April 11, 2020 3797 مشاهدة

بيجين +25: هل سقط قناع المساواة بين الجنسين؟ الكلمة الخامسة: تقدم أم اضطهاد من رواية: "تمكين المرأة من خلال التوظيف"؟

بيجين +25: هل سقط قناع المساواة بين الجنسين؟

الكلمة الخامسة: تقدم أم اضطهاد من رواية: "تمكين المرأة من خلال التوظيف"؟

(مترجم)

انتقادات لوعود إعلان بيجين +25 في المجال الاقتصادي:

"نحن غاضبون. 25 سنة منذ بيجين، نحن بعيدون عن الوصول إلى المساواة بين الجنسين. عدم المساواة في الثروة والسلطة والموارد أكبر من أي وقت مضى".

عبرت الشابات والنسويات من هذا البيان الحاسم في جميع أنحاء منطقة آسيا والمحيط الهادئ اللواتي اجتمعن في منتدى المجتمع المدني للشباب والنسوية في بانكوك في 22-26 تشرين الثاني/نوفمبر 2019، الذي نظمته اللجنة الاقتصادية والاجتماعية لآسيا والمحيط الهادئ التابعة للأمم المتحدة. تم تنظيم المنتدى للاحتفال بالذكرى السنوية الخامسة والعشرين لإعلان ومنهاج عمل بيجين. في المجال الاقتصادي لإعلان ومنهاج عمل بيجين، هناك العديد من الأهداف الاستراتيجية التي تهدف إلى تعزيز الاعتماد على الذات والحقوق الاقتصادية للمرأة، بما في ذلك المساواة في الوصول إلى العمل، وجدوى بيئة العمل، وكذلك تعزيز تنسيق المسؤوليات بين العمل والحياة الأسرية للنساء والرجال. في الواقع، يعد "تمكين المرأة من خلال التوظيف" موضوعاً رئيسياً من خلال جزء كبير من إعلان ومنهاج عمل بيجين، ويتم تناوله في "مجالات الاهتمام" المختلفة.

يُقال إن زيادة عمالة المرأة وتحقيق المساواة في وجودها في مكان العمل مع الرجال ستساعد على انتشال النساء والأمم من الفقر وتسهيل النمو الاقتصادي وتمكين المرأة من المشاركة الكاملة في المجتمع وزيادة الوصول إلى الفرص والإسهام بشكل كبير في التنمية المستدامة في البلاد وتقدم الدول. تنص المادة 16 من إعلان بيجين على سبيل المثال على ما يلي: "إن القضاء على الفقر بالاعتماد على النمو الاقتصادي المطرد والتنمية الاجتماعية وحماية البيئة وتوفير العدالة الاجتماعية يقتضي إشراك المرأة في التنمية الاقتصادية والاجتماعية وتحقيق تكافؤ الفرص ومشاركة المرأة والرجل مشاركة كاملة على قدم المساواة، باعتبارهما من عوامل تحقيق التنمية المستدامة الموجهة لخدمة البشر وباعتبارهما مستفيدين منها". وبالتالي، من أجل تحقيق هذه الأهداف الاستراتيجية، يدعو إعلان ومنهاج عمل بيجين، من بين أشياء أخرى، إلى تغيير تقسيم العمل، بعيداً عن كون الرجل هو المعيل للأسرة وكون المرأة ربة المنزل والراعية الأولية للأطفال، ونحو زيادة تقاسم مسؤوليات الجنسين داخل وحدة الأسرة. ومع ذلك، فإن السؤال هو: هل صحيح أنه بعد خمسة وعشرين عاماً من خطة إعلان ومنهاج عمل بيجين، تم حقاً تمكين المرأة دولياً وتحقيق الرخاء من خلال أحكامها ومن خلال زيادة فرص العمل؟

أولا، من خلال رواية التّمكين من خلال التوظيف هذه، أصبحت المرأة الناجحة تُعرَّف بأنها الشخص الذي يكسب دخله الخاص ويمارس مهنة بدلاً من الشخص الذي جعل مهنته الأساسية رعاية المنزل وتربية الأطفال بنجاح. ومن ثم، أصبحت قيمة المرأة تُقدر بقيمة العمل المدفوع الأجر، والذي قلل حتماً من وضعها الفريد والحيوي كأم ومربية. وتم اعتبار العناية بالمنزل وتربية الأطفال أمراً غير مهم، ومضيعة لمواهب النساء ووضع النساء في فئة تابعة للرجال. وكانت النتيجة هي إنشاء مجتمعات لم تعد فيها المرأة مخيرة على العمل ولكن من المتوقع ومن المفروض عليها العمل، بسبب الضغوط الحياتية أو الاقتصادية، حتى لو كن أمهات عازبات فهن يتحملن مسؤولية فردية عن رعاية أطفالهن، مما تسبب في ضغوط هائلة عليهن وعلى حياتهن المنزلية. في عام 2013، نشرت صحيفة الجارديان البريطانية مقالاً بعنوان: "زيادة" الأمهات المعيلات "لا يعد فوزاً للمساواة كما يبدو" حيث أشار المقال إلى إحصائيات من تقرير صادر عن مركز بيو للأبحاث ومفاده أن الأمهات هن المعيل الوحيد أو الرئيسي في 40٪ من الأسر الأمريكية التي لديها أطفال. ووصف المقال كيف أن غالبية الـ40٪ - ثلثاهم - هن من الأمهات العازبات، وكثير منهن يكافحن من أجل التوفيق بين مسؤوليات المنزل ورعاية الأطفال. وجاء فيه: "بالنسبة للأمهات العازبات، على وجه الخصوص، فإن واقع وضعهن بأنهن المعيلات الرئيسيات لا يبدو وكأنه انتصار نسوي بل إنه ببساطة واقع مرهق، غير مدعوم ومشين على نطاق واسع".

