"دروس" الديمقراطية: حكم الشعب كذبة كبرى
"دروس" الديمقراطية: حكم الشعب كذبة كبرى

 تعريف الديمقراطية موجزا هو "حكم الشعب". وهذا يعني أن الناس يضعون القوانين مدى الحياة ويطبقون هذه القوانين في حياتهم. وسنثبت كذب هذه الفكرة بربط الأحداث التي وقعت في قرغيزستان.

0:00 0:00
السرعة:
July 17, 2019

"دروس" الديمقراطية: حكم الشعب كذبة كبرى

"دروس" الديمقراطية: حكم الشعب كذبة كبرى

تعريف الديمقراطية موجزا هو "حكم الشعب". وهذا يعني أن الناس يضعون القوانين مدى الحياة ويطبقون هذه القوانين في حياتهم. وسنثبت كذب هذه الفكرة بربط الأحداث التي وقعت في قرغيزستان.

أولا - إن المعاهدات الدولية التي أُبرِمَت بمشاركة جمهورية قرغيزستان ودخلت حيز التنفيذ بالطريقة المقررة وكذلك مبادئ ومعايير القانون الدولي المعترف بها بصورة عامة هي جزء لا يتجزأ من النظام القانوني لجمهورية قرغيزستان (النقطة 3 المادة 6 من دستور جمهورية قرغيزستان).

وفي الواقع إن القانون المذكور أعلاه يفيد الاستعبادَ للقوة الاستعمارية التي تسيطر اليوم على العالم. فإن شعب قرغيزستان ليس له الحق في المشاركة في اعتماد هذا القانون ولا يفهمه، ومع ذلك تم إدخال هذا القانون في الدستور. ولم يتم تطوير هذا القانون من شعب قرغيزستان حتى ولا من النواب، بل هو مما فرضه المستعمرون من خلال المنظمات الدولية.

فأين هو "حكم الشعب"؟

ثانيا - إن الديمقراطية ليست حكم الشعب بل إنها الرأسمالية. عندما انهارت الدولة الاشتراكية وتولت الرأسماليةُ السلطةَ لم يكن هناك أحد يفهم قانون "خصخصة ممتلكات الدولة" سوى بعض القادة. ولم يدرك الناس أن القوى الاستعمارية الرأسمالية قد استخدمت هذا القانون من أجل تحويل بلادنا إلى دولة رأسمالية ونهب ثروتنا من خلال وضع الحكام الرأسماليين على رأسها، ومع ذلك تم اعتماد هذا القانون ولو لم يفهم الشعب. ونتيجة لذلك فإن ثروة الشعب في البلاد صارت ملكية خاصة لهؤلاء القادة من خلال قانون الخصخصة. وهؤلاء القادة اكتسبوا ثروات بلادنا بالحصول على السلطة وأصبحوا رأسماليين، وأصبحت السلطة دُولة بينهم حتى يومنا هذا. وهؤلاء هم الذين استولوا على السلطة التنفيذية والتشريعية والقضائية. إنهم يسنّون القوانين لأنفسهم وينفذونها وفقاً لمصالحهم الخاصة. فأولئك الذين يملكون السلطة أو أبناؤهم ما زالوا في السلطة (ما لم نحتسب بعض التغييرات). فأين هو "حكم الشعب"؟

