April 12, 2020 4859 مشاهدة

بيجين +٢٥: هل سقط قناع المساواة بين الجنسين؟ الكلمة السادسة: "المرأة والنزاع المسلّح" – حلول على الورق... وفشل في الميدان!

بيجين +٢٥: هل سقط قناع المساواة بين الجنسين؟

الكلمة السادسة: "المرأة والنزاع المسلّح" – حلول على الورق... وفشل في الميدان!

الأخوات الكريمات:

عند الحديث عن مناطق النزاع المسلّح تقفز إلى الذّهن صور الدّمار والدّماء والأشلاء، ودموع الأمهات الثكالى، والأطفال اليتامى، وافتراق الأسر وتشتتها، ومشاهد التهجير واللجوء المؤلمة، ومعاناة التعذيب والأسر، والاختفاء القسري، والآثار الجسدية والنفسية والتي يستمر تأثيرها لمدى طويل ولأجيال متلاحقة نتيجة استخدام أسلحة كيماوية ونووية مدمرة، وتأثيرات أخرى تطال جميع جوانب الحياة الاقتصادية والمعيشية والسياسية... فما هي الأهداف والآليات التي حددها ميثاق بيجين لتحسين حياة المرأة في مناطق النزاع المسلح؟ وما مدى نجاعتها ونجاحها على أرض الواقع؟

إنّه من خلال النظر في هذه الأهداف والآليات نجد أنّها:

1- تجعل من المساواة بين الجنسين وتمكين المرأة بوصولها لمراكز القرار في الهيئات والمنظمات واللجان ذات العلاقة بمجال الحروب ومفاوضات السلام محوراً لأهدافها وتطرحهما كحل لتخفيف معاناة المرأة في مناطق النزاع المسلّح، فتنص المادة 134 من الوثيقة على أنّه: "إذا أريد للمرأة أن تنهض بدور متساوٍ في تأمين السّلم وصيانته، فيجب تمكينها سياسياً واقتصادياً، ويجب أن تكون ممثلة على جميع مستويات صنع القرار تمثيلاً كافياً"، وهم بذلك يضللون المرأة ويحملونها فوق طاقتها بدل أن يخففوا عنها معاناتها، فيجعلونها تجري خلف السراب، فالمساواة بين الجنسين فكرة واهية لا تراعي الفوارق التي فطر الله كلّاً من الذكر والأنثى عليها ووزع الواجبات والحقوق وفقاً لذلك فلم يظلم أيّ طرف منهما ولم يحمله أيّ شيء فوق طاقته، يقول تعالى: ﴿لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْساً إِلَّا وُسْعَهَا﴾، علاوة على أنّها فكرة أقرَّ أهلها بفشلها وعدم إمكانية تحقيقها إلى الآن أو حتى في المستقبل القريب.

أمّا عن وصول المرأة لمراكز القرار ومشاركتها في لجان المفاوضات أو إعادة الإعمار أو المحاكم الدولية لمحاكمة مرتكبي جرائم الحرب أو أي منصب آخر من مناصب صنع القرار فلن يكون له أثر حقيقي في إنهاء الحروب وتخفيف معاناة المدنيين بشكل عام والنساء بشكل خاص، لأنّ النظام الذي تأتمر به هذه اللجان والقوانين التي تحتكم لها تخرج من مشكاة النظام الرأسمالي الذي تعتنقه الدول الاستعمارية مُشعلة الحروب والنزاعات، فهذه اللجان والمؤسسات منزوعة من قوة التغيير وكلُّ من يصل لهذه المراكز (رجلاً أو امرأة) هو مكبل الأيدي محكوم بهذه السياسات وبإرادة ومصالح الدول الكبرى. علاوة على أنّ فكرة وصول المرأة لمراكز القرار سيحسن من حال النساء في ذلك البلد، قد ثبت فشلها على أرض الواقع، وانظروا إذا شئتم على سبيل المثال إلى حال بنغلادش ونسائها في ظلِّ حكم حسينة.

2- يطالب ميثاق بيجين الحكومات بتخفيض النفقات العسكرية وتخصيص اﻷموال لأغراض التنمية الاجتماعية والاقتصادية وﻻ سيما من أجل النهوض بالمرأة، ولكننا لا ندري أي نهوض يريدون وعلى أي أساس سيكون؟ ونعلم يقينا أنّه لن يتمَّ تحقيق تقدم يذكر في هذا المجال، لأننا نتحدث عن دول رأسمالية استعمارية لا تعطي قيمة سوى للمادة، وكذلك فإنّ الأنظمة الحاكمة في العالم اليوم "التابعة" و"المتبوعة" هي أنظمة جباية لا أنظمة رعاية، ويؤيد ذلك ما قالته فومزيليملامبو - نكوكا، (المديرة التنفيذية لهيئة الأمم المتحدة للمرأة) إنّ "دعوات المنظمة النسوية المتكررة لنزع السلاح وتحديد الأسلحة وتحويل الإنفاق العسكري إلى استثمارات اجتماعية لم تتم الاستجابة لها من المجتمع الدولي".

