بخطا مخزية السودان يمضي نحو التطبيع مع كيان يهود
بخطا مخزية السودان يمضي نحو التطبيع مع كيان يهود

يمضي السودان، في ظل الحكومة الانتقالية، نحو التطبيع مع كيان يهود بخطا متسارعة؛ ففي أول لقاء علني من نوعه، اجتمع رئيس المجلس السيادي الفريق البرهان مع رئيس وزراء كيان يهود نتنياهو، بعنتيبي في أوغندا، في شباط/فبراير 2020م عقب اتصال هاتفي من وزير الخارجية الأمريكي مايك بومبيو، حيث أكد البرهان، حسب قناة روسيا اليوم،

0:00 0:00
السرعة:
September 28, 2020

بخطا مخزية السودان يمضي نحو التطبيع مع كيان يهود

بخطا مخزية السودان يمضي نحو التطبيع مع كيان يهود

يمضي السودان، في ظل الحكومة الانتقالية، نحو التطبيع مع كيان يهود بخطا متسارعة؛ ففي أول لقاء علني من نوعه، اجتمع رئيس المجلس السيادي الفريق البرهان مع رئيس وزراء كيان يهود نتنياهو، بعنتيبي في أوغندا، في شباط/فبراير 2020م عقب اتصال هاتفي من وزير الخارجية الأمريكي مايك بومبيو، حيث أكد البرهان، حسب قناة روسيا اليوم، "أن لقاءه مع رئيس الوزراء (الإسرائيلي) بنيامين نتنياهو في أوغندا، كان بترتيب أمريكي". ثم توجّه بومبيو في أواخر آب/أغسطس 2020م إلى الخرطوم لدفع السودان إلى تطبيع العلاقات مع كيان يهود، والتقى بالبرهان، ورئيس الوزراء حمدوك. ثم تتابعت التفاهمات العلنية، وتفاهمات تحت الطاولة، ولقاءات مباشرة، وأخرى عبر الوسطاء، توجت جميعها بمباحثات بين مسؤولين سودانيين برئاسة البرهان، مع مسؤولين أمريكيين استغرقت ثلاثة أيام في الإمارات، وذكرت وكالة الأنباء السودانية أن المحادثات تطرقت إلى "مستقبل السلام العربي (الإسرائيلي)، الذي يؤدي إلى استقرار المنطقة ويحفظ حق الشعب الفلسطيني في إقامة دولته وفقا لرؤية حل الدولتين، والدور الذي يُنتظر أن يلعبه السودان في سبيل تحقيق هذا السلام". (فرانس24 في 2020/09/23)، وذلك بدافع رفع اسم السودان من قائمة الدول الداعمة للإرهاب! فهل بات التطبيع بين السودان وكيان يهود وشيكا؟ وبأي ثمن؟

قبل الإجابة على هذا السؤال سأذكر جانباً من طباع يهود، ولؤمهم، وحقدهم، وكيدهم في المؤامرات، والعداوة للإسلام والمسلمين، وللعلم فهذه طباعهم ما بقيت لهم قائمة إلى يوم الدين، فأقول: إن يهود لهم باع طويل في التحريف والتبديل، حتى الأحكام التي فُرضت عليهم من السماء يؤوّلونها وفق أهوائهم وأطماعهم، فعلاقتهم مع دينهم التحريف، والتغيير، والتبديل على علم. ثم إنهم في النفاق لأولو باعٍ طويلٍ لا يضرهم أن يعلنوا الإيمان ثم يخفون التآمر والكفر.

