دولار الكرامة أم تكريم العقل؟!
September 02, 2019

دولار الكرامة أم تكريم العقل؟!

دولار الكرامة أم تكريم العقل؟!


تفاعل رواد مواقع التواصل مع تصريحات رئيس الوزراء، عبد الله حمدوك، خلال حواره الذي بثته العديد من القنوات السودانية يوم السبت، واقترح البعض "إسفيرياً" الإعلان عن دولار الكرامة لدعم الاقتصاد السوداني خلال الفترة الانتقالية.


وكان رئيس الوزراء السوداني قال في الحوار "إن السودان يحتاج إلى 8 مليارات دولار من المساعدات الأجنبية في العامين المقبلين لتغطية الواردات، وللمساعدة في إعادة بناء الاقتصاد بعد الاضطرابات السياسية المستمرة منذ أشهر. ومعلوم أن الاقتصاد السوداني يعاني من أزمات مركبة أبرزها شُح السيولة وانهيار النظام المصرفي وتضعضع قيمة الجنيه السوداني أمام الدولار، وارتفاع أسعار السلع وغلاء المعيشة وحزمة من المشكلات الاقتصادية المتراكمة التي تنتظر الحكومة المقبلة.


وتبارى المتداخلون على مواقع التواصل في الدفع بمبادرة للإعلان عن دولار الكرامة خاصة للمغتربين، وطالب بعض المغردين من حمدوك إعلان مبادرة دولار الكرامة على شاكلة "جنيه الكرامة" الذي طرح في عهد الرئيس الأسبق الراحل جعفر نميري، ودفع المغردون بحزمة من المقترحات لدعم الاقتصاد السوداني، مشيرين إلى أن السودانيين المنتشرين في كافة أصقاع العالم قادرون على دعم دولتهم وثورتهم الشعبية.


أغلب المؤيدين والداعمين للحكومة الجديدة في السودان ينطلقون من أنهم مستعدون لفعل أي شيء يساندون به الحكومة باعتبارها المخلص من الوضع الاقتصادي الذي أوجده النظام البائد في السودان الذي أتى على أخضر البلد ويابسه، بسبب سياسات حمقاء ورعناء جرت على البلاد حروباً طاحنة وحصاراً اقتصادياً وجوعاً وعزلة عن العالم، وأقل ما يمكن أن يقال في أهل هذا الرأي إنهم يتبعون لرأي عام أوجدته نخبة ممن يسمون قوى الحرية والتغيير، الذين غنموا على حين غرة ما لم يحلموا به وفتح الباب لهم كي يتسلموا مناصب لم يمنوا أنفسهم بها في ظل النظام السابق، ومكنهم من مفاصل الدولة، إضافة إلى الذين كانت بينهم وبين رأس النظام السابق أو أركان حكمه أو حزبه ثارات، استطاعوا تصفيتها عن طريق طرح البديل العلماني الصريح الذي كانوا يتبنونه على استحياء في الماضى القريب باعتباره طريق النهوض مما جر إلى حكم من يسمونهم "الإسلاميين" الذين رفعوا شعارات العداء للغرب والشرق.


لا شك أن ثمة ضريبة كبيرة دفعتها الأمة الإسلامية عامة، جراء عدم وعيها على الممارسات السياسية التي يقودها الوسط السياسي المتحجر والذي جُبل على إرضاء الكفار والسير في ركابهم، وهم يعتقدون جازمين أن لا وجود لهم إن لم يفعلوا ذلك! وما زالت الأمة تدفع وستدفع بدعوى النهضة المزعومة واللحاق بركب الحضارة والتطور بغض النظر عن حقيقة هذا التطور، والأصل أن إخفاقها في تحقيق أي إنجاز ذي شأن في أي من تلك المجالات على مدى عقود، أمر كافٍ لرفع وعي الأمة وانصرافها عن تأييد الحكومات القائمة التي لا تغير في طريقتها شيئا، لكنها تستطيع فقط التلون وخداع الناس حتى تجرهم جرا لتأييد برامجه المطروحة دون تفكير في مدى صلاحيتها أو صوابها أو خطئها!


