دول الكفر تجهز على مبدئها بيدها - الأستاذ خليل حرب- أبي إياس
March 02, 2009

دول الكفر تجهز على مبدئها بيدها - الأستاذ خليل حرب- أبي إياس

إن الاتصال بالعالم اتصالاً واعياً لإدراك ما فيه من أفكار ومفاهيم وقناعات، هو وحده الذي يجعل العقيدة التي تحملها الكتلة، والأفكار التي ترنو إلى تطبيقها، والمفاهيم والقناعات التي يحملها أفرادها، هي أفكار الأمة ومفاهيمها، تدافع عنها وتلوذ بها، وتسعى إلى إيجادها في واقع الحياة، ومن أجل أن تقوم الكتلة أو الحزب بنقل الفكرة من التدريس إلى التطبيق، ومن فكرة تعطى في حلقة إلى ممارسة عملية وأنظمة تنفذ، كان لا بد لها من دراسة أحوال العالم، وما فيه، دراسة متأنية واعية، تدرس مشاكله، وتدرس أحوال الدول وعادات الشعوب، وتتابع الموقف الدولي بدقة حتى تقف على أحوال الدول وإلى أين وصلت؟ وهل ما زال الموقف الدولي على حالة أم أنه تغير؟ وهل الصراع بين الدول صاحبة الموقف الدولي، والمؤثرة فيه، صراع مبدئي أم صراع مصلحي؟ وبالتالي هل هو صراع قد يصل ببعضها إلى إفناء البعض الآخر؟ أم أن مشاكلها سرعان ما تحل باقتسام المصالح وتشاطر الثروات وتبادل المنافع؟ كل هذا وغيره هو الذي يجعل من الحزب قائداً طبيعياً للأمة يقودها فتسير معه عن رضا واطمئنان، بحيث تؤول القيادة إليه, ما يؤدي إلى حل أو شل كل القيادات الأخرى حتى يكون بالتالي منفرداً بقيادة الأمة.
إن كل دولة تتبع عقيدة معينة، صحيحة كانت أم باطلة، لا بد أن تضع خطة لنشر مبدئها وعقيدتها، وأن تضع من الأساليب والوسائل ما يعينها في جعل أفكارها سلوكاً في واقع الحياة بحيث تجعل أفكارها هي المقياسُ الذي يُرجع إليه في السلوك، فَتُقًدِّر الانضباط العام في السلوك بحسب ممارسة الفرد لتلك القناعات عملياً، والدولة بالتالي تقوم بمنع أي مبدأ مخالف يخالف مبدأ الدولة أو عقيدتها. والعقيدة التي تحاول فرضها وفرض ما ينبثق عنها على السلوك العام، هي عقيدتها بالضرورة فالدولة صاحبة السلطان، هي من يفرض السلوك وتكون عقيدتها هي محل التطبيق والتنفيذ والقناعات، وبقدر القناعة في تلك الفكرة أو هاتيك العقيدة، يكون التطبيق والتنفيذ من الناس، فدولة الخلافة يوم أن كانت تحمل الإسلام عقيدة ونظام حياة كانت عقيدتها هي القَيِّمَة على سائر العقائد وكانت أفكارها هي القاضية على كل الأفكار والمهيمنة عليها، بحيث لا يسمح لأي فرد أو جماعة، أن تجعل من أفكارها وقناعتها المخالفة للإسلام محلاً للحديث والنقاش، ولو طرحاً في كتاب أو نقاشاً في فضائية أو حديثاً في إذاعة أو غير ذلك،

