دول الغرب تثير مسألة العرقيات الصغيرة في بلاد المسلمين للهيمنة عليها
February 17, 2025

دول الغرب تثير مسألة العرقيات الصغيرة في بلاد المسلمين للهيمنة عليها

دول الغرب تثير مسألة العرقيات الصغيرة في بلاد المسلمين للهيمنة عليها

تقاطرت وفود الدول الغربية على الإدارة السورية الجديدة، بعد سقوط الأسد، تقوم بالإملاءات، وفرض وجهة نظر الغرب السياسية، المتمثلة في علمانية الدولة، وحقوق المرأة، وحقوق العرقيات الصغيرة، وعدم الاعتداء على كيان يهود وحفظ أمنه.

ففي 2024/12/10 اشترط وزير خارجية أمريكا السابق أنتوني بلينكن، الاعتراف بالحكومة السورية الجديدة التزامها بأربعة مبادئ رئيسية، وقال في بيان: "يجب أن تؤدي عملية الانتقال هذه إلى حكم موثوق، وشامل، وغير طائفي، يفي بالمعايير الدولية للشفافية والمساءلة، بما يتفق مع مبادئ قرار مجلس الأمن التابع للأمم المتحدة رقم 2254 إضافة إلى احترام حقوق الأقليات بشكل كامل، ومنع استخدام سوريا قاعدة للإرهاب، وتهديد جيرانها، وضمان تأمين أي مخزونات للأسلحة الكيميائية، أو البيولوجية وتدميرها بأمان".

وفي 2025/1/3 كانت زيارة مشتركة لوزيرة الخارجية الألمانية، أنالينا بيربوك، ونظيرها الفرنسي جان نويل بارو لدمشق، وبعد اللقاء قالت بيربوك، إنها "أبلغت قائد الإدارة الجديدة في سوريا أن أوروبا لن تقدم أموالا للهياكل الإسلامية الجديدة"، وأضافت أنه "يجب إشراك كل الطوائف في عملية إعادة الإعمار"، مؤكدة الحاجة إلى ضمانات أمنية موثوقة للأكراد، وأن رفع العقوبات يعتمد على المضي قدما في العملية السياسية، وطالبت "بتجنب أي محاولة لأسلمة نظام القضاء أو التعليم".

فهل إثارة تلك الوفود هذه المواضيع وغيرها لأنها حريصة عليهم وعلى مصالحهم، وعلى استقرارهم، أم هي حجة فارغة يراد بها التدخل السافر في بلاد المسلمين، واستخدامه لزعزعة استقرار الأكثرية والأقلية معا؟

قال كليمنصو، رئيس وزراء فرنسا الأسبق، في مذكراته: "كان أصدقاؤنا الإنجليز أسبق منا في التنبه إلى موضوع الأقليات المذهبية، والعرقية، في بلاد المشرق العربي، وقد اتفقت وجهتا نظرنا كليا حول هذا الموضوع".

وقال ناحوم جولدمان، رئيس الرابطة اليهودية العالمية، في خطابه بباريس في مؤتمر يهود المثقفين عام 1968م: "إذا أردنا لـ(إسرائيل) البقاء والاستقرار في الشرق الأوسط، فعلينا أن نفسخ الشعوب المحيطة بها إلى أقليات متنافرة، تلعب (إسرائيل) من خلالها دورا طليعيا، وذلك بتشجيع قيام دويلة علوية في سوريا، ودويلة مارونية في لبنان، ودولة كردية في شمال العراق".

فإذا عدنا إلى التاريخ قليلا، أي قبل هدم الخلافة العثمانية، سنجد أن الدول الغربية استخدمت ورقة صنع العرقيات الصغيرة، وادعاء الدفاع عن حقوقها، ونصرتها، لتحقيق مصالحهم الاستعمارية.

