بيجين +25: هل سقط قناع المساواة بين الجنسين؟ الكلمة الثانية: تفكيك أوهام المساواة بين الجنسين
April 08, 2020

بيجين +25: هل سقط قناع المساواة بين الجنسين؟ الكلمة الثانية: تفكيك أوهام المساواة بين الجنسين

بيجين +25: هل سقط قناع المساواة بين الجنسين؟

الكلمة الثانية: تفكيك أوهام المساواة بين الجنسين

(مترجمة)

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته،

إخواني وأخواتي المحترمين،

قال الأمين العام السابق للأمم المتحدة كوفي عنان: "إن المساواة بين الجنسين هي أكثر من هدف في حد ذاته. وهو شرط مسبق لمواجهة التحدي المتمثل في الحد من الفقر، وتعزيز التنمية المستدامة، وبناء الحكم الرشيد".

الأخوات العزيزات، اليوم أصبح هذا الرأي بأن "المساواة بين الجنسين" هي الدواء الشافي لمشاكل المرأة، وقد أصبح الطريق إلى تمكين المرأة متأصلاً في نفسية المجتمع الدولي والناشطين في مجال المساواة بين الجنسين في جميع أنحاء العالم، بما في ذلك في البلاد الإسلامية. ويُنظر إليها على أنها الوسيلة التي لا جدال فيها لرفع شأن المرأة، وحمايتها من العنف، والنهوض بحقوقها السياسية والاقتصادية والتعليمية وغيرها من الحقوق، وتحسين نوعية حياتها، وتحقيق التقدم داخل الأمم. ويُزعم أن إنهاء اضطهاد المرأة يتحقق بإنهاء جميع أشكال عدم المساواة بين الجنسين والتمييز بين الجنسين. وتنص المادة 13 من إعلان بيجين على سبيل المثال على ما يلي: "إن تمكين المرأة ومشاركتها الكاملة على قدم المساواة في جميع جوانب حياة المجتمع، بما في ذلك المشاركة في عملية صنع القرار وبلوغ مواقع السلطة، أمور أساسية لتحقيق المساواة والتنمية والسلم". ومن ثم يتم تعزيز المساواة بين الجنسين بوصفها المعيار العالمي لكيفية الحكم على الدول المتحضرة والتقدمية والحديثة، فضلا عن مقياس مدى معاملة الأمم لنسائها، وأصبحت مكرسة في العديد من الاتفاقات الدولية والدساتير وقوانين الدول في جميع أنحاء العالم. في الواقع، عام 2030 هو العام الذي تعهدت فيه الجمعية العامة للأمم المتحدة لتحقيق المساواة بين الجنسين على الصعيد العالمي.

كما شكلت الحركة النسوية والمساواة بين الجنسين وجهة نظر المرأة الناجحة بأنها المرأة المستقلة ماليا، ولديها مهنة ناجحة وتتقاسم واجبات وأدوار الرجل في الحياة الأسرية والمجتمع، بما في ذلك كونها معيلة لأسرتها، بدلا من أن تكون من تتم إعالتها، وجعل مهنتها الأساسية مسؤولياتها المنزلية وتربية الأطفال. ولذلك، ليس من المستغرب أن يوصف أولئك الذين يعارضون المثل الأعلى للمساواة بين الجنسين بأنهم متخلفون ومناهضون لحقوق المرأة، وأن الأحكام الإسلامية الاجتماعية وقوانين الأسرة قد أدينت بأنها ظالمة للمرأة بسبب الاختلافات بين الجنسين في مختلف القوانين والحقوق والواجبات والأحكام المقررة في الحياة الأسرية والمجتمع.

مع مرور الوقت، أصبحت المساواة بين الجنسين بقرة مقدسة للدول العلمانية والسياسة الدولية لا يمكن المساس بها. لكن المفهوم الذي يحتلّ مناصرته الوقت والطاقات والآمال لدى الكثيرين، والذي يُعتمد عليه لرفع الاضطهاد والظلم عن النساء على الصعيد العالمي، يجب أن يُستجوب فيما يتعلق بصحته. بالتأكيد، إذا كنا نرغب حقاً في الارتقاء بمكانة المرأة وحقوقها ورفاهها، فيجب علينا أن نسأل - هل اعتماد سياسات وقوانين المساواة بين الجنسين هو السبيل لتحقيق ذلك، حتى لا تُستنفد جهودنا عبثا. وبالتأكيد، من الصحيح فقط إثبات ما إذا كان مفهوم المساواة بين الجنسين لديه المصداقية التي يتعين فرضها على دول العالم، بما في ذلك البلاد الإسلامية، واستخدامه كمعيار للحكم على مزايا أو أوجه القصور في الثقافات الأخرى بما في ذلك الإسلام.

من أجل تقييم روايات المساواة بين الجنسين بشكل صحيح، من المهم أولاً أن نفهم أن المساواة بين الجنسين لا تنظر ببساطة إلى الرجل والمرأة على أنهما يتمتعان بنفس القدر والعقل، أو أنه ينسب إلى المرأة حقوقاً قانونية وسياسية واقتصادية وتعليمية كاملة. بدلاً من ذلك، هناك اعتقاد بأن جميع القوانين والحقوق والأدوار والواجبات والخيارات ينبغي أن تكون هي نفسها للرجال والنساء في الزواج والحياة الأسرية والمجتمع، بما في ذلك المشاركة المتساوية في الأجر، والأعمال المنزلية وتربية الأطفال. فعلى سبيل المثال، تنص المادة 245 (أ) من قانون الأسرة على ما يلي: "تشجيع التقاسم المنصف للمسؤوليات الأسرية عن طريق حملات لوسائط الإعلام تركز على المساواة بين الجنسين وأدوار الجنسين التي لا تقوم على القوالب النمطية داخل الأسرة". وتشمل المساواة بين الجنسين أيضا الدعوة إلى ضمان الحريات الجنسية للمرأة، وتمكينها من الدخول في أي علاقة ترغب فيها، سواء داخل الزواج أو خارجه، فضلا عن الحق في السيطرة الكاملة على الإنجاب، بما في ذلك إمكانية الإجهاض مع القليل من القيود. وتتضمن الوثيقة التحضيرية لمؤتمر بيجين +5 للمرأة لعام 2000 البيان: "ضمان أن تتمكن النساء من جميع الأعمار من تحقيق حياتهن الجنسية بالكامل، دون إكراه أو تمييز أو عنف...".