ولذلك كان من الطبيعي، أن يحصل اقتتال بين المسلمين وبين غيرهم، وكان من الطبيعي أيضاً أن تكون علة القتال هي الكفر حتى يخضع الكفار لأحكام الإسلام ونظام الإسلام قال تعالى: {قَاتِلُواْ الَّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ بِاللّهِ وَلاَ بِالْيَوْمِ الآخِرِ وَلاَ يُحَرِّمُونَ مَا حَرَّمَ اللّهُ وَرَسُولُهُ وَلاَ يَدِينُونَ دِينَ الْحَقِّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُواْ الْكِتَابَ حَتَّى يُعْطُواْ الْجِزْيَةَ عَن يَدٍ وَهُمْ صَاغِرُونَ }التوبة29، وقال صلى الله عليه وسلم: «أمرت أن أقاتل الناس حتى يشهدوا أن لا إله إلا الله، وأن محمداًَ رسول الله، فإن قالوها فقد عصموا مني دمائهم وأموالهم إلا بحقها». لذلك فإن جهاد الدولة دائم، والقعود عنه حالة استثنائية، فهو حرب على من يقف في وجه الدعوة الإسلامية، سواءً أكان معتدياً أم غير معتد، وبعبارة أخرى فهو إزالة كل حاجز يقف في وجه دعوة الإسلام، فإن المسلمين حين أعدوا العدة لفتح فارس والروم، ومصر وشمال إفريقيا، والأندلس وغيرها، إنما فتحوها لأن الدعوة تقتضي الجهاد لنشرها في هذه البلاد، فالحديث عن الجهاد من أنه حرب دفاعية هو خطأ يقيناً، لأنه يخالف وبكل بساطة سيرة النبي صلى الله عليه وسلم والصحابة رضوان الله عليهم من بعده في حمل الدعوة ونشر الإسلام، ثم إن الغرب الكافر الذي جعل من هذه النقطة مثلبةً في الإسلام، وجعل علماء المسلمين ينشغلون في الرد عليه، هو نفسه يقوم بعين العمل الذي قام به المسلمون من قبل مع الفارق العظيم، هو أن نشر الإسلام رحمة للعالمين، به يرفع الظلم ويقام العدل وبغيره يوضع، وليس له أي هدف إلا هداية الناس ورِفعة شأنهم، بينما الغرب الكافر جاء لهدم كل هذا والإجهاز عليه، ونشر عقيدته السقيمة ومفاهيمه الساقطة عن الحياة التي تترفع عنها البهائم، وكما يقال واقع الحال يغني عن المقال، فعقيدة كهذه قد تصلح لأن تنظم شؤون الحيوانات في الغاب، سيما أنه لم يبق منها إلا الحرية الجنسية بعد أن أجهزوا على عقيدتهم بأيديهم.
عندما أدرك الغرب الكافر وأمريكا بخاصة أن الأمة الإسلامية لن تلبث إلا يسيراً حتى تعود لقيادة العالم وتسيير شؤونه ولا عجب والله عز وجل يقول: {تِلْكَ الْجَنَّةُ الَّتِي نُورِثُ مِنْ عِبَادِنَا مَن كَانَ تَقِيّاً }مريم63
أقول بعد أن أدرك الغرب الكافر وأمريكا من خلفه ذلك، جاءوا بجيوشهم وترسانتهم العسكرية، علهم يعملوا على تأخير إقامة الدولة أو الحيلولة دون إقامتها-إن أمكنهم ذلك، وجمعوا إلى جانب حربهم العسكرية أساليب قد تكون أخبث وأقذر من الحرب، وقد عاونهم في ذلك ناسٌ من بني جلدتنا يتكلمون بألسنتنا، لذلك كان من الضروري الحديث عن ابرز أساليبهم ومخططاتهم علنا نتقي شرها وشرهم وأليكم أبرزها:
أولاً: الطعن في القطعيات والثوابت في ديننا حتى لا يبقى عند الأمة من الثوابت شيء وهذا الأسلوب لا يمكن أن يتم لها -لتقديرها- إلا عن طريق من يتسمون بعلماء المسلمين الذين باعوا دينهم وأمتهم بعرض من الدنيا زائل، فهؤلاء لا ضير عندهم في أن يكونوا مطايا للإجهاز على عقيدة الأمة ومبدئها، فمن قائل بأن الربا في بلاد الكفر جائز، ضارباً عرض الحائط بالآيات القطعية الدلالة والثبوت التي تحرم الربا قال تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ اتَّقُواْ اللّهَ وَذَرُواْ مَا بَقِيَ مِنَ الرِّبَا إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ }البقرة278. ومن قائل بأن زواج المسلمة من كتابي ليس حراماً، وليس هناك من دليل يحرمه ضارباً عرض الحائط بقوله الله تعالى: {....فَإِنْ عَلِمْتُمُوهُنَّ مُؤْمِنَاتٍ فَلَا تَرْجِعُوهُنَّ إِلَى الْكُفَّارِ لَا هُنَّ حِلٌّ لَّهُمْ وَلَا هُمْ يَحِلُّونَ لَهُنَّ...}الممتحنة10، وغير ذلك من الآراء التي تجيز قتال المسلم إلى جانب الكافر ضد المسلم، ومن طاعن في صحابة رسول الله صلى الله عليه وسلم وأنهم ليسوا كلهم عدولاً، وغير ذلك الكثير الكثير، وكأن لسان حال هؤلاء يقول إننا نحن علماء المسلمين، فخذوا الدين عنا، ونحن نعتذر لكم، عن أي شيء جاء من ربنا وقرآننا {لَقَدْ جِئْتُمْ شَيْئاً إِدّاً (89) تَكَادُ السَّمَاوَاتُ يَتَفَطَّرْنَ مِنْهُ وَتَنشَقُّ الْأَرْضُ وَتَخِرُّ الْجِبَالُ هَدّاً (90) } مريم، وقد يقول قائل: إن بعض هذه الآراء قد جاء بها من لا تشك في دينه وتقواه من السابقين، فكيف والأمر كذلك تقول أنها ليست بالآراء المعتبرة، والأقوال السديدة، وقد خرج بعضها من جهابذة الدين وعلمائه، فأقول بأن الرجال يعرفون بالحق ولا يعرف الحق بالرجال، ومن أراد أن يتتبع زلات العلماء وهنّاتهم، ويجمعها في كتاب، لجمع فقها لا يمت إلى الإسلام بصلة، ولا إلى العقيدة باتصال، والعزاء في ذلك بأنه تعالى يأبى أن يكون أي كتاب خاليا من الزلل والأخطاء، إلا كتابه جل جلاله، ثم إنه نقل عن العلماء جميعهم بآثار صحيحة، أنهم كانوا يقولون (بأن ما وافق الكتاب والسنة من أقوالنا فخذوه وما خالفهما فاضربوا به عرض الحائط) لا كما يقول بعض أدعياء الإسلام في هذا الزمن (أضربوا بالقرآن عرض الحائط إن خالف آراؤنا) فكيف وهذا حالهم نجعل أقوالهم التي لا محل للاجتهاد فيها مصدراً للتشريع، وحكما شرعياً يعدل حكم الله وشرعه بل ويفوقه. كم من كتب تم تسويقها وانتشرت بين كثير من شرائح القراء وهي لا تساوي الحبر الذي كتبت فيه، تصب في هذا الأمر وتدعمه، وهو ضرب كل نصٍ قطعي من قطعيات الكتاب والسنة، من ضمنها كتاب اسمه (جناية الشافعي على الأمة) آخر (جناية البخاري على الأمة) وثالث اسمه (جناية سيبويه على الأمة) ولعمري كأن الكاتب يريد أن يقول لنا يجب عليكم أيها المسلمون أن تعيدوا النظر في كل ما تظنون أنه من الثوابت.
ثانياً: بعد أن أدركت أمريكا ودول الكفر أن المسلمين بدأوا يعودون إلى أسباب عزهم ومجدهم، وبدأت أبصارهم ترنوا إلى الإسلام نظام حكم ومنهاج حياة، وأنه لا مخلص لهم مما هم فيه إلا إعادة الخلافة، وتحكيم شرع الله، أقول بعد إدراك الكفار ذلك، وخشية أن يكون عود المسلمين إلى الإسلام عوداًَ صحيحا لجأوا كعادتهم إلى أسلوب خبيث، عاونهم فيه مطاياهم من حكام بلاد المسلمين المأجورين، والحركات والأفراد المحسوبين على الإسلام.
نعم أيها الأخوة فإن دول الكفر، وبخاصة أمريكا لن تدخر جهداً في صرف المسلمين عن قضيتهم المصيرية التي فيها حياتهم ودونها هلاكهم، وهي إقامة الخلافة، وتحكيم شرع الله، ولذلك فهي تسارع إلى الاتصال بكل من تظن فيه إجابة طلبها والسير في ركابها من أفراد وحركات علها بذلك تختصر على نفسها الجهد والوقت والمال وليس ببعيد عنا ما تم لها في مصر والسودان وفلسطين وتركيا وغيرها حيث قامت بدعم كل من علمت أنه يفيدها في تحقيق أهدافها ومن أجل أن يكون فوز تلك الحركات الثقافية على الإسلام الصحيح ومن أجل أن يعطي أي حل وأي تنازل صبغة إسلامية.
ثالثا: أما الأسلوب الثالث فهو التقريب بين الكفر والإيمان، والحق والباطل وبين الخطأ والصواب تحت عناوين كثير كان أبرزها الوسطية، وحوار الأديان، وحوار الحضارات، وكالعادة وجدوا بين من يتسمون بالعلماء من يعينهم في ذلك مستدلاً بالآيات والأحاديث التي انتزعها من سياقها ولوى أعناق نصوصها حتى تخدم قوله وتدعم حجته من مثل قوله تعالى: {وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطاً ... }البقرة143، مستدلاً بها على أن الإسلام دين وسطي، ولو أكمل هذا المخادع الجاهل الآية لعلم أنه جمع إلى جهله جهلاً فكان جهله بذلك مركبا، فالآية تقول لتكونوا شهداء على الناس أي قاضون على فكرهم وقيمون عليه، ثم إن التقريب بين الأفكار هو فكرة خيالية، فالمسألة إما حق أو باطل، إما ضلال وإما امتثال، وإن كانت الوسطية متصورة في الماديات فإنها غير متصورة في الأفكار والعقائد.