والسؤال الملح هو كيف يكون المخلص للسودان من عمل في مؤسسات الربا الدولية، وهي معروف عنها القرصنة الاقتصادية والعمل الأصلي لها هو إفقار الدول؟! كيف لا يعي الناس على هذه الأمور وهي واضحة كما الشمس؟! وكيف تطرح مبادرات تدعم بالدولارات بدلا عن دعم وعي الأمة للتخلص من هذا التخبط؟!


قد يكون ما يحدث في السودان حدث ما هو أكبر منه في دول أخرى، وأغلب الناس يمشون مكبين على وجوههم، والحقائق ظاهرة صريحة لكنهم يغضون الطرف عنها! ففي العراق وأفغانستان مثلا أيد الناس الاحتلال الأجنبي وإلى الآن يوجد عدد منظور من ذوي الرأي سواء أكانوا صحفيين أو نخبة مثقفة تنظر إلى ما جرى بوصفه تحريراً تُشكر الولايات المتحدة عليه، بعد أن جاءت بنحو نصف مليون مقاتل إلى العراق بالتحديد وأسقطت نظام البعث الدكتاتوري، ولكن بعد مضى فترة بعد أن ذاق العراقيون ثمرة "التحرير" أصبح تأييدهم نقمة ولعنة وسبة الدهر...


ميّز الله تعالى الإنسان بالعقل، وجعل عنده القدرة على التفكير. فكان العقل في الإسلام مناط التكليف الشرعي، بوجوده يكون الإنسان مكلّفاً، وبفقدانه يسقط عنه التكليف. وقد ورد في القرآن الكريم أن الإنسان أفضل مخلوقات الله تعالى على الإطلاق، وكان فضله في عقله. لذلك يجب أن يكون التفكير أساس حياة هذا الإنسان بأن يكون مفكراً عاقلاً. والإنسان ينهض بما لديه من فكر عن الوجود. فإذا كان هذا الفكر عن الوجود مستنيراً كان مؤثراً وأصبحت الحياة رهناً له. وإذا علمنا أن الإنسان يسير في حياته وفقاً لما لديه من مفاهيم عن الأشياء، لأدركنا كيف ينهض الإنسان بعقله. فمثل ذلك الفكر عن الوجود هو الذي يوجد المفاهيم عن الأشياء في الحياة، وهذه المفاهيم تحدد السلوك الإنساني.


فإن كانت مفاهيم الناس غرائزية لإشباع الغرائز والحاجات العضوية أصبحوا تنطلي عليهم الحيل السياسية الخادعة ويؤيدون أيا كان رأسماليا أو علمانيا أو ليبراليا أو لا دينيا ما دام سيوفر لهم النهضة المادية المرجوة ويحدث في البلد نهضة تلحقهم بركب العالم! هذا حال من يتصور الحياة الأولى والأخيرة وأنه موجود في الحياة فقط للعيش من أجل العيش. فإذا كانت هذه الحياة هي الأولى والأخيرة، فلا محل للقيم والمبادئ ولو ظهر على هذه السياسة العوار لبحث هذا الشخص عن شجرة توت واقتلعها بأشواكها ليغطي هذا العوار ولو سببت له الأذى الجسيم وربما قادت لنهاية حياته! على عكس من ينظر إلى الوجود على أنه مخلوق لله تعالى، وأنه محطة اختبار للوصول إلى الحياة الآخرة ليُكوِّن مفاهيمه في الحياة على هذا الأساس. فمثل هذا الإنسان يفهم الاقتصاد أحكاماً شرعية منزلة من عند رب العالمين وليس براغماتية، إلى غير ذلك من المفاهيم عن الأشياء. ومثل هذه المفاهيم تحدد سلوك الإنسان، تجاه السياسة بالاقتصادية المثلى وتجاه الحكم الممارس نفسه، وتجاه كل شيء، ويصبح ناهضاً وراقياً لأنه عمل العمل بناء على إدراك صلته بالله.