لذا، بعد أن فهمنا هذا، دعونا ندرس حقيقة بعض الروايات السائدة عن المساواة بين الجنسين.

تقييم روايات المساواة بين الجنسين:

هل تحمي سياسات المساواة بين الجنسين المرأة من العنف؟

أولا، هناك اعتقاد واسع الانتشار بأن سياسات وقوانين المساواة بين الجنسين تكفل احترام المرأة وتحميها من العنف وسوء المعاملة. فإعلان ومنهاج عمل بيجين، على سبيل المثال، يزعم أن الإساءة والعنف الموجهين ضد المرأة يرجعان إلى "علاقات القوة غير المتكافئة تاريخيا بين الرجل والمرأة، والتي أدت إلى هيمنة الرجل على المرأة والتمييز ضدها". ومع ذلك، وعلى الرغم من وجود عدد لا يحصى من قوانين وتشريعات المساواة بين الجنسين التي يجري تكريسها داخل الدول في جميع أنحاء العالم على مدى عقود عديدة، فإن العنف المنزلي والتحرش الجنسي والاعتداء والاغتصاب ضد المرأة لا تزال متفشية، بل وآخذة في الازدياد داخل هذه الدول. ويشمل ذلك البلدان التي ركزت بشكل مكثف على تغيير الأدوار التقليدية للجنسين داخل هيكل الأسرة الذي يُدّعى أنه يعكس "علاقات القوة غير المتكافئة بين الجنسين" مثل الرجل كمعيل والمرأة كربة منزل - والتي تفترض الأمم المتحدة وغيرها أنها عامل رئيسي في سبب العنف ضد المرأة. وذكر تقرير صادر عن وكالة الاتحاد الأوروبي للحقوق الأساسية في عام 2014 استناداً إلى دراسة استقصائية رئيسية شملت 28 دولة عضواً في الاتحاد الأوروبي، معظمها لديه قوانين صارمة للمساواة بين الجنسين، أن حوالي واحدة من كل ثلاث نساء في جميع أنحاء الاتحاد الأوروبي قد تعرضت لشكل من أشكال سوء المعاملة سواء البدنية أو الجنسية منذ سن 15. وعلاوة على ذلك، فإن البلدان الاسكندينافية التي تسجل أعلى المعدلات في المؤشر العالمي للمساواة بين الجنسين، تعاني أيضاً من معدلات أعلى من عنف الشريك ضد المرأة مقارنة بأجزاء أخرى من أوروبا - وهو واقع يطلق عليه "مفارقة بلدان الشمال الأوروبي". على سبيل المثال، ذكر تقرير صدر عام 2016 في مجلة العلوم الاجتماعية والطب أن انتشار العنف ضد المرأة مدى الحياة من الشركاء في الدنمارك هو 32٪، وفنلندا 30٪، والسويد 28٪. وقال أحد مؤلفي التقرير، إنريكي غراسيا من جامعة فالنسيا، إسبانيا، "إن ارتفاع معدل انتشار العنف ضد النساء وارتفاع مستويات المساواة بين الجنسين يبدوان متناقضين، وعلى الرغم من أن هذه المفارقة هي واحدة من أكثر القضايا إثارة للحيرة في هذا المجال، فمن المثير للاهتمام أن هذا سؤال بحثي نادراً ما يُطرح ولا يزال دون إجابة". وعلاوة على ذلك، وفقا لبيانات عام 2018 من شركة الأبحاث العالمية IPSOS، كانت النسبة المئوية للنساء اللواتي تعرضن للتحرش الجنسي في السويد 81٪، وفي الدنمارك 80٪، و75٪ في فرنسا و68٪ في بريطانيا - على الرغم من أن هذه الدول تفتخر بمقياس تشريع المساواة بين الجنسين.

في البلاد الإسلامية، تظهر تونس وتركيا، اللتان يشاد بهما بوصفهما رائدتين في مجال المساواة بين الجنسين في المنطقة، هذه المفارقة مع ارتفاع مستويات العنف ضد المرأة. فعلى سبيل المثال، أدخلت تونس قانون الأحوال الشخصية في عام 1956 الذي أدخل إصلاحات على العديد من قوانينها الأسرية والاجتماعية على أسس علمانية والمساواة بين الجنسين؛ وفي عام 2011، رفعت جميع التحفظات على اتفاقية القضاء على جميع أشكال التمييز ضد المرأة؛ وفي عام 2014، أرست المساواة الكاملة بين الجنسين في دستورها الجديد. ومع ذلك، فإن البلاد لديها واحد من أعلى معدلات العنف المنزلي في العالم 60٪ وفقا لوزارة المرأة والأسرة والطفولة (2016)، في حين وجدت دراسة، نشرها مركز البحوث والدراسات والتوثيق والمعلومات، أن 70-90٪ من النساء في البلاد كن ضحايا للتحرش الجنسي من عام 2011 إلى عام 2015.

ولذلك، من الواضح أن ضمان المساواة بين الرجل والمرأة في المجتمع ليس وصفة لاحترام المرأة وحمايتها. وتتوقف معاملة المرأة على الآراء والقيم التي تُنشر داخل أي مجتمع من حيث قيمة المرأة وكرامتها. في المجتمعات الليبرالية الرأسمالية، يوجد تناقض بين الدعوة إلى احترام المرأة ومفهوم الحرية الشخصية والجنسية التي تغذي العقليات داخل العديد من الرجال من النظر إلى المرأة ومعاملتها كما تملي له نفسه، دون أي شعور بالمساءلة أمام الخالق عن أفعالهم. وعلاوة على ذلك، يُسمح للأعمال التجارية داخل هذه الدول بتجسيد أجساد النساء وإضفاء الطابع الجنسي عليها من أجل الربح، سواء في مجال الإعلان أو الترفيه أو المواد الإباحية. وهذا يقلل حتما من قيمة المرأة، مما يسهم في العنف والتحرش الجنسي والجرائم الأخرى المرتكبة ضدها. بالإضافة إلى ذلك، في ظل النظم العلمانية وغيرها من النظم الوضعية، حيث يتم الترويج للعقل البشري كحكم في الآراء والأفعال وليس أحكام الله، والتقاليد القمعية غير الإسلامية، مثل الزواج القسري، وجرائم الشرف وغيرها من الممارسات التي تضر النساء أو تعزز نظرة منخفضة لهن. وإلى جانب ذلك، فإن عدم وجود قوانين واضحة تنظم العلاقات والتفاعل بين الرجل والمرأة، فضلا عن عدم وجود عقاب مناسب على التجاوزات ضد كرامة المرأة، يؤدي أيضا إلى تصعيد العنف ضدها. وأخيرا، فإن عدم وجود قواعد واضحة فيما يتعلق بحقوق ومسؤوليات الرجل والمرأة في إطار الزواج والحياة الأسرية لضمان الانسجام في وحدة الأسرة، قد خلق ارتباكا وتضاربا في المسؤوليات الزوجية، مما يسهم أيضا في العنف، وهذا واقع تفاقم بسبب المساواة بين الجنسين.