أيها الأخوة: إن ما أعلنه الكفار وما زالوا عن أنَّ هذه الحرب هي حرب صليبية، لتدل دلالة لا مرية فيها، ولا شك من أن هذه الحرب على الأمة هي حرب على عقيدتها قبل أن تكون حرباً على أفرادها، وكل هذه الأساليب والوسائل من أجل أن يردوا المسلمين عن دينهم ويفتنونهم عن عقيدتهم ومبدئهم {...وَلاَ يَزَالُونَ يُقَاتِلُونَكُمْ حَتَّىَ يَرُدُّوكُمْ عَن دِينِكُمْ إِنِ اسْتَطَاعُواْ..} البقرة217، ولأنهم قطعاً لن يستطيعوا رد هذه الأمة عن دينها، وكيف يستطيعون والله عز وجل يقول: {...الْيَوْمَ يَئِسَ الَّذِينَ كَفَرُواْ مِن دِينِكُمْ فَلاَ تَخْشَوْهُمْ وَاخْشَوْنِ ....} المائدة3، أقول لأنهم فقدوا الأمل في رد هذه الأمة عن دينها وصرفها عن قضيتها المصيرية لجأوا إلى تلك الأساليب الهابطة والوسائل المكشوفة، ولكن الله متم نوره قريباً إن شاء الله وعندها سيعرف الكفارُ أي منقلب ينقلبون.
والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته
خليل حرب - أبي إياس

