November 11, 2013

دجل الأمريكان في التبجّح بــ "حقوق الإنسان"


"حقوق الإنسان!!"، تلك الكذبة الكبرى، والشعار البراق، والمصطلح الفضفاض الذي تلوكه ألسنة ساسة الغرب بعامة والأمريكيين بخاصة، والذي تتخذه الدول الاستعمارية ذريعة للتدخل في شؤون البلاد ونهب ثرواتها واستعباد شعوبها، مصطلحٌ تسوقه قنواتُ إعلامٍ مجرمٍ مضلّلٍ مسيَّسٍ مزيِّفٍ للحقائق، يجعل القاتل مسكيناً والمقتول إرهابياً متطرفاً معتدياً على "حقوق الإنسان" كما هو الحال على أرض الشام التي تراق عليها دماء المسلمين الزكية، لا ذنب لهم إلا أنهم وقفوا في وجه الظالم وقالوا له أنت ظالم ومجرم وفاجر، وأخذوا على عاتقهم تخليص البلاد والعباد من جوره وظلمه. وكم من منظماتٍ وهيئات دولية ومستقلة تدعي الذود عن حقوق الإنسان تنادت واجتمعت وقررت وأعلنت، دون طائل، تمييعاً لقضايا مصيرية يذبح فيها البشر والمسلمون خاصة، بأسلوب خبيث ومكر دولٍ لا دهاء أفراد.


فعلى أرض الشام سفكت دماء ما يقارب مائتي ألف شهيد، ومئات الآلاف من الجرحى والمعتقلين، وملايين النازحين والمهجرين في مشارق الأرض ومغاربها، دون أن يحرك العالم الذي يتشدق بـ "حقوق الإنسان" ساكناً، ولا غرابة في ذلك، لأن من يُقْتَلُ ويتألم هم المسلمون، ولأن القاتل خادمٌ للغرب وحافظٌ لمصالحه ومحاربٌ لدين الله ولمن يريد إعادة تحكيم شرع الله عبر دولةٍ يأبى أهل الشام إلا أن تكون خلافةً على منهاج النبوة، شاء من شاء وأبى من أبى. واقعٌ يصفه قول القائل:


قتل امرئ في غابةٍ جريمةٌ لا تغتفر ... وقَتْلُ شعبٍ آمنٍ مسألةٌ فيها نظرْ

وقول آخر في وصفٍ يدمي القلوب ويستصرخ أمة الإسلام أن يا أمتي عودي:


شعبٌ يُبادُ وأمةٌ تتمزقُ ............... ومآذنٌ بدمِ الضحايا تغرقُ
والغربُ يهدمُ ما بَنَتْهُ يدُ الهدى .... والهيئةُ السفلى هناك تصفّقُ
والعالَمُ المأفونُ يرقبُ صامتاً ......... ورئيسُ هيئتهِ غرابٌ ينعقُ
يدعو إلى سلمٍ ولكَن فعلُهُ ........... حَقٌّ على دينِ الحنيفةِ ينطقُ
ما رقَّ للطفلِ الرضيعِ دماؤه سالتْ .......... ودمعةُ حزنٍ تترقرقُ
ما رقَّ للثكلى وقدْ سَقَطَتْ ....... على شلوِ الرضيعِ وقلبُها يتمزَّقُ