أما عن علاقتهم مع الأنبياء فمليئة بالغدر والقتل والحسد، ذكرها أمير حزب التحرير العالم الجليل عطاء بن خليل أبو الرشتة حفظه الله في كتابه "التيسير في أصول التفسير"، قال فيه واصفاً يهود: (... فكان النبي إذا جـاءهـم على غير ما يشـتـهـون قتلوه واستكبروا عنه ولم يتبعوه ﴿أَفَكُلَّمَا جَاءَكُمْ رَسُولٌ بِمَا لَا تَهْوَى أَنْفُسُكُمُ اسْتَكْبَرْتُمْ فَفَرِيقاً كَذَّبْتُمْ وَفَرِيقاً تَقْتُلُونَ﴾)، وذكر العالم الجليل علاقة يهود بالعهود، والمواثيق، فقال: (... وعلاقتهم مع العهود والمواثيق نقضٌ وإعراضٌ، وكلما أخذ الله منهم ميثاقاً نقضوه، فأخذ الله عليهم ميثاق تنفيذ التوراة فرفضوا فهددهم الله بعقاب أليم أن يرفع الجبل ويوقعه عليهم فوافقوا ثم عادوا فأعرضوا لأن النقض والإعراض عن تنفيذ المواثيق هو ديدنهم...)، فكيف بالبرهان أن يثق بقوم غضب الله عليهم ولعنهم، فيرمي بثقله في التقرب إليهم، بل باستجدائهم، بدافع الحصول على شيء من قطمير، وما هو ببالغه؟! بل ويمنّي نفسه، ويروّض شعبه، في بيان له عقب عودته من المباحثات: "سيتم عرض نتائج المباحثات على أجهزة الحكم الانتقالي بالسودان، بغية المناقشة والوصول إلى رؤية مشتركة تحقق مصالح وتطلعات الشعب السوداني" (الأناضول 2020/09/23).

إن يهود ومن ورائهم أمريكا يتلكأون في تنفيذ أوامر الله، ويصنعون التبريرات والحيل والتأويلات، فمن أين للبرهان بآلية لضمان الحصول على مصالح شعبه؟!... وهي بحسب ما أوردته صحيفة القدس العربي في 2020/09/20 نقلاً عن جيروزاليم بوست "يطلب لقاء التطبيع مع (إسرائيل) شحنات غذائية بقيمة 1.2 مليار دولار، وقرضا بقيمة 2 مليار دولار لمدة 25 عاما، والتزاما بتقديم مساعدات اقتصادية من الإمارات العربية المتحدة والولايات المتحدة"، واتفاق آخر "يتحصل بموجبه السودان على مبلغ 7 مليارات دولار كمساعدات عينية ولوجستية، فضلاً عن تسهيل حصول السودان على قروض ومنح من صندوق النقد والمانحين". (عربي بوست 2020/09/25). إضافة إلى التفاوض على إصدار تشريع يضمن عدم ملاحقة الخرطوم في أي قضايا مستقبلية!!

إن هذه الوعود هي أوهام في رأس القائمين على أمر الحكم في السودان سيضحك التاريخ على خداع يهود لهم والأمريكان. فقد اشتهر يهود، ومن ورائهم أمريكا، بمخالفة دينهم إن كان في ذلك مصلحة من جاهٍ أو سلطانٍ أو أمرٍ من الدنيا، بل إذا لزم الأمر يغيِّرون آيات الله بثمنٍ بخسٍ يتقاضونه مقابل ذلك من أية مصلحةٍ دنيويةٍ لهم، فلا قيمة ثابتة لديهم، فها هم قد حصلوا على تصريح من حكومة (البرهان/ حمدوك) الانتقالية، بمرور طيران يهود من أمريكا الجنوبية، عبر أجواء السودان إلى تل أبيب، وكانت أولى رحلاته في يوم الجمعة 2020/06/05م، ولم يحصل السودان على شيء!! فمن الغباء أن تطمع الحكومة الانتقالية، حسب البيان الرسمي الصادر من القصر الرئاسي في الخرطوم، في الحصول على قائمة طويلة من مطلوبات متوهَّمة من يهود، ومن ورائهم أمريكا هي: "رفع السودان من قائمة الدول الراعية للإرهاب، ودعم الفترة الانتقالية، وإعفاء الديون الأمريكية على السودان، وحثّ باقي الدول الصديقة على اتخاذ خطوات جادة في إعفاء الديون". (القدس العربي 2020/09/26).

إن يهود اليوم قد نحروا علاقتهم مع الله، وأفسدوها، وقطعوا حبالهم معه سبحانه وتعالى إلى يوم القيامة، فما بقي لهم إلا التطفل على الآخرين، فهم يلتصقوا بالدول الكافرة المستعمرة يستندون إليها في حلهم وترحالهم، وحبال أخرى ضعيفة تسخرها لهم الدول المستعمرة، وما اجتماع (الإمارات والبحرين)، ومن قبل مصر والأردن، المطبعين في واشنطن عنا ببعيد! وما استدعاء البرهان للإمارات تحت الضغوط الأمريكية للتطبيع مع كيان يهود بمستغرب!