المزيد من القسم سياسة

يا علماء الأزهر: الشام لا تنتظركم تحت راية الاستعمار!!

ذكرت جريدة اليوم السابع في 26/10/2015م، أنها حصلت على نسخة من تقرير مهم لمرصد الأزهر الشريف أكد فيه "أن التحالف مع جيوش غير مسلمة لمواجهة الجماعات المتطرفة وإن كانت مسلمة "جائزة"، ما دامت ليست من قبيل الاستعانة بالمشركين على المسلمين طلبا لخذلان المسلمين، كما ذكر أن من مقاصد الشريعة عمارة الكون ولتحقيقها تمت الاستعانة بهم في نواح عديدة، منها الإدارية والصناعية والكتابية والقتالية وغيرها، واستدل بأن الرسول r استعان حينما هاجر إلى المدينة برجل مشرك ليدله على الطريق، وكان له غلام يهودي يخدمه بالمدينة، ولما قدم إلى المدينة كتب معاهدة بين المسلمين واليهود جاء فيها: (وأن بينهم النصر على من داهم يثرب)، ولما توجه رسول الله إلى مكة عام الحديبية ووصل إلى ذي الحليفة أرسل عينا له من خزاعة يأتيه بخبر قريش، وكان ذلك الرجل مشركا"، ليختم قائلا: "أما التحالف مع غير المسلم في مواجهة جماعة متطرفة تهدد أمن المجتمعات وسلامتها فعلينا هنا أن نفرق بين من يستعين بالمشركين على المسلمين طالبا خذلان المسلمين، قاصدًا هدم دولتهم، هادفًا إلى إضعاف شوكة الإسلام، كارها مبغضا لهذا الدين وأهله، فهذه الحالة نهى عنها ربنا تبارك وتعالى بقوله: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى أَوْلِيَاءَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ مِنْكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِى الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ﴾، وبين من يفعل ذلك ردا لعدوان فئة باغية لا يستطيع رد عدوانها وحده، مع احتفاظه بسيادة دين الإسلام في بلده ظاهرا غالبا، فلا مانع له أن يستعين بغير المسلمين تحقيقا لمصالح المسلمين؛ ولضرورة أمن المجتمع وسلامته".

