بريطانيا والقضايا الدولية  الوجود بين القوة والضعف في ظل الهيمنة الأمريكية
January 20, 2020

بريطانيا والقضايا الدولية الوجود بين القوة والضعف في ظل الهيمنة الأمريكية

بريطانيا والقضايا الدولية

الوجود بين القوة والضعف في ظل الهيمنة الأمريكية

ورد في كتاب مفاهيم سياسية لحزب التحرير: (إن الأعمال السياسية التي تقع في العالم كثيرة، وتتعلق بقضايا عدة، ولكن أهم هذه القضايا يمكن حصرها بست قضايا كبرى هي:

1- قضية أوروبا.

2- قضية الشرق الأوسط.

3- قضية آسيا الوسطى.

4- قضية شبه القارة الهندية.

5- قضية الشرق الأقصى.

6- قضية أفريقيا.

وتم حصر البحث في هذه القضايا الست للأسباب التالية:

أولها: إن الصراع القائم بين الدول الكبرى، أو التنافس فيما بينها، إنما يقع في هذه المناطق لذلك فمن الطبيعي أن تكون قضاياها هي أهم القضايا العالمية...).

ومن خلال هذه الفقرة والتي ستكون قاعدة الانطلاق في البحث والرأي السياسي في هذا المقال:

بداية مما لا شك فيه أن بريطانيا كانت هي الإمبراطورية التي لا تغيب عنها الشمس. ورد في وكيبيديا عن بريطانيا (أضخم إمبراطورية في تاريخ العالم حتى الآن، وكانت لأكثر من قرن القوة العالمية الأولى. وبسطت سلطتها في سنة 1913 على تعداد سكاني يقارب 412 مليون شخص أي حوالي 23% من سكان العالم في ذلك الوقت، وغطت في سنة 1920 مساحة 35,500,000 كـم2 (13,700,000 ميل2) أي تقريبا 24% من مساحة الكرة الأرضية. ونتيجة لذلك، فإن إرثها السياسي والقانوني واللغوي والثقافي منتشر على نطاق واسع. وبسبب اتساع حجمها في أوج قوتها استخدمت عبارة "الإمبراطورية التي لا تغيب عنها الشمس" في كثير من الأحيان لوصف الإمبراطورية البريطانية لأن امتدادها حول العالم يعني أن الشمس كانت دائما مشرقة على أراضيها).

وبريطانيا كانت تتحكم بالعالم بشكل كبير وتتعامل بتوازن القوى في أوروبا بين فرنسا وألمانيا وكانت مستعمِرة لأغلب دول الشرق الأوسط بفارق كبير بينها وبين فرنسا ولها وجود قوي جدا في شرق آسيا ولم تشعر بالخطر على كيانها إلا مع ألمانيا النازية وإذاقتها مرارة الهزيمة مع الدولة الإسلامية في أكثر من واقعة ومعركة وإخراجها من بيت المقدس وكذلك وجودها الكبير والعريق في أفريقيا فضلا عن احتلالها لجزر كثيرة في البحار والمحيطات ومنها الفوكلاند على سواحل الأرجنتين، إضافة لقواعدها العسكرية المنتشرة في العالم، فوجودها الدولي كان كبيرا وكانت تفتخر بمقولة الإمبراطورية التي لا تغيب عنها الشمس وهذا بحث تاريخي لا يختلف عليه اثنان ولكن هل لبريطانيا الآن هذه المكانة الدولية والتحكم بالموقف الدولي الذي كان سابقا أم ضعفت وتراجعت عن مكانتها ودورها السياسي أم أُخرجت منه وأصبحت دولة تعاني عقدة التاريخ وأزمة الواقع المرير أم كما يحلو للبعض بوصفها تابعة للولايات المتحدة؟

والحقيقة التي يجب ألا تغيب عن البال هي أن بريطانيا دولة مستقلة وذات تاريخ استعماري ولم تواجه خطرا حقيقيا إلا من ألمانيا النازية والدولة الإسلامية وهي ليست تابعة وعميلة، بل إن الصراع بينها وبين أمريكا هو صراع حقيقي يظهر بقوة في مناطق ويضعف في مناطق ويكون خفيا في مناطق أخرى، والضعف والاختفاء للصراع لا يعني عدم وجوده نهائيا بل يظهر للمتابع السياسي صاحب النظرة الثاقبة لأن دوافع الصراع بين الدول قائمة لا تنتهي قديما وحديثا (والتنافس والتشاحن والتصارع الموجود اليوم، بين أمريكا، وبريطانيا، وفرنسا، وروسيا، الظاهر منها والخفي، حول قضايا العراق، وأفغانستان، والشرق الأوسط، وغيرها من القضايا الدولية، إنما هو من أجل الاستعمار، ومن أجل السيطرة على المنافع والموارد؛ لذلك فإن الاستعمار هو الذي يتحكم في الصراع الدولي الآن، بما يتضمنه من نـزاع على الموارد، وصراع على النفوذ، وتنافس على السيطرة بكافة أشكالها وأنواعها.) (مفاهيم سياسية).

