December 21, 2014

دولة الإسلام الخلافة هي من تطبق الإسلام حصريا وليس سواها من أشباه الدول يا خطباء هذا الزمان


جاء على لسان مساعد رئيس جمهورية السودان إبراهيم غندور قوله: (إصرار قطاع الشمال على إلغاء الشريعة الإسلامية، كان السبب في تعليق المفاوضات في أديس أبابا)، وبعده ضجت الصحف بالردود المقحمة المفحمة لما سمي بقطاع الشمال، نأخذ منها على سبيل المثال لا الحصر:


شن إمام وخطيب مسجد الشهيد بالخرطوم، الشيخ عبد الجليل الكاروري هجوماً لاذعاً علی قادة الحركة الشعبية/ قطاع الشمال واتهمهم بالرغبة في معاقرة الخمر من خلال مطالبتهم بإلغاء الشريعة الإسلامية بولايتي "جنوب كردفان" و"النيل الأزرق"، وقال ساخراً خلال خطبة الجمعة 19 كانون أول/ديسمبر 2014م: "إن أرادوا أن يسكروا فهم موجودون في أديس أبابا أو فليذهبوا إلی جوبا ليسكروا هناك".


وقطع الكاروري بأن "الخرطوم" لن تعود إلی عهد انتشار (البارات)، مشيراً إلی أن العاصمة كان بها (114) باراً. وانتقد طرح إلغاء الشريعة ضمن أجندة مفاوضات أديس أبابا، وقال "هذا دين الأغلبية ولا تصلح فيه المزايدات".


وأشاد الكاروري بتحطيم الشرطة ثلاثة آلاف زجاجة خمر خلال الأيام الماضية، وقال "هذا لا يحدث إلا في بلد تطبق الشريعة وهو أمر يشفي الصدور".


البلد التي تطبق الإسلام في شرع الإسلام هي الدولة الإسلامية؛ وهي دولة لها أسسها وقواعدها ولكي تكون دولة إسلامية يجب أن تكون كدولة النبي محمد صلى الله عليه وسلم؛ التي أقامها اتباعاً له، قال تعالى: ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيرًا﴾ [سورة الأحزاب: 21].


أصبحت المدينة بعد هجرة الرسول صلى الله عليه وسلم إليها في السادس عشر من ربيع الأول معقل الإسلام، ومشعل الهداية، ومنطلق الدعوة إلى الله، وعندما وصل الرسول صلى الله عليه وسلم إلى المدينة كان يسكنها المهاجرون والأنصار واليهود، والمنافقون ولم ينقل أبداً أن الإسلام طبق باعتباره دين الأغلبية! لكن الإسلام يجب تطبيقه لعدالته وإنصافه تقرباً إلى الله منا نحن المسلمين، وكل من دخل تحت سلطانه مسلماً كان أو كافراً له من الحقوق وعليه من الواجبات ما شرعه الحكيم الخبير، وليس أهواء البشر وعقولهم التي لا تحيط بالوجود؛ أي لو كانت الأغلبية مسلمة أو غير مسلمة فلا يؤثر ذلك، بل هنالك بلاد بأكملها حكمت بالإسلام رغم أنها غير مسلمة وتحولت للإسلام مباشرة بعد حكمها به فرأت سماحته وعدله وإنصافه ماثلاً للعيان، فأصبح الإسلام دينها، فإذن ليس شرطاً أن يكون الإسلام دين الأغلبية ليطبق يا ورثة الأنبياء!!! قال تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا كَافَّةً لِلنَّاسِ بَشِيرًا وَنَذِيرًا وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ﴾. [سورة سبأ: 28]


كما أن الدولة الإسلامية التي تطبق الشريعة ليست هي التي تحطم الآلاف من زجاجات الخمر فقط، بل هي التي تضع الاحتياط عبر قوانينها وسياساتها منع تصنيعها أصلاً، وتحريم وتجريم ذلك، كما تربي أجيالاً عبر مناهج الدراسة والإعلام بأن يكون الامتناع عن الخمر هو الوازع الداخلي، الدافع له تقوى الله سبحانه وتعالى.