 3- ومن جهة أخرى يطالب ميثاق بيجين الدول بالتوقيع على معاهدات حظر انتشار السلاح ولا سيما النووي، ولكنّ الدول الكبرى لا توقع ولا تلتزم بها، فهذه الدول لا يهمها سلامة البشر ولا البيئة ولا أيّ شعار كاذب ترفعه، ومقياس أعمالها هو المنفعة لا غير، لذلك نجدها تسخر كل الوسائل والأساليب لتحقيق تلك المنفعة ولو أدى ذلك إلى ارتكاب أبشع الجرائم بحقّ الشعوب، فقد استخدمت هذا السلاح في العراق واليابان وفيتنام وسوريا دون أدنى اعتبار للاتفاقيات ولا البروتوكولات المتعلقة بحظر الأسلحة المدمرة أو المتعلقة بحقوق المدنيين كاتفاقية جنيف.

4- تنص وثيقة بيجين على اتخاذ إجراءات للتحقيق مع أفراد الشرطة والأمن والقوات المسلحة وغيرهم ممن يرتكبون أعمال عنف ضدَّ المرأة وانتهاكات للقانون الإنساني الدولي وانتهاكات لحقوق الإنسان وحالات النزاع المسلح ومعاقبتهم، ولكن حقيقة لم تتم معاقبة مرتكبي هذه الجرائم، ولم يتم الحد منها، بل إنَّ الأمم المتحدة راعية هذا المؤتمر (مؤتمر بيجين) قد ارتكبت جرائم على نطاق واسع من العالم تحت حماية الحصانة التي يتمتع بها العاملون فيها فهل هي فوق القانون والمحاسبة؟! فقد نشرت وكالة الأناضول التركية بتاريخ 2018/12/10 تقريراً جاء فيه "شهد العامان الماضيان ارتفاعا مزعجا في عدد ادعاءات الاستغلال والاعتداء الجنسي الموجهة إلى قوات حفظ السلام التابعة للأمم المتحدة. وبالإضافة إلى انتشار الجوع وانعدام الأمن في مناطق الصراعات، فاقم العنف الجنسي من جانب "حفظة السلام" الظروف القاسية للضحايا في دول مثل هايتي والصومال وجمهورية الكونغو الديمقراطية ومؤخرا في جمهورية أفريقيا الوسطى". فكيف لنا أن ننتظر ممن انتهك حقوق الإنسان وانتهك أعراض النساء واعتدى على الأطفال أن يكون أميناً على المرأة ويشكل لجان تحقيق ويصدر العقوبات بحقِّ مرتكبيها؟!

وليس الأمر مقتصراً على التغاضي عن الجرائم التي يرتكبها موظفوها بل إنَّ الأمم المتحدة والمؤسسات التابعة لها تتعامل بازدواجية كبيرة وتقف في صفّ الظالمين لا في صف المظلومين، وقد كانت منذ إنشائها أداة في يد الدول الكبرى، والشواهد على تواطؤ الأمم المتحدة وازدواجيتها أكثر من أن يتسع لها هذا المقام. ولكن نذكر منها دعمها لكيان يهود منذ نشأته وإصدارها للقرارات التي تعترف به وبوجوده وتغاضيها عن جرائمه بحق أهل فلسطين، وقيام أمريكا باحتلال العراق وتدميره تحت مظلة قرارات الأمم المتحدة، ومساندتها للمجرم بشار وصمتها على إجرامه واستخدامه للسلاح الكيماوي في الغوطة وفي غيرها... ولا زالت تبحث هل ترقى هذه لجرائم حرب أم لا؟!

5- تنص الوثيقة على توفير الحماية الدولية والمساعدة والتدريب للاجئات والمشردات، ولكن على أرض الواقع لم يُضاه الدعم والمساعدة التي قُدّمت حجم ما أُشعل من حروب وصراعات وما خلفته من دمار ومشاكل، وحتى هذا الفتات الذي تمّ تقديمه كان من جيوب شعوب الدول التي تبرعت بأموالها في مؤتمرات المانحين، والتقصير والتخاذل عن توفير الحماية والرعاية للاجئين قد طال الدول المستضيفة كما طال المنظمات الأممية فعاشت اللاجئات في مخيمات أطلق عليها مخيمات الموت لسوء الأوضاع المعيشية فيها، وقد وردت تقارير تتحدث عن سوء المعاملة والاستغلال الذي يمارس على اللاجئات في سبيل حصولهن على الغذاء والخدمات الأساسية.