إن هذه المخططات يجب أن لا تمر على أبناء الأمة المخلصين، رغم بيان مكتب نتنياهو بأن رئيس الوزراء (يعتقد أن السودان يسير في اتجاه إيجابي)، فأهل السودان يرفضون أية علاقة مع كيان يهود، ولا يقبلون بغير عقيدتهم صراطاً وعوناً لهم في حياتهم، والحاصل أن الأطراف المتشاكسة في الحكومة الانتقالية تتردد في التعامل مع هذا الملف، قال وزير الإعلام السوداني عقب زيارة بومبيو للخرطوم بغرض التطبيع مع يهود "لا تملك الحكومة الانتقالية تفويضا للتقرير بشأن التطبيع مع (إسرائيل)" (فرانس 24 في 2020/08/26م)، وذكر موقع سبوتنيك في 2020/09/25م، أن مسؤولين سودانيين "يقاومون بشدة ربط الولايات المتحدة رفع اسم السودان من قوائم الإرهاب بتطبيع الخرطوم العلاقات مع (إسرائيل)... وأبلغ مسؤول أمريكي كبير رويترز... قائلا إن هناك خلافات بين الجيش والحكومة المدنية بشأن كيفية المضي قدما"، وإني أوجه نصيحة لرئيس المجلس السيادي، بأن مسعاه هذا يستصغره أمام الله، ورسوله، والمؤمنين، وأطمع في أن ينفض يده من الجرائم الكبرى في حق الإسلام والمسلمين، وأن يرعوي مستجيباً لأمر الله سبحانه، فينصر دينه بإيصال الإسلام إلى الحكم، وإعلان دولته؛ الخلافة الراشدة على منهاج النبوة، وما ذلك على الله بعزيز.

كتبه لإذاعة المكتب الإعلامي المركزي لحزب التحرير

يعقوب إبراهيم (أبو إبراهيم) – الخرطوم

المزيد من القسم null

لا تنخدعوا بالأسماء فالعبرة بالمواقف لا بالأنساب

لا تنخدعوا بالأسماء فالعبرة بالمواقف لا بالأنساب

في كل مرة يُقدَّم لنا "رمز جديد" له جذور مسلمة أو ملامح شرقية، يهلل كثير من المسلمين، وتُبنى الآمال على وهمٍ اسمه "التمثيل السياسي" في نظامٍ كافر لا يعترف بالإسلام حكماً ولا عقيدةً ولا شريعةً.

نذكر جميعاً الفرح العارم الذي اجتاح مشاعر كثيرين عند فوز أوباما في 2008. فهو ابن كينيا، وله أب مسلم! وهنا توهم البعض أن الإسلام والمسلمين باتوا قريبين من النفوذ الأمريكي، لكن أوباما كان أحد أكثر الرؤساء إيذاءً للمسلمين فقد دمر ليبيا، وساهم في مأساة سوريا، وأشعل أفغانستان والعراق بطائراته وجنوده، بل كان سفاك الدماء في اليمن عبر أدواته وكان عهده استمراراً لعداء ممنهج ضد الأمة.

واليوم يتكرر المشهد، لكن بأسماء جديدة. فـزوهران ممداني يُحتفى به لأنه مسلم ومهاجر وشاب، وكأنه المنقذ! لكن قليلين فقط ينظرون إلى مواقفه السياسية والفكرية. هذا الرجل من الداعمين الأشداء للشواذ المثليين، ومشارك في فعالياتهم، ويعتبر انحرافهم حقوقاً إنسانية!

أي خزي هذا يُعلق عليه الناس آمالاً؟! ألم يكن تكراراً للخيبة السياسية والفكرية نفسها التي وقعت فيها الأمة مراراً وتكراراً؟! نعم لأنها تُفتن بالشكل لا بالجوهر! تُخدع بالابتسامات، وتتعامل بالعاطفة لا بالعقيدة، وبالأسماء لا بالمفاهيم، وبالرموز لا بالمبادئ!

إن هذا الانبهار بالأشكال والأسماء نتيجة غياب الوعي السياسي الشرعي، لأن الإسلام لا يقاس بالأصل أو الاسم أو العرق، بل بالالتزام بمبدأ الإسلام كاملاً؛ نظاماً وعقيدةً وشريعةً. ولا قيمة لمسلم لا يحكم بالإسلام ولا ينصره، بل يخضع للنظام الرأسمالي الكافر، ويبرر الكفر والانحرافات باسم "الحرية".