والصراع لا يعني الحرب بداية بل الحرب هي شكل من أشكال الصراع وهي أعنف الأشكال وتتحدد نتائجه في أرض المعركة بخلاف الأشكال الأخرى وخاصة الصراع السياسي الذي يعتبر بحق أخطر أنواع الصراع وخاصة الخفي منه "فمُصطلح الصّراع يدلّ على مواقف تتضمّن تَعارضاً مُعيّناً وصَريحاً في الأهداف والقِيم ومَصالح الأطراف المتصارعة"، كما عرّفه جوزيف فرانكل بأنّه "موقف ينتج عن اختلاف في المصالح القومية والأهداف"، وعرّفه لويس كوسر بأنّه "عبارة عن تنافس على القوّة والموارد والقيم يهدف فيه كل طرف من أطراف التنافس إلى تصفية أو تجسيد أو إيذاء الطرف الآخر".

وتتحدد أشكال الصراع تبعا لنقاط مهمة جدا أبرزها قوة الدولة سواء منها الصراع العسكري أو السياسي أو الاقتصادي. فقد يكون الصراع عسكريا تبعا لقوة الدولة، فالدولة الضعيفة مثلا لا تلجأ للصراع العسكري بل تلجأ إلى الصراع السياسي أو من خلال القانون الدولي (مجلس الأمن) أو لكون الأمر محل النزاع مصلحة استراتيجية تتخذ الدولة معها إجراء الحرب ولو تفاوتت القوة العسكرية ويكون الصراع السياسي أيضا تبعا لظروف ومتطلبات أخرى تفرضها مرحلة معينة أو ضعف عن المواجهة العسكرية أو المشكلة تتطلب صراعا سياسيا وليس غيره... فلكل شكل من أشكال الصراع ظروفه ومتطلباته وإمكانياته وأدواته، والأمر يتعلق بدراسة الواقع وطرفي الصراع ومحل الصراع وما يقتضيه.

ونعود لبحث مسألة بريطانيا، فلا شك أن دوافع الصراع قائمة بينها وبين الولايات المتحدة، وبداية لا بد من فهم واقع الدولة البريطانية:

 إن بريطانيا دولة هي استعمارية تعيش على المستعمرات، وتركيبها من حيث المجتمع هو تركيب رأسمالي مبني على الطبقية. والحكم والسلطان فيها تتولاه الفئة الغنية من أصحاب الشركات والرأسماليين الكبار واللوردات، وهؤلاء يشكلون حزب المحافظين وهم الذين يتولون السلطة الفعلية منذ مئات السنين، لذا كان حزب المحافظين هو الحزب الحقيقي والقوي، إلا أن الإنجليز جرت عادتهم وصار عرفا دستوريا لديهم أن توجد هناك معارضة من أجل إبراز مسألة الحريات ومن أجل إظهار أن الشعب كله يحكم وليست فئة الرأسماليين فقط فدرجوا على إنشاء أحزاب للمعارضة، وبناء على هذه الفكرة وجد حزب العمال وغيره. والحقيقة هي أنها أحزاب شكلية وأدوات للمحافظين تأتي بهم في حالات وتخرجهم في حالات، ولأن بريطانيا الآن تشهد صراعا حقيقيا مع الولايات المتحدة والعمال غير قادرين على القيام بهذا الدور، فقد تولى المحافظون الحكم منذ فترة طويلة وكأن حزب العمال غير موجود رغم أن دوافع نجاحه موجودة وإخفاقات المحافظين واضحة لكنها حتمية المرحلة وضرورتها!

فالولايات المتحدة أخذت مكان بريطانيا ودورها الدولي لا بل عملت على إخراجها، يرى المؤرخ الفرنسي جان جاك بيكر أن الحرب العالمية الأولى "سجلت وصول الولايات المتحدة إلى الحياة الدولية التي لم تخرج منها بعد ذلك حتى إنها احتلت فيها تدريجيا المكانة الأولى على حساب أوروبا".

 وكان وصف الرئيس الأمريكي وودرو ويلسون بعد الحرب العالمية الأولى للصراع الأوروبي أن "بريطانيا تمتلك العالم وألمانيا تريده"، في إشارة منه لضرورة البحث عن مكانة أمريكا وسط الأطراف الأوروبية المتهالكة إثر الحرب.