جاء في كتاب "صحوة الرجل المريض"، ملخص اللعب بورقة العرقيات الصغيرة حيث ورد فيه: "وعمدت السياسة الأوروبية إلى ترسيخ قدمها في المنطقة عن طريق غرس بذور الخلاف بين الطوائف، مستعينة بالإرساليات الدينية والتعليمية".

وبعد هدم الخلافة، وتقسيمها إلى دويلات هزيلة، على أسس قومية أو طائفية، استمرت الدول الاستعمارية الغربية في اللعب على هذه المسألة، فأثارت موضوع أهل الجنوب في السودان، للعمل على فصل جنوب السودان، فأقامت دويلة ذات صبغة نصرانية فيه، وأثارت النعرات العرقية، والهوية، ودعمت الانفصاليين في دارفور، وجنوب كردفان وغيرهما، وهي التي أوجدت مشكلة الأكراد في شمال العراق وتركيا وإيران وسوريا!

إذاً يستخدم الغرب هذه الورقة للتدخل والهيمنة والتقسيم والتفتيت ولا تهمه إلا مصالحه الاستعمارية التي يحققها عبر شلالات من الدماء، وأشلاء الشعوب، وسحق عظامهم، وعلى جثثهم.

ففي تقرير للجنة (بيكة) التي شكلها الكونجرس عام 1975م، قرر أنه: "لقد كانت سياستنا غير أخلاقية تجاه الأكراد، فلا نحن ساعدناهم ولا نحن تركناهم يحلون مشاكلهم، بالمفاوضات مع الحكومة العراقية، ولقد حرضناهم ثم تخلينا عنهم"!

ويصف وليم سافير، هذه الحالة في مقال عام 2004م بقوله: "تخلينا عن الأكراد للشاه في عقد السبعينات، بعد أن وضع الملا مصطفى البرزاني ثقته في الولايات المتحدة خذلنا الأكراد مرة أخرى، عقب حرب الخليج الثانية عام 1991م، عندما انتفضت قواتهم إثر تحريضنا لها، لكنها تعرضت لضربات كبيرة بواسطة المروحيات القاذفة للقنابل، التي استخدمها جيش النظام العراقي السابق، لإخماد التمرد الكردي ضده، رغم كل ذلك قاتل الأكراد نظام صدام حسين إلى جانبنا على مدى ما يزيد على عشر سنوات".

نعم هذا هو واقع السياسة الغربية في بلاد المسلمين، يستخدم حجة العرقيات الصغيرة، التي هي نتيجة فرض الغرب أنظمته في بلاد المسلمين، وكذلك فرضه الحكام، وتسليطهم على شعوبهم، يسومونهم الذل الهوان، ويأتي عندما تقتضي مصلحته في صورة المخلّص للمضطهدين والمظلومين!

قامت لجنة الاتصالات المركزية لحزب التحرير في ولاية السودان قبل ثلاث سنوات، بالاتصال بأحد قيادات منظمة (الوحدة بين الشمال والجنوب)، السيد أتيم أقوى، وهو رئيس المنظمة، فاندهش عندما أطلعته اللجنة على حجم العمل الذي قام به حزب التحرير في منع انفصال الجنوب، وكشف مؤامرات الدول الغربية في ذلك، فقال "نحن نسعى لإعادة توحيد الجنوب مع الشمال"، وقال: "إن الدول الغربية خدعتنا عندما دفعتنا للانفصال بحجة ظلم الشمال، فكانت النتيجة اندلاع حرب بين مكونات دولة الجنوب نفسها، وأصبحنا دولة فاشلة، فنزح معظم سكان دولة الجنوب إلى شمال السودان... الخواجات خدعونا وكذبوا علينا ولم ينجدونا وينتشلونا من حالة عدم الاستقرار".

إذاً، فإن حل مسألة العرقيات الصغيرة في بلاد المسلمين، هو في تطبيق نظام الإسلام في ظل دولة الخلافة الراشدة على منهاج النبوة، ويتجلى ذلك في جانبين:

الأول: الحكم ورعاية الشؤون.