من الواضح جدا أن الوضع في الشام يلقي بظلاله على المنطقة كلها، وأن هناك ترتيباً وتحضيرات لكي تصبح مصر مخلبا من مخالب أمريكا في الشام بإدخالها إلى حلبة الصراع كما فعلت في ليبيا من قبل، كجزء من حلف أمريكا في حربها الصليبية الجديدة بعد أن أوشكت روسيا على الفشل، وحتى لا يغضب أبناء الكنانة لتحرك جيشهم تجاه إخوانهم في الشام، ويكون هناك مبرر لقمع من يظهر الغضب منهم، فلا بد من مبرر قوي وفتوى شرعية لخداع أهل الكنانة وأبنائهم في الجيش حتى لا يؤرقهم فيما بعد تلوث أيديهم بدم إخوانهم في بلاد الشام، وبدلا من أن يصدر مرصد الأزهر وعلماء الكنانة بيانا وفتاوى تحرم تلك التحالفات على أبناء الأمة وتجرم الدخول فيها، وتبين وجوب نصرة أهل الشام وأهل فلسطين وغيرهم ورد كيد أعداء الأمة من أمريكا ويهود والغرب الكافر، أصدر المرصد تقريرا أجاز فيه التحالف مع جيوش غير مسلمة لمواجهة الجماعات المتطرفة وإن كانت مسلمة، ما دامت ليست من قبيل خذلان المسلمين، وكأن قتل المسلمين ليس خذلانا لهم أو أنه قد أصبح أحد مقاصد الشريعة، ولا ندري من أين أتى المرصد بهذه الفتوى وما دليله عليها؟! ولا عن أي شريعة وأي مقاصد يتحدث؛ فمقاصد الشرع تحفظ النفس المسلمة لا تقتلها بتحالف مع عدو الله ورسوله وعدو الأمة، والمعلوم من قول رسول الله r «إنا لا نستضيء بنار المشركين» ورده على المشرك الذي لحق بالجيش «إنا لا نستعين بمشرك»، أما الاستعانة في الأمور الإدارية فلم يرد تحريمها، وهي تختلف جملة وتفصيلا عن الاستعانة في القتال فضلا عن قتال المسلمين، والأصل فيها الإباحة ولا يجوز قياسها على قتال أهل البغي من المسلمين بأي حال من الأحوال، فهي ليست من الأمور الإدارية وإنما هي أحكام شرعية لأفعال الأصل فيها التقيد بأحكام الشرع المستنبطة من أدلتها، وما أتى به النص الصريح هنا في قتال طائفتين من المؤمنين ﴿وَإِن طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا فَإِن بَغَتْ إِحْدَاهُمَا عَلَى الْأُخْرَىٰ فَقَاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي حَتَّىٰ تَفِيءَ إِلَىٰ أَمْرِ اللَّه﴾ فالأصل في قتال طائفتين من المؤمنين أن نعمل على الإصلاح بينهما ثم يقاتل المسلمون، والمسلمون فقط دون غيرهم، الفئة الباغية طالما بقيت على بغيها حتى تعود عنه، ولا يجوز لهم أن يستعينوا بكافر على إخوانهم بعدوهم أبدا، فكما في الصحيحين «الْمُسْلِمُ أَخُو الْمُسْلِمِ، لَا يَظْلِمُهُ، وَلَا يُسْلِمُهُ، وَمَنْ كَانَ فِي حَاجَةِ أَخِيهِ، كَانَ اللَّهُ فِي حَاجَتِهِ، وَمَنْ فَرَّجَ عَنْ مُسْلِمٍ كُرْبَةً، فَرَّجَ اللَّهُ عَنْهُ كُرْبَةً مِنْ كُرُبَاتِ يَوْمِ الْقِيَامَةِ، وَمَنْ سَتَرَ مُسْلِمًا، سَتَرَهُ اللَّهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ».