ثالثا - كما يتضح مما سبق أن الناس لا يشتركون في صنع القوانين في الحياة ويطيعون القوانين كلها إجباريّاً باسم البرلمان ولو كان ضد إرادتهم، وعندما يبدأ الشعب يغضب ينتقل الرأسماليون إلى طريقة أخرى، ويقولون إن ظروفنا المعيشية لا تتغير حتى نغيّر النظام. ويقصدون منه الانتقال من الحكم الرئاسي إلى الحكم البرلماني-الرئاسي (المختلط) أو إلى الحكم البرلماني الكامل. وفي الواقع فإنها كلها أشكال للحكومة الرأسمالية المغلفة في قناع الديمقراطية. وهي تضمن وصول الرأسماليين إلى السلطة من خلال إيجاد أمة مضطهدة. وعلى سبيل المثال قام عسكر أكاييف بحل "البرلمان الأسطوري" وأنشأ برلمانا ذا مجلسَين لتوطيد حكمه الاستبدادي. وفيما بعدُ شَرَطَ قائمة الحزب لدخول البرلمان من أجل صرف انتباه الناس عن الظلم، حيث أحضر الحزب التابع لأولاده "أولغا قرغيزستان" (وقد أدى ذلك إلى سقوط عسكر أكاييف). وبعد ذلك جاء باكييف بحزبه "أكجال" إلى البرلمان وحمّل جميع العيوب إلى نظام أكاييف. ولكن لم يتغير شيء واستمر طغيان السلطة. وفي أعقاب سقوط باكييف حمّلت الحكومة المؤقتة جميع العيوب إلى نظام باكييف وقدمت "حكماً مختلطاً". وهذا "الحكم المختلط" لم يختلف عن الآخرين. ولكن الرأسماليين الذين في الحكم دفعوا مصالحهم في دعوة السادسة للبرلمان من خلال دعم حكومة أتامباييف. فإن البرلمان نفسه يعزز الآن حكم جينبيكوف ومن خلاله يُحقق الرأسماليون مصالحهم. فهل ترى في هذا "حكم الشعب"؟

رابعا - ويقال بأن السلطات لا يمكن أن تتجمّع في يد واحدة في الحكم الديمقراطي (أي في حكم الشعب). وهذا أيضا كذب. لأن طبيعة السلطة تقتضي أن تكون في يد شخص واحد. ولذلك نرى هناك أن الدولة يكون فيها قائد واحد فقط. ولهذا السبب تكون السلطة في يد رئيس في الشكل الرئاسي وفي يد رئيس الوزراء في الشكل البرلماني في الحكم الديمقراطي. وعلى سبيل المثال فإن أكاييف غيّر الدستورَ خمس مرات للحفاظ على السلطة في حكمه 15 سنة. وبعده جاء باكييف إلى السلطة وغير الدستور مرتين خلال شهرين في صراعه على السلطة. وفي المرة الثالثة تم تبني دستور جديد. كل ذلك حدث لجمع السلطة في يد واحدة. وكان دستور الحكومة المؤقتة قد مُنع في عام 2010 من إجراء تعديلات عليه حتى عام 2020. ومع ذلك غيّر أتامباييف الدستور في عام 2016 بجُزُوعٍ على حالته بعد استقالة رئاسته. والآن ألغى جينبيكوف "أُبُوَّةٌ أتامباييف" واستولى على مقاليد الحكم. لأنه لا يمكن أن يكون الحكم في يد شخصين. كما هو واضح من ذلك فإن عدم تجمُّعِ السلطات في يد واحدة هو مجرد كلام فارغ. من كان قائدا قويا فهو يستولي على مقاليد الحكم. ومن كان ضعيفا فتنقسم سلطته بين الآخرين. وفي النهاية يسقط أو يصبح دمية لزعيم قوي وراء الكواليس.

خامسا - وعلى ما يقال فإن السلطات الثلاث، أي السلطة التنفيذية والسلطة التشريعية والسلطة القضائية، يجب أن تكون مستقلّة من أجل تحقيق "حكم الشعب"، وهذا أيضا كلام فارغ. لقد ذكرنا بالفعل مدى ارتباط البرلمان بالسلطة التنفيذية. والآن إذا تحدثنا عن النظام القضائي فتبعيته أعلى من البرلمان؛ لأنه ليس جمعية عامة مثل البرلمان وفيه تخدم الأفراد واستغلالها سهل جدا؛ لأنه في البرلمان تكون هناك مصالح عامة ومصالح شخصية، بينما في القضاء توجد مصالح فردية.

إذا عارض القضاء والبرلمان رئيس الدولة فسيكونان مخيِّرَين زعيماً آخر.

ربما يقول أحدكم معارضا "إن الديمقراطية ليست هي الحال في البلدان المتقدمة وفي بلدنا لا تنمو الديمقراطية". إذا نظر هذا الشخص الذي يقول ذلك بعناية فيري الرأسمالية هي المهيمنة تحت قناع الديمقراطية.

أيها السياسيون المسلمون في قرغيزستان! ربما تجدون أن أعمالكم التي تعملونها على أساس الديمقراطية تكون مفيدة لشعبنا، ولكن الله الخالق أعلم ما هو أفيد للناس. ولذلك حَكِّموا دينَكم في أموركم السياسية!