هل ستنقل المساواة بين الجنسين المرأة من براثن الفقر؟

ثمة رواية أخرى يروج لها إعلان بيجين وهي أن تأنيث الفقر، أو الزيادة غير المتناسبة للفقر بين النساء على الصعيد العالمي مقارنة بالرجال، يرجع إلى ما يلي: "التفاوتات بين الجنسين في تقاسم السلطة الاقتصادية"، والعقبات التي تعترض العمالة، و"جمود الأدوار الجنسانية المنسوبة اجتماعياً ومحدودية وصول المرأة إلى السلطة والموارد الإنتاجية، مثل رأس المال وملكية الأراضي والميراث". وتذكر الأمم المتحدة أن "تمكين المرأة في الاقتصاد وسد الفجوات بين الجنسين في عالم العمل هما مفتاح تحقيق خطة التنمية المستدامة لعام 2030" وأن "الاقتصادات تنمو عندما تعمل المزيد من النساء". ولذلك، فإن الحجة هي أن زيادة عمالة المرأة ومساواة وجودها في مكان العمل بالرجل من خلال "تعزيز المساواة بين الجنسين" في الأدوار المنزلية والعامة، وفي السياسات والبرامج الاقتصادية، من شأنها أن ترفع مستوى المرأة والأمم للخروج من دائرة الفقر.

إذا كان الأمر كذلك، فلماذا إذا على الرغم من عقود من الانتشار المكثف لأجندات المساواة بين الجنسين داخل الدول على مستوى العالم، والأعداد الهائلة من النساء العاملات داخل البلدان، فإن ما يقرب من نصف سكان العالم - 3.4 مليار نسمة، لا تزال تكافح من أجل تلبية الاحتياجات الأساسية وفقا للبنك الدولي؟ لماذا في جنوب الصحراء الأفريقية الكبرى، حيث حصة الإناث من القوى العاملة الزراعية هي الأعلى في العالم، حيث تؤدي النساء أكثر من 50% من النشاط الزراعي، حيث يعيش أكثر من نصف الفقراء المدقعين في العالم في هذه المنطقة؟ ولماذا في البلدان التي تفخر بحجم قوانينها المتعلقة بالمساواة بين الجنسين، والتي شهدت زيادة كبيرة في عدد النساء اللواتي يدخلن سوق العمل في العقود الأخيرة مثل أمريكا وبريطانيا، فإن مستوى فقر الإناث لا يزال رهيباً؟ في عام 2018، كان حوالي 13٪ من النساء يعشن في فقر في أمريكا، في حين إن معدل الفقر للأسر ذات الأم العزباء التي ليس لديها زوج كان 25٪ (الفقر في أمريكا)، هذا في خضم أطول فترة من النمو المستدام للناتج المحلي الإجمالي في تاريخ أمريكا. أما في بريطانيا، فعلى الرغم من كونها خامس أكبر اقتصاد في العالم، أظهرت الأرقام الصادرة في آذار/مارس 2019 عن وزارة العمل والمعاشات التقاعدية في حكومتها، أن خمس النساء في البلاد في فقر. وما يقرب من الربع أي 23٪ من النساء المتقاعدات العازبات فقيرات، وهو أعلى رقم منذ 15 عاما؛ و45% من الآباء الوحيدين - الغالبية العظمى 90% منهم نساء - يعشن في فقر.

ويعزى فشل سياسات وبرامج "المساواة بين الجنسين" في التصدي الفعال لفقر الإناث إلى أن الفقر لا ترجع جذوره إلى عدم المساواة في أدوار الجنسين في الحياة الأسرية والمجتمع، ولا إلى التفاوت بين الجنسين في العمل أو الاقتصاد في تقاسم السلطة. بل إن الفقر الذي يؤثر على المرأة والأمم يرجع في المقام الأول إلى النظام الرأسمالي المعيب الذي يحكم الدول اليوم والذي يهيمن على المشهد السياسي والاقتصادي العالمي. ويركز الأساس الاقتصادي الخاطئ لهذا النظام على زيادة النمو والإنتاج وأرقام الناتج المحلي الإجمالي السطحية التي لا علاقة لها بالمصاعب المالية للناس العاديين، بدلاً من التركيز على التوزيع الفعال للثروة بين الناس؛ في حين إن سياسات السوق الحرة الرأسمالية تركز الثروة في أيدي القلة في حين تفقر الجماهير. فنرى في العديد من الدول الغربية على سبيل المثال، أن الحكومات قدمت مليارات الدولارات لإنقاذ البنوك والشركات الغنية، في حين خفضت في الوقت نفسه الإنفاق الحكومي على الرعاية الاجتماعية لأفقر أفراد مجتمعها. يقول ماثيو سبنسر، مدير الحملات والسياسات في منظمة أوكسفام الخيرية: "إن الطريقة التي يتم بها تنظيم اقتصاداتنا تعني أن الثروة تتركز بشكل متزايد وغير عادل بين قلة محظوظة في حين إن الملايين من الناس بالكاد يعيشون". إن نظام الرأسمالية القائم على المصالح، وخصخصة الموارد الطبيعية الحيوية، وقوانين التبليس بشأن الأدوية، والسماح باكتناز واحتكار الأراضي والذهب والأصول القيمة الأخرى من نخبة ثرية، والسياسات الضريبية اللاإنسانية ليست سوى أمثلة قليلة كيف أن الرأسمالية تشل الأفراد والأمم بالديون، وتثري الأغنياء على حساب الفقراء، وتسحق اقتصاد الدول التي تخلق البطالة الجماعية، وتجعل الرعاية الصحية الجيدة والتعليم غير ميسورة التكلفة للملايين. كل هذا، إلى جانب الدمار البيئي وتأجيج الحروب من أجل الربح التي تسبب الهجرة الجماعية، وهي أيضا في المقام الأول نتيجة للسياسات والأجندات الرأسمالية - وهي السبب الجذري لحجم الفقر المستعصي الذي يؤثر على النساء والرجال والأطفال في جميع أنحاء العالم. ففي جنوب الصحراء الأفريقية الكبرى على سبيل المثال، أصيبت الاقتصادات بالشلل بسبب برامج التكيف الهيكلي الرأسمالية التي فرضها البنك الدولي وصندوق النقد الدولي على الدول منذ ثمانينات القرن العشرين والتي أجبرت البلدان على زيادة أسعار الفائدة؛ وخفض الإنفاق الحكومي، بما في ذلك الإنفاق على الصحة والتعليم؛ وخصخصة الشركات المملوكة للدولة؛ واستخدام الأراضي الزراعية لإنتاج المحاصيل النقدية للتصدير بدلاً من إطعام سكانها. ولذلك ليس من المستغرب أن يزداد الفقر، بما في ذلك بين النساء زيادة كبيرة في المنطقة نتيجة لذلك.