وحتى نفصل في الفتوى يجب أن نستعرض واقع الأمة اليوم؛ حيث لا وجود لدولة إسلامية بالمفهوم الشرعي بل كلها بلاد إسلامية يسكنها مسلمون، يحكمها حكام ضرار مغتصبو سلطة وضعهم الغرب الكافر على رؤوس البلاد والعباد لرعاية مصالحه ولقهر الأمة واستعباد شعوبها للغرب الكافر، وكل من حاول الانعتاق من التبعية والتملص من ربقة الغرب يتسلطون عليه بسلاح ثمنه من أموال وأقوات الأمة واصفين كل من حاول الانعتاق بكل أوصاف التطرف والإرهاب والخروج.

وهنا مع هذا الواقع يكون واجب الأمة خلع هؤلاء الحكام وتنصيب خليفة واحد تكون رئاسته عامة لجميع المسلمين ويحصل الحكم ببيعة شرعية صحيحة ويحكم الأمة بالإسلام كاملا شاملا غير منقوص، ويكون له وحده حق تبني الأحكام الشرعية وسنها دستورا وقوانين، بهذا فقط يكون لدينا دولة إسلامية من حقها وحدها قتال البغاة والخارجين، أما هؤلاء الحكام وعلماؤهم وعملاؤهم فهم مغتصبون لسلطان الأمة محاربون لله ورسوله وأوليائه، وهم آخر من يقيم للإسلام وأحكامه وزنا أو احتراما في بلادنا ولا علاقة لهم لا بالشرع ولا بمقاصده، وأول من يدرك ذلك هم العلماء قبل عوام الناس من أهل الكنانة وغيرها، فلا يجوز لهم أن يبرروا ويشرعنوا خياناتهم في تجارة بالإسلام واستغلال واضح لجهل الناس بأحكامه لصالح حكام السوء ومن خلفهم الغرب الكافر عدو الإسلام والمسلمين، والذي يبررون الآن التحالف معه لوأد ثورة الأمة في الشام وغيرها، في محاولة يائسة لمنع عودة الخلافة على منهاج النبوة والتي أصبح نجمها يعلو في الأمة بعمومها والشام خاصة، والتي فضحت العملاء وعلماء السوء وأبت إلا أن تكشف كل متلون مخادع، ولن يبقى ثابتا إلا من يستحقون بحق أن يكونوا كأمثال الصحابة وأن تقام على أكتافهم دولة خلافة على منهاج النبوة يرضى عنها ساكن السماء وساكن الأرض.

يا علماء الأزهر الكرام وأحفاد العز بن عبد السلام سلطان العلماء، لا تكونوا أكثر الخاسرين فتبيعوا دينكم بدنيا غيركم، ولن ينفعكم حكام السوء أو يغنوا عنكم من الله شيئا، فكونوا مع الحق الذي تعلمون وطالبوا أهل مصر الكنانة وجيشها بخلع حكام السوء وإعلانها خلافة على منهاج النبوة، ونصرة أهل الشام وفلسطين وسائر المستضعفين من أبناء الأمة، فهذا دوركم ودورهم، فأنتم ورثة الأنبياء وهم جند الله ورسوله ودرع الأمة وحماة الإسلام فحرضوهم على نصرة الله ورسوله تفوزوا وإياهم ويكون لكم وللكنانة السبق في ركب الجنة.