أيها المسلمون في قرغيزستان! لا تتبعوا تصرفات هؤلاء السياسيين على أساس الديمقراطية، بل حاسبوهم على أساس الإسلام؛ لأنكم مسلمون! فلا تنخدعوا بالكذبة الكبرى أي الديمقراطية التي يجلبها الغرب الاستعماري. والآن العالم بأسره يُسحق تحت النظام الرأسمالي المقنّع بقناع الديمقراطية الزائفة.

يجب علينا الآن أن نُسقط النظام الرأسمالي الفاسد ونقيم نظام الإسلام بدلاً منه! ولهذا فلندرسْ إسلامنا ولنخُضْ صراعاً فكرياً كفاحاً سياسياً، لأن رسول الله e قد أقام حكم الإسلام بهذه الطريقة.

كتبه لإذاعة المكتب الإعلامي المركزي لحزب التحرير

عبد الحكيم كاراهاني

رئيس المكتب الإعلامي لحزب التحرير في قرغيزستان

المزيد من القسم null

لا تنخدعوا بالأسماء فالعبرة بالمواقف لا بالأنساب

لا تنخدعوا بالأسماء فالعبرة بالمواقف لا بالأنساب

في كل مرة يُقدَّم لنا "رمز جديد" له جذور مسلمة أو ملامح شرقية، يهلل كثير من المسلمين، وتُبنى الآمال على وهمٍ اسمه "التمثيل السياسي" في نظامٍ كافر لا يعترف بالإسلام حكماً ولا عقيدةً ولا شريعةً.

نذكر جميعاً الفرح العارم الذي اجتاح مشاعر كثيرين عند فوز أوباما في 2008. فهو ابن كينيا، وله أب مسلم! وهنا توهم البعض أن الإسلام والمسلمين باتوا قريبين من النفوذ الأمريكي، لكن أوباما كان أحد أكثر الرؤساء إيذاءً للمسلمين فقد دمر ليبيا، وساهم في مأساة سوريا، وأشعل أفغانستان والعراق بطائراته وجنوده، بل كان سفاك الدماء في اليمن عبر أدواته وكان عهده استمراراً لعداء ممنهج ضد الأمة.

واليوم يتكرر المشهد، لكن بأسماء جديدة. فـزوهران ممداني يُحتفى به لأنه مسلم ومهاجر وشاب، وكأنه المنقذ! لكن قليلين فقط ينظرون إلى مواقفه السياسية والفكرية. هذا الرجل من الداعمين الأشداء للشواذ المثليين، ومشارك في فعالياتهم، ويعتبر انحرافهم حقوقاً إنسانية!

أي خزي هذا يُعلق عليه الناس آمالاً؟! ألم يكن تكراراً للخيبة السياسية والفكرية نفسها التي وقعت فيها الأمة مراراً وتكراراً؟! نعم لأنها تُفتن بالشكل لا بالجوهر! تُخدع بالابتسامات، وتتعامل بالعاطفة لا بالعقيدة، وبالأسماء لا بالمفاهيم، وبالرموز لا بالمبادئ!

إن هذا الانبهار بالأشكال والأسماء نتيجة غياب الوعي السياسي الشرعي، لأن الإسلام لا يقاس بالأصل أو الاسم أو العرق، بل بالالتزام بمبدأ الإسلام كاملاً؛ نظاماً وعقيدةً وشريعةً. ولا قيمة لمسلم لا يحكم بالإسلام ولا ينصره، بل يخضع للنظام الرأسمالي الكافر، ويبرر الكفر والانحرافات باسم "الحرية".

وليعلم جميع المسلمين الذين فرحوا بفوزه وظنّوا أنه بذرة خير أو بداية نهوض، أن النهوض لا يكون من داخل أنظمة الكفر، ولا بأدواتها، ولا عبر صناديق اقتراعها، ولا تحت سقف دساتيرها.

فمن يُقدّم نفسه عبر النظام الديمقراطي، ويقسم على احترام قوانينه، ثم يدافع عن الشذوذ الجنسي ويحتفل به، ويدعو إلى ما يغضب الله، فهو ليس نصيراً للإسلام ولا أملاً للأمة، بل هو أداة تلميع وتمييع، وتمثيل مزيّف لا يُقدّم ولا يؤخر.