الثاني: تطبيق أحكام الإسلام والقوانين الشرعية.

أما جانب الحكم ورعاية الشؤون، فإنه لا يجوز للدولة أن تفرق بين رعاياها، بل يجب عليها أن تعاملهم جميعهم معاملة واحدة، دون أي تمييز بسبب عرق، أو لون، أو جنس، أو دين. جاء في المادتين الخامسة والسادسة من مشروع الدستور، المستنبط من كتاب الله سبحانه وسنة رسوله ﷺ، وإجماع الصحابة، والقياس الشرعي، الذي يقدمه حزب التحرير للأمة، ليكون دستورا لدولة الخلافة ما يلي:

"المادة الخامسة: جميع الذين يحملون التابعية الإسلامية يتمتعون بالحقوق ويلتزمون بالواجبات الشرعية".

"المادة السادسة: لا يجوز للدولة أن يكون لديها أي تمييز بين أفراد الرعية في ناحية الحكم، أو القضاء، أو رعاية الشؤون، أو ما شاكل ذلك، بل يجب أن تنظر للجميع نظرة واحدة بغض النظر عن العنصر، أو الدين، أو اللون، أو غير ذلك".

فالنصوص الشرعية تدل على رعاية حق الأقليات بالعدل والإنصاف. قال تعالى: ﴿إِنَّ اللهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الْأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا وَإِذَا حَكَمْتُمْ بَيْنَ النَّاسِ أَنْ تَحْكُمُوا بِالْعَدْلِ إِنَّ اللهَ نِعِمَّا يَعِظُكُمْ بِهِ إِنَّ اللهَ كَانَ سَمِيعاً بَصِيراً﴾. وقال رسول الله ﷺ: «أَلَا مَنْ ظَلَمَ مُعَاهِداً أَوْ انْتَقَصَهُ أَوْ كَلَّفَهُ فَوْقَ طَاقَتِهِ أَوْ أَخَذَ مِنْهُ شَيْئاً بِغَيْرِ طِيبِ نَفْسٍ فَأَنَا حَجِيجُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ».

إن الخلافة القادمة قريباً بإذن الله ستقيم العدل والإنصاف بين جميع أفراد الرعية، بمختلف تنوعها، وهي القادرة على حل جميع المشاكل بأحكام الإسلام، بل ستختفي مصطلحات (أقلية وأكثرية)، وغيرها من المصطلحات التي أوجدتها الدول الغربية لتوجد الأزمات والمشاكل وعدم الاستقرار في البلاد الإسلامية، وغيرها من بلدان العالم.

فهيا يا أمة الإسلام، إلى عز الدنيا والآخرة، بإقامة صرح الإسلام العظيم، والالتفاف حول مشروع الخلافة الراشدة على منهاج النبوة، وإعطاء النصرة لحزب التحرير من أهل القوة والمنعة، ليصل الإسلام إلى سدة الحكم.

عن أبي هريرة عن النبي ﷺ قال: «إِنَّمَا الْإِمَامُ جُنَّةٌ يُقَاتَلُ مِنْ وَرَائِهِ وَيُتَّقَى بِهِ، فَإِنْ أَمَرَ بِتَقْوَى اللهِ عَزَّ وَجَلَّ وَعَدَلَ كَانَ لَهُ بِذَلِكَ أَجْرٌ، وَإِنْ يَأْمُرْ بِغَيْرِهِ كَانَ عَلَيْهِ مِنْهُ».

كتبه للمكتب الإعلامي المركزي لحزب التحرير

عبد الله حسين (أبو محمد الفاتح)

منسق لجنة الاتصالات المركزية لحزب التحرير في ولاية السودان

المزيد من القسم null

لا تنخدعوا بالأسماء فالعبرة بالمواقف لا بالأنساب

لا تنخدعوا بالأسماء فالعبرة بالمواقف لا بالأنساب

في كل مرة يُقدَّم لنا "رمز جديد" له جذور مسلمة أو ملامح شرقية، يهلل كثير من المسلمين، وتُبنى الآمال على وهمٍ اسمه "التمثيل السياسي" في نظامٍ كافر لا يعترف بالإسلام حكماً ولا عقيدةً ولا شريعةً.