وأما اليوم فقد انحطت أمتنا الإسلامية، وانخفض معها سلوكنا، وانحطت عقولنا، حتى صرنا نرى، في وضح النهار، الحق باطلاً والباطل هو الحق! لقد بلغ بنا الانحطاط درجة صرنا نرى معها أن استعمار دول الغرب لنا وتحكّمه في أراضينا يمتص دماءنا ويسلب خيراتنا، ويذيقنا ألوان الهوان والذلّ طعناً وتفريقاً، صرنا نرى فيه غاية المنى. وكيف لا، ونحن نتمنى أن نكون في حمى الغرب المتقدم، وأن ندور معه حيث دار ولو تسلط علينا وأعمل فينا حكم الكفر الرأسمالي المتأزم. ثم تجدنا نسعى إلى دول الشرق والغرب مستجْدين طالبين منهم أن يحلّوا لنا مشاكلنا التي صنعوها بأيديهم مكراً بنا وإذلالاً لعزتنا، فصرنا نرى أن الاستعمار يقربنا من الغرب، وصرنا نرى في الغرب قبلة أنظارنا ومدار تفكيرنا ومحل احترامنا وتقديرنا، حتى صرنا نتمنى أن تأتي قوى الغرب لحمايتنا وحل مشاكلنا، مع علمنا بأن الغرب هو الذي صنع لنا هذه المشاكل ليتمكن من العودة إلى بلادنا حينما يرى فينا بشائر نهضة أو معالم صحوة، ومع سماعنا لقوله تعالى: ﴿وَلَا تَرْكَنُوا إِلَى الَّذِينَ ظَلَمُوا فَتَمَسَّكُمُ النَّارُ وَمَا لَكُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ مِنْ أَوْلِيَاءَ ثُمَّ لَا تُنْصَرُونَ﴾ [هود: 113]


وتتعدد أسباب عدم الوعي كما تتنوع، إلا أن خللا أساسيا ملموسا يسبق كافة ما يمكن حصره من أسباب يتمثل بغياب الطريقة السليمة في التفكير، تلك العملية المجردة التي تحاكم الأشياء وتتعامل معها كما هي، لا كما تشتهيه النفس وترغب... هذا غيض قليل نطل من خلاله على تلك العقلية السائدة التي تعتمد الهشاشة في التفكير، وتحاكم الأحداث بشكل سطحي، جراء أزمات متراكمة ومصادفات متوقعة وآمال عريضة مكذوبة، بدل بنائها أفعالها على أسس وقواعد سليمة في الفهم والتحليل لتحقيق أهدافها، فضلا عن تأصيل التفكير السطحي والنفعي الآني. من جهة أخرى فإن هذا الواقع المقزز، مع تعطل آلية سليمة في التفكير بالانعتاق منه، يستفز بدوره فئات أخرى للقيام بأعمال غير مبررة، ارتجالا وردة فعل وتمردا على واقع مفجع ثائرين عليه متوقعين أن أفعالهم تلك ستكون بمثابة صاعق متفجر يؤدي إلى تغيرات في حركة التاريخ، أو أنها ستتسبب بفتح أبواب السماء لتهبط المعجزات تباعا، معولين على أفهام مجملة متجاهلين قوانين الله في الطبيعة وكأنها بحكم الملغاة من حساباتهم!


وخلاصة المقصود هنا يكمن في ضرورة ربط أسباب التغيير بمسبباته الحقيقية، وأن السعي للتحرير والنهضة والارتقاء يجب أن يأخذ مجراه وفق قوانين الطبيعة وسنن الحياة، أي ضمن المقاييس المادية التي فرضها الخالق سبحانه على المادة لتُفهم وتحلل ويبنى عليها. وإن الإسلام جاء ليعزز التفكير الجاد الآخذ بأسباب الحياة محذرا من التعامي عنها وعن حقائقها. وهو ما أدى بالمسلمين الأوائل إلى اكتساح العالم ورسم سياساته ردحا طويلا من الزمان، وهو ما لم يكن ليتحقق بالدجل والترهات أو بالارتجال وردات الأفعال، بل بالأخذ بأسباب الحياة وعقل الأشياء على النحو الذي خلقها الله عليه، ليستحق هؤلاء نصر الله وتأييده بعد أن عضدت القوة المادية قوة روحية هائلة أنجزت تلك المهام العظام، حيث كانت مفاهيم العقيدة عامل قوة لا عامل ضعف، وعامل شحذ للهمم لا عاملا للتقاعس والخمول والركون إلى الواقع والغرق فيه.