إن ما تسمى النجاحات السياسية في الغرب لبعض الشخصيات ذات الأسماء الإسلامية، ما هي إلا فُتات يُقدَّم كمسكنات للأمة، ليقال لها: انظروا، التغيير ممكن عبر أنظمتنا.

 فما حقيقة هذا "التمثيل"؟

الغرب لا يفتح أبواب الحكم للإسلام، بل يفتحها فقط لمن يتماهى مع قيمه وأفكاره. وأي شخص يدخل نظامهم لا بد أن يقبل بدستورهم، وبقوانينهم الوضعية، وأن يتنكر لحكم الإسلام، فإن رضي بذلك، أصبح نموذجاً مقبولاً، أما المسلم الحق، فهو مرفوض عندهم من جذوره.

فمن هو زهران ممداني؟ ولماذا يُصنع هذا الوهم؟

هو شخص يحمل اسماً مسلماً لكنه متبنٍ لأجندة منحرفة مخالفة تماماً لفطرة الإسلام، من دعم المثليين، والترويج لما يُسمى بـ"حقوقهم"، وهو نموذج حي لكيف يصنع الغرب نماذجه: مسلم بالاسم، علماني بالفعل، خادم لأجندة الليبرالية الغربية لا أكثر. بل لإشغال الأمة عن طريقها الحقيقي، فبدل أن تطالب بدولة الإسلام والخلافة، تنشغل بالمقاعد النيابية والمناصب في أنظمة كفر! وبدل أن تتوجه لتحرير فلسطين، تنتظر مَن "يدافع عن غزة" من داخل الكونغرس الأمريكي أو البرلمان الأوروبي!

فحقيقة الأمر أن هذا تشويه لطريق التغيير الحقيقي، وهو إقامة الخلافة الراشدة على منهاج النبوة، التي تُعلي راية الإسلام، وتقيم شرع الله، وتوحد الأمة خلف خليفة واحد يُقاتل من ورائه ويُتقى به.

فلا تنخدعوا بالأسماء، ولا تفرحوا بمن ينتمي لكم شكلاً ويخالفكم مضموناً، فليس كل من حمل اسم سعيد أو علي أو زهران هو على طريق نبينا محمد ﷺ.

واعلموا أن التغيير لا يأتي من داخل برلمانات الكفر، بل من جيوش الأمة التي آن لها أن تتحرك، ومن شبابها الواعين الذين يعملون ليلا ونهارا لقلب الطاولة على رؤوس الغرب وأعوانه وأتباعه الخائنين في بلاد الإسلام والمسلمين.

فالمسلمون لن ينهضوا عبر انتخابات الديمقراطية ولا من خلال صناديق الغرب، بل بنهضة حقيقية على أساس العقيدة الإسلامية، بإقامة دولة الخلافة الراشدة التي تُعيد للإسلام مكانته، وللمسلمين عزّتهم، وتحطم أوهام الديمقراطية.

لا تنخدعوا بالأسماء، ولا تعلقوا آمالكم على أفراد في أنظمة كفر، بل ارجعوا إلى مشروعكم العظيم: استئناف الحياة الإسلامية، فهذا وحده طريق العزة والنصر والتمكين.

فالمشهد تكرار مُهين لمآسٍ قديمة: رموز مزيفة، وولاء للأنظمة الغربية، وانحراف عن طريق الإسلام. وكل من يُصفّق لهذا المسار، إنما يضلل الأمة. فعودوا إلى مشروع الخلافة، ولا تجعلوا أعداء الإسلام يصنعون لكم قادتكم وممثليكم. فالعزة ليست في مقاعد الديمقراطية، بل في سدة الخلافة التي يعمل لها حزب التحرير ويُحذر الأمة من هذا الانحدار الفكري والسياسي. فلا خلاص لنا إلا بدولة الخلافة، التي لا تسمح بأن يحكم المسلمين من يدين بدين غير الإسلام، ولا بمن يبرر الشذوذ والانحراف، ولا بمن يُشرّع للناس غير ما أنزل الله.

