعي السياسي الشرعي، لأن الإسلام لا يقاس بالأصل أو الاسم أو العرق، بل بالالتزام بمبدأ الإسلام كاملاً؛ نظاماً وعقيدةً وشريعةً. ولا قيمة لمسلم لا يحكم بالإسلام ولا ينصره، بل يخضع للنظام الرأسمالي الكافر، ويبرر الكفر والانحرافات باسم "الحرية".

وليعلم جميع المسلمين الذين فرحوا بفوزه وظنّوا أنه بذرة خير أو بداية نهوض، أن النهوض لا يكون من داخل أنظمة الكفر، ولا بأدواتها، ولا عبر صناديق اقتراعها، ولا تحت سقف دساتيرها.

فمن يُقدّم نفسه عبر النظام الديمقراطي، ويقسم على احترام قوانينه، ثم يدافع عن الشذوذ الجنسي ويحتفل به، ويدعو إلى ما يغضب الله، فهو ليس نصيراً للإسلام ولا أملاً للأمة، بل هو أداة تلميع وتمييع، وتمثيل مزيّف لا يُقدّم ولا يؤخر.

إن ما تسمى النجاحات السياسية في الغرب لبعض الشخصيات ذات الأسماء الإسلامية، ما هي إلا فُتات يُقدَّم كمسكنات للأمة، ليقال لها: انظروا، التغيير ممكن عبر أنظمتنا.

 فما حقيقة هذا "التمثيل"؟

الغرب لا يفتح أبواب الحكم للإسلام، بل يفتحها فقط لمن يتماهى مع قيمه وأفكاره. وأي شخص يدخل نظامهم لا بد أن يقبل بدستورهم، وبقوانينهم الوضعية، وأن يتنكر لحكم الإسلام، فإن رضي بذلك، أصبح نموذجاً مقبولاً، أما المسلم الحق، فهو مرفوض عندهم من جذوره.

فمن هو زهران ممداني؟ ولماذا يُصنع هذا الوهم؟

هو شخص يحمل اسماً مسلماً لكنه متبنٍ لأجندة منحرفة مخالفة تماماً لفطرة الإسلام، من دعم المثليين، والترويج لما يُسمى بـ"حقوقهم"، وهو نموذج حي لكيف يصنع الغرب نماذجه: مسلم بالاسم، علماني بالفعل، خادم لأجندة الليبرالية الغربية لا أكثر. بل لإشغال الأمة عن طريقها الحقيقي، فبدل أن تطالب بدولة الإسلام والخلافة، تنشغل بالمقاعد النيابية والمناصب في أنظمة كفر! وبدل أن تتوجه لتحرير فلسطين، تنتظر مَن "يدافع عن غزة" من داخل الكونغرس الأمريكي أو البرلمان الأوروبي!

فحقيقة الأمر أن هذا تشويه لطريق التغيير الحقيقي، وهو إقامة الخلافة الراشدة على منهاج النبوة، التي تُعلي راية الإسلام، وتقيم شرع الله، وتوحد الأمة خلف خليفة واحد يُقاتل من ورائه ويُتقى به.

فلا تنخدعوا بالأسماء، ولا تفرحوا بمن ينتمي لكم شكلاً ويخالفكم مضموناً، فليس كل من حمل اسم سعيد أو علي أو زهران هو على طريق نبينا محمد ﷺ.

واعلموا أن التغيير لا يأتي من داخل برلمانات الكفر، بل من جيوش الأمة التي آن لها أن تتحرك، ومن شبابها الواعين الذين يعملون ليلا ونهارا لقلب الطاولة على رؤوس الغرب وأعوانه وأتباعه الخائنين في بلاد الإسلام والمسلمين.

فالمسلمون لن ينهضوا عبر انتخابات الديمقراطية ولا من خلال صناديق الغرب، بل بنهضة حقيقية على أساس العقيدة الإسلامية، بإقامة دولة الخلافة الراشدة التي تُعيد للإسلام مكانته، وللمسلمين عزّتهم، وتحطم أوهام الديمقراطية.

لا تنخدعوا بالأسماء، ولا تعلقوا آمالكم على أفراد في أنظمة كفر، بل ارجعوا إلى مشروعكم العظيم: استئناف الحياة الإسلامية، فهذا وحده طريق العزة والنصر والتمكين.