علاوةً على ذلك، كانت الفكرة بأن التوظيف سيجعل للمرأة مكانةً أعلى ويعطيها نوعية حياة أفضل وأمناً اقتصاديا هي فكرة واهمة، لأنه في معظم البلدان، فإن عدداً كبيراً من النساء يمتلكن وظائف ذات أجور متدنية وسيئة النوعية وغالباً ما تكون خطرة واستغلالية، وغالباً ما يعملن لساعات طويلة مع حقوق عمل قليلة إن وجدت، وتأمين وظيفي قليل - على سبيل المثال في المحلات والمصانع التي تعاني من سوء الصيانة وكعاملات مهاجرات يضطررن إلى السفر آلاف الأميال بعيداً عن أطفالهن وعائلاتهن لكسب أجر بسيط. وفقاً لسجلات المنظمة الدولية للهجرة، فإن حوالي 48 في المئة من مجموع المهاجرين هن من النساء. بالإضافة إلى ذلك، أظهر تحليل أجرته منظمة العمل الدولية لـ142 دولة، نُشر في تقريرها لعام 2016 بعنوان "اتجاهات النساء في العمل"، أن النساء ما زلن يمثلن نسبة كبيرة من الوظائف ذات الأجور المتدنية مثل "عاملات كتابيات وعاملات في الخدمات والمبيعات" و"المهن الأولية". مما لا شك فيه، أن بعض النساء نجحن في تحسين وضعهن الاقتصادي من خلال العمل. ومع ذلك، هذه نسبة صغيرة مقارنة بجماهير النساء العاملات اللائي لا تزال مشاكلهن المالية خطيرة. على سبيل المثال، في بريطانيا، 62٪ من الأشخاص الذين يكسبون أجوراً أقل من الأجر الحقيقي للمعيشة هن من النساء، وحوالي ثلث النساء العاملات في بريطانيا لا يحصلن على أجر يمكنهن من العيش (مؤسسة Living Wage Foundation، 2017). علاوةً على ذلك، أدت التخفيضات الحكومية في التقشف بأعداد كبيرة من المعلمات والممرضات وضابطات الشرطة وغيرهن من العاملات ذوات الأجور المنخفضة في الاعتماد على البنوك الغذائية لإطعام أسرهن. بالإضافة إلى ذلك، أدت زيادة عدد الأسر ذات الوالد الواحد في البلاد، ومعظمهم من النساء، إلى ارتفاع خطر فقر الأطفال بين هذه الأسر إلى الثلث - وهو الأعلى خلال 20 عاماً وفقاً لإحصائيات 2018 من Gingebead Chaity. ومن هنا، فإن الوعود بالمساواة بين الجنسين التي ضحت المرأة من أجلها مكان قضاء الوقت في الأمومة ومع أطفالها، على أمل أن يؤدي ذلك إلى رفع مكانتهن، لم تحقق إنجازات حتى في المجال الاقتصادي من حياتهن. إن أعداداً كبيرةً من النساء لم تحقق أي إنجاز مادي، لأنهن يعملن ببساطة لدفع ثمن رعاية الآخرين لأطفالهن وتربيتهم.

علاوة على ذلك، بعد ربع قرن من إعلان بيجين ومن شعار "التوظيف من أجل التمكين"، لا تزال النساء يتعرضن للرق الاقتصادي في العصر الحديث على مستويات عالية. ففي عام 2017، ذكرت صحيفة الجارديان البريطانية أن المئات من العاملين في المصانع ذات بيئات العمل الرديئة مثل مصانع الماركات الرياضية المشهورة عالمياً مثل Nike وPuma وAsics وVF Copoation تم نقلهم إلى المستشفى بسبب الإغماء المتكرر من الإرهاق. كانت هذه الحوادث جزءاً مما تعاني منها القوى العاملة في صناعة الملابس والتي يبلغ قوامها 600000 شخص معظمهم من الإناث. كانت النساء اللائي انهارن يعملن لمدة 10 ساعات، ستة أيام في الأسبوع، وأبلغن عن شعورهن بالإرهاق والجوع. كانت الحرارة المفرطة أيضاً مشكلة في ثلاثة مصانع، حيث بلغت درجة الحرارة 37 درجة مئوية. وهذا شبيه بالبيئات الاستغلالية المروعة المماثلة التي تعمل فيها النساء في الملابس وغيرها من المصانع في بنغلادش وباكستان والصين ودول أخرى في جميع أنحاء العالم.

في أفريقيا، يتم استغلال النساء في العمل في القطاع الزراعي الذي يتألف في الغالب من الزراعة على نطاق صغير، مع أكثر من 50٪ من النشاط الزراعي الذي تقوم به النساء، وتنتج حوالي 60-70٪ من الأغذية في منطقة جنوب الصحراء الأفريقية الكبرى. تتحمل النساء عبئا كبيراً في الإنتاج الزراعي، وهو عمل قاصم للظهر وشاق، ويتضمن ساعات طويلة، وغالباً ما يتم تحت أشعة الشمس الحارقة.