كتبته للمكتب الإعلامي المركزي لحزب التحرير
الأستاذة غادة عبد الجبار – أم أواب

المزيد من القسم null

لا تنخدعوا بالأسماء فالعبرة بالمواقف لا بالأنساب

لا تنخدعوا بالأسماء فالعبرة بالمواقف لا بالأنساب

في كل مرة يُقدَّم لنا "رمز جديد" له جذور مسلمة أو ملامح شرقية، يهلل كثير من المسلمين، وتُبنى الآمال على وهمٍ اسمه "التمثيل السياسي" في نظامٍ كافر لا يعترف بالإسلام حكماً ولا عقيدةً ولا شريعةً.

نذكر جميعاً الفرح العارم الذي اجتاح مشاعر كثيرين عند فوز أوباما في 2008. فهو ابن كينيا، وله أب مسلم! وهنا توهم البعض أن الإسلام والمسلمين باتوا قريبين من النفوذ الأمريكي، لكن أوباما كان أحد أكثر الرؤساء إيذاءً للمسلمين فقد دمر ليبيا، وساهم في مأساة سوريا، وأشعل أفغانستان والعراق بطائراته وجنوده، بل كان سفاك الدماء في اليمن عبر أدواته وكان عهده استمراراً لعداء ممنهج ضد الأمة.

واليوم يتكرر المشهد، لكن بأسماء جديدة. فـزوهران ممداني يُحتفى به لأنه مسلم ومهاجر وشاب، وكأنه المنقذ! لكن قليلين فقط ينظرون إلى مواقفه السياسية والفكرية. هذا الرجل من الداعمين الأشداء للشواذ المثليين، ومشارك في فعالياتهم، ويعتبر انحرافهم حقوقاً إنسانية!

أي خزي هذا يُعلق عليه الناس آمالاً؟! ألم يكن تكراراً للخيبة السياسية والفكرية نفسها التي وقعت فيها الأمة مراراً وتكراراً؟! نعم لأنها تُفتن بالشكل لا بالجوهر! تُخدع بالابتسامات، وتتعامل بالعاطفة لا بالعقيدة، وبالأسماء لا بالمفاهيم، وبالرموز لا بالمبادئ!

إن هذا الانبهار بالأشكال والأسماء نتيجة غياب الوعي السياسي الشرعي، لأن الإسلام لا يقاس بالأصل أو الاسم أو العرق، بل بالالتزام بمبدأ الإسلام كاملاً؛ نظاماً وعقيدةً وشريعةً. ولا قيمة لمسلم لا يحكم بالإسلام ولا ينصره، بل يخضع للنظام الرأسمالي الكافر، ويبرر الكفر والانحرافات باسم "الحرية".

وليعلم جميع المسلمين الذين فرحوا بفوزه وظنّوا أنه بذرة خير أو بداية نهوض، أن النهوض لا يكون من داخل أنظمة الكفر، ولا بأدواتها، ولا عبر صناديق اقتراعها، ولا تحت سقف دساتيرها.

فمن يُقدّم نفسه عبر النظام الديمقراطي، ويقسم على احترام قوانينه، ثم يدافع عن الشذوذ الجنسي ويحتفل به، ويدعو إلى ما يغضب الله، فهو ليس نصيراً للإسلام ولا أملاً للأمة، بل هو أداة تلميع وتمييع، وتمثيل مزيّف لا يُقدّم ولا يؤخر.

إن ما تسمى النجاحات السياسية في الغرب لبعض الشخصيات ذات الأسماء الإسلامية، ما هي إلا فُتات يُقدَّم كمسكنات للأمة، ليقال لها: انظروا، التغيير ممكن عبر أنظمتنا.