نذكر جميعاً الفرح العارم الذي اجتاح مشاعر كثيرين عند فوز أوباما في 2008. فهو ابن كينيا، وله أب مسلم! وهنا توهم البعض أن الإسلام والمسلمين باتوا قريبين من النفوذ الأمريكي، لكن أوباما كان أحد أكثر الرؤساء إيذاءً للمسلمين فقد دمر ليبيا، وساهم في مأساة سوريا، وأشعل أفغانستان والعراق بطائراته وجنوده، بل كان سفاك الدماء في اليمن عبر أدواته وكان عهده استمراراً لعداء ممنهج ضد الأمة.

واليوم يتكرر المشهد، لكن بأسماء جديدة. فـزوهران ممداني يُحتفى به لأنه مسلم ومهاجر وشاب، وكأنه المنقذ! لكن قليلين فقط ينظرون إلى مواقفه السياسية والفكرية. هذا الرجل من الداعمين الأشداء للشواذ المثليين، ومشارك في فعالياتهم، ويعتبر انحرافهم حقوقاً إنسانية!

أي خزي هذا يُعلق عليه الناس آمالاً؟! ألم يكن تكراراً للخيبة السياسية والفكرية نفسها التي وقعت فيها الأمة مراراً وتكراراً؟! نعم لأنها تُفتن بالشكل لا بالجوهر! تُخدع بالابتسامات، وتتعامل بالعاطفة لا بالعقيدة، وبالأسماء لا بالمفاهيم، وبالرموز لا بالمبادئ!

إن هذا الانبهار بالأشكال والأسماء نتيجة غياب الوعي السياسي الشرعي، لأن الإسلام لا يقاس بالأصل أو الاسم أو العرق، بل بالالتزام بمبدأ الإسلام كاملاً؛ نظاماً وعقيدةً وشريعةً. ولا قيمة لمسلم لا يحكم بالإسلام ولا ينصره، بل يخضع للنظام الرأسمالي الكافر، ويبرر الكفر والانحرافات باسم "الحرية".

وليعلم جميع المسلمين الذين فرحوا بفوزه وظنّوا أنه بذرة خير أو بداية نهوض، أن النهوض لا يكون من داخل أنظمة الكفر، ولا بأدواتها، ولا عبر صناديق اقتراعها، ولا تحت سقف دساتيرها.

فمن يُقدّم نفسه عبر النظام الديمقراطي، ويقسم على احترام قوانينه، ثم يدافع عن الشذوذ الجنسي ويحتفل به، ويدعو إلى ما يغضب الله، فهو ليس نصيراً للإسلام ولا أملاً للأمة، بل هو أداة تلميع وتمييع، وتمثيل مزيّف لا يُقدّم ولا يؤخر.

إن ما تسمى النجاحات السياسية في الغرب لبعض الشخصيات ذات الأسماء الإسلامية، ما هي إلا فُتات يُقدَّم كمسكنات للأمة، ليقال لها: انظروا، التغيير ممكن عبر أنظمتنا.

 فما حقيقة هذا "التمثيل"؟

الغرب لا يفتح أبواب الحكم للإسلام، بل يفتحها فقط لمن يتماهى مع قيمه وأفكاره. وأي شخص يدخل نظامهم لا بد أن يقبل بدستورهم، وبقوانينهم الوضعية، وأن يتنكر لحكم الإسلام، فإن رضي بذلك، أصبح نموذجاً مقبولاً، أما المسلم الحق، فهو مرفوض عندهم من جذوره.