فشلت سياسات المساواة بين الجنسين وقوانين حقوق العمال داخل البلدان في حماية النساء من هذه المستويات من الاستغلال الصناعي. وذلك لأن هذه السياسات تعمل في إطار النظم الرأسمالية التي نظرت دائماً إلى النساء كأدوات للإنتاج لزيادة أرباح الشركات أو إيرادات الدول، لأن الرأسمالية تقدّس إنتاج الثروة على جميع القيم الأخرى في الحياة، بما في ذلك رفاهية المرأة. في ظل هذا النظام المادي، تتم ترجمة دور المرأة الأقصى في لغة الاقتصاد والمكاسب المادية. ومن هنا، استخدمت روايات المساواة بين الجنسين لدفع النساء إلى العمل لتحقيق أهدافها المالية، مع القليل من الفوائد الاقتصادية للمرأة. علاوة على ذلك، فإن فلسفة الحياة المادية للرأسمالية تغذي العقليات لدى العديد من أرباب العمل والشركات الذين يحسبون "التكلفة" و"الربح" في تعاملهم مع الموظفين، وتتفوق هذه الحسابات على جميع القيم الأخرى - سواء الإنسانية أو الأخلاقية أو الروحية - مما يخلق بيئة مواتية لاستغلال النساء. كل هذا بالكاد هو جنة التمكين الموعودة للمرأة من خلال العمل! بل هو مثال على عدم التمكين! وحرمان النساء من دورهن كأمهات! وإعاقة النساء عن طريق إثقالهن بالضغوط التي لا تحتمل، كالتوفيق بين مسؤوليات الحياة المنزلية والعمل! وتحطيم المرأة عن طريق السلاسل واستعبادها في السوق الاقتصادية.

يرجع هذا الإخفاق المذهل لإعلان بيجين وعشرات الاتفاقيات الدولية الأخرى في الوفاء بالحقوق الاقتصادية للمرأة إلى: (1) تبني الفكرة العلمانية للمساواة بين الجنسين التي لديها رؤية النفق ونهج وهمي في حل مشاكل المرأة، وتحويل الانتباه عن الأسباب والحلول الحقيقية ووضع اللوم المضلل على عدم المساواة بين الرجل والمرأة؛ (2) التعمية على نطاق هيمنة وسمّية النظام والأيديولوجية الرأسمالية التي تشكل المصدر الأساسي وتتحمل المسؤولية الأساسية للكوارث المالية والبيئية والإنسانية التي تسببت في شل البلاد الإسلامية واقتصاداتها كما فعلت بغيرها. إنه النظام الرأسمالي هو الذي أوجد الفقر الجماعي والحرمان من الحقوق الأساسية لملايين النساء، فضلاً عن قيادتهن إلى هاوية الاستغلال وشبكات الاتجار بالبشر بسبب خصائصه المميزة المتمثلة في "الربح مقدم على البشر".

إن هؤلاء النساء المضطهدات دليل حي على الرأسمالية والكذبة النسوية المتمثلة في "تمكين المرأة من خلال التوظيف"، وضحايا سياسات العمل الاستغلالية والاستبدادية للرأسمالية، فضلاً عن غياب دور الدولة في حماية حقوقهن كعاملات ورعايا.

يختلف الإسلام اختلافاً تاماً عن الرأسمالية.

أولا، الإسلام لا يضع السعي لتحقيق مكاسب مادية فوق السعي وراء القيم المهمة الأخرى داخل المجتمع، مثل القيم الروحية والإنسانية والأخلاقية. بدلاً من ذلك، فهو ينظم المجتمع بطريقة تتحقق فيها كل هذه القيم وتوجد بطريقة متناغمة تفيد البشر ذكوراً وإناثاً على حد سواء. لذلك، لن يضع القيمة المادية أبداً فوق الأخلاق، أو يضع المال فوق كرامة البشر، بغض النظر عن حجم المكاسب الاقتصادية. كما أنه يرفض بشدة قيم المادية ومذهب المتعة التي تأتي من وجهة نظر الرأسمالية ويسعى لكسر الشخصية المادية التي تركز فقط على المسائل المادية بغض النظر عن العواقب المترتبة على الآخرين. هذا يقلل من السلوك الاستغلالي وغير العادل تجاه الآخرين. يرفض الإسلام أيضاً الفلسفة الرأسمالية المتمثلة في تقديم المصالح المالية على وحدة الأسرة، وهو ما ينعكس في الضغوط التي تمارس على النساء للدخول في وظيفة قللت من شأن الأمومة، وزادت الإجهاض، وأهملت حقوق الأطفال، وألقت عبئاً لا يوصف على المرأة لتصبح معيلاً لأسرتها، كل ذلك بدعوى جعلهن محركات للاقتصاد. وعلى النقيض من الرأسمالية، لا ينظر الإسلام إلى النساء كأدوات للإنتاج أو العمالة الرخيصة، ولكنه يقدّرهن باعتبارهن إنسانا يجب أن يتمتع بمكانة عالية في المجتمع، حيث يحميهن من الاستغلال بكل أشكاله، ويحافظ على شرفهن ورفاهيتهن دائماً، ويحثهن على الوفاء بأدوارهن الحيوية كأمهات.