كما أنه، ومنذ انطلاق ثورة الشام المباركة، والساسة الأمريكان يتباكون على من يقتل على يد عميلهم المجرم، ويعبّرون عن "قلقهم المتزايد" من انتهاكات "حقوق الإنسان" في سوريا! وهم الذين داسوا على حقوق الإنسان الذي يعيش في بلادهم بعد أن تلظى بنار الرأسمالية الحارقة وظلمها، فتحدثت بعض الإحصائيات الحديثة عندهم بأن أكثر من خمسة وأربعين مليون إنسان يعيشون تحت خط الفقر، يقتلهم الجوع، ويلفحهم قارس البرد، وتخنقهم لوعات الألم وأنّات البؤس والشقاء، في الوقت الذي تتنعم حفنةٌ من المتنفذين بمقدرات البلاد وثرواتها. كل ذلك بسبب جور النظام الرأسمالي وجشع أهله وغياب دولة الخلافة التي تخلّص العالم من شروره. وإن حديث أوباما وجوقته عن حقوق الإنسان يفضحه دعمُه لطاغية الشام جهاراً نهاراً ومن وراء غطاء، تارة بالمال وتارة بالرجال وتارة بالغطاء الدولي للتستر على جرائمه وعلى رأسها الكيماوي، وتارة بالسلاح الذي يفتك بمسلمي الشام، أطفالاً وشيوخاً ونساء، وتارة بالمهل الدموية التي تتخطى كل خطوط أوباما الحمراء، عبر تسخير الأزلام والأدوات والعملاء، الذين لم يجمعهم إلا العداء للإسلام والكيد للمسلمين.


كما أن الذهن، حين نسمع بحديث الغرب عن حقوق الإنسان، يستحضر من فوره طائرات الموت الأمريكية بدون طيار، والتي تقصف المسلمين، دون حسيب أو رقيب، في اليمن وباكستان وأفغانستان والصومال ومن قبلها العراق الذي أدت ديمقراطية بوش ومناداة بلاده بـ "حقوق الإنسان" إلى قتل وجرح وتشريد وتهجير الملايين من أهلنا الأبرياء، ومما يثير السخرية ها هنا أن عدد موظفي السفارة الأمريكية في العراق بلغ 16000 موظف (جندي) كي لا تطالهم المسؤولية عن جرائمهم ومجازرهم، كما يذهب الذهن أيضاً إلى صواريخ سكود التي تنهال على أطفال الشام فتمزق الأشلاء وتنشر الدماء، وإلى الكيماوي الذي أمِنته يهود وانهال على أهلنا بغطاء أمريكي نتن مفضوح يكشف عقوداً من العمالة والخيانة، ويكشف الدجل والنفاق الأمريكي بعد أن أعيتهم ثورة الشام بثباتها وصدقها ووعي أهلها. أما معتقل غوانتانامو فهو صفعة خالدة لكل من يتشدق بحقوق الإنسان من الغرب الكافر المستعمر، والأنكى من ذلك أن أمريكا تعطي لنفسها، وبكل صلف وعنجهية وغرور، الحق في اعتقال المسلمين من عقر دارهم، وما اعتقال أبي أنس الليبي عنا ببعيد، في ظل حكام أنذال خونة يطأطئون رؤوسهم لأسيادهم الأمريكيين والأوربيين ويستأسدون على شعوبهم. وفي ميانمار، شاهد جديد على أن حديث أوباما عن حقوق الإنسان كذبة جوفاء، فالمسلمون هناك يقتلون ويذبحون ويحرقون ويهجّرون فراراً بحياتهم من قصص الموت اليومية التي تلاحقهم، بينما زعيم البيت الأبيض ذو القلب الأسود يمتدح سعي حكومة ميانمار المجرمة نحو "الديمقراطية وحقوق الإنسان"، وذلك في أول زيارة لرئيس أمريكي لميانمار يوم الاثنين 19/11/2012م، فسرها وعده بــ"مزيد من الاستثمارات الأمريكية فيها!". كما أن إجرام الأمريكيين في أفغانستان محفور على الشجر والحجر وقلوب البشر. ومؤخراً سارعت كثير من الدول، ومن بينها "الحلفاء" لاتهام الولايات المتحدة بــ"النفاق والغطرسة" على خلفية فضيحة تنصت إلكتروني، بعد قيام إدوارد سنودين الموظف السابق في وكالة الأمن القومي الأمريكي بالكشف عن تفاصيل حول برامج للحكومة الأمريكية للمراقبة السرية. وقد جاء في تعليق لوكالة أنباء الصين الجديدة "شينخوا" إن "ادعاء الولايات المتحدة بتطبيق الديمقراطية واعتناق الحرية وحقوق الإنسان ينهار".