وليعلم جميع المسلمين الذين فرحوا بفوزه وظنّوا أنه بذرة خير أو بداية نهوض، أن النهوض لا يكون من داخل أنظمة الكفر، ولا بأدواتها، ولا عبر صناديق اقتراعها، ولا تحت سقف دساتيرها.

فمن يُقدّم نفسه عبر النظام الديمقراطي، ويقسم على احترام قوانينه، ثم يدافع عن الشذوذ الجنسي ويحتفل به، ويدعو إلى ما يغضب الله، فهو ليس نصيراً للإسلام ولا أملاً للأمة، بل هو أداة تلميع وتمييع، وتمثيل مزيّف لا يُقدّم ولا يؤخر.

إن ما تسمى النجاحات السياسية في الغرب لبعض الشخصيات ذات الأسماء الإسلامية، ما هي إلا فُتات يُقدَّم كمسكنات للأمة، ليقال لها: انظروا، التغيير ممكن عبر أنظمتنا.

 فما حقيقة هذا "التمثيل"؟

الغرب لا يفتح أبواب الحكم للإسلام، بل يفتحها فقط لمن يتماهى مع قيمه وأفكاره. وأي شخص يدخل نظامهم لا بد أن يقبل بدستورهم، وبقوانينهم الوضعية، وأن يتنكر لحكم الإسلام، فإن رضي بذلك، أصبح نموذجاً مقبولاً، أما المسلم الحق، فهو مرفوض عندهم من جذوره.

فمن هو زهران ممداني؟ ولماذا يُصنع هذا الوهم؟

هو شخص يحمل اسماً مسلماً لكنه متبنٍ لأجندة منحرفة مخالفة تماماً لفطرة الإسلام، من دعم المثليين، والترويج لما يُسمى بـ"حقوقهم"، وهو نموذج حي لكيف يصنع الغرب نماذجه: مسلم بالاسم، علماني بالفعل، خادم لأجندة الليبرالية الغربية لا أكثر. بل لإشغال الأمة عن طريقها الحقيقي، فبدل أن تطالب بدولة الإسلام والخلافة، تنشغل بالمقاعد النيابية والمناصب في أنظمة كفر! وبدل أن تتوجه لتحرير فلسطين، تنتظر مَن "يدافع عن غزة" من داخل الكونغرس الأمريكي أو البرلمان الأوروبي!

فحقيقة الأمر أن هذا تشويه لطريق التغيير الحقيقي، وهو إقامة الخلافة الراشدة على منهاج النبوة، التي تُعلي راية الإسلام، وتقيم شرع الله، وتوحد الأمة خلف خليفة واحد يُقاتل من ورائه ويُتقى به.

فلا تنخدعوا بالأسماء، ولا تفرحوا بمن ينتمي لكم شكلاً ويخالفكم مضموناً، فليس كل من حمل اسم سعيد أو علي أو زهران هو على طريق نبينا محمد ﷺ.

واعلموا أن التغيير لا يأتي من داخل برلمانات الكفر، بل من جيوش الأمة التي آن لها أن تتحرك، ومن شبابها الواعين الذين يعملون ليلا ونهارا لقلب الطاولة على رؤوس الغرب وأعوانه وأتباعه الخائنين في بلاد الإسلام والمسلمين.

فالمسلمون لن ينهضوا عبر انتخابات الديمقراطية ولا من خلال صناديق الغرب، بل بنهضة حقيقية على أساس العقيدة الإسلامية، بإقامة دولة الخلافة الراشدة التي تُعيد للإسلام مكانته، وللمسلمين عزّتهم، وتحطم أوهام الديمقراطية.

لا تنخدعوا بالأسماء، ولا تعلقوا آمالكم على أفراد في أنظمة كفر، بل ارجعوا إلى مشروعكم العظيم: استئناف الحياة الإسلامية، فهذا وحده طريق العزة والنصر والتمكين.