ولكن بريطانيا بعد الحرب العالمية الثانية نزلت عن مكانتها الدولية أكثر، وأخذت الدول الجديدة تعمل لإخراجها من الموقف الدولي والقضايا الدولية والمشاورات الدولية مستغلة تراجعها ومستغلة قوة الدولة الجديدة وأدواتها وسيطرتها على المؤسسات الدولية خاصة بعد مؤتمر الوفاق الدولي بين العملاقين (أمريكا والاتحاد السوفييتي) في 1961 من أجل حصر بريطانيا بحدودها فقط وعدم إشراكها في الموقف الدولي بعد القضاء على دورها في كافة القضايا الدولية الست وإخراجها هي وفرنسا من مستعمراتها. فمثلا في سياسة الوفاق بين العملاقين خنست بريطانيا وضعف تأثير عملائها، فعملت أمريكا على أخذ بعض عملاء بريطانيا نتيجة قوة العسكرية الأمريكية وحسن التخطيط السياسي الاستراتيجي حيث تمكنت أمريكا من امتلاك أوراق سياسية كثيرة عند اشتراكها في الحرب العالمية الثانية، ودفعت بريطانيا الثمن غالياً لأمريكا لإنقاذها من الموت، فقد تم توقيع اتفاق الأطلنطي بين روزفلت وتشرتشل الذي تم بموجبه دخول أمريكا مناطق النفوذ البريطاني، وقد استفادت أمريكا كثيراً من هذا الاتفاق، وأخذت ترحِّل بريطانيا من مناطق نفوذها وتحل محلها، وقد استعملت أمريكا سلاحين اثنين في ترويض أوروبا وهما: مشروع مارشال وحلف الأطلسي.

وحتى نخرج بدارسة من شقين في تحديد دور بريطانيا في ظل الهيمنة الأمريكية لا بد من أمرين:

الأول: فكري من حيث القاعدة التي وضعت في بداية البحث وهي أن الحكم على بريطانيا يجب أن يكون من خلال القضايا الدولية الست السالف ذكرها كاملة، وليس من خلال بحث دور بريطانيا أو ضعفها في قضية دولية أو جزء من قضية دولية. فمثلا لوحظ الضعف البريطاني في العراق وتركيا والسعودية وحتى ليببا بعد أن كانت ذات شأن كبير في تلك البلاد لكنها لا زالت قوية مثلا في الجزائر والمغرب، ويظهر الصراع القوي والعسكري بينها وبين أمريكا من خلال الأدوات في اليمن وليبيا، ومنافسة واضحة وكبيرة في الأردن، وصمت تجاه دول الخليج بعدم الوقوف علنا بوجه المخططات الأمريكية وعدم السير معها كما تريد أمريكا بل سير المكرَه والمتربص للنفاذ والتعطيل والهروب، فلا يُحكم عليها من خلال جزء من قضية دولية، والأصل الحكم من خلال وجودها في القضايا الست وليس واحدة فقط أو جزء من قضية أو مسألة دولية، وبريطانيا مثلا يحسب لها حساب في القضية الأوروبية وأفريقيا وجزء من شرق آسيا ولا زالت موجودة في شبه القارة الهندية ومنطقة الشرق الأوسط بغض النظر عن قوة الوجود أو ضعفه أو خفائه لوقت ظهور ضعف عملاء أمريكا كما في السودان وإيران، فيظهر عملاء بريطانيا بقوة كما حدث في السودان ودورها بل ودخول سفيرها مباشرة على الخط، وهذه تحتاج معرفة دقيقة جدا للوجود البريطاني وقوة العملاء في الدولة أو الارتباط بالمستعمر القديم مع عدم الظهور لوقت تتأزم فيه الأنظمة التابعة لأمريكا أو يظهر فيها حراك أو بداية تحرك وثورة فيخرج عملاؤها من تحت الأرض بعدما كان يظن بانتهاء عملائها

في ذلك البلد، وهذا عادة يكون في حالة قوة السلطة التابعة لأمريكا بحيث تخشى بريطانيا على عملائها فتطلب منهم السكون أو الانحناء للعاصفة خشية التعرض لها فتجتثها من جذورها.

لذا نرى أن العلاقة الأمريكية البريطانية تكون أحيانا متوافقة تبعا لمصالح بريطانيا وليس ارتباطا كما في قضية فلسطين، فحل الدولتين هو ما تحمله بريطانيا بعد موت مشروع الدولة الواحدة ولا يوجد حل آخر دولي حاليا.

