بدون الخلافة، تقع الدعوة إلى الإسلام في الغرب على آذان صمّاء
April 15, 2018

بدون الخلافة، تقع الدعوة إلى الإسلام في الغرب على آذان صمّاء

بدون الخلافة، تقع الدعوة إلى الإسلام في الغرب على آذان صمّاء

(مترجم)

عندما يعتقد شخص ما أن حضارته وصلت إلى ذروة ما يمكن أن تحققه البشرية، فإنه لا يبحث عن بديل عنها. بغض النظر عن مدى فظاعة الحياة، فإنه سيصاب إما بحالة اكتئاب شديد على حياته البائسة، أو يختلق أعذارًا لحالته المريعة، متخيلًا أن الأمور ستتحسن بطريقة أو بأخرى من تلقاء نفسها. هذه هي حقيقة الحياة بالنسبة لمعظم الناس العاديين في الغرب.

أصبح القتل وسط الشباب الآن في أعلى مستوياته على الإطلاق في الشوارع البريطانية، لذا فإن وسائل الإعلام والسياسيين يناقشون الأزمة حاليا وكيفية التعامل معها. يتم في الإعلام الإبلاغ عن عدد الوفيات فقط، في حين إن هناك مئات من محاولات القتل بجانب كل جريمة قتل قلما تذكر. بالنسبة لكثير من الأطفال، تعتبر جريمة استخدام السكين والبندقية مجرد حقائق طبيعية للحياة، حيث إنهم جميعًا يُعنَون بالضحية فقط.

لقد تم تسليط الضوء على ثقافة عصابات الشباب والخوف اليائس على حياتهم بسبب الحال التي يعيشها الشباب. أصبح حمل سكين للحماية، في سن الحادية عشرة عادة خطيرة في نظر زملائهم المراهقين في سن المراهقة المتأخرة. تستخدم العصابات الإجرامية العنف المتطرف لتوسيع مكان نشاطها أو للدفاع عن نفسها، مما يستدعي طرح السؤال: لماذا توجد عصابات كثيرة؟ ومع ذلك، هناك أيضًا مجموعات من الأطفال الذين ينشئون عصابات فيما بينهم للحماية من العصابات الأخرى، مما يؤدي في حد ذاته إلى تنافس العصابات، وثقافة العصابات، والمزيد من العنف. حتى النزاعات الطفولية على وسائل التواصل الإلكتروني أو ما يشاهد من عدم الاحترام بينها يمكن أن يؤدي إلى تورط أصدقاء وأصدقاء الأصدقاء في عمليات قتل وهجمات انتقامية.

يتخاصم السياسيون حاليا حول أعداد الشرطة والميزانيات، كأنما الحل كله يكمن في قيام عصابة الشرطة بفرض إرادتها على العصابات الأخرى. هذه هي القبلية في أسوأ حالاتها.

إن الأمر الذي لا يرغب أحد في مناقشته هو الثقافة الأيديولوجية التي هي التربة الخصبة لثقافة العنف، والجرائم، والعصابات. تريد الحكومة بشكل خاص تجنب تلك المناقشة، بسبب تورطها التام في العصابات العالمية، وتحديداً هيمنتها الرأسمالية الاستعمارية على العالم. لا تحب الطبقة الوسطى المترفة التفكير في قيمها الخاصة باعتبارها مسؤولة عن ثقافة المستبدين الإجرامية في الخارج، ولا ثقافة العصابات في المناطق المحرومة في مدنها هي في الغرب. بعد أن صدقنا أكذوبة أن أيديولوجيتهم العلمانية هي أفضل ما يمكن للبشرية أن تمتلكه، لا يوجد استعداد لدراسة دورها في هذا الوضع المؤسف. لا يمكن لأحد أن يرى بديلاً قابلاً للتطبيق، لذلك من المفترض أنه لا يمكن أن يوجد شيء آخر. لذلك فأفضل ما يمكن أن يأمل فيه المرء هو أن يبقى العنف محصوراً في بضعة أحياء فقيرة، فلا يخرج منها ليؤثر بشكل مباشر على المناطق الأكثر ثراءً. لقد تحطم هذا الأمل الساذج منذ سنوات عندما أصبح ضحايا عنف الشباب الآن في كل منطقة ومدرسة، ومع هذا لا يزال البعض يدفنون رؤوسهم في الرمال.