أما المساجد التي تهدم في الشام فهي قصة مؤلمة من نوع آخر، بعد أن بلغ ما قُصِفَ ودُمِّرَ منها أكثر من 1450 مسجداً يستصرخ أمة الإسلام ويدعو على من خذل المسلمين. والعالم المأفون يرقب صامتاً، وإعلامه أشد جرماً وتواطؤًا، لأن من يُقْتَلُ هم المسلمون وما يهدم هي مساجدهم وبيوتهم! ولو أن كنيسة واحدة أوذيت لأقام الغرب الدنيا وأقعدها، حاشداً العالم لحماية "حقوق الأقليات" ودور عبادتهم حسب زعمهم! علماً أن الإسلام يحافظ على دور عبادة غير المسلمين، ليس قناعة بها، وإنما لأنه أمر الله وحكمه.


وحُقَّ لنا هنا أن نتساءل عمن يقف خلف منظمات حقوق الإنسان والمنظمات الدولية كلها، والتي تدعي حرصها على تحقيق العدالة والأمن والأمان لبني الإنسان، وتسلط الضوء وقتما تشاء وتغض الطرف وقتما تشاء. أليس كل ما تنادي به من شعارات براقة ذر للرماد في العيون لاستعباد البشر وسرقة أموالهم واستعمار بلادهم؟! أليست هذه المنظمات هي من يساوي بين الجلاد والضحية وتدعي انتهاك حقوق الإنسان من "طرفي النزاع" على أرض الشام؟!


وحُقَّ لنا أن نتساءل أيضاً، ألا يعتبر المسلم بنظر الغرب إنساناً، فيكون له حقوق حسب زعمهم؟!


أليس مسلمو باكستان الذين يقتلون بطائرات الدرون الأمريكية من بني الإنسان؟!


أليس مسلمو أفغانستان، وخاصة أطفالهم ونساؤهم والشيوخ، من بني الإنسان؟!


أليس مسلمو الصومال واليمن من بني الإنسان؟!


أليس مسلمو الشام الذين يدافعون عن الأرض والعرض والدين وكرامة الإنسان من بني الإنسان؟!


أم أنهم جميعاً لا بواكي لهم؟!


أما آن لأمة الإسلام لأن تنتفض جميعها وتقف وقفة رجل واحد لتعيد كرامة الإنسان، لتعيد للمسلمين دولتهم بقيادة خليفة عادل يقتص من كل من آذى عباد الله؟! بلى... لقد آن... لقد آن.


لقد آن الأوان لأن تعي الأمة أن لا خلاص لها مما تعانيه وتقاسيه إلا بدولة الخلافة التي ذبح المسلمون منذ أن هدمت قبل قرن من الزمن. بها تعود العزة والمنعة للمسلمين، يقودها خليفة يحكمنا بكتاب الله وسنة نبيه صلى الله عليه وسلم. وإن حزب التحرير، الرائد الذي لا يكذب أهله، يدعو المسلمين جميعاً، في الشام وغير الشام، كي يعملوا معه لتحقيق بشرى حبيبنا المصطفى صلى الله عليه وسلم حيث قال «ثم تكون خلافة على منهاج النبوة»، ونسأل الله أن تكون في الشام لتعود الشام "عقر دار الإسلام"، وما ذلك على الله بعزيز.


قال تعالى: ((وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُم فِي الأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَى لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُمْ مِنْ بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْنًا يَعْبُدُونَنِي لا يُشْرِكُونَ بِي شَيْئًا وَمَنْ كَفَرَ بَعْدَ ذَلِكَ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُون)).