فالمشهد تكرار مُهين لمآسٍ قديمة: رموز مزيفة، وولاء للأنظمة الغربية، وانحراف عن طريق الإسلام. وكل من يُصفّق لهذا المسار، إنما يضلل الأمة. فعودوا إلى مشروع الخلافة، ولا تجعلوا أعداء الإسلام يصنعون لكم قادتكم وممثليكم. فالعزة ليست في مقاعد الديمقراطية، بل في سدة الخلافة التي يعمل لها حزب التحرير ويُحذر الأمة من هذا الانحدار الفكري والسياسي. فلا خلاص لنا إلا بدولة الخلافة، التي لا تسمح بأن يحكم المسلمين من يدين بدين غير الإسلام، ولا بمن يبرر الشذوذ والانحراف، ولا بمن يُشرّع للناس غير ما أنزل الله.

كتبه لإذاعة المكتب الإعلامي المركزي لحزب التحرير

عبد المحمود العامري – ولاية اليمن

مصر بين الشعارات الحكومية والواقع المرّ  الحقيقة الكاملة عن الفقر، والسياسات الرأسمالية

مصر بين الشعارات الحكومية والواقع المرّ

الحقيقة الكاملة عن الفقر، والسياسات الرأسمالية

نقلت بوابة الأهرام الثلاثاء 4 تشرين الثاني/نوفمبر 2025م، أن رئيس الوزراء المصري، في كلمة ألقاها نيابةً عن الرئيس في القمة العالمية الثانية للتنمية الاجتماعية في العاصمة القطرية الدوحة، قال إنّ مصر تطبّق نهجاً شاملاً للقضاء على الفقر في جميع أشكاله وأبعاده، بما في ذلك "الفقر متعدد الأبعاد".

منذ سنوات، لا يكاد يخلو خطاب رسمي في مصر من عباراتٍ مثل "نهج شامل للقضاء على الفقر" و"الانطلاقة الحقيقية للاقتصاد المصري". يكرّر المسؤولون هذه الشعارات في المؤتمرات والمناسبات، مصحوبة بصور براقة لمشروعات استثمارية وفنادق ومنتجعات. لكن الواقع، كما تشهد عليه التقارير الدولية، مختلف تماماً. فالفقر في مصر ما زال ظاهرةً راسخة، بل متفاقمة، رغم الوعود الحكومية المتكرّرة بالتحسن والنهضة.

بحسب تقارير اليونيسف والإسكوا وبرنامج الغذاء العالمي لعامي 2024 و2025، يعيش نحو واحد من كل خمسة مصريين في فقرٍ متعدد الأبعاد، أي محروم من أكثر من جانب من جوانب الحياة الأساسية كالتعليم والصحة والسكن والعمل والخدمات. كما تؤكد البيانات أن أكثر من 49% من الأسر تعاني من صعوبات في الحصول على غذاء كافٍ، وهو رقم صادم يعكس عمق الأزمة المعيشية.

أما الفقر المالي، أي انخفاض الدخل مقارنة بتكاليف المعيشة، فقد ارتفع بصورة حادة، نتيجة موجات التضخم المتلاحقة التي أكلت أجور الناس وجهودهم ومدخراتهم، حتى أصبحت نسبة كبيرة من المصريين تحت خط الفقر المالي رغم عملهم الدائم.

وبينما تتحدث الحكومة عن مبادرات مثل "تكافل وكرامة" و"حياة كريمة"، تكشف الأرقام الدولية أن هذه البرامج لم تغيّر بنية الفقر جذرياً، بل اقتصرت على مسكّنات مؤقتة أشبه بالقطرة التي تُسكب في صحراء. فما زال الريف المصري الذي يقطنه أكثر من نصف السكان، يعاني من ضعف الخدمات وانعدام فرص العمل اللائق وتهالك البنية الأساسية. ويؤكد تقرير الإسكوا أن الحرمان في الريف يفوق نظيره في المدن بعدة أضعاف، ما يدل على سوء توزيع الثروة والإهمال المزمن للأطراف.

حين يشكر رئيسُ الوزراء ابنَ البلد "الذي تحمّل مع الحكومة إجراءات الإصلاح الاقتصادي"، فإنه في الواقع يُقرّ بوجود معاناة حقيقية ناتجة عن تلك السياسات. غير أن هذا الاعتراف لا يتبعه تغيير في المنهج، بل مزيد من السير في الطريق الرأسمالي نفسه الذي سبّب الأزمة.