مع هذا اليأس، فإن أدنى مستوى من التفكير البشري وصل الحضيص. إن جميع أشكال العنصرية أو القومية أو الكراهية للأجانب أو ضد المسلمين أصبحت في المقدمة، حيث أصبحت تكتسب شعبية حتى بين أولئك الذين يعتبرون أنفسهم إنسانيين ويتمتعون بتفكير أعلى. وهذا بدوره يؤدي إلى عصابات قبلية جديدة تنطلق لاستهداف جماعة الأقلية التي يُزعم أنها مسؤولة عن العنف. وبدلاً من تحمل المسؤولية الجماعية عن القيم الفردية، والأنانية، والتجزئة، التي هي السبب الأساسي والحقيقي للزيادة المستمرة في الإجرام وثقافة العصابات، فإن إلقاء اللوم على الآخرين غالباً ما يكون حبة دواء أسهل بلعاً.

في الآونة الأخيرة هوجم أحد أصدقائي المسلمين في مركز تجاري مزدحم. تقابلت عيناه حينها مع عيني شخص غريب، لذلك تذكر عندها من سنة النبي ﷺ أن الابتسامة صدقة، لذلك ابتسم في وجهه. هاجم الرجل الغريب صديقي وهدد بطعنه هناك أمام أبنائه، لأنه في رأيه نظر إليه "نظرة مضحكة". عندما جاءت الشرطة احتجزوا صديقي لأن بشرته كانت سوداء (غير معروف لديهم أنه مدير كبير في دائرة حكومية)، على الرغم من العديد من الشهود الذين أكدوا أن الرجل الآخر كان المعتدي.

أرادت الحكومة في بريطانيا استرضاء الأجواء المعادية للأجانب في إلقاء اللوم على الأجانب، فبدأت في استهداف الطلاب المهاجرين، من أجل خداع الناس بأنها تعمل على تخفيض الهجرة بشكل عام. المفارقة هي أن هذه المجموعة من المهاجرين يعودون كلهم تقريباً إلى ديارهم بعد إكمال دراستهم. لقد تحدثت إلى عدد من الطلاب المسلمين الذين عبروا عن خيبة أملهم إزاء تدني نوعية الحياة في بريطانيا، بعد أن سمعوا مثل تلك الأوهام قبل وصولهم عن الحياة الرائعة في الغرب. وهم ينتظرون العودة إلى بلادهم، لأن بريطانيا لم تعد مكانًا يفكرون فيه أبداً لتنشئة أبنائهم.

ليس هذا الحال جديداً على الغرب. على مدى عقود، نظر الناس البريطانيون إلى مستويات الجريمة الأمريكية العنيفة بحالة من الرعب، وهم يعلمون أنه خلال عقد من الزمان أو نحو ذلك سيصلهم مثل هذا العنف، تماماً مثلما وصل إلى بقية أوروبا. فالهروب للعيش في الضواحي ثم في الريف ليس حلا، حيث إنه سيتبعهم هناك بعد فترة من الزمان.

قبل ألف وأربعمائة عام عرفت الجزيرة العربية الخسارة البشرية لمثل هذه الثقافة القبلية. لقد خسرت يثرب العديد من قادتها وأبنائها في حروب ومنافسات لا طائل من ورائها، ربما أثارها أصغر خلاف على جمل. عندما جاء النبي إليهم قدم لهم أيديولوجية جديدة وثقافة جديدة لتحل محل القبلية الوضيعة والأنانية. فقد أنشأ دولة جمعت بين الناس كإخوة، بدلاً من تركهم منقسمين يشنون الحروب بينهم حول أكثر الأمور تفاهة.

عندما سافرت في البلدان الإسلامية وتحدثت للناس عن واقع الحياة في الغرب، كان الناس يصابون عادة بالصدمة، لأن هذه ليست الصورة نفسها التي تحب وسائل الإعلام نقلها لهم. كان ردهم على ذلك: "يحيى، لديك الكثير من العمل الذي يلزم القيام به لإخبار الناس هناك عن الإسلام، لإخراجهم من ظلماتهم البائسة". لا أختلف معهم أن لدينا الكثير من أعمال الدعوة التي يلزم القيام بها، ولكن عليَّ أن أقول إن المسؤولية ليست كلها عليّ. فالمسلمون يتحدثون في بريطانيا بانتظام إلى الناس، لكن الرد العام هو: "أين الإسلام إذن؟!!" لا يمكنهم أن يروا الإسلام عمليا، لذا لا يمكنهم تخيُّله كبديل. لقد قيل لهم إن حياتهم الرأسمالية العلمانية والقيم الليبرالية هي أفضل ما يمكن للبشرية أن تحققه. لذا سيشيرون بسرعة إلى المملكة العربية السعودية، ومصر، وباكستان، والعراق، أو سوريا، ويسألون: "هل هذا هو البديل الذي تدعونا إليه؟" هنا يجب أن أذكركم بأن المسلمين الذين لا يعيشون في الغرب عليهم عبء كبير في الدعوة ودور كبير يقومون به في هذا المجال.