فمن هو زهران ممداني؟ ولماذا يُصنع هذا الوهم؟

هو شخص يحمل اسماً مسلماً لكنه متبنٍ لأجندة منحرفة مخالفة تماماً لفطرة الإسلام، من دعم المثليين، والترويج لما يُسمى بـ"حقوقهم"، وهو نموذج حي لكيف يصنع الغرب نماذجه: مسلم بالاسم، علماني بالفعل، خادم لأجندة الليبرالية الغربية لا أكثر. بل لإشغال الأمة عن طريقها الحقيقي، فبدل أن تطالب بدولة الإسلام والخلافة، تنشغل بالمقاعد النيابية والمناصب في أنظمة كفر! وبدل أن تتوجه لتحرير فلسطين، تنتظر مَن "يدافع عن غزة" من داخل الكونغرس الأمريكي أو البرلمان الأوروبي!

فحقيقة الأمر أن هذا تشويه لطريق التغيير الحقيقي، وهو إقامة الخلافة الراشدة على منهاج النبوة، التي تُعلي راية الإسلام، وتقيم شرع الله، وتوحد الأمة خلف خليفة واحد يُقاتل من ورائه ويُتقى به.

فلا تنخدعوا بالأسماء، ولا تفرحوا بمن ينتمي لكم شكلاً ويخالفكم مضموناً، فليس كل من حمل اسم سعيد أو علي أو زهران هو على طريق نبينا محمد ﷺ.

واعلموا أن التغيير لا يأتي من داخل برلمانات الكفر، بل من جيوش الأمة التي آن لها أن تتحرك، ومن شبابها الواعين الذين يعملون ليلا ونهارا لقلب الطاولة على رؤوس الغرب وأعوانه وأتباعه الخائنين في بلاد الإسلام والمسلمين.

فالمسلمون لن ينهضوا عبر انتخابات الديمقراطية ولا من خلال صناديق الغرب، بل بنهضة حقيقية على أساس العقيدة الإسلامية، بإقامة دولة الخلافة الراشدة التي تُعيد للإسلام مكانته، وللمسلمين عزّتهم، وتحطم أوهام الديمقراطية.

لا تنخدعوا بالأسماء، ولا تعلقوا آمالكم على أفراد في أنظمة كفر، بل ارجعوا إلى مشروعكم العظيم: استئناف الحياة الإسلامية، فهذا وحده طريق العزة والنصر والتمكين.

فالمشهد تكرار مُهين لمآسٍ قديمة: رموز مزيفة، وولاء للأنظمة الغربية، وانحراف عن طريق الإسلام. وكل من يُصفّق لهذا المسار، إنما يضلل الأمة. فعودوا إلى مشروع الخلافة، ولا تجعلوا أعداء الإسلام يصنعون لكم قادتكم وممثليكم. فالعزة ليست في مقاعد الديمقراطية، بل في سدة الخلافة التي يعمل لها حزب التحرير ويُحذر الأمة من هذا الانحدار الفكري والسياسي. فلا خلاص لنا إلا بدولة الخلافة، التي لا تسمح بأن يحكم المسلمين من يدين بدين غير الإسلام، ولا بمن يبرر الشذوذ والانحراف، ولا بمن يُشرّع للناس غير ما أنزل الله.

كتبه لإذاعة المكتب الإعلامي المركزي لحزب التحرير

عبد المحمود العامري – ولاية اليمن

مصر بين الشعارات الحكومية والواقع المرّ  الحقيقة الكاملة عن الفقر، والسياسات الرأسمالية

مصر بين الشعارات الحكومية والواقع المرّ

الحقيقة الكاملة عن الفقر، والسياسات الرأسمالية

نقلت بوابة الأهرام الثلاثاء 4 تشرين الثاني/نوفمبر 2025م، أن رئيس الوزراء المصري، في كلمة ألقاها نيابةً عن الرئيس في القمة العالمية الثانية للتنمية الاجتماعية في العاصمة القطرية الدوحة، قال إنّ مصر تطبّق نهجاً شاملاً للقضاء على الفقر في جميع أشكاله وأبعاده، بما في ذلك "الفقر متعدد الأبعاد".