ثانيا، في الإسلام، تُمنح المرأة امتياز الحفاظ عليها مالياً من زوجها أو غيرهم من الأقارب الذكور، يقول الله سبحانه وتعالى: ﴿وَعلَى الْمَوْلُودِ لَهُ رِزْقُهُنَّ وَكِسْوَتُهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ لاَ تُكَلَّفُ نَفْسٌ إِلاَّ وُسْعَهَا لاَ تُضَآرَّ وَالِدَةٌ بِوَلَدِهَا وَلاَ مَوْلُودٌ لَّهُ بِوَلَدِهِ وَعَلَى الْوَارِثِ مِثْلُ ذَلِكَ﴾ [البقرة: 233]

في الإسلام، يُسمح للنساء بالعمل، قال النبي صلى الله عليه وسلم: «قَدْ أَذِنَ لَكُنَّ أَنْ تَخْرُجْنَ لِحَوَائِجِكُنَّ». [رواه البخاري]. ومع ذلك، لا ينبغي إكراههن على العمل، سواء من خلال الضغوط المعيشية أو الاقتصادية لإعالة أنفسهن وأسرهن، بحيث يضررن بواجبهن الحيوي المتمثل في رعاية أطفالهن وتربيتهم ليصبحوا شخصيات إسلامية مميزة.

بالإضافة لذلك، يرسخ الإسلام الإيمان بالرزق حتى لا يؤدي الخوف من الفقر أو المصاعب الاقتصادية إلى تقويض تقسيم الأدوار بين الجنسين في الأسرة من خلال فكرة أن الزوجين يجب أن يكونا معيلين لضمان الأمن والازدهار الماليين، بدلاً من فهم أن الرجل المسؤول عن الكسب لعائلته. يقول الله تعالى: ﴿أَوَلَمْ يَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَن يَشَاء وَيَقْدِرُ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِّقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ﴾[الزمر: 52]

ثالثا، يرفض الإسلام النسوية التي تدعو إلى أدوار ومسؤوليات متساوية ومشتركة للرجال والنساء في الحياة الخاصة والعامة. وبدلاً من ذلك، فإنه يحدد مجموعة من أحكام الأسرة التي تنظم تقسيم الأدوار بين الزوجين بطريقة متكاملة وليس تنافسية، وتضمن تلبية احتياجات وحقوق جميع أفراد الأسرة، بما في ذلك الأطفال.

روى ابن عمر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «كُلُّكُمْ رَاعٍ وَكُلُّكُمْ مَسْؤول عَنْ رَعِيَّتِهِ... وَالْمَرْأَةُ رَاعِيَةٌ فِي بَيْتِ زَوْجِهَا وَمَسْؤولَةٌ عَنْ رَعِيَّتِهَا...» [رواه البخاري ومسلم]. تنص المادة 120 من مسودة دستور دولة الخلافة لحزب التحرير على أن: "الحياة الزوجية حياة اطمئنان، وعشرة الزوجين عشرة صحبة. وقوامة الزوج على زوجه قوامة رعاية لا قوامة حكم وقد فرضت عليها الطاعة، وفرض عليه نفقتها حسب المعروف لمثلها". كل هذا يساعد على تحقيق الطمأنينة في الزواج والوئام في وحدة الأسرة.

وأخيرا، دور الدولة الرئيسي في الإسلام هو رعاية شؤون الناس. وتتمثل مهمتها الرئيسية في خدمة احتياجات كل فرد والعناية بها، وحماية الضعفاء، ومنع أي ظلم. يضمن هذا المبدأ الأساسي أن تكون مشاكل العمل في الحد الأدنى بموجب الخلافة وحلها بسرعة من خلال تطبيق أحكام الشريعة على أي مشكلة في العمل إذا نشأت. بموجب هذا النظام، لن يتم التسامح مع مشكلة العمالة المهاجرة التي تلحق الضرر بملايين النساء وستسعى الدولة للقضاء عليها. قال النبي صلى الله عليه وسلم، «فَالْإِمَامُ الَّذِي عَلَى النَّاسِ رَاعٍ وَهُوَ مَسْئُولٌ عَنْ رَعِيَّتِهِ». [رواه البخاري]

وفيما يتعلق بالتوظيف، فإن للإسلام مقاربة مميزة لهذه القضية، تختلف عن أي عقيدة أخرى. تتضمن بعض أهم مبادئ الإسلام لسياسات العمل التي تعالج مشكلة استغلال العمال:

  1. حماية النساء والضعفاء
  2. العلاقة الفريدة المتساوية بين أصحاب العمل والعمال
  3. يجب أن يكون العمل حلالاً تماماً
  4. لا طبقات بين العمال
  5. تحديد أجور عادلة

العمل في الإسلام أو سياسات العمل تنعكس في تكوين المجتمع الإسلامي فلا تقسمه لطبقتين، الطبقة العاملة ودرجة رجال الأعمال، البروليتاريا والبرجوازية، الراعي مع العميل،...إلخ. كلا، فالإسلام لا يعترف بهذا على الإطلاق. فهو يبني علاقة متساوية فريدة بين العامل وصاحب العمل، والتي تقوم على الإحساس بالمسؤولية في ملء حقوق والتزامات كل منهما كما أمر الإسلام. إن العلاقة بين صاحب العمل والموظف في الإسلام هي علاقة يجب أن تكون مفيدة للطرفين. روى الإمام البخاري عن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم، قال الله سبحانه وتعالى: «ثَلَاثَةٌ أَنَا خَصْمُهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ رَجُلٌ أَعْطَى بِي ثُمَّ غَدَرَ وَرَجُلٌ بَاعَ حُراً فَأَكَلَ ثَمَنَهُ وَرَجُلٌ اسْتَأْجَرَ أَجِيراً فَاسْتَوْفَى مِنْهُ وَلَمْ يُعْطِ أَجْرَهُ» [رواه البخاري]. من أجل الحفاظ على الشراكة الطيبة وضمان استفادة جميع الأطراف المعنية بشكل متبادل، ينظم الإسلام العلاقة بين صاحب العمل والموظف بطريقة واضحة ومفصلة مع القوانين المتعلقة بإجارة الأجير (عقد العمل). في الواقع، ينص الإسلام على أن نقاط الاتفاق غير الواضحة ضمن عقد الإجارة تجعله عقدا فاسدا. من خلال الأحكام الواضحة والمفصلة في عقد إجارة الأجير، يفهم كل طرف حقوقه والتزاماته، وهو يمثل حماية ضد أرباب العمل المستبدين الذين يجبرون العمال على العمل خارج ساعات العمل المحددة. علاوة على ذلك، تخضع أحكام الإسلام لعمل الحياة التجارية لمبدأ الحلال والحرام، دون استغلال أو الاستفادة من معاناة الآخرين.