هل المساواة بين الجنسين مطلوبة من أجل تقدم الأمم؟

أخيراً أيها الإخوة والأخوات، شجعت الأمم المتحدة وإعلان بيجين الرواية القائلة بأن المساواة بين الجنسين في السياسة والاقتصاد والحياة الأسرية ضرورية لتقدم الأمم وتنميتها وللسلام والأمن. على سبيل المثال، تقول اللجنة الاقتصادية لأوروبا التابعة للأمم المتحدة إنه بدون تحقيق الهدف الخامس من أهداف التنمية المستدامة - المساواة بين الجنسين في هدف التنمية المستدامة - "لن يتم تحقيق أي هدف آخر للتنمية المستدامة بحلول عام 2030". ومع ذلك، لا يوجد أي ارتباط بين حجم سياسات المساواة بين الجنسين والقوانين المطبقة داخل الدولة، أو التي يتم تحقيقها في السياسة والاقتصاد والحياة الاجتماعية، ومستوى التقدم والتنمية المحقق داخل الدولة. في رواندا على سبيل المثال، فاق عدد النساء عدد الرجال في برلمانها لأكثر من عقد. حالياً، أكثر من 60٪ من أعضاء البرلمان من النساء (الاتحاد البرلماني الدولي). ومع ذلك، يبلغ معدل الفقر في البلاد حوالي 40٪ (البنك الدولي، 2019). وبالمثل، كان لدى المكسيك وجنوب أفريقيا أعداد كبيرة من النساء في البرلمان لسنوات عديدة (حالياً 48٪ و42٪ على التوالي). ومع ذلك، لا يزال الوضع الاقتصادي في هذه البلدان قاسياً، في حين إن نظامي التعليم والرعاية الصحية فيها قد دمرا. على سبيل المثال، تحتل المكسيك المرتبة الأخيرة في التعليم بين دول منظمة التعاون والتنمية في الميدان الاقتصادي، بينما في جنوب أفريقيا، في عام 2018، لم تستوف سوى 5 منشآت من أصل 696 منشأة للصحة العامة علامة النجاح الحكومية البالغة 80٪ للمعايير الصحية. وأنا أسألكم - ما هو نوع التقدم الذي تحقق للنساء أو الدولة تحت رئاسة رئيسة الوزراء الشيخة حسينة في بنغلادش، أو بينظير بوتو في باكستان، أو تيريزا ماي في بريطانيا؟ الحقائق تتحدث عن نفسها! علاوةً على ذلك، وفقاً لتقرير المنتدى الاقتصادي العالمي 2013، فإن أعلى معدلات مشاركة النساء في العمل في العالم توجد في ملاوي وموزامبيق وبوروندي حيث تشكل النساء نسبة أكبر من الرجال من القوى العاملة. ومع ذلك، فإن هذه البلدان ليست بالكاد قدوة للتحرر من الفقر، ولا هي من بين بلدان العالم المعروفة في تقديم خدمات عامة جيدة النوعية. في أفغانستان، البلد الذي خضع لجدول أعمال نسوي عنيف بعد الاحتلال الأمريكي في عام 2001، وحيث تم توقيع عدد لا يحصى من مشاريع قوانين المساواة بين الجنسين في القانون والبرامج المنفذة، لا تزال حالة التعليم والرعاية الصحية كئيبة. اليوم، أكثر من 40٪ من المدارس في البلاد ليس لديها مبان، ويقدر أن ثلثي الفتيات الأفغانيات لا يذهبن إلى المدرسة (هيومن رايتس ووتش، 2017) و84٪ من النساء في البلاد أميات (منظمة إحصائيات أفغانستان المركزية، 2017). وفي مجال الرعاية الصحية، كشف تقرير صادر عن وزير الصحة العامة الأفغاني عام 2017 أن أكثر من 50٪ من النساء الحوامل لا يحصلن على الخدمات الصحية الأساسية وأن أكثر من 50٪ من الولادات تمت بدون مرافق التمريض.

ومن ثم، فمن الواضح أن النقص في المساواة بين الجنسين ليس هو العائق أمام تنمية الأمم. بل إنها الأنظمة السياسية المعيبة والاقتصادات الفاشلة والفساد المستفحل والصراعات وانعدام الأمن والسياسات البيئية الضارة ووجود حكام وأنظمة لا تمتلك أي رؤية حول كيفية تأمين احتياجات شعوبهم وعدم وجود رعاية حقيقية لرفاهيتهم. رداءة نوعية تعليم الفتيات في العديد من الدول على سبيل المثال، لا يرجع إلى عدم وجود سياسات للمساواة بين الجنسين... بل إنه نتيجة نقص التمويل الهائل للمدارس ونقص تدريب المعلمين، وبيئات المدارس غير الآمنة، ولأن العديد من الأسر الفقيرة لا تستطيع تحمل كلفة تعليم أطفالهم. في العديد من البلدان، فإن وفيات الأمهات وصحة المرأة بشكل عام أمر محزن، ليس بسبب عدم المساواة بين الرجل والمرأة في الحصول على الخدمات الصحية، أو نقص المعرفة بالصحة الجنسية والإنجابية... ولكن بسبب قلة الاستثمار في الرعاية الصحية العامة، وسوء التغذية والظروف المعيشية المتدنية التي تؤثر على النساء بسبب الفقر، وسياسات التأمين الصحي الاستغلالية والأنظمة الصحية التي يسيطر عليها القطاع الخاص والتي حولت العلاج الطبي إلى أعمال استغلالية... وكل ذلك في ظل الحكومات التي تنظر إلى الرعاية الصحية والتعليم على أنها رفاهية وليست من الحقوق الأساسية.