فالمشهد تكرار مُهين لمآسٍ قديمة: رموز مزيفة، وولاء للأنظمة الغربية، وانحراف عن طريق الإسلام. وكل من يُصفّق لهذا المسار، إنما يضلل الأمة. فعودوا إلى مشروع الخلافة، ولا تجعلوا أعداء الإسلام يصنعون لكم قادتكم وممثليكم. فالعزة ليست في مقاعد الديمقراطية، بل في سدة الخلافة التي يعمل لها حزب التحرير ويُحذر الأمة من هذا الانحدار الفكري والسياسي. فلا خلاص لنا إلا بدولة الخلافة، التي لا تسمح بأن يحكم المسلمين من يدين بدين غير الإسلام، ولا بمن يبرر الشذوذ والانحراف، ولا بمن يُشرّع للناس غير ما أنزل الله.

كتبه لإذاعة المكتب الإعلامي المركزي لحزب التحرير

عبد المحمود العامري – ولاية اليمن

مصر بين الشعارات الحكومية والواقع المرّ  الحقيقة الكاملة عن الفقر، والسياسات الرأسمالية

مصر بين الشعارات الحكومية والواقع المرّ

الحقيقة الكاملة عن الفقر، والسياسات الرأسمالية

نقلت بوابة الأهرام الثلاثاء 4 تشرين الثاني/نوفمبر 2025م، أن رئيس الوزراء المصري، في كلمة ألقاها نيابةً عن الرئيس في القمة العالمية الثانية للتنمية الاجتماعية في العاصمة القطرية الدوحة، قال إنّ مصر تطبّق نهجاً شاملاً للقضاء على الفقر في جميع أشكاله وأبعاده، بما في ذلك "الفقر متعدد الأبعاد".

منذ سنوات، لا يكاد يخلو خطاب رسمي في مصر من عباراتٍ مثل "نهج شامل للقضاء على الفقر" و"الانطلاقة الحقيقية للاقتصاد المصري". يكرّر المسؤولون هذه الشعارات في المؤتمرات والمناسبات، مصحوبة بصور براقة لمشروعات استثمارية وفنادق ومنتجعات. لكن الواقع، كما تشهد عليه التقارير الدولية، مختلف تماماً. فالفقر في مصر ما زال ظاهرةً راسخة، بل متفاقمة، رغم الوعود الحكومية المتكرّرة بالتحسن والنهضة.

بحسب تقارير اليونيسف والإسكوا وبرنامج الغذاء العالمي لعامي 2024 و2025، يعيش نحو واحد من كل خمسة مصريين في فقرٍ متعدد الأبعاد، أي محروم من أكثر من جانب من جوانب الحياة الأساسية كالتعليم والصحة والسكن والعمل والخدمات. كما تؤكد البيانات أن أكثر من 49% من الأسر تعاني من صعوبات في الحصول على غذاء كافٍ، وهو رقم صادم يعكس عمق الأزمة المعيشية.

أما الفقر المالي، أي انخفاض الدخل مقارنة بتكاليف المعيشة، فقد ارتفع بصورة حادة، نتيجة موجات التضخم المتلاحقة التي أكلت أجور الناس وجهودهم ومدخراتهم، حتى أصبحت نسبة كبيرة من المصريين تحت خط الفقر المالي رغم عملهم الدائم.

وبينما تتحدث الحكومة عن مبادرات مثل "تكافل وكرامة" و"حياة كريمة"، تكشف الأرقام الدولية أن هذه البرامج لم تغيّر بنية الفقر جذرياً، بل اقتصرت على مسكّنات مؤقتة أشبه بالقطرة التي تُسكب في صحراء. فما زال الريف المصري الذي يقطنه أكثر من نصف السكان، يعاني من ضعف الخدمات وانعدام فرص العمل اللائق وتهالك البنية الأساسية. ويؤكد تقرير الإسكوا أن الحرمان في الريف يفوق نظيره في المدن بعدة أضعاف، ما يدل على سوء توزيع الثروة والإهمال المزمن للأطراف.

حين يشكر رئيسُ الوزراء ابنَ البلد "الذي تحمّل مع الحكومة إجراءات الإصلاح الاقتصادي"، فإنه في الواقع يُقرّ بوجود معاناة حقيقية ناتجة عن تلك السياسات. غير أن هذا الاعتراف لا يتبعه تغيير في المنهج، بل مزيد من السير في الطريق الرأسمالي نفسه الذي سبّب الأزمة.