الخلافة هي المسؤولة عن منع الظلم بجميع أشكاله. على وجه التحديد، في مجال التوظيف، يفرض الإسلام أحكاما صارمة على أي شخص يمارس الظلم، سواء أكانوا أصحاب العمل أو الموظفين. مسؤولية تهيئة بيئة عمل آمنة وغير مستغلة للعمال هي مسؤولية الدولة. تضمن أحكام الشريعة عدم وجود ظلم من أحد الطرفين ضد الآخر، والدولة ملزمة بإزالة أي عمل ظالم، سواء ارتكبه أصحاب العمل ضد العمال أو العكس. التغاضي عن الظلم هو خطيئة وغير أخلاقي، ويحظره الله سبحانه وتعالى. إذا سمحت الدولة بحدوث ظلم، فمن واجب جميع المسلمين أن يحاسبوا الحاكم من أجل تصحيح الوضع والتخلص من الظلم. إذا كان الناس غير قادرين على تصحيح حاكمهم، يتم نقل المسألة إلى محكمة المظالم التي ستجبر الحاكم على إزالة الفساد أو الظلم أو الاضطهاد من الدولة.

وبالتالي، يوفر الإسلام الوسائل لحماية النساء من الاستغلال والفقر، وتمكينهنّ من البحث عن عمل آمن وكريم بإرادتهنّ، وتيسير الزواج السعيد والوفاء بحياتهنّ العائلية، ورفع مكانتهنّ ودورهنّ الفريد والحيوي كأمهات. قال الله سبحانه وتعالى: ﴿فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُم مِّنِّي هُدًى فَمَنِ اتَّبَعَ هُدَايَ فَلَا يَضِلُّ وَلَا يَشْقَى * وَمَنْ أَعْرَضَ عَن ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنكاً وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَى﴾ [طه:123-124].

المزيد من القسم null

لا تنخدعوا بالأسماء فالعبرة بالمواقف لا بالأنساب

لا تنخدعوا بالأسماء فالعبرة بالمواقف لا بالأنساب

في كل مرة يُقدَّم لنا "رمز جديد" له جذور مسلمة أو ملامح شرقية، يهلل كثير من المسلمين، وتُبنى الآمال على وهمٍ اسمه "التمثيل السياسي" في نظامٍ كافر لا يعترف بالإسلام حكماً ولا عقيدةً ولا شريعةً.

نذكر جميعاً الفرح العارم الذي اجتاح مشاعر كثيرين عند فوز أوباما في 2008. فهو ابن كينيا، وله أب مسلم! وهنا توهم البعض أن الإسلام والمسلمين باتوا قريبين من النفوذ الأمريكي، لكن أوباما كان أحد أكثر الرؤساء إيذاءً للمسلمين فقد دمر ليبيا، وساهم في مأساة سوريا، وأشعل أفغانستان والعراق بطائراته وجنوده، بل كان سفاك الدماء في اليمن عبر أدواته وكان عهده استمراراً لعداء ممنهج ضد الأمة.

واليوم يتكرر المشهد، لكن بأسماء جديدة. فـزوهران ممداني يُحتفى به لأنه مسلم ومهاجر وشاب، وكأنه المنقذ! لكن قليلين فقط ينظرون إلى مواقفه السياسية والفكرية. هذا الرجل من الداعمين الأشداء للشواذ المثليين، ومشارك في فعالياتهم، ويعتبر انحرافهم حقوقاً إنسانية!

أي خزي هذا يُعلق عليه الناس آمالاً؟! ألم يكن تكراراً للخيبة السياسية والفكرية نفسها التي وقعت فيها الأمة مراراً وتكراراً؟! نعم لأنها تُفتن بالشكل لا بالجوهر! تُخدع بالابتسامات، وتتعامل بالعاطفة لا بالعقيدة، وبالأسماء لا بالمفاهيم، وبالرموز لا بالمبادئ!

إن هذا الانبهار بالأشكال والأسماء نتيجة غياب الوعي السياسي الشرعي، لأن الإسلام لا يقاس بالأصل أو الاسم أو العرق، بل بالالتزام بمبدأ الإسلام كاملاً؛ نظاماً وعقيدةً وشريعةً. ولا قيمة لمسلم لا يحكم بالإسلام ولا ينصره، بل يخضع للنظام الرأسمالي الكافر، ويبرر الكفر والانحرافات باسم "الحرية".

وليعلم جميع المسلمين الذين فرحوا بفوزه وظنّوا أنه بذرة خير أو بداية نهوض، أن النهوض لا يكون من داخل أنظمة الكفر، ولا بأدواتها، ولا عبر صناديق اقتراعها، ولا تحت سقف دساتيرها.

فمن يُقدّم نفسه عبر النظام الديمقراطي، ويقسم على احترام قوانينه، ثم يدافع عن الشذوذ الجنسي ويحتفل به، ويدعو إلى ما يغضب الله، فهو ليس نصيراً للإسلام ولا أملاً للأمة، بل هو أداة تلميع وتمييع، وتمثيل مزيّف لا يُقدّم ولا يؤخر.