بدون دولة إسلامية حقيقية في العالم؛ خلافة على منهاج النبوة، لا أحد في الغرب يستمع لقولنا. لا أحد يستطيع أن يرى النموذج المشرق للعدل والإنسانية، لإخراج البشرية من الظلمات إلى النور. لا أحد يشهد على الهدي الحقيقي للإسلام، يطبق في الحياة كدولة ونظام، بحيث ينهض بحياة الناس، وينقيها من الثمار الفاسدة للأيديولوجيات الزائفة.

واليوم، بعد مرور ما يقرب من قرن من الزمان من غياب الإسلام من واقع الحياة، حان الوقت للمسلمين في العالم أجمع أن يدركوا أنه لن تؤتي الدعوة ثمارها إلا بعد التطبيق الكامل للإسلام في دولة إسلامية، فيشاهده الناس جميعاً. لا يمكننا إخراج البشرية من الظلمات إلى النور بدون منارة تنير لهم الطريق. سيضيق الأفق أمام البشرية إلى أن نتمكن من إعادة الإسلام إلى الحكم، فنكون عندها شهوداً على البشرية مرة أخرى.

﴿وَكَذٰلِكَ جَعَلناكُم أُمَّةً وَسَطًا لِتَكونوا شُهَداءَ عَلَى النّاسِ وَيَكونَ الرَّسولُ عَلَيكُم شَهيدًا﴾

كتبه للمكتب الإعلامي المركزي لحزب التحرير

يحيى نسبت

الممثل الإعلامي لحزب التحرير في بريطانيا

المزيد من القسم null

لا تنخدعوا بالأسماء فالعبرة بالمواقف لا بالأنساب

لا تنخدعوا بالأسماء فالعبرة بالمواقف لا بالأنساب

في كل مرة يُقدَّم لنا "رمز جديد" له جذور مسلمة أو ملامح شرقية، يهلل كثير من المسلمين، وتُبنى الآمال على وهمٍ اسمه "التمثيل السياسي" في نظامٍ كافر لا يعترف بالإسلام حكماً ولا عقيدةً ولا شريعةً.

نذكر جميعاً الفرح العارم الذي اجتاح مشاعر كثيرين عند فوز أوباما في 2008. فهو ابن كينيا، وله أب مسلم! وهنا توهم البعض أن الإسلام والمسلمين باتوا قريبين من النفوذ الأمريكي، لكن أوباما كان أحد أكثر الرؤساء إيذاءً للمسلمين فقد دمر ليبيا، وساهم في مأساة سوريا، وأشعل أفغانستان والعراق بطائراته وجنوده، بل كان سفاك الدماء في اليمن عبر أدواته وكان عهده استمراراً لعداء ممنهج ضد الأمة.

واليوم يتكرر المشهد، لكن بأسماء جديدة. فـزوهران ممداني يُحتفى به لأنه مسلم ومهاجر وشاب، وكأنه المنقذ! لكن قليلين فقط ينظرون إلى مواقفه السياسية والفكرية. هذا الرجل من الداعمين الأشداء للشواذ المثليين، ومشارك في فعالياتهم، ويعتبر انحرافهم حقوقاً إنسانية!

أي خزي هذا يُعلق عليه الناس آمالاً؟! ألم يكن تكراراً للخيبة السياسية والفكرية نفسها التي وقعت فيها الأمة مراراً وتكراراً؟! نعم لأنها تُفتن بالشكل لا بالجوهر! تُخدع بالابتسامات، وتتعامل بالعاطفة لا بالعقيدة، وبالأسماء لا بالمفاهيم، وبالرموز لا بالمبادئ!