فالإصلاح المزعوم الذي بدأ عام 2016 ببرنامج "التعويم" ورفع الدعم وزيادة الضرائب، لم يكن إصلاحاً بل تحميلاً للفقراء كلفة الديون والعجز. وفي الوقت الذي يتحدث فيه المسؤولون عن "الانطلاقة"، تتجه الاستثمارات الضخمة إلى العقارات الفاخرة والمشروعات السياحية التي تخدم أصحاب رؤوس الأموال، بينما لا يجد ملايين الشباب فرصاً للعمل أو السكن. بل إن كثيراً من هذه المشاريع، كمنطقة علم الروم في مطروح التي تُقدّر استثماراتها بـ29 مليار دولار، هي شراكات رأسمالية أجنبية تستحوذ على الأراضي والثروات وتحوّلها إلى مصدر ربح للمستثمرين، لا مصدر رزق للناس.

النظام يفشل ليس لأنه فاسد فحسب، بل لأنه يسير على أساسٍ فكريٍّ باطلٍ هو النظام الرأسمالي، الذي يجعل المال محوراً لكل سياسات الدولة. فالرأسمالية تقوم على حرية التملك المطلقة، وتسمح بتكديس الثروة في يد القلة التي تملك أدوات الإنتاج، فيما تتحمل الكثرة عبء الضرائب والأسعار والدَّين العام.

ولهذا، فإن كل ما يُسمى "برامج حماية اجتماعية" ما هو إلا محاولة لتجميل وجه الرأسمالية الوحشي، وإطالة عمر نظامٍ جائرٍ يراعي الأغنياء ويجبي من الفقراء. فبدلاً من معالجة أصل الداء؛ أي احتكار الثروة وتبعية الاقتصاد للمؤسسات الدولية، يُكتفى بتوزيع فتات من الإعانات النقدية، لا ترفع فقراً ولا تحفظ كرامة.

إن الرعاية ليست منّةً من الحاكم على الرعية، بل واجب شرعي، ومسؤولية يحاسبه الله عليها في الدنيا والآخرة. وما يجري اليوم، هو إهمال متعمّد لشؤون الناس، وتخلٍّ عن واجب الرعاية لصالح قروضٍ مشروطة من صندوق النقد والبنك الدوليين.

لقد أصبحت الدولة وسيطاً بين الفقير والدائن الأجنبي، تفرض الضرائب وتقلّص الدعم وتبيع الممتلكات العامة لسدّ عجزٍ متضخم صنعه النظام الرأسمالي نفسه. وفي هذا كله تغيب المفاهيم الشرعية التي تضبط الاقتصاد، كتحريم الربا، ومنع تملك الثروات العامة للأفراد، ووجوب النفقة على الرعية من بيت مال المسلمين.

لقد قدم الإسلام نظاماً اقتصادياً متكاملاً يعالج الفقر من جذوره، لا بمجرد دعمٍ نقدي أو مشروعات تجميلية. هذا النظام يقوم على أسسٍ شرعيةٍ ثابتة أبرزها:

1- تحريم الربا والديون الربوية التي تُكبّل الدولة وتستنزف مواردها، فبزوال الربا تزول تبعية الاقتصاد للمؤسسات الدولية، وتُعاد السيادة المالية للأمة.

2- جعل الملكيات ثلاثة أنواع:

ملكية فردية: كالبيوت والمتاجر والمزارع الخاصة...

ملكية عامة: تشمل الثروات الكبرى كالنفط والغاز والمعادن والمياه...

ملكية دولة: كأراضي الفيء والركاز والخراج...

وبهذا التوزيع تتحقق العدالة، إذ تُمنع فئة قليلة من احتكار موارد الأمة.

3- ضمان الكفاية لكل فرد من الرعية: فالدولة تضمن لكل إنسان في رعايتها حاجاته الأساسية من مأكل وملبس ومسكن، فإن عجز عن العمل وجب على بيت المال أن ينفق عليه.

4- الزكاة والإنفاق الإلزامي: الزكاة ليست إحساناً بل فريضة، تجمعها الدولة وتصرفها في مصارفها الشرعية للفقراء والمساكين والغارمين. وهي أداة توزيع فعّالة تعيد الأموال إلى دورة الحياة في المجتمع.

مع التحفيز على العمل المنتج ومنع الاستغلال، والحثّ على استثمار الموارد في مشاريع نافعة حقيقية كالصناعات الثقيلة والحربية لا في المضاربات والعقارات الفاخرة والمشاريع الوهمية. إلى جانب ضبط الأسعار بالعرض والطلب الحقيقيين لا بالاحتكار ولا بالتعويم.