وهناك مثلا اختلاف في النظرة في التعامل مع روسيا سواء في الشرق الأوسط أو في عقر دارها أو محيطها الإقليمي، أو تكون العلاقة بين بريطانيا وأمريكا في حالة منافسة نتيجة كون البلد محل البحث ليس أولوية في جدول الاهتمام للقوى الدولية أو تعمل فيها بنفس الصبر الاستراتيجي وطول النفس وبناء الوسط السياسي، أو تكون العلاقة صراعا بنوعيه الظاهر والخفي تبعا لقوة بريطانيا أو ضعفها أو انشغالها بقضايا أكثر حساسية واستراتيجية، أو لأمور تتعلق بالميحط الإقليمي وضعف الأدوات لأن قوة بريطانيا لا تكمن بقوة المركز بل بقوة العملاء والأدوات مع قوة الدهاء والخبث الإنجليزي.

والبحث الثاني هو دراسة واقعية عملية لمناطق النفوذ والتأثير البريطاني في القضايا الست، وهذا بحث طويل يحتاج إلى دراسة حقيقة الوجود البريطاني في القضايا الست والدول العميلة لها وأثر هذه الدول في القضية التي تتبع لها بين القوة والضعف.

والخلاصة من البحث كله هي أن بريطانيا نزلت عما كانت عليه بلا شك وأُخرجت من أماكن وضعفت في أماكن لكنها لا زالت موجودة في أماكن وقوية في أخرى ومتحوصلة في بلاد تنتظر المناخ الملائم لها فلم تنته بوجودها في القضايا الست حتى يحكم عليها بالموت أو الاندثار أو التبعية وإنما وجود مع مرض اشتدت أوجاعها فيه مع ما آلت إليه من ضعف واضح في مناطق جعل البعض يقول بموتها أو تبعيتها مع الإقرار التام بعدم قدرة بريطانيا لأن تعود لاعبا قويا كما كانت سابقا، فعقارب الساعة لا تعود للوراء، فضلا عما استجد لبريطانيا من معضلات ومشاكل استراتيجية سواء في تمدد أمريكا في أوروبا أو دخولها أفريقيا واستخدام أو إدخال أمريكا لروسيا والصين في الشرق الأوسط وأفريقيا لمنافسة الاستعمار القديم ومحاولة أمريكا على توسيع الرقعة أكثر بين أوروبا وروسيا من خلال الانسحاب من معاهدة الصواريخ والثورات التي تجتاح المنطقة الإسلامية ودخول الأمة كلاعب حقيقي والنمو السريع للمد الإسلامي والرأي العام للخلافة والإسلام والحنين لتاريخ العظمة والعمل لها وضمور الشخصيات السياسية الإنجليزية التي كانت أكثر الدول العربية إنتاجا للسياسيين... ولعل هذه النقاط تكون في مقال آخر إن شاء الله.

قال تعالى: ﴿وَتِلْكَ الأيَّامُ نُدَاوِلُهَا بَيْنَ النَّاسِ﴾ [آل عمران: 140]

كتبه للمكتب الإعلامي المركزي لحزب التحرير

حسن حمدان

المزيد من القسم null

لا تنخدعوا بالأسماء فالعبرة بالمواقف لا بالأنساب

لا تنخدعوا بالأسماء فالعبرة بالمواقف لا بالأنساب

في كل مرة يُقدَّم لنا "رمز جديد" له جذور مسلمة أو ملامح شرقية، يهلل كثير من المسلمين، وتُبنى الآمال على وهمٍ اسمه "التمثيل السياسي" في نظامٍ كافر لا يعترف بالإسلام حكماً ولا عقيدةً ولا شريعةً.

نذكر جميعاً الفرح العارم الذي اجتاح مشاعر كثيرين عند فوز أوباما في 2008. فهو ابن كينيا، وله أب مسلم! وهنا توهم البعض أن الإسلام والمسلمين باتوا قريبين من النفوذ الأمريكي، لكن أوباما كان أحد أكثر الرؤساء إيذاءً للمسلمين فقد دمر ليبيا، وساهم في مأساة سوريا، وأشعل أفغانستان والعراق بطائراته وجنوده، بل كان سفاك الدماء في اليمن عبر أدواته وكان عهده استمراراً لعداء ممنهج ضد الأمة.

واليوم يتكرر المشهد، لكن بأسماء جديدة. فـزوهران ممداني يُحتفى به لأنه مسلم ومهاجر وشاب، وكأنه المنقذ! لكن قليلين فقط ينظرون إلى مواقفه السياسية والفكرية. هذا الرجل من الداعمين الأشداء للشواذ المثليين، ومشارك في فعالياتهم، ويعتبر انحرافهم حقوقاً إنسانية!