منذ سنوات، لا يكاد يخلو خطاب رسمي في مصر من عباراتٍ مثل "نهج شامل للقضاء على الفقر" و"الانطلاقة الحقيقية للاقتصاد المصري". يكرّر المسؤولون هذه الشعارات في المؤتمرات والمناسبات، مصحوبة بصور براقة لمشروعات استثمارية وفنادق ومنتجعات. لكن الواقع، كما تشهد عليه التقارير الدولية، مختلف تماماً. فالفقر في مصر ما زال ظاهرةً راسخة، بل متفاقمة، رغم الوعود الحكومية المتكرّرة بالتحسن والنهضة.

بحسب تقارير اليونيسف والإسكوا وبرنامج الغذاء العالمي لعامي 2024 و2025، يعيش نحو واحد من كل خمسة مصريين في فقرٍ متعدد الأبعاد، أي محروم من أكثر من جانب من جوانب الحياة الأساسية كالتعليم والصحة والسكن والعمل والخدمات. كما تؤكد البيانات أن أكثر من 49% من الأسر تعاني من صعوبات في الحصول على غذاء كافٍ، وهو رقم صادم يعكس عمق الأزمة المعيشية.

أما الفقر المالي، أي انخفاض الدخل مقارنة بتكاليف المعيشة، فقد ارتفع بصورة حادة، نتيجة موجات التضخم المتلاحقة التي أكلت أجور الناس وجهودهم ومدخراتهم، حتى أصبحت نسبة كبيرة من المصريين تحت خط الفقر المالي رغم عملهم الدائم.

وبينما تتحدث الحكومة عن مبادرات مثل "تكافل وكرامة" و"حياة كريمة"، تكشف الأرقام الدولية أن هذه البرامج لم تغيّر بنية الفقر جذرياً، بل اقتصرت على مسكّنات مؤقتة أشبه بالقطرة التي تُسكب في صحراء. فما زال الريف المصري الذي يقطنه أكثر من نصف السكان، يعاني من ضعف الخدمات وانعدام فرص العمل اللائق وتهالك البنية الأساسية. ويؤكد تقرير الإسكوا أن الحرمان في الريف يفوق نظيره في المدن بعدة أضعاف، ما يدل على سوء توزيع الثروة والإهمال المزمن للأطراف.

حين يشكر رئيسُ الوزراء ابنَ البلد "الذي تحمّل مع الحكومة إجراءات الإصلاح الاقتصادي"، فإنه في الواقع يُقرّ بوجود معاناة حقيقية ناتجة عن تلك السياسات. غير أن هذا الاعتراف لا يتبعه تغيير في المنهج، بل مزيد من السير في الطريق الرأسمالي نفسه الذي سبّب الأزمة.

فالإصلاح المزعوم الذي بدأ عام 2016 ببرنامج "التعويم" ورفع الدعم وزيادة الضرائب، لم يكن إصلاحاً بل تحميلاً للفقراء كلفة الديون والعجز. وفي الوقت الذي يتحدث فيه المسؤولون عن "الانطلاقة"، تتجه الاستثمارات الضخمة إلى العقارات الفاخرة والمشروعات السياحية التي تخدم أصحاب رؤوس الأموال، بينما لا يجد ملايين الشباب فرصاً للعمل أو السكن. بل إن كثيراً من هذه المشاريع، كمنطقة علم الروم في مطروح التي تُقدّر استثماراتها بـ29 مليار دولار، هي شراكات رأسمالية أجنبية تستحوذ على الأراضي والثروات وتحوّلها إلى مصدر ربح للمستثمرين، لا مصدر رزق للناس.

النظام يفشل ليس لأنه فاسد فحسب، بل لأنه يسير على أساسٍ فكريٍّ باطلٍ هو النظام الرأسمالي، الذي يجعل المال محوراً لكل سياسات الدولة. فالرأسمالية تقوم على حرية التملك المطلقة، وتسمح بتكديس الثروة في يد القلة التي تملك أدوات الإنتاج، فيما تتحمل الكثرة عبء الضرائب والأسعار والدَّين العام.