كتبه للمكتب الإعلامي المركزي لحزب التحرير
ناصر شيخ عبد الحي
عضو المكتب الإعلامي لحزب التحرير في ولاية سوريا

المزيد من القسم null

لا تنخدعوا بالأسماء فالعبرة بالمواقف لا بالأنساب

لا تنخدعوا بالأسماء فالعبرة بالمواقف لا بالأنساب

في كل مرة يُقدَّم لنا "رمز جديد" له جذور مسلمة أو ملامح شرقية، يهلل كثير من المسلمين، وتُبنى الآمال على وهمٍ اسمه "التمثيل السياسي" في نظامٍ كافر لا يعترف بالإسلام حكماً ولا عقيدةً ولا شريعةً.

نذكر جميعاً الفرح العارم الذي اجتاح مشاعر كثيرين عند فوز أوباما في 2008. فهو ابن كينيا، وله أب مسلم! وهنا توهم البعض أن الإسلام والمسلمين باتوا قريبين من النفوذ الأمريكي، لكن أوباما كان أحد أكثر الرؤساء إيذاءً للمسلمين فقد دمر ليبيا، وساهم في مأساة سوريا، وأشعل أفغانستان والعراق بطائراته وجنوده، بل كان سفاك الدماء في اليمن عبر أدواته وكان عهده استمراراً لعداء ممنهج ضد الأمة.

واليوم يتكرر المشهد، لكن بأسماء جديدة. فـزوهران ممداني يُحتفى به لأنه مسلم ومهاجر وشاب، وكأنه المنقذ! لكن قليلين فقط ينظرون إلى مواقفه السياسية والفكرية. هذا الرجل من الداعمين الأشداء للشواذ المثليين، ومشارك في فعالياتهم، ويعتبر انحرافهم حقوقاً إنسانية!

أي خزي هذا يُعلق عليه الناس آمالاً؟! ألم يكن تكراراً للخيبة السياسية والفكرية نفسها التي وقعت فيها الأمة مراراً وتكراراً؟! نعم لأنها تُفتن بالشكل لا بالجوهر! تُخدع بالابتسامات، وتتعامل بالعاطفة لا بالعقيدة، وبالأسماء لا بالمفاهيم، وبالرموز لا بالمبادئ!

إن هذا الانبهار بالأشكال والأسماء نتيجة غياب الوعي السياسي الشرعي، لأن الإسلام لا يقاس بالأصل أو الاسم أو العرق، بل بالالتزام بمبدأ الإسلام كاملاً؛ نظاماً وعقيدةً وشريعةً. ولا قيمة لمسلم لا يحكم بالإسلام ولا ينصره، بل يخضع للنظام الرأسمالي الكافر، ويبرر الكفر والانحرافات باسم "الحرية".

وليعلم جميع المسلمين الذين فرحوا بفوزه وظنّوا أنه بذرة خير أو بداية نهوض، أن النهوض لا يكون من داخل أنظمة الكفر، ولا بأدواتها، ولا عبر صناديق اقتراعها، ولا تحت سقف دساتيرها.

فمن يُقدّم نفسه عبر النظام الديمقراطي، ويقسم على احترام قوانينه، ثم يدافع عن الشذوذ الجنسي ويحتفل به، ويدعو إلى ما يغضب الله، فهو ليس نصيراً للإسلام ولا أملاً للأمة، بل هو أداة تلميع وتمييع، وتمثيل مزيّف لا يُقدّم ولا يؤخر.

إن ما تسمى النجاحات السياسية في الغرب لبعض الشخصيات ذات الأسماء الإسلامية، ما هي إلا فُتات يُقدَّم كمسكنات للأمة، ليقال لها: انظروا، التغيير ممكن عبر أنظمتنا.

 فما حقيقة هذا "التمثيل"؟

الغرب لا يفتح أبواب الحكم للإسلام، بل يفتحها فقط لمن يتماهى مع قيمه وأفكاره. وأي شخص يدخل نظامهم لا بد أن يقبل بدستورهم، وبقوانينهم الوضعية، وأن يتنكر لحكم الإسلام، فإن رضي بذلك، أصبح نموذجاً مقبولاً، أما المسلم الحق، فهو مرفوض عندهم من جذوره.