 فما حقيقة هذا "التمثيل"؟

الغرب لا يفتح أبواب الحكم للإسلام، بل يفتحها فقط لمن يتماهى مع قيمه وأفكاره. وأي شخص يدخل نظامهم لا بد أن يقبل بدستورهم، وبقوانينهم الوضعية، وأن يتنكر لحكم الإسلام، فإن رضي بذلك، أصبح نموذجاً مقبولاً، أما المسلم الحق، فهو مرفوض عندهم من جذوره.

فمن هو زهران ممداني؟ ولماذا يُصنع هذا الوهم؟

هو شخص يحمل اسماً مسلماً لكنه متبنٍ لأجندة منحرفة مخالفة تماماً لفطرة الإسلام، من دعم المثليين، والترويج لما يُسمى بـ"حقوقهم"، وهو نموذج حي لكيف يصنع الغرب نماذجه: مسلم بالاسم، علماني بالفعل، خادم لأجندة الليبرالية الغربية لا أكثر. بل لإشغال الأمة عن طريقها الحقيقي، فبدل أن تطالب بدولة الإسلام والخلافة، تنشغل بالمقاعد النيابية والمناصب في أنظمة كفر! وبدل أن تتوجه لتحرير فلسطين، تنتظر مَن "يدافع عن غزة" من داخل الكونغرس الأمريكي أو البرلمان الأوروبي!

فحقيقة الأمر أن هذا تشويه لطريق التغيير الحقيقي، وهو إقامة الخلافة الراشدة على منهاج النبوة، التي تُعلي راية الإسلام، وتقيم شرع الله، وتوحد الأمة خلف خليفة واحد يُقاتل من ورائه ويُتقى به.

فلا تنخدعوا بالأسماء، ولا تفرحوا بمن ينتمي لكم شكلاً ويخالفكم مضموناً، فليس كل من حمل اسم سعيد أو علي أو زهران هو على طريق نبينا محمد ﷺ.

واعلموا أن التغيير لا يأتي من داخل برلمانات الكفر، بل من جيوش الأمة التي آن لها أن تتحرك، ومن شبابها الواعين الذين يعملون ليلا ونهارا لقلب الطاولة على رؤوس الغرب وأعوانه وأتباعه الخائنين في بلاد الإسلام والمسلمين.

فالمسلمون لن ينهضوا عبر انتخابات الديمقراطية ولا من خلال صناديق الغرب، بل بنهضة حقيقية على أساس العقيدة الإسلامية، بإقامة دولة الخلافة الراشدة التي تُعيد للإسلام مكانته، وللمسلمين عزّتهم، وتحطم أوهام الديمقراطية.

لا تنخدعوا بالأسماء، ولا تعلقوا آمالكم على أفراد في أنظمة كفر، بل ارجعوا إلى مشروعكم العظيم: استئناف الحياة الإسلامية، فهذا وحده طريق العزة والنصر والتمكين.

فالمشهد تكرار مُهين لمآسٍ قديمة: رموز مزيفة، وولاء للأنظمة الغربية، وانحراف عن طريق الإسلام. وكل من يُصفّق لهذا المسار، إنما يضلل الأمة. فعودوا إلى مشروع الخلافة، ولا تجعلوا أعداء الإسلام يصنعون لكم قادتكم وممثليكم. فالعزة ليست في مقاعد الديمقراطية، بل في سدة الخلافة التي يعمل لها حزب التحرير ويُحذر الأمة من هذا الانحدار الفكري والسياسي. فلا خلاص لنا إلا بدولة الخلافة، التي لا تسمح بأن يحكم المسلمين من يدين بدين غير الإسلام، ولا بمن يبرر الشذوذ والانحراف، ولا بمن يُشرّع للناس غير ما أنزل الله.