إن ما تسمى النجاحات السياسية في الغرب لبعض الشخصيات ذات الأسماء الإسلامية، ما هي إلا فُتات يُقدَّم كمسكنات للأمة، ليقال لها: انظروا، التغيير ممكن عبر أنظمتنا.

 فما حقيقة هذا "التمثيل"؟

الغرب لا يفتح أبواب الحكم للإسلام، بل يفتحها فقط لمن يتماهى مع قيمه وأفكاره. وأي شخص يدخل نظامهم لا بد أن يقبل بدستورهم، وبقوانينهم الوضعية، وأن يتنكر لحكم الإسلام، فإن رضي بذلك، أصبح نموذجاً مقبولاً، أما المسلم الحق، فهو مرفوض عندهم من جذوره.

فمن هو زهران ممداني؟ ولماذا يُصنع هذا الوهم؟

هو شخص يحمل اسماً مسلماً لكنه متبنٍ لأجندة منحرفة مخالفة تماماً لفطرة الإسلام، من دعم المثليين، والترويج لما يُسمى بـ"حقوقهم"، وهو نموذج حي لكيف يصنع الغرب نماذجه: مسلم بالاسم، علماني بالفعل، خادم لأجندة الليبرالية الغربية لا أكثر. بل لإشغال الأمة عن طريقها الحقيقي، فبدل أن تطالب بدولة الإسلام والخلافة، تنشغل بالمقاعد النيابية والمناصب في أنظمة كفر! وبدل أن تتوجه لتحرير فلسطين، تنتظر مَن "يدافع عن غزة" من داخل الكونغرس الأمريكي أو البرلمان الأوروبي!

فحقيقة الأمر أن هذا تشويه لطريق التغيير الحقيقي، وهو إقامة الخلافة الراشدة على منهاج النبوة، التي تُعلي راية الإسلام، وتقيم شرع الله، وتوحد الأمة خلف خليفة واحد يُقاتل من ورائه ويُتقى به.

فلا تنخدعوا بالأسماء، ولا تفرحوا بمن ينتمي لكم شكلاً ويخالفكم مضموناً، فليس كل من حمل اسم سعيد أو علي أو زهران هو على طريق نبينا محمد ﷺ.

واعلموا أن التغيير لا يأتي من داخل برلمانات الكفر، بل من جيوش الأمة التي آن لها أن تتحرك، ومن شبابها الواعين الذين يعملون ليلا ونهارا لقلب الطاولة على رؤوس الغرب وأعوانه وأتباعه الخائنين في بلاد الإسلام والمسلمين.

فالمسلمون لن ينهضوا عبر انتخابات الديمقراطية ولا من خلال صناديق الغرب، بل بنهضة حقيقية على أساس العقيدة الإسلامية، بإقامة دولة الخلافة الراشدة التي تُعيد للإسلام مكانته، وللمسلمين عزّتهم، وتحطم أوهام الديمقراطية.

لا تنخدعوا بالأسماء، ولا تعلقوا آمالكم على أفراد في أنظمة كفر، بل ارجعوا إلى مشروعكم العظيم: استئناف الحياة الإسلامية، فهذا وحده طريق العزة والنصر والتمكين.

فالمشهد تكرار مُهين لمآسٍ قديمة: رموز مزيفة، وولاء للأنظمة الغربية، وانحراف عن طريق الإسلام. وكل من يُصفّق لهذا المسار، إنما يضلل الأمة. فعودوا إلى مشروع الخلافة، ولا تجعلوا أعداء الإسلام يصنعون لكم قادتكم وممثليكم. فالعزة ليست في مقاعد الديمقراطية، بل في سدة الخلافة التي يعمل لها حزب التحرير ويُحذر الأمة من هذا الانحدار الفكري والسياسي. فلا خلاص لنا إلا بدولة الخلافة، التي لا تسمح بأن يحكم المسلمين من يدين بدين غير الإسلام، ولا بمن يبرر الشذوذ والانحراف، ولا بمن يُشرّع للناس غير ما أنزل الله.

كتبه لإذاعة المكتب الإعلامي المركزي لحزب التحرير

عبد المحمود العامري – ولاية اليمن

مصر بين الشعارات الحكومية والواقع المرّ  الحقيقة الكاملة عن الفقر، والسياسات الرأسمالية

مصر بين الشعارات الحكومية والواقع المرّ

الحقيقة الكاملة عن الفقر، والسياسات الرأسمالية

نقلت بوابة الأهرام الثلاثاء 4 تشرين الثاني/نوفمبر 2025م، أن رئيس الوزراء المصري، في كلمة ألقاها نيابةً عن الرئيس في القمة العالمية الثانية للتنمية الاجتماعية في العاصمة القطرية الدوحة، قال إنّ مصر تطبّق نهجاً شاملاً للقضاء على الفقر في جميع أشكاله وأبعاده، بما في ذلك "الفقر متعدد الأبعاد".

منذ سنوات، لا يكاد يخلو خطاب رسمي في مصر من عباراتٍ مثل "نهج شامل للقضاء على الفقر" و"الانطلاقة الحقيقية للاقتصاد المصري". يكرّر المسؤولون هذه الشعارات في المؤتمرات والمناسبات، مصحوبة بصور براقة لمشروعات استثمارية وفنادق ومنتجعات. لكن الواقع، كما تشهد عليه التقارير الدولية، مختلف تماماً. فالفقر في مصر ما زال ظاهرةً راسخة، بل متفاقمة، رغم الوعود الحكومية المتكرّرة بالتحسن والنهضة.