أي خزي هذا يُعلق عليه الناس آمالاً؟! ألم يكن تكراراً للخيبة السياسية والفكرية نفسها التي وقعت فيها الأمة مراراً وتكراراً؟! نعم لأنها تُفتن بالشكل لا بالجوهر! تُخدع بالابتسامات، وتتعامل بالعاطفة لا بالعقيدة، وبالأسماء لا بالمفاهيم، وبالرموز لا بالمبادئ!

إن هذا الانبهار بالأشكال والأسماء نتيجة غياب الوعي السياسي الشرعي، لأن الإسلام لا يقاس بالأصل أو الاسم أو العرق، بل بالالتزام بمبدأ الإسلام كاملاً؛ نظاماً وعقيدةً وشريعةً. ولا قيمة لمسلم لا يحكم بالإسلام ولا ينصره، بل يخضع للنظام الرأسمالي الكافر، ويبرر الكفر والانحرافات باسم "الحرية".

وليعلم جميع المسلمين الذين فرحوا بفوزه وظنّوا أنه بذرة خير أو بداية نهوض، أن النهوض لا يكون من داخل أنظمة الكفر، ولا بأدواتها، ولا عبر صناديق اقتراعها، ولا تحت سقف دساتيرها.

فمن يُقدّم نفسه عبر النظام الديمقراطي، ويقسم على احترام قوانينه، ثم يدافع عن الشذوذ الجنسي ويحتفل به، ويدعو إلى ما يغضب الله، فهو ليس نصيراً للإسلام ولا أملاً للأمة، بل هو أداة تلميع وتمييع، وتمثيل مزيّف لا يُقدّم ولا يؤخر.

إن ما تسمى النجاحات السياسية في الغرب لبعض الشخصيات ذات الأسماء الإسلامية، ما هي إلا فُتات يُقدَّم كمسكنات للأمة، ليقال لها: انظروا، التغيير ممكن عبر أنظمتنا.

 فما حقيقة هذا "التمثيل"؟

الغرب لا يفتح أبواب الحكم للإسلام، بل يفتحها فقط لمن يتماهى مع قيمه وأفكاره. وأي شخص يدخل نظامهم لا بد أن يقبل بدستورهم، وبقوانينهم الوضعية، وأن يتنكر لحكم الإسلام، فإن رضي بذلك، أصبح نموذجاً مقبولاً، أما المسلم الحق، فهو مرفوض عندهم من جذوره.

فمن هو زهران ممداني؟ ولماذا يُصنع هذا الوهم؟

هو شخص يحمل اسماً مسلماً لكنه متبنٍ لأجندة منحرفة مخالفة تماماً لفطرة الإسلام، من دعم المثليين، والترويج لما يُسمى بـ"حقوقهم"، وهو نموذج حي لكيف يصنع الغرب نماذجه: مسلم بالاسم، علماني بالفعل، خادم لأجندة الليبرالية الغربية لا أكثر. بل لإشغال الأمة عن طريقها الحقيقي، فبدل أن تطالب بدولة الإسلام والخلافة، تنشغل بالمقاعد النيابية والمناصب في أنظمة كفر! وبدل أن تتوجه لتحرير فلسطين، تنتظر مَن "يدافع عن غزة" من داخل الكونغرس الأمريكي أو البرلمان الأوروبي!

فحقيقة الأمر أن هذا تشويه لطريق التغيير الحقيقي، وهو إقامة الخلافة الراشدة على منهاج النبوة، التي تُعلي راية الإسلام، وتقيم شرع الله، وتوحد الأمة خلف خليفة واحد يُقاتل من ورائه ويُتقى به.

فلا تنخدعوا بالأسماء، ولا تفرحوا بمن ينتمي لكم شكلاً ويخالفكم مضموناً، فليس كل من حمل اسم سعيد أو علي أو زهران هو على طريق نبينا محمد ﷺ.

واعلموا أن التغيير لا يأتي من داخل برلمانات الكفر، بل من جيوش الأمة التي آن لها أن تتحرك، ومن شبابها الواعين الذين يعملون ليلا ونهارا لقلب الطاولة على رؤوس الغرب وأعوانه وأتباعه الخائنين في بلاد الإسلام والمسلمين.

فالمسلمون لن ينهضوا عبر انتخابات الديمقراطية ولا من خلال صناديق الغرب، بل بنهضة حقيقية على أساس العقيدة الإسلامية، بإقامة دولة الخلافة الراشدة التي تُعيد للإسلام مكانته، وللمسلمين عزّتهم، وتحطم أوهام الديمقراطية.