كتبه لإذاعة المكتب الإعلامي المركزي لحزب التحرير

عبد المحمود العامري – ولاية اليمن

مصر بين الشعارات الحكومية والواقع المرّ  الحقيقة الكاملة عن الفقر، والسياسات الرأسمالية

مصر بين الشعارات الحكومية والواقع المرّ

الحقيقة الكاملة عن الفقر، والسياسات الرأسمالية

نقلت بوابة الأهرام الثلاثاء 4 تشرين الثاني/نوفمبر 2025م، أن رئيس الوزراء المصري، في كلمة ألقاها نيابةً عن الرئيس في القمة العالمية الثانية للتنمية الاجتماعية في العاصمة القطرية الدوحة، قال إنّ مصر تطبّق نهجاً شاملاً للقضاء على الفقر في جميع أشكاله وأبعاده، بما في ذلك "الفقر متعدد الأبعاد".

منذ سنوات، لا يكاد يخلو خطاب رسمي في مصر من عباراتٍ مثل "نهج شامل للقضاء على الفقر" و"الانطلاقة الحقيقية للاقتصاد المصري". يكرّر المسؤولون هذه الشعارات في المؤتمرات والمناسبات، مصحوبة بصور براقة لمشروعات استثمارية وفنادق ومنتجعات. لكن الواقع، كما تشهد عليه التقارير الدولية، مختلف تماماً. فالفقر في مصر ما زال ظاهرةً راسخة، بل متفاقمة، رغم الوعود الحكومية المتكرّرة بالتحسن والنهضة.

بحسب تقارير اليونيسف والإسكوا وبرنامج الغذاء العالمي لعامي 2024 و2025، يعيش نحو واحد من كل خمسة مصريين في فقرٍ متعدد الأبعاد، أي محروم من أكثر من جانب من جوانب الحياة الأساسية كالتعليم والصحة والسكن والعمل والخدمات. كما تؤكد البيانات أن أكثر من 49% من الأسر تعاني من صعوبات في الحصول على غذاء كافٍ، وهو رقم صادم يعكس عمق الأزمة المعيشية.

أما الفقر المالي، أي انخفاض الدخل مقارنة بتكاليف المعيشة، فقد ارتفع بصورة حادة، نتيجة موجات التضخم المتلاحقة التي أكلت أجور الناس وجهودهم ومدخراتهم، حتى أصبحت نسبة كبيرة من المصريين تحت خط الفقر المالي رغم عملهم الدائم.

وبينما تتحدث الحكومة عن مبادرات مثل "تكافل وكرامة" و"حياة كريمة"، تكشف الأرقام الدولية أن هذه البرامج لم تغيّر بنية الفقر جذرياً، بل اقتصرت على مسكّنات مؤقتة أشبه بالقطرة التي تُسكب في صحراء. فما زال الريف المصري الذي يقطنه أكثر من نصف السكان، يعاني من ضعف الخدمات وانعدام فرص العمل اللائق وتهالك البنية الأساسية. ويؤكد تقرير الإسكوا أن الحرمان في الريف يفوق نظيره في المدن بعدة أضعاف، ما يدل على سوء توزيع الثروة والإهمال المزمن للأطراف.

حين يشكر رئيسُ الوزراء ابنَ البلد "الذي تحمّل مع الحكومة إجراءات الإصلاح الاقتصادي"، فإنه في الواقع يُقرّ بوجود معاناة حقيقية ناتجة عن تلك السياسات. غير أن هذا الاعتراف لا يتبعه تغيير في المنهج، بل مزيد من السير في الطريق الرأسمالي نفسه الذي سبّب الأزمة.

فالإصلاح المزعوم الذي بدأ عام 2016 ببرنامج "التعويم" ورفع الدعم وزيادة الضرائب، لم يكن إصلاحاً بل تحميلاً للفقراء كلفة الديون والعجز. وفي الوقت الذي يتحدث فيه المسؤولون عن "الانطلاقة"، تتجه الاستثمارات الضخمة إلى العقارات الفاخرة والمشروعات السياحية التي تخدم أصحاب رؤوس الأموال، بينما لا يجد ملايين الشباب فرصاً للعمل أو السكن. بل إن كثيراً من هذه المشاريع، كمنطقة علم الروم في مطروح التي تُقدّر استثماراتها بـ29 مليار دولار، هي شراكات رأسمالية أجنبية تستحوذ على الأراضي والثروات وتحوّلها إلى مصدر ربح للمستثمرين، لا مصدر رزق للناس.