إن هذا الانبهار بالأشكال والأسماء نتيجة غياب الوعي السياسي الشرعي، لأن الإسلام لا يقاس بالأصل أو الاسم أو العرق، بل بالالتزام بمبدأ الإسلام كاملاً؛ نظاماً وعقيدةً وشريعةً. ولا قيمة لمسلم لا يحكم بالإسلام ولا ينصره، بل يخضع للنظام الرأسمالي الكافر، ويبرر الكفر والانحرافات باسم "الحرية".

وليعلم جميع المسلمين الذين فرحوا بفوزه وظنّوا أنه بذرة خير أو بداية نهوض، أن النهوض لا يكون من داخل أنظمة الكفر، ولا بأدواتها، ولا عبر صناديق اقتراعها، ولا تحت سقف دساتيرها.

فمن يُقدّم نفسه عبر النظام الديمقراطي، ويقسم على احترام قوانينه، ثم يدافع عن الشذوذ الجنسي ويحتفل به، ويدعو إلى ما يغضب الله، فهو ليس نصيراً للإسلام ولا أملاً للأمة، بل هو أداة تلميع وتمييع، وتمثيل مزيّف لا يُقدّم ولا يؤخر.

إن ما تسمى النجاحات السياسية في الغرب لبعض الشخصيات ذات الأسماء الإسلامية، ما هي إلا فُتات يُقدَّم كمسكنات للأمة، ليقال لها: انظروا، التغيير ممكن عبر أنظمتنا.

 فما حقيقة هذا "التمثيل"؟

الغرب لا يفتح أبواب الحكم للإسلام، بل يفتحها فقط لمن يتماهى مع قيمه وأفكاره. وأي شخص يدخل نظامهم لا بد أن يقبل بدستورهم، وبقوانينهم الوضعية، وأن يتنكر لحكم الإسلام، فإن رضي بذلك، أصبح نموذجاً مقبولاً، أما المسلم الحق، فهو مرفوض عندهم من جذوره.

فمن هو زهران ممداني؟ ولماذا يُصنع هذا الوهم؟

هو شخص يحمل اسماً مسلماً لكنه متبنٍ لأجندة منحرفة مخالفة تماماً لفطرة الإسلام، من دعم المثليين، والترويج لما يُسمى بـ"حقوقهم"، وهو نموذج حي لكيف يصنع الغرب نماذجه: مسلم بالاسم، علماني بالفعل، خادم لأجندة الليبرالية الغربية لا أكثر. بل لإشغال الأمة عن طريقها الحقيقي، فبدل أن تطالب بدولة الإسلام والخلافة، تنشغل بالمقاعد النيابية والمناصب في أنظمة كفر! وبدل أن تتوجه لتحرير فلسطين، تنتظر مَن "يدافع عن غزة" من داخل الكونغرس الأمريكي أو البرلمان الأوروبي!

فحقيقة الأمر أن هذا تشويه لطريق التغيير الحقيقي، وهو إقامة الخلافة الراشدة على منهاج النبوة، التي تُعلي راية الإسلام، وتقيم شرع الله، وتوحد الأمة خلف خليفة واحد يُقاتل من ورائه ويُتقى به.

فلا تنخدعوا بالأسماء، ولا تفرحوا بمن ينتمي لكم شكلاً ويخالفكم مضموناً، فليس كل من حمل اسم سعيد أو علي أو زهران هو على طريق نبينا محمد ﷺ.

واعلموا أن التغيير لا يأتي من داخل برلمانات الكفر، بل من جيوش الأمة التي آن لها أن تتحرك، ومن شبابها الواعين الذين يعملون ليلا ونهارا لقلب الطاولة على رؤوس الغرب وأعوانه وأتباعه الخائنين في بلاد الإسلام والمسلمين.

فالمسلمون لن ينهضوا عبر انتخابات الديمقراطية ولا من خلال صناديق الغرب، بل بنهضة حقيقية على أساس العقيدة الإسلامية، بإقامة دولة الخلافة الراشدة التي تُعيد للإسلام مكانته، وللمسلمين عزّتهم، وتحطم أوهام الديمقراطية.

لا تنخدعوا بالأسماء، ولا تعلقوا آمالكم على أفراد في أنظمة كفر، بل ارجعوا إلى مشروعكم العظيم: استئناف الحياة الإسلامية، فهذا وحده طريق العزة والنصر والتمكين.