لا تنخدعوا بالأسماء، ولا تعلقوا آمالكم على أفراد في أنظمة كفر، بل ارجعوا إلى مشروعكم العظيم: استئناف الحياة الإسلامية، فهذا وحده طريق العزة والنصر والتمكين.

فالمشهد تكرار مُهين لمآسٍ قديمة: رموز مزيفة، وولاء للأنظمة الغربية، وانحراف عن طريق الإسلام. وكل من يُصفّق لهذا المسار، إنما يضلل الأمة. فعودوا إلى مشروع الخلافة، ولا تجعلوا أعداء الإسلام يصنعون لكم قادتكم وممثليكم. فالعزة ليست في مقاعد الديمقراطية، بل في سدة الخلافة التي يعمل لها حزب التحرير ويُحذر الأمة من هذا الانحدار الفكري والسياسي. فلا خلاص لنا إلا بدولة الخلافة، التي لا تسمح بأن يحكم المسلمين من يدين بدين غير الإسلام، ولا بمن يبرر الشذوذ والانحراف، ولا بمن يُشرّع للناس غير ما أنزل الله.

كتبه لإذاعة المكتب الإعلامي المركزي لحزب التحرير

عبد المحمود العامري – ولاية اليمن

مصر بين الشعارات الحكومية والواقع المرّ  الحقيقة الكاملة عن الفقر، والسياسات الرأسمالية

مصر بين الشعارات الحكومية والواقع المرّ

الحقيقة الكاملة عن الفقر، والسياسات الرأسمالية

نقلت بوابة الأهرام الثلاثاء 4 تشرين الثاني/نوفمبر 2025م، أن رئيس الوزراء المصري، في كلمة ألقاها نيابةً عن الرئيس في القمة العالمية الثانية للتنمية الاجتماعية في العاصمة القطرية الدوحة، قال إنّ مصر تطبّق نهجاً شاملاً للقضاء على الفقر في جميع أشكاله وأبعاده، بما في ذلك "الفقر متعدد الأبعاد".

منذ سنوات، لا يكاد يخلو خطاب رسمي في مصر من عباراتٍ مثل "نهج شامل للقضاء على الفقر" و"الانطلاقة الحقيقية للاقتصاد المصري". يكرّر المسؤولون هذه الشعارات في المؤتمرات والمناسبات، مصحوبة بصور براقة لمشروعات استثمارية وفنادق ومنتجعات. لكن الواقع، كما تشهد عليه التقارير الدولية، مختلف تماماً. فالفقر في مصر ما زال ظاهرةً راسخة، بل متفاقمة، رغم الوعود الحكومية المتكرّرة بالتحسن والنهضة.

بحسب تقارير اليونيسف والإسكوا وبرنامج الغذاء العالمي لعامي 2024 و2025، يعيش نحو واحد من كل خمسة مصريين في فقرٍ متعدد الأبعاد، أي محروم من أكثر من جانب من جوانب الحياة الأساسية كالتعليم والصحة والسكن والعمل والخدمات. كما تؤكد البيانات أن أكثر من 49% من الأسر تعاني من صعوبات في الحصول على غذاء كافٍ، وهو رقم صادم يعكس عمق الأزمة المعيشية.

أما الفقر المالي، أي انخفاض الدخل مقارنة بتكاليف المعيشة، فقد ارتفع بصورة حادة، نتيجة موجات التضخم المتلاحقة التي أكلت أجور الناس وجهودهم ومدخراتهم، حتى أصبحت نسبة كبيرة من المصريين تحت خط الفقر المالي رغم عملهم الدائم.

وبينما تتحدث الحكومة عن مبادرات مثل "تكافل وكرامة" و"حياة كريمة"، تكشف الأرقام الدولية أن هذه البرامج لم تغيّر بنية الفقر جذرياً، بل اقتصرت على مسكّنات مؤقتة أشبه بالقطرة التي تُسكب في صحراء. فما زال الريف المصري الذي يقطنه أكثر من نصف السكان، يعاني من ضعف الخدمات وانعدام فرص العمل اللائق وتهالك البنية الأساسية. ويؤكد تقرير الإسكوا أن الحرمان في الريف يفوق نظيره في المدن بعدة أضعاف، ما يدل على سوء توزيع الثروة والإهمال المزمن للأطراف.

حين يشكر رئيسُ الوزراء ابنَ البلد "الذي تحمّل مع الحكومة إجراءات الإصلاح الاقتصادي"، فإنه في الواقع يُقرّ بوجود معاناة حقيقية ناتجة عن تلك السياسات. غير أن هذا الاعتراف لا يتبعه تغيير في المنهج، بل مزيد من السير في الطريق الرأسمالي نفسه الذي سبّب الأزمة.