ولهذا، فإن كل ما يُسمى "برامج حماية اجتماعية" ما هو إلا محاولة لتجميل وجه الرأسمالية الوحشي، وإطالة عمر نظامٍ جائرٍ يراعي الأغنياء ويجبي من الفقراء. فبدلاً من معالجة أصل الداء؛ أي احتكار الثروة وتبعية الاقتصاد للمؤسسات الدولية، يُكتفى بتوزيع فتات من الإعانات النقدية، لا ترفع فقراً ولا تحفظ كرامة.

إن الرعاية ليست منّةً من الحاكم على الرعية، بل واجب شرعي، ومسؤولية يحاسبه الله عليها في الدنيا والآخرة. وما يجري اليوم، هو إهمال متعمّد لشؤون الناس، وتخلٍّ عن واجب الرعاية لصالح قروضٍ مشروطة من صندوق النقد والبنك الدوليين.

لقد أصبحت الدولة وسيطاً بين الفقير والدائن الأجنبي، تفرض الضرائب وتقلّص الدعم وتبيع الممتلكات العامة لسدّ عجزٍ متضخم صنعه النظام الرأسمالي نفسه. وفي هذا كله تغيب المفاهيم الشرعية التي تضبط الاقتصاد، كتحريم الربا، ومنع تملك الثروات العامة للأفراد، ووجوب النفقة على الرعية من بيت مال المسلمين.

لقد قدم الإسلام نظاماً اقتصادياً متكاملاً يعالج الفقر من جذوره، لا بمجرد دعمٍ نقدي أو مشروعات تجميلية. هذا النظام يقوم على أسسٍ شرعيةٍ ثابتة أبرزها:

1- تحريم الربا والديون الربوية التي تُكبّل الدولة وتستنزف مواردها، فبزوال الربا تزول تبعية الاقتصاد للمؤسسات الدولية، وتُعاد السيادة المالية للأمة.

2- جعل الملكيات ثلاثة أنواع:

ملكية فردية: كالبيوت والمتاجر والمزارع الخاصة...

ملكية عامة: تشمل الثروات الكبرى كالنفط والغاز والمعادن والمياه...

ملكية دولة: كأراضي الفيء والركاز والخراج...

وبهذا التوزيع تتحقق العدالة، إذ تُمنع فئة قليلة من احتكار موارد الأمة.

3- ضمان الكفاية لكل فرد من الرعية: فالدولة تضمن لكل إنسان في رعايتها حاجاته الأساسية من مأكل وملبس ومسكن، فإن عجز عن العمل وجب على بيت المال أن ينفق عليه.

4- الزكاة والإنفاق الإلزامي: الزكاة ليست إحساناً بل فريضة، تجمعها الدولة وتصرفها في مصارفها الشرعية للفقراء والمساكين والغارمين. وهي أداة توزيع فعّالة تعيد الأموال إلى دورة الحياة في المجتمع.

مع التحفيز على العمل المنتج ومنع الاستغلال، والحثّ على استثمار الموارد في مشاريع نافعة حقيقية كالصناعات الثقيلة والحربية لا في المضاربات والعقارات الفاخرة والمشاريع الوهمية. إلى جانب ضبط الأسعار بالعرض والطلب الحقيقيين لا بالاحتكار ولا بالتعويم.

إن دولة الخلافة على منهاج النبوة هي وحدها القادرة على تطبيق هذه الأحكام عملياً، لأنها تُبنى على أساس العقيدة الإسلامية، ويكون هدفها رعاية شؤون الناس لا جباية أموالهم. ففي ظل الخلافة، لا يوجد ربا ولا قروض مشروطة، ولا بيع للثروات العامة للأجانب، بل تُدار الموارد بما يحقق مصلحة الأمة، ويتولى بيت المال تمويل الرعاية الصحية والتعليم والمرافق العامة من موارد الدولة والخراج والأنفال والملكية العامة.