الأخوات الكريمات:

لقد جاءت أحكام الإسلام وتشريعاته فيها رحمة وهداية وحياة للبشرية حتى فيما يتعلق بالحروب والقتال.

والجهاد في الإسلام هو لإحياء البشر بنشر الإسلام بينهم، وليس لإهلاكهم وإفنائهم، والقتال في تصور المسلم محدد ومقيد بأوامر الله ونواهيه ومربوط بالهدف الذي رسمه الشارع، وهو إزالة الحواجز المادية التي تقف في وجه الدعوة وحملها للعالم، فعن ابن عمر رضي الله عنهما عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قال: «أُمِرْتُ أَنْ أُقَاتِلَ النَّاسَ حَتَّى يَشْهَدُوا أَنْ لاَ إِلَهَ إِلا اللهُ وَأَنَّ مُحَمَّداً رَسُولُ اللهِ وَيُقِيمُوا الصَّلاةَ وَيُؤْتُوا الزَّكَاةَ، فَإِذَا فَعَلُوا ذَلِكَ عَصَمُوا مِنِّي دِمَاءَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ إِلا بِحَقِّ الإِسْلامِ، وَحِسَابُهُمْ عَلَى اللهِ» (متفق عليه واللفظ للبخاري)، هذا من حيث التشريع، أمّا من حيث التطبيق فإنّ دولة الخلافة ليست دولة استعمارية تعيش على مص دماء الشعوب ونهب ثرواتها، ولا تقاتل من أجل الهيمنة على آبار البترول ولا على مناجم الفحم والذهب والألماس...إلخ، ولا على أماكن استراتيجية تمكنها من السيطرة الظالمة على كل مكان، وقد شهد التاريخ على عدالة دولة الخلافة مع شعوب البلاد التي تمّ فتحها، وكيف أنّها كانت تعرض عليهم الإسلام أولاً فإن رفضوا، عرضت عليهم دفع الجزية والدخول في سلطان الإسلام، فإن أبوا قاتلتهم.

2- سياسة الإسلام في الجهاد ليست سياسة إبادة للمدنيين والشجر والحجر، والقتال في الإسلام لا يعني إهلاك الحرث والنسل بوسائل قامت وتقوم الدول الاستعمارية وعملاؤها باستخدامها دون رادع مثل الغازات السامة والأسلحة النووية والبيولوجية وغيرها. فالإسلام يعتبر قتل النفس الواحدة كقتل النّاس جميعاً، كما قال تعالى: ﴿مَن قَتَلَ نَفْساً بِغَيْرِ نَفْسٍ أَوْ فَسَادٍ فِي الأَرْضِ فَكَأَنَّمَا قَتَلَ النَّاسَ جَمِيعاً﴾. وقد كان رسولنا صلى الله عليه وسلم يوصي الجيوش الخارجة للقتال كما رواه مسلم وأبو داود عـن سليمان بن بُريدةَ، عـن أبيه أنَّ النبي صلى الله عليه وسلم قال: «اغْزُوا بِاسْمِ اللهِ، وَفِي سَبِيلِ اللهِ، وَقَاتِلُوا مَنْ كَفَرَ بِاللهِ، اغْزُوا وَلَا تَغْدِرُوا، وَلَا تَغلُّوا وَلَا تُمَثِّلُوا، وَلَا تَقْتُلُوا وَلِيداً» وقد سار الخلفاء على نهجه من بعده.

3- وضع الإسلام أحكاماً للمستأمنين وطالبي اللجوء وحفظ لهم أنفسهم وأموالهم فقرر حقوقاً للاجئين قبل أن تضعها لهم الأمم المتحدة، قال تعالى: ﴿وَإِنْ أَحَدٌ مِّنَ الْمُشْرِكِينَ اسْتَجَارَكَ فَأَجِرْهُ حَتَّى يَسْمَعَ كَلَامَ اللَّهِ ثُمَّ أَبْلِغْهُ مَأْمَنَهُ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لَّا يَعْلَمُونَ﴾، وفُتحت لهم دولة الخلافة وتحركت جيوشها نصرة لكلِّ مظلوم ومقهور من المسلمين أو من رعايا الدولة أو ممن استغاث بها من غيرهم، وحادثة إنقاذ السلطان بايزيد الثاني لليهود الذين فرّوا من محاكم التفتيش في إسبانيا شاهدة على ذلك.