فمن هو زهران ممداني؟ ولماذا يُصنع هذا الوهم؟

هو شخص يحمل اسماً مسلماً لكنه متبنٍ لأجندة منحرفة مخالفة تماماً لفطرة الإسلام، من دعم المثليين، والترويج لما يُسمى بـ"حقوقهم"، وهو نموذج حي لكيف يصنع الغرب نماذجه: مسلم بالاسم، علماني بالفعل، خادم لأجندة الليبرالية الغربية لا أكثر. بل لإشغال الأمة عن طريقها الحقيقي، فبدل أن تطالب بدولة الإسلام والخلافة، تنشغل بالمقاعد النيابية والمناصب في أنظمة كفر! وبدل أن تتوجه لتحرير فلسطين، تنتظر مَن "يدافع عن غزة" من داخل الكونغرس الأمريكي أو البرلمان الأوروبي!

فحقيقة الأمر أن هذا تشويه لطريق التغيير الحقيقي، وهو إقامة الخلافة الراشدة على منهاج النبوة، التي تُعلي راية الإسلام، وتقيم شرع الله، وتوحد الأمة خلف خليفة واحد يُقاتل من ورائه ويُتقى به.

فلا تنخدعوا بالأسماء، ولا تفرحوا بمن ينتمي لكم شكلاً ويخالفكم مضموناً، فليس كل من حمل اسم سعيد أو علي أو زهران هو على طريق نبينا محمد ﷺ.

واعلموا أن التغيير لا يأتي من داخل برلمانات الكفر، بل من جيوش الأمة التي آن لها أن تتحرك، ومن شبابها الواعين الذين يعملون ليلا ونهارا لقلب الطاولة على رؤوس الغرب وأعوانه وأتباعه الخائنين في بلاد الإسلام والمسلمين.

فالمسلمون لن ينهضوا عبر انتخابات الديمقراطية ولا من خلال صناديق الغرب، بل بنهضة حقيقية على أساس العقيدة الإسلامية، بإقامة دولة الخلافة الراشدة التي تُعيد للإسلام مكانته، وللمسلمين عزّتهم، وتحطم أوهام الديمقراطية.

لا تنخدعوا بالأسماء، ولا تعلقوا آمالكم على أفراد في أنظمة كفر، بل ارجعوا إلى مشروعكم العظيم: استئناف الحياة الإسلامية، فهذا وحده طريق العزة والنصر والتمكين.

فالمشهد تكرار مُهين لمآسٍ قديمة: رموز مزيفة، وولاء للأنظمة الغربية، وانحراف عن طريق الإسلام. وكل من يُصفّق لهذا المسار، إنما يضلل الأمة. فعودوا إلى مشروع الخلافة، ولا تجعلوا أعداء الإسلام يصنعون لكم قادتكم وممثليكم. فالعزة ليست في مقاعد الديمقراطية، بل في سدة الخلافة التي يعمل لها حزب التحرير ويُحذر الأمة من هذا الانحدار الفكري والسياسي. فلا خلاص لنا إلا بدولة الخلافة، التي لا تسمح بأن يحكم المسلمين من يدين بدين غير الإسلام، ولا بمن يبرر الشذوذ والانحراف، ولا بمن يُشرّع للناس غير ما أنزل الله.

كتبه لإذاعة المكتب الإعلامي المركزي لحزب التحرير

عبد المحمود العامري – ولاية اليمن

مصر بين الشعارات الحكومية والواقع المرّ  الحقيقة الكاملة عن الفقر، والسياسات الرأسمالية

مصر بين الشعارات الحكومية والواقع المرّ

الحقيقة الكاملة عن الفقر، والسياسات الرأسمالية

نقلت بوابة الأهرام الثلاثاء 4 تشرين الثاني/نوفمبر 2025م، أن رئيس الوزراء المصري، في كلمة ألقاها نيابةً عن الرئيس في القمة العالمية الثانية للتنمية الاجتماعية في العاصمة القطرية الدوحة، قال إنّ مصر تطبّق نهجاً شاملاً للقضاء على الفقر في جميع أشكاله وأبعاده، بما في ذلك "الفقر متعدد الأبعاد".