علاوةً على ذلك، فإن الفشل في تحقيق السلام والأمن في الدول التي مزقتها الحرب مثل أفغانستان واليمن، أو حماية حقوق النساء المتأثرات بالاضطهاد والصراعات، كما هو الحال في سوريا، أو في ميانمار أو الصين... ليس بسبب عدم مشاركة النساء في حل النزاعات أو صنع القرار أو مهمات السلام. ما الذي قامت به القائدات مثل أونغ سان سو كي والشيخة حسينة على سبيل المثال لحماية دماء وحقوق نساء وفتيات الروهينجا؟ لا، إن الافتقار إلى الأمن والحماية اللذين يؤثران على ملايين النساء على الصعيد الدولي، يرجع إلى وجود نظام عالمي رأسمالي اليوم خالٍ من أي أخلاق - نظام يحارب ويغذي الحروب من أجل الربح؛ ويتجاهل الإبادة الجماعية؛ ويدعم الديكتاتوريات التي تفي بمصالح الدول الغربية الاستعمارية؛ وليس لديه إرادة سياسية للدفاع عن المظلومين والمضطهدين، ما لم تكن هناك مكاسب سياسية أو اقتصادية؛ ويقبل أن يعاني الأطفال والنساء الموت والتجويع والتجمد حتى الموت في مخيمات اللاجئين اللاإنسانية أو الغرق في البحر بسبب السياسات القومية السامة التي ترفض توفير ملاذ آمن لهم. لذلك، إذا كنا نود أن نرى تقدماً حقيقياً وأمناً وسلاماً للمرأة في جميع دول العالم، فليست المساواة بين الجنسين ما ينبغي أن يكون هدفنا، بل تغيير هذا النظام العالمي الرأسمالي الفاسد.

الخاتمة:

في الختام، أيها الإخوة والأخوات، أخفق إعلان ومنهاج عمل بيجين في أجندته للمساواة بين الجنسين في الوفاء بوعوده للنساء والفتيات بحمايتهن من الظلم والأذى وتحسين نوعية حياتهن. في الواقع، لن تؤدي الدعوة إلى المساواة بين الجنسين إلى حل المشكلات التي لا حصر لها والتي تواجهها النساء اليوم. وذلك لأن منهجها الخاطئ في دراسة جميع القضايا من منظور نوعي ضيق يفشل في دراسة الأسباب والحلول الحقيقية لهذه المشاكل بطريقة موضوعية ومستنيرة. بدلاً من ذلك، فإنه يحول الانتباه عن الحقيقة الواضحة المتمثلة في أن القيم والأيديولوجيات والأنظمة الموجودة داخل البلاد هي التي تحدد وضع المرأة وحقوقها ورفاهها، وليس موضوع عدم المساواة بين الجنسين. لذلك، كانت المساواة بين الجنسين بمثابة ستار من الدخان، يصرف الانتباه والجهود المبذولة في مواجهة القيم والأيديولوجيات والأنظمة الرأسمالية والاشتراكية والقيم الأخرى التي من صنع الإنسان والتي تحكم الأمم اليوم والتي تشكل الأسباب الجذرية للمشاكل التي تواجهها المرأة على الصعيد العالمي. عن طريق ذلك، فإنها فقط أطالت ظلم ومعاناة المرأة. ومع ذلك، إذا كنا نرغب حقاً في تحسين حياة المرأة، فهذه هي العوامل السببية التي نحتاج إلى معالجتها.

لذلك، تعد المساواة بين الجنسين معياراً خاطئاً ومضللاً لتقييم جودة وتقدم حياة النساء والأمم، وكذلك فإنها ليست معياراً للحكم على مزايا أو أوجه القصور في الثقافات وأنظمة المعتقدات الأخرى. لذلك من المفهوم أننا كمسلمين ومسلمات علينا أن نرفضها تماماً - من منظور إسلامي وعقلاني. في الواقع، إذا كنا نرغب حقاً في مستقبل أكثر إشراقاً لنساء هذا العالم، فإن الخطوة الأولى هي التخلص من أوهام المساواة بين الجنسين.

يقول الله سبحانه وتعالى: ﴿وَالَّذِينَ كَفَرُوا أَعْمَالُهُمْ كَسَرَابٍ بِقِيعَةٍ يَحْسَبُهُ الظَّمْآنُ مَاء حَتَّى إِذَا جَاءهُ لَمْ يَجِدْهُ شَيْئاً وَوَجَدَ اللَّهَ عِندَهُ فَوَفَّاهُ حِسَابَهُ وَاللَّهُ سَرِيعُ الْحِسَابِ﴾.

المزيد من القسم null

لا تنخدعوا بالأسماء فالعبرة بالمواقف لا بالأنساب

لا تنخدعوا بالأسماء فالعبرة بالمواقف لا بالأنساب

في كل مرة يُقدَّم لنا "رمز جديد" له جذور مسلمة أو ملامح شرقية، يهلل كثير من المسلمين، وتُبنى الآمال على وهمٍ اسمه "التمثيل السياسي" في نظامٍ كافر لا يعترف بالإسلام حكماً ولا عقيدةً ولا شريعةً.

نذكر جميعاً الفرح العارم الذي اجتاح مشاعر كثيرين عند فوز أوباما في 2008. فهو ابن كينيا، وله أب مسلم! وهنا توهم البعض أن الإسلام والمسلمين باتوا قريبين من النفوذ الأمريكي، لكن أوباما كان أحد أكثر الرؤساء إيذاءً للمسلمين فقد دمر ليبيا، وساهم في مأساة سوريا، وأشعل أفغانستان والعراق بطائراته وجنوده، بل كان سفاك الدماء في اليمن عبر أدواته وكان عهده استمراراً لعداء ممنهج ضد الأمة.