يا أهل الكنانة وعلماءها وجيشها، يا من كنتم للإسلام درعا وحصنا وكان للإسلام بكم عزٌّ ومنعة من للإسلام، إن لم يكن أنتم من ينتصر لحرمات المسلمات غيركم من يحرر الأقصى دونكم، إن الأقصى والشام لا تنتظركم تحت راية الاستعمار وخلف عدو من أعداء الله ولخدمة الغرب الكافر ولفرض نفوذه ومخططاته ومنع عودة الحياة الإسلامية من خلال خلافة على منهاج النبوة، وإنما تنتظركم أنتم جند صلاح الدين تحت راية رسول الله r، تنتظركم ناصرين فاتحين محررين كما عهد بكم، تنتظركم بأسا شديدا على أعداء الله ورسوله وعزا لدينه ومددا لأنصاره، واعلموا أن نصر الله قادم لا محالة، فليكن بأيديكم أنتم وليكن لكم السبق للفردوس الأعلى مع أنصار الأمس فإنها الجنة، والأيام القادمة أيام فاصلة فانحازوا فيها لما يحب الله ويرضى وانصروا إخوانكم في حزب التحرير واحملوا معهم مشروع الأمة المنبثق عن عقيدتها خلافة على منهاج النبوة تنهي التبعية للغرب الكافر وتعيد عز الإسلام وأهله وتعيد بلادنا سيدة الدنيا كما كانت، اللهم اجعله قريبا واجعله بأيدينا.

كتبه لإذاعة المكتب الإعلامي المركزي لحزب التحرير

عبد الله عبد الرحمن

عضو المكتب الإعلامي لحزب التحرير في ولاية مصر

نعمة الأمن والأمان في الأردن

نتغنى في الأردن بالأمن والأمان، وإذا ما تكلم بعضنا بوجوب نصرة الشام والأقصى رد علينا آخرون بقولهم أنتم تريدون إشاعة الفوضى في البلد والقضاء على الأمن والأمان، ألا ترون ما حدث لأهل سوريا ومصر وليبيا واليمن وغيرهم؟

أقول لمثل هؤلاء: إن نعمة الأمن والأمان والرخاء الاقتصادي كان يتنعم بها أهل مكة، فقد آمنهم الله من الجوع والخوف بينما كانت القبائل من حولهم يغير بعضها على بعض فيقع فيهم القتل والأسر، قال تعالى مذكرا إياهم أنهم كانوا في أمان بينما غيرهم يعيش في خوف ﴿أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّا جَعَلْنَا حَرَمًا آمِنًا وَيُتَخَطَّفُ النَّاسُ مِنْ حَوْلِهِمْ أَفَبِالْبَاطِلِ يُؤْمِنُونَ وَبِنِعْمَةِ اللَّهِ يَكْفُرُونَ﴾ فماذا حدث لأهل مكة؟ هل استمر الأمن والأمان؟ هل حافظوا على نعمة الأمن والأمان؟ قال تعالى: ﴿لِإِيلَافِ قُرَيْشٍ * إِيلافِهِمْ رِحْلَةَ الشِّتَاءِ وَالصَّيْفِ * فَلْيَعْبُدُوا رَبَّ هَذَا الْبَيْتِ * الَّذِي أَطْعَمَهُم مِّن جُوعٍ وَآمَنَهُم مِّنْ خَوْفٍ﴾.

أطعمهم من جوع: أمان اقتصادي... كانت خيرات الجزيرة العربية والشام واليمن تجبى إليهم في رحلتين سنويتين، رحلة الشتاء إلى اليمن ورحلة الصيف إلى الشام، وآمنهم من خوف: كانت القبائل تسعى إلى ودِّهم لأنهم أهل الحرم،كما أن الرحلة في الصحراء إلى اليمن جنوبا والشام شمالا دليل على الأمن الذي تنعَّم به تجار مكة.

ولما بعث رسول الله r إليهم طلب منهم أن يحافظوا على هذه النعمة، كيف؟

اسمعوا قوله تعالى ﴿فَلْيَعْبُدُوا رَبَّ هَذَا الْبَيْتِ * الَّذِي أَطْعَمَهُم مِّن جُوعٍ وَآمَنَهُم مِّنْ خَوْفٍ

إذن المحافظة على الأمن والأمان تكون بطاعة الله عز وجل، وتنفيذ أوامره سبحانه في الحياة العامة، في الحكم والاقتصاد والاجتماع والتعليم والسياسة الخارجية، وليس الاقتصار على تنفيذ أمر الله في العبادات والأخلاق والمطعومات والملبوسات فقط، قال تعالى ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ ادْخُلُواْ فِي السِّلْمِ كَآفَّةً﴾ أي نفذوا أحكام الإسلام كلها، فلا يجوز أن نقصر الإسلام على جزء منه ونترك الباقي خوفا من أمريكا وأوروبا وغيرهما من دول العالم.