كتبه لإذاعة المكتب الإعلامي المركزي لحزب التحرير

عبد المحمود العامري – ولاية اليمن

مصر بين الشعارات الحكومية والواقع المرّ  الحقيقة الكاملة عن الفقر، والسياسات الرأسمالية

مصر بين الشعارات الحكومية والواقع المرّ

الحقيقة الكاملة عن الفقر، والسياسات الرأسمالية

نقلت بوابة الأهرام الثلاثاء 4 تشرين الثاني/نوفمبر 2025م، أن رئيس الوزراء المصري، في كلمة ألقاها نيابةً عن الرئيس في القمة العالمية الثانية للتنمية الاجتماعية في العاصمة القطرية الدوحة، قال إنّ مصر تطبّق نهجاً شاملاً للقضاء على الفقر في جميع أشكاله وأبعاده، بما في ذلك "الفقر متعدد الأبعاد".

منذ سنوات، لا يكاد يخلو خطاب رسمي في مصر من عباراتٍ مثل "نهج شامل للقضاء على الفقر" و"الانطلاقة الحقيقية للاقتصاد المصري". يكرّر المسؤولون هذه الشعارات في المؤتمرات والمناسبات، مصحوبة بصور براقة لمشروعات استثمارية وفنادق ومنتجعات. لكن الواقع، كما تشهد عليه التقارير الدولية، مختلف تماماً. فالفقر في مصر ما زال ظاهرةً راسخة، بل متفاقمة، رغم الوعود الحكومية المتكرّرة بالتحسن والنهضة.

بحسب تقارير اليونيسف والإسكوا وبرنامج الغذاء العالمي لعامي 2024 و2025، يعيش نحو واحد من كل خمسة مصريين في فقرٍ متعدد الأبعاد، أي محروم من أكثر من جانب من جوانب الحياة الأساسية كالتعليم والصحة والسكن والعمل والخدمات. كما تؤكد البيانات أن أكثر من 49% من الأسر تعاني من صعوبات في الحصول على غذاء كافٍ، وهو رقم صادم يعكس عمق الأزمة المعيشية.

أما الفقر المالي، أي انخفاض الدخل مقارنة بتكاليف المعيشة، فقد ارتفع بصورة حادة، نتيجة موجات التضخم المتلاحقة التي أكلت أجور الناس وجهودهم ومدخراتهم، حتى أصبحت نسبة كبيرة من المصريين تحت خط الفقر المالي رغم عملهم الدائم.

وبينما تتحدث الحكومة عن مبادرات مثل "تكافل وكرامة" و"حياة كريمة"، تكشف الأرقام الدولية أن هذه البرامج لم تغيّر بنية الفقر جذرياً، بل اقتصرت على مسكّنات مؤقتة أشبه بالقطرة التي تُسكب في صحراء. فما زال الريف المصري الذي يقطنه أكثر من نصف السكان، يعاني من ضعف الخدمات وانعدام فرص العمل اللائق وتهالك البنية الأساسية. ويؤكد تقرير الإسكوا أن الحرمان في الريف يفوق نظيره في المدن بعدة أضعاف، ما يدل على سوء توزيع الثروة والإهمال المزمن للأطراف.

حين يشكر رئيسُ الوزراء ابنَ البلد "الذي تحمّل مع الحكومة إجراءات الإصلاح الاقتصادي"، فإنه في الواقع يُقرّ بوجود معاناة حقيقية ناتجة عن تلك السياسات. غير أن هذا الاعتراف لا يتبعه تغيير في المنهج، بل مزيد من السير في الطريق الرأسمالي نفسه الذي سبّب الأزمة.

فالإصلاح المزعوم الذي بدأ عام 2016 ببرنامج "التعويم" ورفع الدعم وزيادة الضرائب، لم يكن إصلاحاً بل تحميلاً للفقراء كلفة الديون والعجز. وفي الوقت الذي يتحدث فيه المسؤولون عن "الانطلاقة"، تتجه الاستثمارات الضخمة إلى العقارات الفاخرة والمشروعات السياحية التي تخدم أصحاب رؤوس الأموال، بينما لا يجد ملايين الشباب فرصاً للعمل أو السكن. بل إن كثيراً من هذه المشاريع، كمنطقة علم الروم في مطروح التي تُقدّر استثماراتها بـ29 مليار دولار، هي شراكات رأسمالية أجنبية تستحوذ على الأراضي والثروات وتحوّلها إلى مصدر ربح للمستثمرين، لا مصدر رزق للناس.