منذ سنوات، لا يكاد يخلو خطاب رسمي في مصر من عباراتٍ مثل "نهج شامل للقضاء على الفقر" و"الانطلاقة الحقيقية للاقتصاد المصري". يكرّر المسؤولون هذه الشعارات في المؤتمرات والمناسبات، مصحوبة بصور براقة لمشروعات استثمارية وفنادق ومنتجعات. لكن الواقع، كما تشهد عليه التقارير الدولية، مختلف تماماً. فالفقر في مصر ما زال ظاهرةً راسخة، بل متفاقمة، رغم الوعود الحكومية المتكرّرة بالتحسن والنهضة.

بحسب تقارير اليونيسف والإسكوا وبرنامج الغذاء العالمي لعامي 2024 و2025، يعيش نحو واحد من كل خمسة مصريين في فقرٍ متعدد الأبعاد، أي محروم من أكثر من جانب من جوانب الحياة الأساسية كالتعليم والصحة والسكن والعمل والخدمات. كما تؤكد البيانات أن أكثر من 49% من الأسر تعاني من صعوبات في الحصول على غذاء كافٍ، وهو رقم صادم يعكس عمق الأزمة المعيشية.

أما الفقر المالي، أي انخفاض الدخل مقارنة بتكاليف المعيشة، فقد ارتفع بصورة حادة، نتيجة موجات التضخم المتلاحقة التي أكلت أجور الناس وجهودهم ومدخراتهم، حتى أصبحت نسبة كبيرة من المصريين تحت خط الفقر المالي رغم عملهم الدائم.

وبينما تتحدث الحكومة عن مبادرات مثل "تكافل وكرامة" و"حياة كريمة"، تكشف الأرقام الدولية أن هذه البرامج لم تغيّر بنية الفقر جذرياً، بل اقتصرت على مسكّنات مؤقتة أشبه بالقطرة التي تُسكب في صحراء. فما زال الريف المصري الذي يقطنه أكثر من نصف السكان، يعاني من ضعف الخدمات وانعدام فرص العمل اللائق وتهالك البنية الأساسية. ويؤكد تقرير الإسكوا أن الحرمان في الريف يفوق نظيره في المدن بعدة أضعاف، ما يدل على سوء توزيع الثروة والإهمال المزمن للأطراف.

حين يشكر رئيسُ الوزراء ابنَ البلد "الذي تحمّل مع الحكومة إجراءات الإصلاح الاقتصادي"، فإنه في الواقع يُقرّ بوجود معاناة حقيقية ناتجة عن تلك السياسات. غير أن هذا الاعتراف لا يتبعه تغيير في المنهج، بل مزيد من السير في الطريق الرأسمالي نفسه الذي سبّب الأزمة.

فالإصلاح المزعوم الذي بدأ عام 2016 ببرنامج "التعويم" ورفع الدعم وزيادة الضرائب، لم يكن إصلاحاً بل تحميلاً للفقراء كلفة الديون والعجز. وفي الوقت الذي يتحدث فيه المسؤولون عن "الانطلاقة"، تتجه الاستثمارات الضخمة إلى العقارات الفاخرة والمشروعات السياحية التي تخدم أصحاب رؤوس الأموال، بينما لا يجد ملايين الشباب فرصاً للعمل أو السكن. بل إن كثيراً من هذه المشاريع، كمنطقة علم الروم في مطروح التي تُقدّر استثماراتها بـ29 مليار دولار، هي شراكات رأسمالية أجنبية تستحوذ على الأراضي والثروات وتحوّلها إلى مصدر ربح للمستثمرين، لا مصدر رزق للناس.