واليوم يتكرر المشهد، لكن بأسماء جديدة. فـزوهران ممداني يُحتفى به لأنه مسلم ومهاجر وشاب، وكأنه المنقذ! لكن قليلين فقط ينظرون إلى مواقفه السياسية والفكرية. هذا الرجل من الداعمين الأشداء للشواذ المثليين، ومشارك في فعالياتهم، ويعتبر انحرافهم حقوقاً إنسانية!

أي خزي هذا يُعلق عليه الناس آمالاً؟! ألم يكن تكراراً للخيبة السياسية والفكرية نفسها التي وقعت فيها الأمة مراراً وتكراراً؟! نعم لأنها تُفتن بالشكل لا بالجوهر! تُخدع بالابتسامات، وتتعامل بالعاطفة لا بالعقيدة، وبالأسماء لا بالمفاهيم، وبالرموز لا بالمبادئ!

إن هذا الانبهار بالأشكال والأسماء نتيجة غياب الوعي السياسي الشرعي، لأن الإسلام لا يقاس بالأصل أو الاسم أو العرق، بل بالالتزام بمبدأ الإسلام كاملاً؛ نظاماً وعقيدةً وشريعةً. ولا قيمة لمسلم لا يحكم بالإسلام ولا ينصره، بل يخضع للنظام الرأسمالي الكافر، ويبرر الكفر والانحرافات باسم "الحرية".

وليعلم جميع المسلمين الذين فرحوا بفوزه وظنّوا أنه بذرة خير أو بداية نهوض، أن النهوض لا يكون من داخل أنظمة الكفر، ولا بأدواتها، ولا عبر صناديق اقتراعها، ولا تحت سقف دساتيرها.

فمن يُقدّم نفسه عبر النظام الديمقراطي، ويقسم على احترام قوانينه، ثم يدافع عن الشذوذ الجنسي ويحتفل به، ويدعو إلى ما يغضب الله، فهو ليس نصيراً للإسلام ولا أملاً للأمة، بل هو أداة تلميع وتمييع، وتمثيل مزيّف لا يُقدّم ولا يؤخر.

إن ما تسمى النجاحات السياسية في الغرب لبعض الشخصيات ذات الأسماء الإسلامية، ما هي إلا فُتات يُقدَّم كمسكنات للأمة، ليقال لها: انظروا، التغيير ممكن عبر أنظمتنا.

 فما حقيقة هذا "التمثيل"؟

الغرب لا يفتح أبواب الحكم للإسلام، بل يفتحها فقط لمن يتماهى مع قيمه وأفكاره. وأي شخص يدخل نظامهم لا بد أن يقبل بدستورهم، وبقوانينهم الوضعية، وأن يتنكر لحكم الإسلام، فإن رضي بذلك، أصبح نموذجاً مقبولاً، أما المسلم الحق، فهو مرفوض عندهم من جذوره.

فمن هو زهران ممداني؟ ولماذا يُصنع هذا الوهم؟

هو شخص يحمل اسماً مسلماً لكنه متبنٍ لأجندة منحرفة مخالفة تماماً لفطرة الإسلام، من دعم المثليين، والترويج لما يُسمى بـ"حقوقهم"، وهو نموذج حي لكيف يصنع الغرب نماذجه: مسلم بالاسم، علماني بالفعل، خادم لأجندة الليبرالية الغربية لا أكثر. بل لإشغال الأمة عن طريقها الحقيقي، فبدل أن تطالب بدولة الإسلام والخلافة، تنشغل بالمقاعد النيابية والمناصب في أنظمة كفر! وبدل أن تتوجه لتحرير فلسطين، تنتظر مَن "يدافع عن غزة" من داخل الكونغرس الأمريكي أو البرلمان الأوروبي!

فحقيقة الأمر أن هذا تشويه لطريق التغيير الحقيقي، وهو إقامة الخلافة الراشدة على منهاج النبوة، التي تُعلي راية الإسلام، وتقيم شرع الله، وتوحد الأمة خلف خليفة واحد يُقاتل من ورائه ويُتقى به.

فلا تنخدعوا بالأسماء، ولا تفرحوا بمن ينتمي لكم شكلاً ويخالفكم مضموناً، فليس كل من حمل اسم سعيد أو علي أو زهران هو على طريق نبينا محمد ﷺ.

واعلموا أن التغيير لا يأتي من داخل برلمانات الكفر، بل من جيوش الأمة التي آن لها أن تتحرك، ومن شبابها الواعين الذين يعملون ليلا ونهارا لقلب الطاولة على رؤوس الغرب وأعوانه وأتباعه الخائنين في بلاد الإسلام والمسلمين.

فالمسلمون لن ينهضوا عبر انتخابات الديمقراطية ولا من خلال صناديق الغرب، بل بنهضة حقيقية على أساس العقيدة الإسلامية، بإقامة دولة الخلافة الراشدة التي تُعيد للإسلام مكانته، وللمسلمين عزّتهم، وتحطم أوهام الديمقراطية.

لا تنخدعوا بالأسماء، ولا تعلقوا آمالكم على أفراد في أنظمة كفر، بل ارجعوا إلى مشروعكم العظيم: استئناف الحياة الإسلامية، فهذا وحده طريق العزة والنصر والتمكين.

فالمشهد تكرار مُهين لمآسٍ قديمة: رموز مزيفة، وولاء للأنظمة الغربية، وانحراف عن طريق الإسلام. وكل من يُصفّق لهذا المسار، إنما يضلل الأمة. فعودوا إلى مشروع الخلافة، ولا تجعلوا أعداء الإسلام يصنعون لكم قادتكم وممثليكم. فالعزة ليست في مقاعد الديمقراطية، بل في سدة الخلافة التي يعمل لها حزب التحرير ويُحذر الأمة من هذا الانحدار الفكري والسياسي. فلا خلاص لنا إلا بدولة الخلافة، التي لا تسمح بأن يحكم المسلمين من يدين بدين غير الإسلام، ولا بمن يبرر الشذوذ والانحراف، ولا بمن يُشرّع للناس غير ما أنزل الله.