فالإصلاح المزعوم الذي بدأ عام 2016 ببرنامج "التعويم" ورفع الدعم وزيادة الضرائب، لم يكن إصلاحاً بل تحميلاً للفقراء كلفة الديون والعجز. وفي الوقت الذي يتحدث فيه المسؤولون عن "الانطلاقة"، تتجه الاستثمارات الضخمة إلى العقارات الفاخرة والمشروعات السياحية التي تخدم أصحاب رؤوس الأموال، بينما لا يجد ملايين الشباب فرصاً للعمل أو السكن. بل إن كثيراً من هذه المشاريع، كمنطقة علم الروم في مطروح التي تُقدّر استثماراتها بـ29 مليار دولار، هي شراكات رأسمالية أجنبية تستحوذ على الأراضي والثروات وتحوّلها إلى مصدر ربح للمستثمرين، لا مصدر رزق للناس.

النظام يفشل ليس لأنه فاسد فحسب، بل لأنه يسير على أساسٍ فكريٍّ باطلٍ هو النظام الرأسمالي، الذي يجعل المال محوراً لكل سياسات الدولة. فالرأسمالية تقوم على حرية التملك المطلقة، وتسمح بتكديس الثروة في يد القلة التي تملك أدوات الإنتاج، فيما تتحمل الكثرة عبء الضرائب والأسعار والدَّين العام.

ولهذا، فإن كل ما يُسمى "برامج حماية اجتماعية" ما هو إلا محاولة لتجميل وجه الرأسمالية الوحشي، وإطالة عمر نظامٍ جائرٍ يراعي الأغنياء ويجبي من الفقراء. فبدلاً من معالجة أصل الداء؛ أي احتكار الثروة وتبعية الاقتصاد للمؤسسات الدولية، يُكتفى بتوزيع فتات من الإعانات النقدية، لا ترفع فقراً ولا تحفظ كرامة.

إن الرعاية ليست منّةً من الحاكم على الرعية، بل واجب شرعي، ومسؤولية يحاسبه الله عليها في الدنيا والآخرة. وما يجري اليوم، هو إهمال متعمّد لشؤون الناس، وتخلٍّ عن واجب الرعاية لصالح قروضٍ مشروطة من صندوق النقد والبنك الدوليين.

لقد أصبحت الدولة وسيطاً بين الفقير والدائن الأجنبي، تفرض الضرائب وتقلّص الدعم وتبيع الممتلكات العامة لسدّ عجزٍ متضخم صنعه النظام الرأسمالي نفسه. وفي هذا كله تغيب المفاهيم الشرعية التي تضبط الاقتصاد، كتحريم الربا، ومنع تملك الثروات العامة للأفراد، ووجوب النفقة على الرعية من بيت مال المسلمين.

لقد قدم الإسلام نظاماً اقتصادياً متكاملاً يعالج الفقر من جذوره، لا بمجرد دعمٍ نقدي أو مشروعات تجميلية. هذا النظام يقوم على أسسٍ شرعيةٍ ثابتة أبرزها:

1- تحريم الربا والديون الربوية التي تُكبّل الدولة وتستنزف مواردها، فبزوال الربا تزول تبعية الاقتصاد للمؤسسات الدولية، وتُعاد السيادة المالية للأمة.

2- جعل الملكيات ثلاثة أنواع:

ملكية فردية: كالبيوت والمتاجر والمزارع الخاصة...

ملكية عامة: تشمل الثروات الكبرى كالنفط والغاز والمعادن والمياه...

ملكية دولة: كأراضي الفيء والركاز والخراج...

وبهذا التوزيع تتحقق العدالة، إذ تُمنع فئة قليلة من احتكار موارد الأمة.

3- ضمان الكفاية لكل فرد من الرعية: فالدولة تضمن لكل إنسان في رعايتها حاجاته الأساسية من مأكل وملبس ومسكن، فإن عجز عن العمل وجب على بيت المال أن ينفق عليه.

4- الزكاة والإنفاق الإلزامي: الزكاة ليست إحساناً بل فريضة، تجمعها الدولة وتصرفها في مصارفها الشرعية للفقراء والمساكين والغارمين. وهي أداة توزيع فعّالة تعيد الأموال إلى دورة الحياة في المجتمع.

مع التحفيز على العمل المنتج ومنع الاستغلال، والحثّ على استثمار الموارد في مشاريع نافعة حقيقية كالصناعات الثقيلة والحربية لا في المضاربات والعقارات الفاخرة والمشاريع الوهمية. إلى جانب ضبط الأسعار بالعرض والطلب الحقيقيين لا بالاحتكار ولا بالتعويم.