النظام يفشل ليس لأنه فاسد فحسب، بل لأنه يسير على أساسٍ فكريٍّ باطلٍ هو النظام الرأسمالي، الذي يجعل المال محوراً لكل سياسات الدولة. فالرأسمالية تقوم على حرية التملك المطلقة، وتسمح بتكديس الثروة في يد القلة التي تملك أدوات الإنتاج، فيما تتحمل الكثرة عبء الضرائب والأسعار والدَّين العام.

ولهذا، فإن كل ما يُسمى "برامج حماية اجتماعية" ما هو إلا محاولة لتجميل وجه الرأسمالية الوحشي، وإطالة عمر نظامٍ جائرٍ يراعي الأغنياء ويجبي من الفقراء. فبدلاً من معالجة أصل الداء؛ أي احتكار الثروة وتبعية الاقتصاد للمؤسسات الدولية، يُكتفى بتوزيع فتات من الإعانات النقدية، لا ترفع فقراً ولا تحفظ كرامة.

إن الرعاية ليست منّةً من الحاكم على الرعية، بل واجب شرعي، ومسؤولية يحاسبه الله عليها في الدنيا والآخرة. وما يجري اليوم، هو إهمال متعمّد لشؤون الناس، وتخلٍّ عن واجب الرعاية لصالح قروضٍ مشروطة من صندوق النقد والبنك الدوليين.

لقد أصبحت الدولة وسيطاً بين الفقير والدائن الأجنبي، تفرض الضرائب وتقلّص الدعم وتبيع الممتلكات العامة لسدّ عجزٍ متضخم صنعه النظام الرأسمالي نفسه. وفي هذا كله تغيب المفاهيم الشرعية التي تضبط الاقتصاد، كتحريم الربا، ومنع تملك الثروات العامة للأفراد، ووجوب النفقة على الرعية من بيت مال المسلمين.

لقد قدم الإسلام نظاماً اقتصادياً متكاملاً يعالج الفقر من جذوره، لا بمجرد دعمٍ نقدي أو مشروعات تجميلية. هذا النظام يقوم على أسسٍ شرعيةٍ ثابتة أبرزها:

1- تحريم الربا والديون الربوية التي تُكبّل الدولة وتستنزف مواردها، فبزوال الربا تزول تبعية الاقتصاد للمؤسسات الدولية، وتُعاد السيادة المالية للأمة.

2- جعل الملكيات ثلاثة أنواع:

ملكية فردية: كالبيوت والمتاجر والمزارع الخاصة...

ملكية عامة: تشمل الثروات الكبرى كالنفط والغاز والمعادن والمياه...

ملكية دولة: كأراضي الفيء والركاز والخراج...

وبهذا التوزيع تتحقق العدالة، إذ تُمنع فئة قليلة من احتكار موارد الأمة.

3- ضمان الكفاية لكل فرد من الرعية: فالدولة تضمن لكل إنسان في رعايتها حاجاته الأساسية من مأكل وملبس ومسكن، فإن عجز عن العمل وجب على بيت المال أن ينفق عليه.

4- الزكاة والإنفاق الإلزامي: الزكاة ليست إحساناً بل فريضة، تجمعها الدولة وتصرفها في مصارفها الشرعية للفقراء والمساكين والغارمين. وهي أداة توزيع فعّالة تعيد الأموال إلى دورة الحياة في المجتمع.

مع التحفيز على العمل المنتج ومنع الاستغلال، والحثّ على استثمار الموارد في مشاريع نافعة حقيقية كالصناعات الثقيلة والحربية لا في المضاربات والعقارات الفاخرة والمشاريع الوهمية. إلى جانب ضبط الأسعار بالعرض والطلب الحقيقيين لا بالاحتكار ولا بالتعويم.

إن دولة الخلافة على منهاج النبوة هي وحدها القادرة على تطبيق هذه الأحكام عملياً، لأنها تُبنى على أساس العقيدة الإسلامية، ويكون هدفها رعاية شؤون الناس لا جباية أموالهم. ففي ظل الخلافة، لا يوجد ربا ولا قروض مشروطة، ولا بيع للثروات العامة للأجانب، بل تُدار الموارد بما يحقق مصلحة الأمة، ويتولى بيت المال تمويل الرعاية الصحية والتعليم والمرافق العامة من موارد الدولة والخراج والأنفال والملكية العامة.