النظام يفشل ليس لأنه فاسد فحسب، بل لأنه يسير على أساسٍ فكريٍّ باطلٍ هو النظام الرأسمالي، الذي يجعل المال محوراً لكل سياسات الدولة. فالرأسمالية تقوم على حرية التملك المطلقة، وتسمح بتكديس الثروة في يد القلة التي تملك أدوات الإنتاج، فيما تتحمل الكثرة عبء الضرائب والأسعار والدَّين العام.

ولهذا، فإن كل ما يُسمى "برامج حماية اجتماعية" ما هو إلا محاولة لتجميل وجه الرأسمالية الوحشي، وإطالة عمر نظامٍ جائرٍ يراعي الأغنياء ويجبي من الفقراء. فبدلاً من معالجة أصل الداء؛ أي احتكار الثروة وتبعية الاقتصاد للمؤسسات الدولية، يُكتفى بتوزيع فتات من الإعانات النقدية، لا ترفع فقراً ولا تحفظ كرامة.

إن الرعاية ليست منّةً من الحاكم على الرعية، بل واجب شرعي، ومسؤولية يحاسبه الله عليها في الدنيا والآخرة. وما يجري اليوم، هو إهمال متعمّد لشؤون الناس، وتخلٍّ عن واجب الرعاية لصالح قروضٍ مشروطة من صندوق النقد والبنك الدوليين.

لقد أصبحت الدولة وسيطاً بين الفقير والدائن الأجنبي، تفرض الضرائب وتقلّص الدعم وتبيع الممتلكات العامة لسدّ عجزٍ متضخم صنعه النظام الرأسمالي نفسه. وفي هذا كله تغيب المفاهيم الشرعية التي تضبط الاقتصاد، كتحريم الربا، ومنع تملك الثروات العامة للأفراد، ووجوب النفقة على الرعية من بيت مال المسلمين.

لقد قدم الإسلام نظاماً اقتصادياً متكاملاً يعالج الفقر من جذوره، لا بمجرد دعمٍ نقدي أو مشروعات تجميلية. هذا النظام يقوم على أسسٍ شرعيةٍ ثابتة أبرزها:

1- تحريم الربا والديون الربوية التي تُكبّل الدولة وتستنزف مواردها، فبزوال الربا تزول تبعية الاقتصاد للمؤسسات الدولية، وتُعاد السيادة المالية للأمة.

2- جعل الملكيات ثلاثة أنواع:

ملكية فردية: كالبيوت والمتاجر والمزارع الخاصة...

ملكية عامة: تشمل الثروات الكبرى كالنفط والغاز والمعادن والمياه...

ملكية دولة: كأراضي الفيء والركاز والخراج...

وبهذا التوزيع تتحقق العدالة، إذ تُمنع فئة قليلة من احتكار موارد الأمة.

3- ضمان الكفاية لكل فرد من الرعية: فالدولة تضمن لكل إنسان في رعايتها حاجاته الأساسية من مأكل وملبس ومسكن، فإن عجز عن العمل وجب على بيت المال أن ينفق عليه.

4- الزكاة والإنفاق الإلزامي: الزكاة ليست إحساناً بل فريضة، تجمعها الدولة وتصرفها في مصارفها الشرعية للفقراء والمساكين والغارمين. وهي أداة توزيع فعّالة تعيد الأموال إلى دورة الحياة في المجتمع.

مع التحفيز على العمل المنتج ومنع الاستغلال، والحثّ على استثمار الموارد في مشاريع نافعة حقيقية كالصناعات الثقيلة والحربية لا في المضاربات والعقارات الفاخرة والمشاريع الوهمية. إلى جانب ضبط الأسعار بالعرض والطلب الحقيقيين لا بالاحتكار ولا بالتعويم.

إن دولة الخلافة على منهاج النبوة هي وحدها القادرة على تطبيق هذه الأحكام عملياً، لأنها تُبنى على أساس العقيدة الإسلامية، ويكون هدفها رعاية شؤون الناس لا جباية أموالهم. ففي ظل الخلافة، لا يوجد ربا ولا قروض مشروطة، ولا بيع للثروات العامة للأجانب، بل تُدار الموارد بما يحقق مصلحة الأمة، ويتولى بيت المال تمويل الرعاية الصحية والتعليم والمرافق العامة من موارد الدولة والخراج والأنفال والملكية العامة.