فالمشهد تكرار مُهين لمآسٍ قديمة: رموز مزيفة، وولاء للأنظمة الغربية، وانحراف عن طريق الإسلام. وكل من يُصفّق لهذا المسار، إنما يضلل الأمة. فعودوا إلى مشروع الخلافة، ولا تجعلوا أعداء الإسلام يصنعون لكم قادتكم وممثليكم. فالعزة ليست في مقاعد الديمقراطية، بل في سدة الخلافة التي يعمل لها حزب التحرير ويُحذر الأمة من هذا الانحدار الفكري والسياسي. فلا خلاص لنا إلا بدولة الخلافة، التي لا تسمح بأن يحكم المسلمين من يدين بدين غير الإسلام، ولا بمن يبرر الشذوذ والانحراف، ولا بمن يُشرّع للناس غير ما أنزل الله.

كتبه لإذاعة المكتب الإعلامي المركزي لحزب التحرير

عبد المحمود العامري – ولاية اليمن

مصر بين الشعارات الحكومية والواقع المرّ  الحقيقة الكاملة عن الفقر، والسياسات الرأسمالية

مصر بين الشعارات الحكومية والواقع المرّ

الحقيقة الكاملة عن الفقر، والسياسات الرأسمالية

نقلت بوابة الأهرام الثلاثاء 4 تشرين الثاني/نوفمبر 2025م، أن رئيس الوزراء المصري، في كلمة ألقاها نيابةً عن الرئيس في القمة العالمية الثانية للتنمية الاجتماعية في العاصمة القطرية الدوحة، قال إنّ مصر تطبّق نهجاً شاملاً للقضاء على الفقر في جميع أشكاله وأبعاده، بما في ذلك "الفقر متعدد الأبعاد".

منذ سنوات، لا يكاد يخلو خطاب رسمي في مصر من عباراتٍ مثل "نهج شامل للقضاء على الفقر" و"الانطلاقة الحقيقية للاقتصاد المصري". يكرّر المسؤولون هذه الشعارات في المؤتمرات والمناسبات، مصحوبة بصور براقة لمشروعات استثمارية وفنادق ومنتجعات. لكن الواقع، كما تشهد عليه التقارير الدولية، مختلف تماماً. فالفقر في مصر ما زال ظاهرةً راسخة، بل متفاقمة، رغم الوعود الحكومية المتكرّرة بالتحسن والنهضة.

بحسب تقارير اليونيسف والإسكوا وبرنامج الغذاء العالمي لعامي 2024 و2025، يعيش نحو واحد من كل خمسة مصريين في فقرٍ متعدد الأبعاد، أي محروم من أكثر من جانب من جوانب الحياة الأساسية كالتعليم والصحة والسكن والعمل والخدمات. كما تؤكد البيانات أن أكثر من 49% من الأسر تعاني من صعوبات في الحصول على غذاء كافٍ، وهو رقم صادم يعكس عمق الأزمة المعيشية.

أما الفقر المالي، أي انخفاض الدخل مقارنة بتكاليف المعيشة، فقد ارتفع بصورة حادة، نتيجة موجات التضخم المتلاحقة التي أكلت أجور الناس وجهودهم ومدخراتهم، حتى أصبحت نسبة كبيرة من المصريين تحت خط الفقر المالي رغم عملهم الدائم.

وبينما تتحدث الحكومة عن مبادرات مثل "تكافل وكرامة" و"حياة كريمة"، تكشف الأرقام الدولية أن هذه البرامج لم تغيّر بنية الفقر جذرياً، بل اقتصرت على مسكّنات مؤقتة أشبه بالقطرة التي تُسكب في صحراء. فما زال الريف المصري الذي يقطنه أكثر من نصف السكان، يعاني من ضعف الخدمات وانعدام فرص العمل اللائق وتهالك البنية الأساسية. ويؤكد تقرير الإسكوا أن الحرمان في الريف يفوق نظيره في المدن بعدة أضعاف، ما يدل على سوء توزيع الثروة والإهمال المزمن للأطراف.

حين يشكر رئيسُ الوزراء ابنَ البلد "الذي تحمّل مع الحكومة إجراءات الإصلاح الاقتصادي"، فإنه في الواقع يُقرّ بوجود معاناة حقيقية ناتجة عن تلك السياسات. غير أن هذا الاعتراف لا يتبعه تغيير في المنهج، بل مزيد من السير في الطريق الرأسمالي نفسه الذي سبّب الأزمة.