4- دولة الخلافة تجعل من الدفاع عن أعراض النساء وحمايتهن على رأس أولوياتها، وهي لا تزج بالمدنيين ولا سيما النساء في وسط النّار لتحقيق أهدافها كما هو حاصل اليوم في سوريا واليمن وغيرها من البلاد، وصرخة استغاثة واحدة تطلقها إحدى النساء المسلمات كفيلة بتحريك جيش عرمرم لنصرتها، كما فعل الرسول صلى الله عليه وسلم عندما أجلى بني قينقاع، وكما فعل الخليفة المعتصم عندما استغاثت به امرأة مسلمة في سجون الروم.

5- في دولة الخلافة لا يكون هناك تعارض بين الإنفاق على النواحي العسكرية في الدولة، وبين الإنفاق على القطاعات الأخرى كالصحة والتعليم وتوفير الحاجات الأساسية للناس، لأنّ رعاية شؤون الناس وتوفير احتياجاتهم هو من واجبات الدولة، كما هو الإعداد العسكري.

لقد تبينّ لنا بالملموس فشل سياسات ميثاق بيجين في تحسين حياة النساء في مناطق النزاع المسلح، فواضعو الميثاق والموقعون عليه قد حرفوا البوصلة عن الوجهة الصحيحة وأوهموا النساء أنّ ما طرحوه بإمكانه أن يخفف معاناتهن، والحقيقة أنّهم لم يشخصوا المرض بشكل صحيح ليعطوا له العلاج الناجع، فالمشكلة لا تكمن في المساواة أو عدمها أو في وصول المرأة لمراكز القرار أو عدمه، ولا بالانضمام للاتفاقيات الدولية المتعلقة بمنع التسلح أو بحقوق الإنسان، بل المشكلة في المبدأ الذي تعتنقه الدول المتحكمة في المجتمع الدولي وسياساته، وما أفرزه من أفكار وما أنتجه من سياسات ومطامع استعمارية تسببت في إشعال النزاعات والحروب التي أكلت الأخضر واليابس وتسببت في نتائج كارثية على البلاد التي أشعلت فيها ولا سيما على النساء والأطفال، ومن ثمّ جاءت هذه الدول وطرحت الحلول عن طريق المؤسسات الأممية، فكان الدواء فاسداً لأنه أخذ من مصدر الداء، إذاً فالمشكلة مشكلة نظامٍ وضعي فاسد، ومشكلة دول لا تعطي أي قيمة سوى للمادة، ولذلك لا بدَّ من استبدال مبدأ رباني به من لدن حكيم خبير. وهذا المبدأ هو الإسلام، وكان لا بدّ من إقامة دولة تقوم بتطبيقه في واقع الحياة فتقدم الحلول العملية لتلك المشاكل لا مجرد حلول على الورق، واتفاقيات لا تسمن ولا تغني من جوع، وهذه الدولة هي الخلافة الراشدة الثانية على منهاج النبوة القادمة قريباً بإذن الله.

فهلاّ شمرنا عن سواعد الجدّ وعملنا مع العاملين لإقامتها، فإنها والله سبيل الخلاص في الدنيا والآخرة.

﴿لَا يَسْتَوِي مِنكُم مَّنْ أَنفَقَ مِن قَبْلِ الْفَتْحِ وَقَاتَلَ أُوْلَئِكَ أَعْظَمُ دَرَجَةً مِّنَ الَّذِينَ أَنفَقُوا مِن بَعْدُ وَقَاتَلُوا

المزيد من القسم null

لا تنخدعوا بالأسماء فالعبرة بالمواقف لا بالأنساب

لا تنخدعوا بالأسماء فالعبرة بالمواقف لا بالأنساب

في كل مرة يُقدَّم لنا "رمز جديد" له جذور مسلمة أو ملامح شرقية، يهلل كثير من المسلمين، وتُبنى الآمال على وهمٍ اسمه "التمثيل السياسي" في نظامٍ كافر لا يعترف بالإسلام حكماً ولا عقيدةً ولا شريعةً.

نذكر جميعاً الفرح العارم الذي اجتاح مشاعر كثيرين عند فوز أوباما في 2008. فهو ابن كينيا، وله أب مسلم! وهنا توهم البعض أن الإسلام والمسلمين باتوا قريبين من النفوذ الأمريكي، لكن أوباما كان أحد أكثر الرؤساء إيذاءً للمسلمين فقد دمر ليبيا، وساهم في مأساة سوريا، وأشعل أفغانستان والعراق بطائراته وجنوده، بل كان سفاك الدماء في اليمن عبر أدواته وكان عهده استمراراً لعداء ممنهج ضد الأمة.