بحسب تقارير اليونيسف والإسكوا وبرنامج الغذاء العالمي لعامي 2024 و2025، يعيش نحو واحد من كل خمسة مصريين في فقرٍ متعدد الأبعاد، أي محروم من أكثر من جانب من جوانب الحياة الأساسية كالتعليم والصحة والسكن والعمل والخدمات. كما تؤكد البيانات أن أكثر من 49% من الأسر تعاني من صعوبات في الحصول على غذاء كافٍ، وهو رقم صادم يعكس عمق الأزمة المعيشية.

أما الفقر المالي، أي انخفاض الدخل مقارنة بتكاليف المعيشة، فقد ارتفع بصورة حادة، نتيجة موجات التضخم المتلاحقة التي أكلت أجور الناس وجهودهم ومدخراتهم، حتى أصبحت نسبة كبيرة من المصريين تحت خط الفقر المالي رغم عملهم الدائم.

وبينما تتحدث الحكومة عن مبادرات مثل "تكافل وكرامة" و"حياة كريمة"، تكشف الأرقام الدولية أن هذه البرامج لم تغيّر بنية الفقر جذرياً، بل اقتصرت على مسكّنات مؤقتة أشبه بالقطرة التي تُسكب في صحراء. فما زال الريف المصري الذي يقطنه أكثر من نصف السكان، يعاني من ضعف الخدمات وانعدام فرص العمل اللائق وتهالك البنية الأساسية. ويؤكد تقرير الإسكوا أن الحرمان في الريف يفوق نظيره في المدن بعدة أضعاف، ما يدل على سوء توزيع الثروة والإهمال المزمن للأطراف.

حين يشكر رئيسُ الوزراء ابنَ البلد "الذي تحمّل مع الحكومة إجراءات الإصلاح الاقتصادي"، فإنه في الواقع يُقرّ بوجود معاناة حقيقية ناتجة عن تلك السياسات. غير أن هذا الاعتراف لا يتبعه تغيير في المنهج، بل مزيد من السير في الطريق الرأسمالي نفسه الذي سبّب الأزمة.

فالإصلاح المزعوم الذي بدأ عام 2016 ببرنامج "التعويم" ورفع الدعم وزيادة الضرائب، لم يكن إصلاحاً بل تحميلاً للفقراء كلفة الديون والعجز. وفي الوقت الذي يتحدث فيه المسؤولون عن "الانطلاقة"، تتجه الاستثمارات الضخمة إلى العقارات الفاخرة والمشروعات السياحية التي تخدم أصحاب رؤوس الأموال، بينما لا يجد ملايين الشباب فرصاً للعمل أو السكن. بل إن كثيراً من هذه المشاريع، كمنطقة علم الروم في مطروح التي تُقدّر استثماراتها بـ29 مليار دولار، هي شراكات رأسمالية أجنبية تستحوذ على الأراضي والثروات وتحوّلها إلى مصدر ربح للمستثمرين، لا مصدر رزق للناس.

النظام يفشل ليس لأنه فاسد فحسب، بل لأنه يسير على أساسٍ فكريٍّ باطلٍ هو النظام الرأسمالي، الذي يجعل المال محوراً لكل سياسات الدولة. فالرأسمالية تقوم على حرية التملك المطلقة، وتسمح بتكديس الثروة في يد القلة التي تملك أدوات الإنتاج، فيما تتحمل الكثرة عبء الضرائب والأسعار والدَّين العام.

ولهذا، فإن كل ما يُسمى "برامج حماية اجتماعية" ما هو إلا محاولة لتجميل وجه الرأسمالية الوحشي، وإطالة عمر نظامٍ جائرٍ يراعي الأغنياء ويجبي من الفقراء. فبدلاً من معالجة أصل الداء؛ أي احتكار الثروة وتبعية الاقتصاد للمؤسسات الدولية، يُكتفى بتوزيع فتات من الإعانات النقدية، لا ترفع فقراً ولا تحفظ كرامة.

إن الرعاية ليست منّةً من الحاكم على الرعية، بل واجب شرعي، ومسؤولية يحاسبه الله عليها في الدنيا والآخرة. وما يجري اليوم، هو إهمال متعمّد لشؤون الناس، وتخلٍّ عن واجب الرعاية لصالح قروضٍ مشروطة من صندوق النقد والبنك الدوليين.

لقد أصبحت الدولة وسيطاً بين الفقير والدائن الأجنبي، تفرض الضرائب وتقلّص الدعم وتبيع الممتلكات العامة لسدّ عجزٍ متضخم صنعه النظام الرأسمالي نفسه. وفي هذا كله تغيب المفاهيم الشرعية التي تضبط الاقتصاد، كتحريم الربا، ومنع تملك الثروات العامة للأفراد، ووجوب النفقة على الرعية من بيت مال المسلمين.

لقد قدم الإسلام نظاماً اقتصادياً متكاملاً يعالج الفقر من جذوره، لا بمجرد دعمٍ نقدي أو مشروعات تجميلية. هذا النظام يقوم على أسسٍ شرعيةٍ ثابتة أبرزها:

1- تحريم الربا والديون الربوية التي تُكبّل الدولة وتستنزف مواردها، فبزوال الربا تزول تبعية الاقتصاد للمؤسسات الدولية، وتُعاد السيادة المالية للأمة.

2- جعل الملكيات ثلاثة أنواع:

ملكية فردية: كالبيوت والمتاجر والمزارع الخاصة...