أما الفقراء، فتُكفل حاجاتهم الأساسية فرداً فرداً، لا عبر صدقات مؤقتة بل كحقٍّ شرعي مضمون. ولذا فإن محاربة الفقر في الإسلام ليست شعاراً سياسياً، بل نظام حياة متكامل يُقيم العدل ويمنع الظلم ويعيد الثروة إلى أهلها.

ما بين الخطاب الرسمي والواقع المعاش مسافةٌ هائلة لا تخفى على أحد. فبينما تتغنّى الحكومة بمشروعاتها "العملاقة" وبـ"الانطلاقة الحقيقية"، يعيش ملايين المصريين تحت خط الفقر، يعانون الغلاء والبطالة وانعدام الأمل. والحقيقة أن هذه المعاناة لن تزول ما دامت مصر تسير في طريق الرأسمالية، تُسلِّم اقتصادها للمرابين وتخضع لسياسات المؤسسات الدولية.

إن أزمات ومشكلات مصر هي مشكلات إنسانية وليست مادية، وتتعلق بها أحكام شرعية تبين كيفية التعامل معها وعلاجها على أساس الإسلام، وإن الحلول أسهل من غض الطرف لكنها تحتاج إدارة مخلصة تملك إرادة حرة تريد السير في الطريق الصحيح وتريد الخير لمصر وأهلها حقا، وحينها على هذه الإدارة أن تراجع كل العقود التي أبرمت سابقا والتي تبرم مع كل الشركات التي تحتكر أصول البلاد وما هو من ملكياتها العام وعلى رأسها شركات التنقيب عن الغاز والنفط والذهب وباقي المعادن والثروات، وتطرد كل تلك الشركات لأنها في الأصل شركات استعمارية ناهبة لثروات البلاد، ثم تصوغ عهدا جديدا يقوم على تمكين الناس من ثروات البلاد وإنشاء أو استئجار شركات تقوم هي على إنتاج الثروة من منابع النفط والغاز والذهب وغيرها من المعادن وتعيد توزيع هذه الثروات على الناس من جديد، حينها سيتمكن الناس من زراعة الأرض الموات التي ستمكنهم الدولة من استغلالها بحقهم فيها، وسيتمكنون أيضا من صناعة ما يجب أن يصنع ليرتفع باقتصاد مصر ويكفي أهلها، وستدعمهم الدولة في هذا السبيل، وإن كل هذا ليس ضربا من الخيال ولا مستحيل الحدوث ولا مشروعا نعرضه للتجربة قد ينجح أو يفشل، وإنما هي أحكام شرعية لازمة ملزمة للدولة والرعية، فلا يجوز للدولة أن تفرط في ثروات البلاد التي هي ملك للناس بدعوى عقود أقرتها وأيدتها وتحميها قوانين دولية جائرة، ولا يجوز لها أن تمنع الناس منها بل يجب أن تقطع كل يد تمتد ناهبة إلى ثروات الناس، هذا ما يقدمه الإسلام ويجب تنفيذه، إلا أنه لا يطبق بمعزل عن باقي أنظمة الإسلام بل إنه لا يطبق إلا من خلال دولة الخلافة الراشدة على منهاج النبوة، هذه الدولة التي يحمل همها والدعوة إليها حزب التحرير ويدعو مصر وأهلها شعبا وجيشا إلى العمل معه من أجلها، عسى الله أن يكتب الفتح من عنده فنراها واقعا يعز الإسلام وأهله، اللهم عاجلا غير آجل.

﴿وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرَىٰ آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَفَتَحْنَا عَلَيْهِم بَرَكَاتٍ مِّنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ﴾

كتبه للمكتب الإعلامي المركزي لحزب التحرير

سعيد فضل

عضو المكتب الإعلامي لحزب التحرير في ولاية مصر