واليوم يتكرر المشهد، لكن بأسماء جديدة. فـزوهران ممداني يُحتفى به لأنه مسلم ومهاجر وشاب، وكأنه المنقذ! لكن قليلين فقط ينظرون إلى مواقفه السياسية والفكرية. هذا الرجل من الداعمين الأشداء للشواذ المثليين، ومشارك في فعالياتهم، ويعتبر انحرافهم حقوقاً إنسانية!

أي خزي هذا يُعلق عليه الناس آمالاً؟! ألم يكن تكراراً للخيبة السياسية والفكرية نفسها التي وقعت فيها الأمة مراراً وتكراراً؟! نعم لأنها تُفتن بالشكل لا بالجوهر! تُخدع بالابتسامات، وتتعامل بالعاطفة لا بالعقيدة، وبالأسماء لا بالمفاهيم، وبالرموز لا بالمبادئ!

إن هذا الانبهار بالأشكال والأسماء نتيجة غياب الوعي السياسي الشرعي، لأن الإسلام لا يقاس بالأصل أو الاسم أو العرق، بل بالالتزام بمبدأ الإسلام كاملاً؛ نظاماً وعقيدةً وشريعةً. ولا قيمة لمسلم لا يحكم بالإسلام ولا ينصره، بل يخضع للنظام الرأسمالي الكافر، ويبرر الكفر والانحرافات باسم "الحرية".

وليعلم جميع المسلمين الذين فرحوا بفوزه وظنّوا أنه بذرة خير أو بداية نهوض، أن النهوض لا يكون من داخل أنظمة الكفر، ولا بأدواتها، ولا عبر صناديق اقتراعها، ولا تحت سقف دساتيرها.

فمن يُقدّم نفسه عبر النظام الديمقراطي، ويقسم على احترام قوانينه، ثم يدافع عن الشذوذ الجنسي ويحتفل به، ويدعو إلى ما يغضب الله، فهو ليس نصيراً للإسلام ولا أملاً للأمة، بل هو أداة تلميع وتمييع، وتمثيل مزيّف لا يُقدّم ولا يؤخر.

إن ما تسمى النجاحات السياسية في الغرب لبعض الشخصيات ذات الأسماء الإسلامية، ما هي إلا فُتات يُقدَّم كمسكنات للأمة، ليقال لها: انظروا، التغيير ممكن عبر أنظمتنا.

 فما حقيقة هذا "التمثيل"؟

الغرب لا يفتح أبواب الحكم للإسلام، بل يفتحها فقط لمن يتماهى مع قيمه وأفكاره. وأي شخص يدخل نظامهم لا بد أن يقبل بدستورهم، وبقوانينهم الوضعية، وأن يتنكر لحكم الإسلام، فإن رضي بذلك، أصبح نموذجاً مقبولاً، أما المسلم الحق، فهو مرفوض عندهم من جذوره.

فمن هو زهران ممداني؟ ولماذا يُصنع هذا الوهم؟

هو شخص يحمل اسماً مسلماً لكنه متبنٍ لأجندة منحرفة مخالفة تماماً لفطرة الإسلام، من دعم المثليين، والترويج لما يُسمى بـ"حقوقهم"، وهو نموذج حي لكيف يصنع الغرب نماذجه: مسلم بالاسم، علماني بالفعل، خادم لأجندة الليبرالية الغربية لا أكثر. بل لإشغال الأمة عن طريقها الحقيقي، فبدل أن تطالب بدولة الإسلام والخلافة، تنشغل بالمقاعد النيابية والمناصب في أنظمة كفر! وبدل أن تتوجه لتحرير فلسطين، تنتظر مَن "يدافع عن غزة" من داخل الكونغرس الأمريكي أو البرلمان الأوروبي!

فحقيقة الأمر أن هذا تشويه لطريق التغيير الحقيقي، وهو إقامة الخلافة الراشدة على منهاج النبوة، التي تُعلي راية الإسلام، وتقيم شرع الله، وتوحد الأمة خلف خليفة واحد يُقاتل من ورائه ويُتقى به.

فلا تنخدعوا بالأسماء، ولا تفرحوا بمن ينتمي لكم شكلاً ويخالفكم مضموناً، فليس كل من حمل اسم سعيد أو علي أو زهران هو على طريق نبينا محمد ﷺ.

واعلموا أن التغيير لا يأتي من داخل برلمانات الكفر، بل من جيوش الأمة التي آن لها أن تتحرك، ومن شبابها الواعين الذين يعملون ليلا ونهارا لقلب الطاولة على رؤوس الغرب وأعوانه وأتباعه الخائنين في بلاد الإسلام والمسلمين.