ملكية عامة: تشمل الثروات الكبرى كالنفط والغاز والمعادن والمياه...

ملكية دولة: كأراضي الفيء والركاز والخراج...

وبهذا التوزيع تتحقق العدالة، إذ تُمنع فئة قليلة من احتكار موارد الأمة.

3- ضمان الكفاية لكل فرد من الرعية: فالدولة تضمن لكل إنسان في رعايتها حاجاته الأساسية من مأكل وملبس ومسكن، فإن عجز عن العمل وجب على بيت المال أن ينفق عليه.

4- الزكاة والإنفاق الإلزامي: الزكاة ليست إحساناً بل فريضة، تجمعها الدولة وتصرفها في مصارفها الشرعية للفقراء والمساكين والغارمين. وهي أداة توزيع فعّالة تعيد الأموال إلى دورة الحياة في المجتمع.

مع التحفيز على العمل المنتج ومنع الاستغلال، والحثّ على استثمار الموارد في مشاريع نافعة حقيقية كالصناعات الثقيلة والحربية لا في المضاربات والعقارات الفاخرة والمشاريع الوهمية. إلى جانب ضبط الأسعار بالعرض والطلب الحقيقيين لا بالاحتكار ولا بالتعويم.

إن دولة الخلافة على منهاج النبوة هي وحدها القادرة على تطبيق هذه الأحكام عملياً، لأنها تُبنى على أساس العقيدة الإسلامية، ويكون هدفها رعاية شؤون الناس لا جباية أموالهم. ففي ظل الخلافة، لا يوجد ربا ولا قروض مشروطة، ولا بيع للثروات العامة للأجانب، بل تُدار الموارد بما يحقق مصلحة الأمة، ويتولى بيت المال تمويل الرعاية الصحية والتعليم والمرافق العامة من موارد الدولة والخراج والأنفال والملكية العامة.

أما الفقراء، فتُكفل حاجاتهم الأساسية فرداً فرداً، لا عبر صدقات مؤقتة بل كحقٍّ شرعي مضمون. ولذا فإن محاربة الفقر في الإسلام ليست شعاراً سياسياً، بل نظام حياة متكامل يُقيم العدل ويمنع الظلم ويعيد الثروة إلى أهلها.

ما بين الخطاب الرسمي والواقع المعاش مسافةٌ هائلة لا تخفى على أحد. فبينما تتغنّى الحكومة بمشروعاتها "العملاقة" وبـ"الانطلاقة الحقيقية"، يعيش ملايين المصريين تحت خط الفقر، يعانون الغلاء والبطالة وانعدام الأمل. والحقيقة أن هذه المعاناة لن تزول ما دامت مصر تسير في طريق الرأسمالية، تُسلِّم اقتصادها للمرابين وتخضع لسياسات المؤسسات الدولية.

إن أزمات ومشكلات مصر هي مشكلات إنسانية وليست مادية، وتتعلق بها أحكام شرعية تبين كيفية التعامل معها وعلاجها على أساس الإسلام، وإن الحلول أسهل من غض الطرف لكنها تحتاج إدارة مخلصة تملك إرادة حرة تريد السير في الطريق الصحيح وتريد الخير لمصر وأهلها حقا، وحينها على هذه الإدارة أن تراجع كل العقود التي أبرمت سابقا والتي تبرم مع كل الشركات التي تحتكر أصول البلاد وما هو من ملكياتها العام وعلى رأسها شركات التنقيب عن الغاز والنفط والذهب وباقي المعادن والثروات، وتطرد كل تلك الشركات لأنها في الأصل شركات استعمارية ناهبة لثروات البلاد، ثم تصوغ عهدا جديدا يقوم على تمكين الناس من ثروات البلاد وإنشاء أو استئجار شركات تقوم هي على إنتاج الثروة من منابع النفط والغاز والذهب وغيرها من المعادن وتعيد توزيع هذه الثروات على الناس من جديد، حينها سيتمكن الناس من زراعة الأرض الموات التي ستمكنهم الدولة من استغلالها بحقهم فيها، وسيتمكنون أيضا من صناعة ما يجب أن يصنع ليرتفع باقتصاد مصر ويكفي أهلها، وستدعمهم الدولة في هذا السبيل، وإن كل هذا ليس ضربا من الخيال ولا مستحيل الحدوث ولا مشروعا نعرضه للتجربة قد ينجح أو يفشل، وإنما هي أحكام شرعية لازمة ملزمة للدولة والرعية، فلا يجوز للدولة أن تفرط في ثروات البلاد التي هي ملك للناس بدعوى عقود أقرتها وأيدتها وتحميها قوانين دولية جائرة، ولا يجوز لها أن تمنع الناس منها بل يجب أن تقطع كل يد تمتد ناهبة إلى ثروات الناس، هذا ما يقدمه الإسلام ويجب تنفيذه، إلا أنه لا يطبق بمعزل عن باقي أنظمة الإسلام بل إنه لا يطبق إلا من خلال دولة الخلافة الراشدة على منهاج النبوة، هذه الدولة التي يحمل همها والدعوة إليها حزب التحرير ويدعو مصر وأهلها شعبا وجيشا إلى العمل معه من أجلها، عسى الله أن يكتب الفتح من عنده فنراها واقعا يعز الإسلام وأهله، اللهم عاجلا غير آجل.

﴿وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرَىٰ آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَفَتَحْنَا عَلَيْهِم بَرَكَاتٍ مِّنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ﴾

كتبه للمكتب الإعلامي المركزي لحزب التحرير

سعيد فضل

عضو المكتب الإعلامي لحزب التحرير في ولاية مصر