كتبه لإذاعة المكتب الإعلامي المركزي لحزب التحرير

عبد المحمود العامري – ولاية اليمن

مصر بين الشعارات الحكومية والواقع المرّ  الحقيقة الكاملة عن الفقر، والسياسات الرأسمالية

مصر بين الشعارات الحكومية والواقع المرّ

الحقيقة الكاملة عن الفقر، والسياسات الرأسمالية

نقلت بوابة الأهرام الثلاثاء 4 تشرين الثاني/نوفمبر 2025م، أن رئيس الوزراء المصري، في كلمة ألقاها نيابةً عن الرئيس في القمة العالمية الثانية للتنمية الاجتماعية في العاصمة القطرية الدوحة، قال إنّ مصر تطبّق نهجاً شاملاً للقضاء على الفقر في جميع أشكاله وأبعاده، بما في ذلك "الفقر متعدد الأبعاد".

منذ سنوات، لا يكاد يخلو خطاب رسمي في مصر من عباراتٍ مثل "نهج شامل للقضاء على الفقر" و"الانطلاقة الحقيقية للاقتصاد المصري". يكرّر المسؤولون هذه الشعارات في المؤتمرات والمناسبات، مصحوبة بصور براقة لمشروعات استثمارية وفنادق ومنتجعات. لكن الواقع، كما تشهد عليه التقارير الدولية، مختلف تماماً. فالفقر في مصر ما زال ظاهرةً راسخة، بل متفاقمة، رغم الوعود الحكومية المتكرّرة بالتحسن والنهضة.

بحسب تقارير اليونيسف والإسكوا وبرنامج الغذاء العالمي لعامي 2024 و2025، يعيش نحو واحد من كل خمسة مصريين في فقرٍ متعدد الأبعاد، أي محروم من أكثر من جانب من جوانب الحياة الأساسية كالتعليم والصحة والسكن والعمل والخدمات. كما تؤكد البيانات أن أكثر من 49% من الأسر تعاني من صعوبات في الحصول على غذاء كافٍ، وهو رقم صادم يعكس عمق الأزمة المعيشية.

أما الفقر المالي، أي انخفاض الدخل مقارنة بتكاليف المعيشة، فقد ارتفع بصورة حادة، نتيجة موجات التضخم المتلاحقة التي أكلت أجور الناس وجهودهم ومدخراتهم، حتى أصبحت نسبة كبيرة من المصريين تحت خط الفقر المالي رغم عملهم الدائم.

وبينما تتحدث الحكومة عن مبادرات مثل "تكافل وكرامة" و"حياة كريمة"، تكشف الأرقام الدولية أن هذه البرامج لم تغيّر بنية الفقر جذرياً، بل اقتصرت على مسكّنات مؤقتة أشبه بالقطرة التي تُسكب في صحراء. فما زال الريف المصري الذي يقطنه أكثر من نصف السكان، يعاني من ضعف الخدمات وانعدام فرص العمل اللائق وتهالك البنية الأساسية. ويؤكد تقرير الإسكوا أن الحرمان في الريف يفوق نظيره في المدن بعدة أضعاف، ما يدل على سوء توزيع الثروة والإهمال المزمن للأطراف.

حين يشكر رئيسُ الوزراء ابنَ البلد "الذي تحمّل مع الحكومة إجراءات الإصلاح الاقتصادي"، فإنه في الواقع يُقرّ بوجود معاناة حقيقية ناتجة عن تلك السياسات. غير أن هذا الاعتراف لا يتبعه تغيير في المنهج، بل مزيد من السير في الطريق الرأسمالي نفسه الذي سبّب الأزمة.

فالإصلاح المزعوم الذي بدأ عام 2016 ببرنامج "التعويم" ورفع الدعم وزيادة الضرائب، لم يكن إصلاحاً بل تحميلاً للفقراء كلفة الديون والعجز. وفي الوقت الذي يتحدث فيه المسؤولون عن "الانطلاقة"، تتجه الاستثمارات الضخمة إلى العقارات الفاخرة والمشروعات السياحية التي تخدم أصحاب رؤوس الأموال، بينما لا يجد ملايين الشباب فرصاً للعمل أو السكن. بل إن كثيراً من هذه المشاريع، كمنطقة علم الروم في مطروح التي تُقدّر استثماراتها بـ29 مليار دولار، هي شراكات رأسمالية أجنبية تستحوذ على الأراضي والثروات وتحوّلها إلى مصدر ربح للمستثمرين، لا مصدر رزق للناس.

النظام يفشل ليس لأنه فاسد فحسب، بل لأنه يسير على أساسٍ فكريٍّ باطلٍ هو النظام الرأسمالي، الذي يجعل المال محوراً لكل سياسات الدولة. فالرأسمالية تقوم على حرية التملك المطلقة، وتسمح بتكديس الثروة في يد القلة التي تملك أدوات الإنتاج، فيما تتحمل الكثرة عبء الضرائب والأسعار والدَّين العام.

ولهذا، فإن كل ما يُسمى "برامج حماية اجتماعية" ما هو إلا محاولة لتجميل وجه الرأسمالية الوحشي، وإطالة عمر نظامٍ جائرٍ يراعي الأغنياء ويجبي من الفقراء. فبدلاً من معالجة أصل الداء؛ أي احتكار الثروة وتبعية الاقتصاد للمؤسسات الدولية، يُكتفى بتوزيع فتات من الإعانات النقدية، لا ترفع فقراً ولا تحفظ كرامة.

إن الرعاية ليست منّةً من الحاكم على الرعية، بل واجب شرعي، ومسؤولية يحاسبه الله عليها في الدنيا والآخرة. وما يجري اليوم، هو إهمال متعمّد لشؤون الناس، وتخلٍّ عن واجب الرعاية لصالح قروضٍ مشروطة من صندوق النقد والبنك الدوليين.

لقد أصبحت الدولة وسيطاً بين الفقير والدائن الأجنبي، تفرض الضرائب وتقلّص الدعم وتبيع الممتلكات العامة لسدّ عجزٍ متضخم صنعه النظام الرأسمالي نفسه. وفي هذا كله تغيب المفاهيم الشرعية التي تضبط الاقتصاد، كتحريم الربا، ومنع تملك الثروات العامة للأفراد، ووجوب النفقة على الرعية من بيت مال المسلمين.