فالإصلاح المزعوم الذي بدأ عام 2016 ببرنامج "التعويم" ورفع الدعم وزيادة الضرائب، لم يكن إصلاحاً بل تحميلاً للفقراء كلفة الديون والعجز. وفي الوقت الذي يتحدث فيه المسؤولون عن "الانطلاقة"، تتجه الاستثمارات الضخمة إلى العقارات الفاخرة والمشروعات السياحية التي تخدم أصحاب رؤوس الأموال، بينما لا يجد ملايين الشباب فرصاً للعمل أو السكن. بل إن كثيراً من هذه المشاريع، كمنطقة علم الروم في مطروح التي تُقدّر استثماراتها بـ29 مليار دولار، هي شراكات رأسمالية أجنبية تستحوذ على الأراضي والثروات وتحوّلها إلى مصدر ربح للمستثمرين، لا مصدر رزق للناس.

النظام يفشل ليس لأنه فاسد فحسب، بل لأنه يسير على أساسٍ فكريٍّ باطلٍ هو النظام الرأسمالي، الذي يجعل المال محوراً لكل سياسات الدولة. فالرأسمالية تقوم على حرية التملك المطلقة، وتسمح بتكديس الثروة في يد القلة التي تملك أدوات الإنتاج، فيما تتحمل الكثرة عبء الضرائب والأسعار والدَّين العام.

ولهذا، فإن كل ما يُسمى "برامج حماية اجتماعية" ما هو إلا محاولة لتجميل وجه الرأسمالية الوحشي، وإطالة عمر نظامٍ جائرٍ يراعي الأغنياء ويجبي من الفقراء. فبدلاً من معالجة أصل الداء؛ أي احتكار الثروة وتبعية الاقتصاد للمؤسسات الدولية، يُكتفى بتوزيع فتات من الإعانات النقدية، لا ترفع فقراً ولا تحفظ كرامة.

إن الرعاية ليست منّةً من الحاكم على الرعية، بل واجب شرعي، ومسؤولية يحاسبه الله عليها في الدنيا والآخرة. وما يجري اليوم، هو إهمال متعمّد لشؤون الناس، وتخلٍّ عن واجب الرعاية لصالح قروضٍ مشروطة من صندوق النقد والبنك الدوليين.

لقد أصبحت الدولة وسيطاً بين الفقير والدائن الأجنبي، تفرض الضرائب وتقلّص الدعم وتبيع الممتلكات العامة لسدّ عجزٍ متضخم صنعه النظام الرأسمالي نفسه. وفي هذا كله تغيب المفاهيم الشرعية التي تضبط الاقتصاد، كتحريم الربا، ومنع تملك الثروات العامة للأفراد، ووجوب النفقة على الرعية من بيت مال المسلمين.

لقد قدم الإسلام نظاماً اقتصادياً متكاملاً يعالج الفقر من جذوره، لا بمجرد دعمٍ نقدي أو مشروعات تجميلية. هذا النظام يقوم على أسسٍ شرعيةٍ ثابتة أبرزها:

1- تحريم الربا والديون الربوية التي تُكبّل الدولة وتستنزف مواردها، فبزوال الربا تزول تبعية الاقتصاد للمؤسسات الدولية، وتُعاد السيادة المالية للأمة.

2- جعل الملكيات ثلاثة أنواع:

ملكية فردية: كالبيوت والمتاجر والمزارع الخاصة...

ملكية عامة: تشمل الثروات الكبرى كالنفط والغاز والمعادن والمياه...

ملكية دولة: كأراضي الفيء والركاز والخراج...

وبهذا التوزيع تتحقق العدالة، إذ تُمنع فئة قليلة من احتكار موارد الأمة.

3- ضمان الكفاية لكل فرد من الرعية: فالدولة تضمن لكل إنسان في رعايتها حاجاته الأساسية من مأكل وملبس ومسكن، فإن عجز عن العمل وجب على بيت المال أن ينفق عليه.

4- الزكاة والإنفاق الإلزامي: الزكاة ليست إحساناً بل فريضة، تجمعها الدولة وتصرفها في مصارفها الشرعية للفقراء والمساكين والغارمين. وهي أداة توزيع فعّالة تعيد الأموال إلى دورة الحياة في المجتمع.

مع التحفيز على العمل المنتج ومنع الاستغلال، والحثّ على استثمار الموارد في مشاريع نافعة حقيقية كالصناعات الثقيلة والحربية لا في المضاربات والعقارات الفاخرة والمشاريع الوهمية. إلى جانب ضبط الأسعار بالعرض والطلب الحقيقيين لا بالاحتكار ولا بالتعويم.