فحتى نحافظ على الأمن والأمان يجب تغيير الدستور إلى دستور إسلامي وتغيير النظام الحاكم من نظام علماني إلى نظام إسلامي، وأن تسترد الأمة سلطانها وتختار حاكمها لتبايعه على الحكم بكتاب الله وسنة رسوله r... وفي ذلك تحقيق لعبادة رب البيت.

وأما عصيان الله وإعلان الحرب على أحكامه الشرعية فهو خسران الأمن والأمان، والحكم بغير ما أنزل الله خروج عن طاعة رب البيت، والتنسيق مع روسيا في حربها على المسلمين في الشام خروج عن طاعة رب البيت، والمشاركة في التحالف الصليبي خروج عن طاعة رب البيت، وإباحة الربا باسم الحرية الاقتصادية، وإباحة التعري والسفور والاختلاط والمثلية الجنسية باسم الحرية الشخصية خروج عن طاعة رب البيت، وترك قطعان يهود يمارسون عربدتهم في الأقصى خروج عن طاعة رب البيت، وتأييد نتنياهو في تركيب كاميرات التجسس خروج عن طاعة رب البيت، وخذلان أهل سوريا وتركهم لبشار وروسيا وإيران وحزبها في لبنان خروج عن طاعة رب البيت، وإرسال الجيش الأردني ليحارب المسلمين بدلا من توجيههم لمحاربة يهود وتحرير الأقصى وفلسطين منهم هو خروج عن طاعة رب البيت...

أهل مكة رفضوا دعوة الله فخسروا الأمن والأمان.

انقسم المجتمع إلى مؤمنين وكافرين... أصبح الأخ يعادي أخاه والابن يعادي أباه والزوجة تعادي زوجها والعبد يعادي سيده. عصا العبيد أسيادهم، وعصا الشعب حكامه، وسموا زعيمهم أبا الحكم بأبي جهل. وأمر الله نبيه والمؤمنين بتهديد أبي جهل ﴿كَلَّا لَئِن لَّمْ يَنتَهِ لَنَسْفَعًا بِالنَّاصِيَةِ﴾ ثم أمره أن يعلن الوصف الحقيقي لأبي جهل ﴿نَاصِيَةٍ كَاذِبَةٍ خَاطِئَةٍ﴾ ثم يستأنف التحدي والتهديد والوعيد ﴿فَلْيَدْعُ نَادِيَه * سَنَدْعُ الزَّبَانِيَةَ﴾ ثم أمر رسوله والمؤمنين بعصيان الحاكم المجرم وإعلان التمرد على دستوره ﴿كَلَّا لَا تُطِعْهُ وَاسْجُدْ وَاقْتَرِبْ﴾.

لو دخل أبو الحكم في الإسلام وعبد ربَّه الذي أعطاه الأمن من الجوع والأمن من الخوف لما فرق مجتمعه، ولو آمن زعماء مكة لحققوا شرفا ما بعده شرف، ولظل ذكرهم معطراً خالدا، ولكنهم رفضوا الشرف واستغربوا وعد الرسول r بالانتصار على فارس والروم، واتهموه بالجنون، ففقدوا الأمن والأمان وقُتلوا في معركة بدر، أين هم الآن؟!.. في الجحيم والعياذ بالله وقانا الله وإياكم ذلك المصير. أما أولادهم الذين آمنوا بدعوة الإسلام فقد حافظوا على نعمة الأمن والأمان وأصبحوا قادة البشرية.

ونحن في الأردن إذا لم نعِ الدرس وندرك أن الحفاظ على الأمن والأمان لا يكون إلا بعبادة رب البيت... فسنخسر الدنيا والآخرة.. نعوذ بالله من ذلك... وها نحن نرى بعض البوادر في فقدان نعمة الأمن والأمان من انتشار العصابات والعنف في الجامعات والعشائر وفساد الدولة ونهب المال العام والفقر والبطالة... وإذا لم نعد إلى ديننا عودة حقيقية فسيستمر الخسران حتى نجد أنفسنا مشردين لاجئين كأهل البلاد من حولنا... لا قدر الله.

كتبته لإذاعة المكتب الإعلامي المركزي لحزب التحرير

نجاح السباتين – ولاية الأردن