إن دولة الخلافة على منهاج النبوة هي وحدها القادرة على تطبيق هذه الأحكام عملياً، لأنها تُبنى على أساس العقيدة الإسلامية، ويكون هدفها رعاية شؤون الناس لا جباية أموالهم. ففي ظل الخلافة، لا يوجد ربا ولا قروض مشروطة، ولا بيع للثروات العامة للأجانب، بل تُدار الموارد بما يحقق مصلحة الأمة، ويتولى بيت المال تمويل الرعاية الصحية والتعليم والمرافق العامة من موارد الدولة والخراج والأنفال والملكية العامة.

أما الفقراء، فتُكفل حاجاتهم الأساسية فرداً فرداً، لا عبر صدقات مؤقتة بل كحقٍّ شرعي مضمون. ولذا فإن محاربة الفقر في الإسلام ليست شعاراً سياسياً، بل نظام حياة متكامل يُقيم العدل ويمنع الظلم ويعيد الثروة إلى أهلها.

ما بين الخطاب الرسمي والواقع المعاش مسافةٌ هائلة لا تخفى على أحد. فبينما تتغنّى الحكومة بمشروعاتها "العملاقة" وبـ"الانطلاقة الحقيقية"، يعيش ملايين المصريين تحت خط الفقر، يعانون الغلاء والبطالة وانعدام الأمل. والحقيقة أن هذه المعاناة لن تزول ما دامت مصر تسير في طريق الرأسمالية، تُسلِّم اقتصادها للمرابين وتخضع لسياسات المؤسسات الدولية.

إن أزمات ومشكلات مصر هي مشكلات إنسانية وليست مادية، وتتعلق بها أحكام شرعية تبين كيفية التعامل معها وعلاجها على أساس الإسلام، وإن الحلول أسهل من غض الطرف لكنها تحتاج إدارة مخلصة تملك إرادة حرة تريد السير في الطريق الصحيح وتريد الخير لمصر وأهلها حقا، وحينها على هذه الإدارة أن تراجع كل العقود التي أبرمت سابقا والتي تبرم مع كل الشركات التي تحتكر أصول البلاد وما هو من ملكياتها العام وعلى رأسها شركات التنقيب عن الغاز والنفط والذهب وباقي المعادن والثروات، وتطرد كل تلك الشركات لأنها في الأصل شركات استعمارية ناهبة لثروات البلاد، ثم تصوغ عهدا جديدا يقوم على تمكين الناس من ثروات البلاد وإنشاء أو استئجار شركات تقوم هي على إنتاج الثروة من منابع النفط والغاز والذهب وغيرها من المعادن وتعيد توزيع هذه الثروات على الناس من جديد، حينها سيتمكن الناس من زراعة الأرض الموات التي ستمكنهم الدولة من استغلالها بحقهم فيها، وسيتمكنون أيضا من صناعة ما يجب أن يصنع ليرتفع باقتصاد مصر ويكفي أهلها، وستدعمهم الدولة في هذا السبيل، وإن كل هذا ليس ضربا من الخيال ولا مستحيل الحدوث ولا مشروعا نعرضه للتجربة قد ينجح أو يفشل، وإنما هي أحكام شرعية لازمة ملزمة للدولة والرعية، فلا يجوز للدولة أن تفرط في ثروات البلاد التي هي ملك للناس بدعوى عقود أقرتها وأيدتها وتحميها قوانين دولية جائرة، ولا يجوز لها أن تمنع الناس منها بل يجب أن تقطع كل يد تمتد ناهبة إلى ثروات الناس، هذا ما يقدمه الإسلام ويجب تنفيذه، إلا أنه لا يطبق بمعزل عن باقي أنظمة الإسلام بل إنه لا يطبق إلا من خلال دولة الخلافة الراشدة على منهاج النبوة، هذه الدولة التي يحمل همها والدعوة إليها حزب التحرير ويدعو مصر وأهلها شعبا وجيشا إلى العمل معه من أجلها، عسى الله أن يكتب الفتح من عنده فنراها واقعا يعز الإسلام وأهله، اللهم عاجلا غير آجل.

﴿وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرَىٰ آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَفَتَحْنَا عَلَيْهِم بَرَكَاتٍ مِّنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ﴾

كتبه للمكتب الإعلامي المركزي لحزب التحرير

سعيد فضل

عضو المكتب الإعلامي لحزب التحرير في ولاية مصر