إن دولة الخلافة على منهاج النبوة هي وحدها القادرة على تطبيق هذه الأحكام عملياً، لأنها تُبنى على أساس العقيدة الإسلامية، ويكون هدفها رعاية شؤون الناس لا جباية أموالهم. ففي ظل الخلافة، لا يوجد ربا ولا قروض مشروطة، ولا بيع للثروات العامة للأجانب، بل تُدار الموارد بما يحقق مصلحة الأمة، ويتولى بيت المال تمويل الرعاية الصحية والتعليم والمرافق العامة من موارد الدولة والخراج والأنفال والملكية العامة.

أما الفقراء، فتُكفل حاجاتهم الأساسية فرداً فرداً، لا عبر صدقات مؤقتة بل كحقٍّ شرعي مضمون. ولذا فإن محاربة الفقر في الإسلام ليست شعاراً سياسياً، بل نظام حياة متكامل يُقيم العدل ويمنع الظلم ويعيد الثروة إلى أهلها.

ما بين الخطاب الرسمي والواقع المعاش مسافةٌ هائلة لا تخفى على أحد. فبينما تتغنّى الحكومة بمشروعاتها "العملاقة" وبـ"الانطلاقة الحقيقية"، يعيش ملايين المصريين تحت خط الفقر، يعانون الغلاء والبطالة وانعدام الأمل. والحقيقة أن هذه المعاناة لن تزول ما دامت مصر تسير في طريق الرأسمالية، تُسلِّم اقتصادها للمرابين وتخضع لسياسات المؤسسات الدولية.

إن أزمات ومشكلات مصر هي مشكلات إنسانية وليست مادية، وتتعلق بها أحكام شرعية تبين كيفية التعامل معها وعلاجها على أساس الإسلام، وإن الحلول أسهل من غض الطرف لكنها تحتاج إدارة مخلصة تملك إرادة حرة تريد السير في الطريق الصحيح وتريد الخير لمصر وأهلها حقا، وحينها على هذه الإدارة أن تراجع كل العقود التي أبرمت سابقا والتي تبرم مع كل الشركات التي تحتكر أصول البلاد وما هو من ملكياتها العام وعلى رأسها شركات التنقيب عن الغاز والنفط والذهب وباقي المعادن والثروات، وتطرد كل تلك الشركات لأنها في الأصل شركات استعمارية ناهبة لثروات البلاد، ثم تصوغ عهدا جديدا يقوم على تمكين الناس من ثروات البلاد وإنشاء أو استئجار شركات تقوم هي على إنتاج الثروة من منابع النفط والغاز والذهب وغيرها من المعادن وتعيد توزيع هذه الثروات على الناس من جديد، حينها سيتمكن الناس من زراعة الأرض الموات التي ستمكنهم الدولة من استغلالها بحقهم فيها، وسيتمكنون أيضا من صناعة ما يجب أن يصنع ليرتفع باقتصاد مصر ويكفي أهلها، وستدعمهم الدولة في هذا السبيل، وإن كل هذا ليس ضربا من الخيال ولا مستحيل الحدوث ولا مشروعا نعرضه للتجربة قد ينجح أو يفشل، وإنما هي أحكام شرعية لازمة ملزمة للدولة والرعية، فلا يجوز للدولة أن تفرط في ثروات البلاد التي هي ملك للناس بدعوى عقود أقرتها وأيدتها وتحميها قوانين دولية جائرة، ولا يجوز لها أن تمنع الناس منها بل يجب أن تقطع كل يد تمتد ناهبة إلى ثروات الناس، هذا ما يقدمه الإسلام ويجب تنفيذه، إلا أنه لا يطبق بمعزل عن باقي أنظمة الإسلام بل إنه لا يطبق إلا من خلال دولة الخلافة الراشدة على منهاج النبوة، هذه الدولة التي يحمل همها والدعوة إليها حزب التحرير ويدعو مصر وأهلها شعبا وجيشا إلى العمل معه من أجلها، عسى الله أن يكتب الفتح من عنده فنراها واقعا يعز الإسلام وأهله، اللهم عاجلا غير آجل.

﴿وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرَىٰ آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَفَتَحْنَا عَلَيْهِم بَرَكَاتٍ مِّنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ﴾

كتبه للمكتب الإعلامي المركزي لحزب التحرير

سعيد فضل

عضو المكتب الإعلامي لحزب التحرير في ولاية مصر