فالإصلاح المزعوم الذي بدأ عام 2016 ببرنامج "التعويم" ورفع الدعم وزيادة الضرائب، لم يكن إصلاحاً بل تحميلاً للفقراء كلفة الديون والعجز. وفي الوقت الذي يتحدث فيه المسؤولون عن "الانطلاقة"، تتجه الاستثمارات الضخمة إلى العقارات الفاخرة والمشروعات السياحية التي تخدم أصحاب رؤوس الأموال، بينما لا يجد ملايين الشباب فرصاً للعمل أو السكن. بل إن كثيراً من هذه المشاريع، كمنطقة علم الروم في مطروح التي تُقدّر استثماراتها بـ29 مليار دولار، هي شراكات رأسمالية أجنبية تستحوذ على الأراضي والثروات وتحوّلها إلى مصدر ربح للمستثمرين، لا مصدر رزق للناس.

النظام يفشل ليس لأنه فاسد فحسب، بل لأنه يسير على أساسٍ فكريٍّ باطلٍ هو النظام الرأسمالي، الذي يجعل المال محوراً لكل سياسات الدولة. فالرأسمالية تقوم على حرية التملك المطلقة، وتسمح بتكديس الثروة في يد القلة التي تملك أدوات الإنتاج، فيما تتحمل الكثرة عبء الضرائب والأسعار والدَّين العام.

ولهذا، فإن كل ما يُسمى "برامج حماية اجتماعية" ما هو إلا محاولة لتجميل وجه الرأسمالية الوحشي، وإطالة عمر نظامٍ جائرٍ يراعي الأغنياء ويجبي من الفقراء. فبدلاً من معالجة أصل الداء؛ أي احتكار الثروة وتبعية الاقتصاد للمؤسسات الدولية، يُكتفى بتوزيع فتات من الإعانات النقدية، لا ترفع فقراً ولا تحفظ كرامة.

إن الرعاية ليست منّةً من الحاكم على الرعية، بل واجب شرعي، ومسؤولية يحاسبه الله عليها في الدنيا والآخرة. وما يجري اليوم، هو إهمال متعمّد لشؤون الناس، وتخلٍّ عن واجب الرعاية لصالح قروضٍ مشروطة من صندوق النقد والبنك الدوليين.

لقد أصبحت الدولة وسيطاً بين الفقير والدائن الأجنبي، تفرض الضرائب وتقلّص الدعم وتبيع الممتلكات العامة لسدّ عجزٍ متضخم صنعه النظام الرأسمالي نفسه. وفي هذا كله تغيب المفاهيم الشرعية التي تضبط الاقتصاد، كتحريم الربا، ومنع تملك الثروات العامة للأفراد، ووجوب النفقة على الرعية من بيت مال المسلمين.

لقد قدم الإسلام نظاماً اقتصادياً متكاملاً يعالج الفقر من جذوره، لا بمجرد دعمٍ نقدي أو مشروعات تجميلية. هذا النظام يقوم على أسسٍ شرعيةٍ ثابتة أبرزها:

1- تحريم الربا والديون الربوية التي تُكبّل الدولة وتستنزف مواردها، فبزوال الربا تزول تبعية الاقتصاد للمؤسسات الدولية، وتُعاد السيادة المالية للأمة.

2- جعل الملكيات ثلاثة أنواع:

ملكية فردية: كالبيوت والمتاجر والمزارع الخاصة...

ملكية عامة: تشمل الثروات الكبرى كالنفط والغاز والمعادن والمياه...

ملكية دولة: كأراضي الفيء والركاز والخراج...

وبهذا التوزيع تتحقق العدالة، إذ تُمنع فئة قليلة من احتكار موارد الأمة.

3- ضمان الكفاية لكل فرد من الرعية: فالدولة تضمن لكل إنسان في رعايتها حاجاته الأساسية من مأكل وملبس ومسكن، فإن عجز عن العمل وجب على بيت المال أن ينفق عليه.

4- الزكاة والإنفاق الإلزامي: الزكاة ليست إحساناً بل فريضة، تجمعها الدولة وتصرفها في مصارفها الشرعية للفقراء والمساكين والغارمين. وهي أداة توزيع فعّالة تعيد الأموال إلى دورة الحياة في المجتمع.