أما الفقراء، فتُكفل حاجاتهم الأساسية فرداً فرداً، لا عبر صدقات مؤقتة بل كحقٍّ شرعي مضمون. ولذا فإن محاربة الفقر في الإسلام ليست شعاراً سياسياً، بل نظام حياة متكامل يُقيم العدل ويمنع الظلم ويعيد الثروة إلى أهلها.

ما بين الخطاب الرسمي والواقع المعاش مسافةٌ هائلة لا تخفى على أحد. فبينما تتغنّى الحكومة بمشروعاتها "العملاقة" وبـ"الانطلاقة الحقيقية"، يعيش ملايين المصريين تحت خط الفقر، يعانون الغلاء والبطالة وانعدام الأمل. والحقيقة أن هذه المعاناة لن تزول ما دامت مصر تسير في طريق الرأسمالية، تُسلِّم اقتصادها للمرابين وتخضع لسياسات المؤسسات الدولية.

إن أزمات ومشكلات مصر هي مشكلات إنسانية وليست مادية، وتتعلق بها أحكام شرعية تبين كيفية التعامل معها وعلاجها على أساس الإسلام، وإن الحلول أسهل من غض الطرف لكنها تحتاج إدارة مخلصة تملك إرادة حرة تريد السير في الطريق الصحيح وتريد الخير لمصر وأهلها حقا، وحينها على هذه الإدارة أن تراجع كل العقود التي أبرمت سابقا والتي تبرم مع كل الشركات التي تحتكر أصول البلاد وما هو من ملكياتها العام وعلى رأسها شركات التنقيب عن الغاز والنفط والذهب وباقي المعادن والثروات، وتطرد كل تلك الشركات لأنها في الأصل شركات استعمارية ناهبة لثروات البلاد، ثم تصوغ عهدا جديدا يقوم على تمكين الناس من ثروات البلاد وإنشاء أو استئجار شركات تقوم هي على إنتاج الثروة من منابع النفط والغاز والذهب وغيرها من المعادن وتعيد توزيع هذه الثروات على الناس من جديد، حينها سيتمكن الناس من زراعة الأرض الموات التي ستمكنهم الدولة من استغلالها بحقهم فيها، وسيتمكنون أيضا من صناعة ما يجب أن يصنع ليرتفع باقتصاد مصر ويكفي أهلها، وستدعمهم الدولة في هذا السبيل، وإن كل هذا ليس ضربا من الخيال ولا مستحيل الحدوث ولا مشروعا نعرضه للتجربة قد ينجح أو يفشل، وإنما هي أحكام شرعية لازمة ملزمة للدولة والرعية، فلا يجوز للدولة أن تفرط في ثروات البلاد التي هي ملك للناس بدعوى عقود أقرتها وأيدتها وتحميها قوانين دولية جائرة، ولا يجوز لها أن تمنع الناس منها بل يجب أن تقطع كل يد تمتد ناهبة إلى ثروات الناس، هذا ما يقدمه الإسلام ويجب تنفيذه، إلا أنه لا يطبق بمعزل عن باقي أنظمة الإسلام بل إنه لا يطبق إلا من خلال دولة الخلافة الراشدة على منهاج النبوة، هذه الدولة التي يحمل همها والدعوة إليها حزب التحرير ويدعو مصر وأهلها شعبا وجيشا إلى العمل معه من أجلها، عسى الله أن يكتب الفتح من عنده فنراها واقعا يعز الإسلام وأهله، اللهم عاجلا غير آجل.

﴿وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرَىٰ آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَفَتَحْنَا عَلَيْهِم بَرَكَاتٍ مِّنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ﴾

كتبه للمكتب الإعلامي المركزي لحزب التحرير

سعيد فضل

عضو المكتب الإعلامي لحزب التحرير في ولاية مصر