إن دولة الخلافة على منهاج النبوة هي وحدها القادرة على تطبيق هذه الأحكام عملياً، لأنها تُبنى على أساس العقيدة الإسلامية، ويكون هدفها رعاية شؤون الناس لا جباية أموالهم. ففي ظل الخلافة، لا يوجد ربا ولا قروض مشروطة، ولا بيع للثروات العامة للأجانب، بل تُدار الموارد بما يحقق مصلحة الأمة، ويتولى بيت المال تمويل الرعاية الصحية والتعليم والمرافق العامة من موارد الدولة والخراج والأنفال والملكية العامة.

أما الفقراء، فتُكفل حاجاتهم الأساسية فرداً فرداً، لا عبر صدقات مؤقتة بل كحقٍّ شرعي مضمون. ولذا فإن محاربة الفقر في الإسلام ليست شعاراً سياسياً، بل نظام حياة متكامل يُقيم العدل ويمنع الظلم ويعيد الثروة إلى أهلها.

ما بين الخطاب الرسمي والواقع المعاش مسافةٌ هائلة لا تخفى على أحد. فبينما تتغنّى الحكومة بمشروعاتها "العملاقة" وبـ"الانطلاقة الحقيقية"، يعيش ملايين المصريين تحت خط الفقر، يعانون الغلاء والبطالة وانعدام الأمل. والحقيقة أن هذه المعاناة لن تزول ما دامت مصر تسير في طريق الرأسمالية، تُسلِّم اقتصادها للمرابين وتخضع لسياسات المؤسسات الدولية.

إن أزمات ومشكلات مصر هي مشكلات إنسانية وليست مادية، وتتعلق بها أحكام شرعية تبين كيفية التعامل معها وعلاجها على أساس الإسلام، وإن الحلول أسهل من غض الطرف لكنها تحتاج إدارة مخلصة تملك إرادة حرة تريد السير في الطريق الصحيح وتريد الخير لمصر وأهلها حقا، وحينها على هذه الإدارة أن تراجع كل العقود التي أبرمت سابقا والتي تبرم مع كل الشركات التي تحتكر أصول البلاد وما هو من ملكياتها العام وعلى رأسها شركات التنقيب عن الغاز والنفط والذهب وباقي المعادن والثروات، وتطرد كل تلك الشركات لأنها في الأصل شركات استعمارية ناهبة لثروات البلاد، ثم تصوغ عهدا جديدا يقوم على تمكين الناس من ثروات البلاد وإنشاء أو استئجار شركات تقوم هي على إنتاج الثروة من منابع النفط والغاز والذهب وغيرها من المعادن وتعيد توزيع هذه الثروات على الناس من جديد، حينها سيتمكن الناس من زراعة الأرض الموات التي ستمكنهم الدولة من استغلالها بحقهم فيها، وسيتمكنون أيضا من صناعة ما يجب أن يصنع ليرتفع باقتصاد مصر ويكفي أهلها، وستدعمهم الدولة في هذا السبيل، وإن كل هذا ليس ضربا من الخيال ولا مستحيل الحدوث ولا مشروعا نعرضه للتجربة قد ينجح أو يفشل، وإنما هي أحكام شرعية لازمة ملزمة للدولة والرعية، فلا يجوز للدولة أن تفرط في ثروات البلاد التي هي ملك للناس بدعوى عقود أقرتها وأيدتها وتحميها قوانين دولية جائرة، ولا يجوز لها أن تمنع الناس منها بل يجب أن تقطع كل يد تمتد ناهبة إلى ثروات الناس، هذا ما يقدمه الإسلام ويجب تنفيذه، إلا أنه لا يطبق بمعزل عن باقي أنظمة الإسلام بل إنه لا يطبق إلا من خلال دولة الخلافة الراشدة على منهاج النبوة، هذه الدولة التي يحمل همها والدعوة إليها حزب التحرير ويدعو مصر وأهلها شعبا وجيشا إلى العمل معه من أجلها، عسى الله أن يكتب الفتح من عنده فنراها واقعا يعز الإسلام وأهله، اللهم عاجلا غير آجل.

﴿وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرَىٰ آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَفَتَحْنَا عَلَيْهِم بَرَكَاتٍ مِّنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ﴾

كتبه للمكتب الإعلامي المركزي لحزب التحرير

سعيد فضل

عضو المكتب الإعلامي لحزب التحرير في ولاية مصر