النظام يفشل ليس لأنه فاسد فحسب، بل لأنه يسير على أساسٍ فكريٍّ باطلٍ هو النظام الرأسمالي، الذي يجعل المال محوراً لكل سياسات الدولة. فالرأسمالية تقوم على حرية التملك المطلقة، وتسمح بتكديس الثروة في يد القلة التي تملك أدوات الإنتاج، فيما تتحمل الكثرة عبء الضرائب والأسعار والدَّين العام.

ولهذا، فإن كل ما يُسمى "برامج حماية اجتماعية" ما هو إلا محاولة لتجميل وجه الرأسمالية الوحشي، وإطالة عمر نظامٍ جائرٍ يراعي الأغنياء ويجبي من الفقراء. فبدلاً من معالجة أصل الداء؛ أي احتكار الثروة وتبعية الاقتصاد للمؤسسات الدولية، يُكتفى بتوزيع فتات من الإعانات النقدية، لا ترفع فقراً ولا تحفظ كرامة.

إن الرعاية ليست منّةً من الحاكم على الرعية، بل واجب شرعي، ومسؤولية يحاسبه الله عليها في الدنيا والآخرة. وما يجري اليوم، هو إهمال متعمّد لشؤون الناس، وتخلٍّ عن واجب الرعاية لصالح قروضٍ مشروطة من صندوق النقد والبنك الدوليين.

لقد أصبحت الدولة وسيطاً بين الفقير والدائن الأجنبي، تفرض الضرائب وتقلّص الدعم وتبيع الممتلكات العامة لسدّ عجزٍ متضخم صنعه النظام الرأسمالي نفسه. وفي هذا كله تغيب المفاهيم الشرعية التي تضبط الاقتصاد، كتحريم الربا، ومنع تملك الثروات العامة للأفراد، ووجوب النفقة على الرعية من بيت مال المسلمين.

لقد قدم الإسلام نظاماً اقتصادياً متكاملاً يعالج الفقر من جذوره، لا بمجرد دعمٍ نقدي أو مشروعات تجميلية. هذا النظام يقوم على أسسٍ شرعيةٍ ثابتة أبرزها:

1- تحريم الربا والديون الربوية التي تُكبّل الدولة وتستنزف مواردها، فبزوال الربا تزول تبعية الاقتصاد للمؤسسات الدولية، وتُعاد السيادة المالية للأمة.

2- جعل الملكيات ثلاثة أنواع:

ملكية فردية: كالبيوت والمتاجر والمزارع الخاصة...

ملكية عامة: تشمل الثروات الكبرى كالنفط والغاز والمعادن والمياه...

ملكية دولة: كأراضي الفيء والركاز والخراج...

وبهذا التوزيع تتحقق العدالة، إذ تُمنع فئة قليلة من احتكار موارد الأمة.

3- ضمان الكفاية لكل فرد من الرعية: فالدولة تضمن لكل إنسان في رعايتها حاجاته الأساسية من مأكل وملبس ومسكن، فإن عجز عن العمل وجب على بيت المال أن ينفق عليه.

4- الزكاة والإنفاق الإلزامي: الزكاة ليست إحساناً بل فريضة، تجمعها الدولة وتصرفها في مصارفها الشرعية للفقراء والمساكين والغارمين. وهي أداة توزيع فعّالة تعيد الأموال إلى دورة الحياة في المجتمع.

مع التحفيز على العمل المنتج ومنع الاستغلال، والحثّ على استثمار الموارد في مشاريع نافعة حقيقية كالصناعات الثقيلة والحربية لا في المضاربات والعقارات الفاخرة والمشاريع الوهمية. إلى جانب ضبط الأسعار بالعرض والطلب الحقيقيين لا بالاحتكار ولا بالتعويم.