لقد قدم الإسلام نظاماً اقتصادياً متكاملاً يعالج الفقر من جذوره، لا بمجرد دعمٍ نقدي أو مشروعات تجميلية. هذا النظام يقوم على أسسٍ شرعيةٍ ثابتة أبرزها:

1- تحريم الربا والديون الربوية التي تُكبّل الدولة وتستنزف مواردها، فبزوال الربا تزول تبعية الاقتصاد للمؤسسات الدولية، وتُعاد السيادة المالية للأمة.

2- جعل الملكيات ثلاثة أنواع:

ملكية فردية: كالبيوت والمتاجر والمزارع الخاصة...

ملكية عامة: تشمل الثروات الكبرى كالنفط والغاز والمعادن والمياه...

ملكية دولة: كأراضي الفيء والركاز والخراج...

وبهذا التوزيع تتحقق العدالة، إذ تُمنع فئة قليلة من احتكار موارد الأمة.

3- ضمان الكفاية لكل فرد من الرعية: فالدولة تضمن لكل إنسان في رعايتها حاجاته الأساسية من مأكل وملبس ومسكن، فإن عجز عن العمل وجب على بيت المال أن ينفق عليه.

4- الزكاة والإنفاق الإلزامي: الزكاة ليست إحساناً بل فريضة، تجمعها الدولة وتصرفها في مصارفها الشرعية للفقراء والمساكين والغارمين. وهي أداة توزيع فعّالة تعيد الأموال إلى دورة الحياة في المجتمع.

مع التحفيز على العمل المنتج ومنع الاستغلال، والحثّ على استثمار الموارد في مشاريع نافعة حقيقية كالصناعات الثقيلة والحربية لا في المضاربات والعقارات الفاخرة والمشاريع الوهمية. إلى جانب ضبط الأسعار بالعرض والطلب الحقيقيين لا بالاحتكار ولا بالتعويم.

إن دولة الخلافة على منهاج النبوة هي وحدها القادرة على تطبيق هذه الأحكام عملياً، لأنها تُبنى على أساس العقيدة الإسلامية، ويكون هدفها رعاية شؤون الناس لا جباية أموالهم. ففي ظل الخلافة، لا يوجد ربا ولا قروض مشروطة، ولا بيع للثروات العامة للأجانب، بل تُدار الموارد بما يحقق مصلحة الأمة، ويتولى بيت المال تمويل الرعاية الصحية والتعليم والمرافق العامة من موارد الدولة والخراج والأنفال والملكية العامة.

أما الفقراء، فتُكفل حاجاتهم الأساسية فرداً فرداً، لا عبر صدقات مؤقتة بل كحقٍّ شرعي مضمون. ولذا فإن محاربة الفقر في الإسلام ليست شعاراً سياسياً، بل نظام حياة متكامل يُقيم العدل ويمنع الظلم ويعيد الثروة إلى أهلها.

ما بين الخطاب الرسمي والواقع المعاش مسافةٌ هائلة لا تخفى على أحد. فبينما تتغنّى الحكومة بمشروعاتها "العملاقة" وبـ"الانطلاقة الحقيقية"، يعيش ملايين المصريين تحت خط الفقر، يعانون الغلاء والبطالة وانعدام الأمل. والحقيقة أن هذه المعاناة لن تزول ما دامت مصر تسير في طريق الرأسمالية، تُسلِّم اقتصادها للمرابين وتخضع لسياسات المؤسسات الدولية.

إن أزمات ومشكلات مصر هي مشكلات إنسانية وليست مادية، وتتعلق بها أحكام شرعية تبين كيفية التعامل معها وعلاجها على أساس الإسلام، وإن الحلول أسهل من غض الطرف لكنها تحتاج إدارة مخلصة تملك إرادة حرة تريد السير في الطريق الصحيح وتريد الخير لمصر وأهلها حقا، وحينها على هذه الإدارة أن تراجع كل العقود التي أبرمت سابقا والتي تبرم مع كل الشركات التي تحتكر أصول البلاد وما هو من ملكياتها العام وعلى رأسها شركات التنقيب عن الغاز والنفط والذهب وباقي المعادن والثروات، وتطرد كل تلك الشركات لأنها في الأصل شركات استعمارية ناهبة لثروات البلاد، ثم تصوغ عهدا جديدا يقوم على تمكين الناس من ثروات البلاد وإنشاء أو استئجار شركات تقوم هي على إنتاج الثروة من منابع النفط والغاز والذهب وغيرها من المعادن وتعيد توزيع هذه الثروات على الناس من جديد، حينها سيتمكن الناس من زراعة الأرض الموات التي ستمكنهم الدولة من استغلالها بحقهم فيها، وسيتمكنون أيضا من صناعة ما يجب أن يصنع ليرتفع باقتصاد مصر ويكفي أهلها، وستدعمهم الدولة في هذا السبيل، وإن كل هذا ليس ضربا من الخيال ولا مستحيل الحدوث ولا مشروعا نعرضه للتجربة قد ينجح أو يفشل، وإنما هي أحكام شرعية لازمة ملزمة للدولة والرعية، فلا يجوز للدولة أن تفرط في ثروات البلاد التي هي ملك للناس بدعوى عقود أقرتها وأيدتها وتحميها قوانين دولية جائرة، ولا يجوز لها أن تمنع الناس منها بل يجب أن تقطع كل يد تمتد ناهبة إلى ثروات الناس، هذا ما يقدمه الإسلام ويجب تنفيذه، إلا أنه لا يطبق بمعزل عن باقي أنظمة الإسلام بل إنه لا يطبق إلا من خلال دولة الخلافة الراشدة على منهاج النبوة، هذه الدولة التي يحمل همها والدعوة إليها حزب التحرير ويدعو مصر وأهلها شعبا وجيشا إلى العمل معه من أجلها، عسى الله أن يكتب الفتح من عنده فنراها واقعا يعز الإسلام وأهله، اللهم عاجلا غير آجل.

﴿وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرَىٰ آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَفَتَحْنَا عَلَيْهِم بَرَكَاتٍ مِّنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ﴾

كتبه للمكتب الإعلامي المركزي لحزب التحرير

سعيد فضل

عضو المكتب الإعلامي لحزب التحرير في ولاية مصر