أما الفقراء، فتُكفل حاجاتهم الأساسية فرداً فرداً، لا عبر صدقات مؤقتة بل كحقٍّ شرعي مضمون. ولذا فإن محاربة الفقر في الإسلام ليست شعاراً سياسياً، بل نظام حياة متكامل يُقيم العدل ويمنع الظلم ويعيد الثروة إلى أهلها.

ما بين الخطاب الرسمي والواقع المعاش مسافةٌ هائلة لا تخفى على أحد. فبينما تتغنّى الحكومة بمشروعاتها "العملاقة" وبـ"الانطلاقة الحقيقية"، يعيش ملايين المصريين تحت خط الفقر، يعانون الغلاء والبطالة وانعدام الأمل. والحقيقة أن هذه المعاناة لن تزول ما دامت مصر تسير في طريق الرأسمالية، تُسلِّم اقتصادها للمرابين وتخضع لسياسات المؤسسات الدولية.

إن أزمات ومشكلات مصر هي مشكلات إنسانية وليست مادية، وتتعلق بها أحكام شرعية تبين كيفية التعامل معها وعلاجها على أساس الإسلام، وإن الحلول أسهل من غض الطرف لكنها تحتاج إدارة مخلصة تملك إرادة حرة تريد السير في الطريق الصحيح وتريد الخير لمصر وأهلها حقا، وحينها على هذه الإدارة أن تراجع كل العقود التي أبرمت سابقا والتي تبرم مع كل الشركات التي تحتكر أصول البلاد وما هو من ملكياتها العام وعلى رأسها شركات التنقيب عن الغاز والنفط والذهب وباقي المعادن والثروات، وتطرد كل تلك الشركات لأنها في الأصل شركات استعمارية ناهبة لثروات البلاد، ثم تصوغ عهدا جديدا يقوم على تمكين الناس من ثروات البلاد وإنشاء أو استئجار شركات تقوم هي على إنتاج الثروة من منابع النفط والغاز والذهب وغيرها من المعادن وتعيد توزيع هذه الثروات على الناس من جديد، حينها سيتمكن الناس من زراعة الأرض الموات التي ستمكنهم الدولة من استغلالها بحقهم فيها، وسيتمكنون أيضا من صناعة ما يجب أن يصنع ليرتفع باقتصاد مصر ويكفي أهلها، وستدعمهم الدولة في هذا السبيل، وإن كل هذا ليس ضربا من الخيال ولا مستحيل الحدوث ولا مشروعا نعرضه للتجربة قد ينجح أو يفشل، وإنما هي أحكام شرعية لازمة ملزمة للدولة والرعية، فلا يجوز للدولة أن تفرط في ثروات البلاد التي هي ملك للناس بدعوى عقود أقرتها وأيدتها وتحميها قوانين دولية جائرة، ولا يجوز لها أن تمنع الناس منها بل يجب أن تقطع كل يد تمتد ناهبة إلى ثروات الناس، هذا ما يقدمه الإسلام ويجب تنفيذه، إلا أنه لا يطبق بمعزل عن باقي أنظمة الإسلام بل إنه لا يطبق إلا من خلال دولة الخلافة الراشدة على منهاج النبوة، هذه الدولة التي يحمل همها والدعوة إليها حزب التحرير ويدعو مصر وأهلها شعبا وجيشا إلى العمل معه من أجلها، عسى الله أن يكتب الفتح من عنده فنراها واقعا يعز الإسلام وأهله، اللهم عاجلا غير آجل.

﴿وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرَىٰ آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَفَتَحْنَا عَلَيْهِم بَرَكَاتٍ مِّنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ﴾

كتبه للمكتب الإعلامي المركزي لحزب التحرير

سعيد فضل

عضو المكتب الإعلامي لحزب التحرير في ولاية مصر