مع التحفيز على العمل المنتج ومنع الاستغلال، والحثّ على استثمار الموارد في مشاريع نافعة حقيقية كالصناعات الثقيلة والحربية لا في المضاربات والعقارات الفاخرة والمشاريع الوهمية. إلى جانب ضبط الأسعار بالعرض والطلب الحقيقيين لا بالاحتكار ولا بالتعويم.

إن دولة الخلافة على منهاج النبوة هي وحدها القادرة على تطبيق هذه الأحكام عملياً، لأنها تُبنى على أساس العقيدة الإسلامية، ويكون هدفها رعاية شؤون الناس لا جباية أموالهم. ففي ظل الخلافة، لا يوجد ربا ولا قروض مشروطة، ولا بيع للثروات العامة للأجانب، بل تُدار الموارد بما يحقق مصلحة الأمة، ويتولى بيت المال تمويل الرعاية الصحية والتعليم والمرافق العامة من موارد الدولة والخراج والأنفال والملكية العامة.

أما الفقراء، فتُكفل حاجاتهم الأساسية فرداً فرداً، لا عبر صدقات مؤقتة بل كحقٍّ شرعي مضمون. ولذا فإن محاربة الفقر في الإسلام ليست شعاراً سياسياً، بل نظام حياة متكامل يُقيم العدل ويمنع الظلم ويعيد الثروة إلى أهلها.

ما بين الخطاب الرسمي والواقع المعاش مسافةٌ هائلة لا تخفى على أحد. فبينما تتغنّى الحكومة بمشروعاتها "العملاقة" وبـ"الانطلاقة الحقيقية"، يعيش ملايين المصريين تحت خط الفقر، يعانون الغلاء والبطالة وانعدام الأمل. والحقيقة أن هذه المعاناة لن تزول ما دامت مصر تسير في طريق الرأسمالية، تُسلِّم اقتصادها للمرابين وتخضع لسياسات المؤسسات الدولية.

إن أزمات ومشكلات مصر هي مشكلات إنسانية وليست مادية، وتتعلق بها أحكام شرعية تبين كيفية التعامل معها وعلاجها على أساس الإسلام، وإن الحلول أسهل من غض الطرف لكنها تحتاج إدارة مخلصة تملك إرادة حرة تريد السير في الطريق الصحيح وتريد الخير لمصر وأهلها حقا، وحينها على هذه الإدارة أن تراجع كل العقود التي أبرمت سابقا والتي تبرم مع كل الشركات التي تحتكر أصول البلاد وما هو من ملكياتها العام وعلى رأسها شركات التنقيب عن الغاز والنفط والذهب وباقي المعادن والثروات، وتطرد كل تلك الشركات لأنها في الأصل شركات استعمارية ناهبة لثروات البلاد، ثم تصوغ عهدا جديدا يقوم على تمكين الناس من ثروات البلاد وإنشاء أو استئجار شركات تقوم هي على إنتاج الثروة من منابع النفط والغاز والذهب وغيرها من المعادن وتعيد توزيع هذه الثروات على الناس من جديد، حينها سيتمكن الناس من زراعة الأرض الموات التي ستمكنهم الدولة من استغلالها بحقهم فيها، وسيتمكنون أيضا من صناعة ما يجب أن يصنع ليرتفع باقتصاد مصر ويكفي أهلها، وستدعمهم الدولة في هذا السبيل، وإن كل هذا ليس ضربا من الخيال ولا مستحيل الحدوث ولا مشروعا نعرضه للتجربة قد ينجح أو يفشل، وإنما هي أحكام شرعية لازمة ملزمة للدولة والرعية، فلا يجوز للدولة أن تفرط في ثروات البلاد التي هي ملك للناس بدعوى عقود أقرتها وأيدتها وتحميها قوانين دولية جائرة، ولا يجوز لها أن تمنع الناس منها بل يجب أن تقطع كل يد تمتد ناهبة إلى ثروات الناس، هذا ما يقدمه الإسلام ويجب تنفيذه، إلا أنه لا يطبق بمعزل عن باقي أنظمة الإسلام بل إنه لا يطبق إلا من خلال دولة الخلافة الراشدة على منهاج النبوة، هذه الدولة التي يحمل همها والدعوة إليها حزب التحرير ويدعو مصر وأهلها شعبا وجيشا إلى العمل معه من أجلها، عسى الله أن يكتب الفتح من عنده فنراها واقعا يعز الإسلام وأهله، اللهم عاجلا غير آجل.

﴿وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرَىٰ آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَفَتَحْنَا عَلَيْهِم بَرَكَاتٍ مِّنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ﴾

كتبه للمكتب الإعلامي المركزي لحزب التحرير

سعيد فضل

عضو المكتب الإعلامي لحزب التحرير في ولاية مصر