فالمسلمون لن ينهضوا عبر انتخابات الديمقراطية ولا من خلال صناديق الغرب، بل بنهضة حقيقية على أساس العقيدة الإسلامية، بإقامة دولة الخلافة الراشدة التي تُعيد للإسلام مكانته، وللمسلمين عزّتهم، وتحطم أوهام الديمقراطية.

لا تنخدعوا بالأسماء، ولا تعلقوا آمالكم على أفراد في أنظمة كفر، بل ارجعوا إلى مشروعكم العظيم: استئناف الحياة الإسلامية، فهذا وحده طريق العزة والنصر والتمكين.

فالمشهد تكرار مُهين لمآسٍ قديمة: رموز مزيفة، وولاء للأنظمة الغربية، وانحراف عن طريق الإسلام. وكل من يُصفّق لهذا المسار، إنما يضلل الأمة. فعودوا إلى مشروع الخلافة، ولا تجعلوا أعداء الإسلام يصنعون لكم قادتكم وممثليكم. فالعزة ليست في مقاعد الديمقراطية، بل في سدة الخلافة التي يعمل لها حزب التحرير ويُحذر الأمة من هذا الانحدار الفكري والسياسي. فلا خلاص لنا إلا بدولة الخلافة، التي لا تسمح بأن يحكم المسلمين من يدين بدين غير الإسلام، ولا بمن يبرر الشذوذ والانحراف، ولا بمن يُشرّع للناس غير ما أنزل الله.

كتبه لإذاعة المكتب الإعلامي المركزي لحزب التحرير

عبد المحمود العامري – ولاية اليمن

مصر بين الشعارات الحكومية والواقع المرّ  الحقيقة الكاملة عن الفقر، والسياسات الرأسمالية

مصر بين الشعارات الحكومية والواقع المرّ

الحقيقة الكاملة عن الفقر، والسياسات الرأسمالية

نقلت بوابة الأهرام الثلاثاء 4 تشرين الثاني/نوفمبر 2025م، أن رئيس الوزراء المصري، في كلمة ألقاها نيابةً عن الرئيس في القمة العالمية الثانية للتنمية الاجتماعية في العاصمة القطرية الدوحة، قال إنّ مصر تطبّق نهجاً شاملاً للقضاء على الفقر في جميع أشكاله وأبعاده، بما في ذلك "الفقر متعدد الأبعاد".

منذ سنوات، لا يكاد يخلو خطاب رسمي في مصر من عباراتٍ مثل "نهج شامل للقضاء على الفقر" و"الانطلاقة الحقيقية للاقتصاد المصري". يكرّر المسؤولون هذه الشعارات في المؤتمرات والمناسبات، مصحوبة بصور براقة لمشروعات استثمارية وفنادق ومنتجعات. لكن الواقع، كما تشهد عليه التقارير الدولية، مختلف تماماً. فالفقر في مصر ما زال ظاهرةً راسخة، بل متفاقمة، رغم الوعود الحكومية المتكرّرة بالتحسن والنهضة.

بحسب تقارير اليونيسف والإسكوا وبرنامج الغذاء العالمي لعامي 2024 و2025، يعيش نحو واحد من كل خمسة مصريين في فقرٍ متعدد الأبعاد، أي محروم من أكثر من جانب من جوانب الحياة الأساسية كالتعليم والصحة والسكن والعمل والخدمات. كما تؤكد البيانات أن أكثر من 49% من الأسر تعاني من صعوبات في الحصول على غذاء كافٍ، وهو رقم صادم يعكس عمق الأزمة المعيشية.

أما الفقر المالي، أي انخفاض الدخل مقارنة بتكاليف المعيشة، فقد ارتفع بصورة حادة، نتيجة موجات التضخم المتلاحقة التي أكلت أجور الناس وجهودهم ومدخراتهم، حتى أصبحت نسبة كبيرة من المصريين تحت خط الفقر المالي رغم عملهم الدائم.

وبينما تتحدث الحكومة عن مبادرات مثل "تكافل وكرامة" و"حياة كريمة"، تكشف الأرقام الدولية أن هذه البرامج لم تغيّر بنية الفقر جذرياً، بل اقتصرت على مسكّنات مؤقتة أشبه بالقطرة التي تُسكب في صحراء. فما زال الريف المصري الذي يقطنه أكثر من نصف السكان، يعاني من ضعف الخدمات وانعدام فرص العمل اللائق وتهالك البنية الأساسية. ويؤكد تقرير الإسكوا أن الحرمان في الريف يفوق نظيره في المدن بعدة أضعاف، ما يدل على سوء توزيع الثروة والإهمال المزمن للأطراف.