إن دولة الخلافة على منهاج النبوة هي وحدها القادرة على تطبيق هذه الأحكام عملياً، لأنها تُبنى على أساس العقيدة الإسلامية، ويكون هدفها رعاية شؤون الناس لا جباية أموالهم. ففي ظل الخلافة، لا يوجد ربا ولا قروض مشروطة، ولا بيع للثروات العامة للأجانب، بل تُدار الموارد بما يحقق مصلحة الأمة، ويتولى بيت المال تمويل الرعاية الصحية والتعليم والمرافق العامة من موارد الدولة والخراج والأنفال والملكية العامة.

أما الفقراء، فتُكفل حاجاتهم الأساسية فرداً فرداً، لا عبر صدقات مؤقتة بل كحقٍّ شرعي مضمون. ولذا فإن محاربة الفقر في الإسلام ليست شعاراً سياسياً، بل نظام حياة متكامل يُقيم العدل ويمنع الظلم ويعيد الثروة إلى أهلها.

ما بين الخطاب الرسمي والواقع المعاش مسافةٌ هائلة لا تخفى على أحد. فبينما تتغنّى الحكومة بمشروعاتها "العملاقة" وبـ"الانطلاقة الحقيقية"، يعيش ملايين المصريين تحت خط الفقر، يعانون الغلاء والبطالة وانعدام الأمل. والحقيقة أن هذه المعاناة لن تزول ما دامت مصر تسير في طريق الرأسمالية، تُسلِّم اقتصادها للمرابين وتخضع لسياسات المؤسسات الدولية.

إن أزمات ومشكلات مصر هي مشكلات إنسانية وليست مادية، وتتعلق بها أحكام شرعية تبين كيفية التعامل معها وعلاجها على أساس الإسلام، وإن الحلول أسهل من غض الطرف لكنها تحتاج إدارة مخلصة تملك إرادة حرة تريد السير في الطريق الصحيح وتريد الخير لمصر وأهلها حقا، وحينها على هذه الإدارة أن تراجع كل العقود التي أبرمت سابقا والتي تبرم مع كل الشركات التي تحتكر أصول البلاد وما هو من ملكياتها العام وعلى رأسها شركات التنقيب عن الغاز والنفط والذهب وباقي المعادن والثروات، وتطرد كل تلك الشركات لأنها في الأصل شركات استعمارية ناهبة لثروات البلاد، ثم تصوغ عهدا جديدا يقوم على تمكين الناس من ثروات البلاد وإنشاء أو استئجار شركات تقوم هي على إنتاج الثروة من منابع النفط والغاز والذهب وغيرها من المعادن وتعيد توزيع هذه الثروات على الناس من جديد، حينها سيتمكن الناس من زراعة الأرض الموات التي ستمكنهم الدولة من استغلالها بحقهم فيها، وسيتمكنون أيضا من صناعة ما يجب أن يصنع ليرتفع باقتصاد مصر ويكفي أهلها، وستدعمهم الدولة في هذا السبيل، وإن كل هذا ليس ضربا من الخيال ولا مستحيل الحدوث ولا مشروعا نعرضه للتجربة قد ينجح أو يفشل، وإنما هي أحكام شرعية لازمة ملزمة للدولة والرعية، فلا يجوز للدولة أن تفرط في ثروات البلاد التي هي ملك للناس بدعوى عقود أقرتها وأيدتها وتحميها قوانين دولية جائرة، ولا يجوز لها أن تمنع الناس منها بل يجب أن تقطع كل يد تمتد ناهبة إلى ثروات الناس، هذا ما يقدمه الإسلام ويجب تنفيذه، إلا أنه لا يطبق بمعزل عن باقي أنظمة الإسلام بل إنه لا يطبق إلا من خلال دولة الخلافة الراشدة على منهاج النبوة، هذه الدولة التي يحمل همها والدعوة إليها حزب التحرير ويدعو مصر وأهلها شعبا وجيشا إلى العمل معه من أجلها، عسى الله أن يكتب الفتح من عنده فنراها واقعا يعز الإسلام وأهله، اللهم عاجلا غير آجل.

﴿وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرَىٰ آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَفَتَحْنَا عَلَيْهِم بَرَكَاتٍ مِّنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ﴾

كتبه للمكتب الإعلامي المركزي لحزب التحرير

سعيد فضل

عضو المكتب الإعلامي لحزب التحرير في ولاية مصر