حين يشكر رئيسُ الوزراء ابنَ البلد "الذي تحمّل مع الحكومة إجراءات الإصلاح الاقتصادي"، فإنه في الواقع يُقرّ بوجود معاناة حقيقية ناتجة عن تلك السياسات. غير أن هذا الاعتراف لا يتبعه تغيير في المنهج، بل مزيد من السير في الطريق الرأسمالي نفسه الذي سبّب الأزمة.

فالإصلاح المزعوم الذي بدأ عام 2016 ببرنامج "التعويم" ورفع الدعم وزيادة الضرائب، لم يكن إصلاحاً بل تحميلاً للفقراء كلفة الديون والعجز. وفي الوقت الذي يتحدث فيه المسؤولون عن "الانطلاقة"، تتجه الاستثمارات الضخمة إلى العقارات الفاخرة والمشروعات السياحية التي تخدم أصحاب رؤوس الأموال، بينما لا يجد ملايين الشباب فرصاً للعمل أو السكن. بل إن كثيراً من هذه المشاريع، كمنطقة علم الروم في مطروح التي تُقدّر استثماراتها بـ29 مليار دولار، هي شراكات رأسمالية أجنبية تستحوذ على الأراضي والثروات وتحوّلها إلى مصدر ربح للمستثمرين، لا مصدر رزق للناس.

النظام يفشل ليس لأنه فاسد فحسب، بل لأنه يسير على أساسٍ فكريٍّ باطلٍ هو النظام الرأسمالي، الذي يجعل المال محوراً لكل سياسات الدولة. فالرأسمالية تقوم على حرية التملك المطلقة، وتسمح بتكديس الثروة في يد القلة التي تملك أدوات الإنتاج، فيما تتحمل الكثرة عبء الضرائب والأسعار والدَّين العام.

ولهذا، فإن كل ما يُسمى "برامج حماية اجتماعية" ما هو إلا محاولة لتجميل وجه الرأسمالية الوحشي، وإطالة عمر نظامٍ جائرٍ يراعي الأغنياء ويجبي من الفقراء. فبدلاً من معالجة أصل الداء؛ أي احتكار الثروة وتبعية الاقتصاد للمؤسسات الدولية، يُكتفى بتوزيع فتات من الإعانات النقدية، لا ترفع فقراً ولا تحفظ كرامة.

إن الرعاية ليست منّةً من الحاكم على الرعية، بل واجب شرعي، ومسؤولية يحاسبه الله عليها في الدنيا والآخرة. وما يجري اليوم، هو إهمال متعمّد لشؤون الناس، وتخلٍّ عن واجب الرعاية لصالح قروضٍ مشروطة من صندوق النقد والبنك الدوليين.

لقد أصبحت الدولة وسيطاً بين الفقير والدائن الأجنبي، تفرض الضرائب وتقلّص الدعم وتبيع الممتلكات العامة لسدّ عجزٍ متضخم صنعه النظام الرأسمالي نفسه. وفي هذا كله تغيب المفاهيم الشرعية التي تضبط الاقتصاد، كتحريم الربا، ومنع تملك الثروات العامة للأفراد، ووجوب النفقة على الرعية من بيت مال المسلمين.

لقد قدم الإسلام نظاماً اقتصادياً متكاملاً يعالج الفقر من جذوره، لا بمجرد دعمٍ نقدي أو مشروعات تجميلية. هذا النظام يقوم على أسسٍ شرعيةٍ ثابتة أبرزها:

1- تحريم الربا والديون الربوية التي تُكبّل الدولة وتستنزف مواردها، فبزوال الربا تزول تبعية الاقتصاد للمؤسسات الدولية، وتُعاد السيادة المالية للأمة.

2- جعل الملكيات ثلاثة أنواع:

ملكية فردية: كالبيوت والمتاجر والمزارع الخاصة...

ملكية عامة: تشمل الثروات الكبرى كالنفط والغاز والمعادن والمياه...

ملكية دولة: كأراضي الفيء والركاز والخراج...

وبهذا التوزيع تتحقق العدالة، إذ تُمنع فئة قليلة من احتكار موارد الأمة.

3- ضمان الكفاية لكل فرد من الرعية: فالدولة تضمن لكل إنسان في رعايتها حاجاته الأساسية من مأكل وملبس ومسكن، فإن عجز عن العمل وجب على بيت المال أن ينفق عليه.

4- الزكاة والإنفاق الإلزامي: الزكاة ليست إحساناً بل فريضة، تجمعها الدولة وتصرفها في مصارفها الشرعية للفقراء والمساكين والغارمين. وهي أداة توزيع فعّالة تعيد الأموال إلى دورة الحياة في المجتمع.

مع التحفيز على العمل المنتج ومنع الاستغلال، والحثّ على استثمار الموارد في مشاريع نافعة حقيقية كالصناعات الثقيلة والحربية لا في المضاربات والعقارات الفاخرة والمشاريع الوهمية. إلى جانب ضبط الأسعار بالعرض والطلب الحقيقيين لا بالاحتكار ولا بالتعويم.

إن دولة الخلافة على منهاج النبوة هي وحدها القادرة على تطبيق هذه الأحكام عملياً، لأنها تُبنى على أساس العقيدة الإسلامية، ويكون هدفها رعاية شؤون الناس لا جباية أموالهم. ففي ظل الخلافة، لا يوجد ربا ولا قروض مشروطة، ولا بيع للثروات العامة للأجانب، بل تُدار الموارد بما يحقق مصلحة الأمة، ويتولى بيت المال تمويل الرعاية الصحية والتعليم والمرافق العامة من موارد الدولة والخراج والأنفال والملكية العامة.

أما الفقراء، فتُكفل حاجاتهم الأساسية فرداً فرداً، لا عبر صدقات مؤقتة بل كحقٍّ شرعي مضمون. ولذا فإن محاربة الفقر في الإسلام ليست شعاراً سياسياً، بل نظام حياة متكامل يُقيم العدل ويمنع الظلم ويعيد الثروة إلى أهلها.

ما بين الخطاب الرسمي والواقع المعاش مسافةٌ هائلة لا تخفى على أحد. فبينما تتغنّى الحكومة بمشروعاتها "العملاقة" وبـ"الانطلاقة الحقيقية"، يعيش ملايين المصريين تحت خط الفقر، يعانون الغلاء والبطالة وانعدام الأمل. والحقيقة أن هذه المعاناة لن تزول ما دامت مصر تسير في طريق الرأسمالية، تُسلِّم اقتصادها للمرابين وتخضع لسياسات المؤسسات الدولية.

إن أزمات ومشكلات مصر هي مشكلات إنسانية وليست مادية، وتتعلق بها أحكام شرعية تبين كيفية التعامل معها وعلاجها على أساس الإسلام، وإن الحلول أسهل من غض الطرف لكنها تحتاج إدارة مخلصة تملك إرادة حرة تريد السير في الطريق الصحيح وتريد الخير لمصر وأهلها حقا، وحينها على هذه الإدارة أن تراجع كل العقود التي أبرمت سابقا والتي تبرم مع كل الشركات التي تحتكر أصول البلاد وما هو من ملكياتها العام وعلى رأسها شركات التنقيب عن الغاز والنفط والذهب وباقي المعادن والثروات، وتطرد كل تلك الشركات لأنها في الأصل شركات استعمارية ناهبة لثروات البلاد، ثم تصوغ عهدا جديدا يقوم على تمكين الناس من ثروات البلاد وإنشاء أو استئجار شركات تقوم هي على إنتاج الثروة من منابع النفط والغاز والذهب وغيرها من المعادن وتعيد توزيع هذه الثروات على الناس من جديد، حينها سيتمكن الناس من زراعة الأرض الموات التي ستمكنهم الدولة من استغلالها بحقهم فيها، وسيتمكنون أيضا من صناعة ما يجب أن يصنع ليرتفع باقتصاد مصر ويكفي أهلها، وستدعمهم الدولة في هذا السبيل، وإن كل هذا ليس ضربا من الخيال ولا مستحيل الحدوث ولا مشروعا نعرضه للتجربة قد ينجح أو يفشل، وإنما هي أحكام شرعية لازمة ملزمة للدولة والرعية، فلا يجوز للدولة أن تفرط في ثروات البلاد التي هي ملك للناس بدعوى عقود أقرتها وأيدتها وتحميها قوانين دولية جائرة، ولا يجوز لها أن تمنع الناس منها بل يجب أن تقطع كل يد تمتد ناهبة إلى ثروات الناس، هذا ما يقدمه الإسلام ويجب تنفيذه، إلا أنه لا يطبق بمعزل عن باقي أنظمة الإسلام بل إنه لا يطبق إلا من خلال دولة الخلافة الراشدة على منهاج النبوة، هذه الدولة التي يحمل همها والدعوة إليها حزب التحرير ويدعو مصر وأهلها شعبا وجيشا إلى العمل معه من أجلها، عسى الله أن يكتب الفتح من عنده فنراها واقعا يعز الإسلام وأهله، اللهم عاجلا غير آجل.

﴿وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرَىٰ آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَفَتَحْنَا عَلَيْهِم بَرَكَاتٍ مِّنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ﴾

كتبه للمكتب الإعلامي المركزي لحزب التحرير

سعيد فضل

عضو المكتب الإعلامي لحزب التحرير في ولاية مصر