أما شفاء الصدور فهو أن دولة الإسلام (الخلافة الراشدة على منهاج النبوة) هي من يطبق الإسلام حصرياً وليس سواها من أشباه الدول وما هي بدول، والخلافة هي دولة تقوم على الآتي:


1. الدولة الإسلامية دولة مبدئية قائمة على أساس العقيدة الإسلامية في كل شأن داخلي من شؤونها، ولا تخالف هذه العقيدة في أية جزئية. أما دولة السودان (الجمهورية) فهي تقوم على أساس فصل الدين عن الحياة، والعبرة ليست بالأشخاص في هرم قمة السلطة فحسب، بل بالدستور والقوانين التي نُحكم بها، فهي قوانين تخالف الإسلام جملة وتفصيلاً، ولا أحد يدعي أنها من الإسلام، بل الرجل الثاني في حكومة الإنقاذ؛ النائب الأول للرئيس، علي عثمان محمد طه قالها بكل صراحة وجرأة يجب أن نعيد النظر في شعار (الإسلام هو الحل) كما نقلت صحيفة آخر لحظة. ﴿أفحكم الجاهلية يبغون ومن أحسن من الله حكما لقوم يوقنون﴾.


كما أن الدولة الإسلامية يكون أمانها بأمان الإسلام، أي بأيدي المسلمين، هكذا كانت المدينة المنورة؛ دولة الإسلام الأولى، فالقوة كانت متمثلة في الأوس والخزرج، جاء في كتب السيرة عن البيعة في العقبة الثانية أنهم عاهدوا الرسول صلى الله عليه وسلم على حرب الأبيض والأسود من الناس. أما اليوم فإن السودان دولة ليس فيها أمن ولا أمان، فالحروب تشتعل، والقوات الأجنبية تحتل أكبر إقليم وهو دارفور بقوات اليوناميد، وهذا يوقع دارفور ضمن أمان بعثة الأمم المتحدة، وفي ردها على طلب الحكومة لقوات اليوناميد بمغادرة دارفور قالت إنها لن ترضخ على الأرجح لطلب السودان بمغادرة المنطقة قريباً، وسط تصاعد أعمال العنف في الإقليم، وقال رئيس عمليات حفظ السلام هيرفيه لادسو لرويترز (لقد طلبت منا الحكومة وضع استراتيجية للانسحاب)، وتابع (ولكن لن يحدث هذا غداً ونحن نرى الكثير من المعاناة وهذا العام شهد نزوح 430 ألف نازح والخرطوم تعلم أننا لن نغادر قريباً)!
فليكن هناك رد على رئيس عمليات حفظ السلام، رد من صلب عقيدة الإسلام يا شيخ الإسلام.


2. السيادة للشرع والسلطان للأمة، بمعنى أن يكون الشرع الإسلامي وحده هو المطبق على جميع أفراد الرعية وفي كافة مؤسسات الدولة ومرافقها العامة والخاصة، هذه من ناحية السيادة للشرع التي طبقها رسول الله صلى الله عليه وسلم ومن جاء بعده خير سلف لهذه الأمة نقية بيضاء، وسيطبقها إلى يوم القيامة الرجال الرجال من هذه الأمة، الذين عاهدوا الله على إفراده بالعبودية، والخضوع والتذلل، مطبقين ما يرضيه ويغيظ الكفار والمنافقين، مما أوجد فريقين لا ثالث لهما؛ إما الإسلام أو الجاهلية، إما النور أو الظلام، ولا ضبابية إلا وتنضوي تحت الجاهلية صغرت أم كبرت. وعلى الشيخ أن يتذكر أن الرئيس قد اعترف بنفسه أن الدغمسة هي ما طبق طوال حكم الإنقاذ.


أما ناحية السلطان، فإن الخليفة ينتخبه المسلمون، ثم يبايعونه، لأن السلطان لا يكون إلا بالبيعة، ولا يكون جبراً عنهم، وكانت الانتخابات وسيلة لاختيار الحاكم عند المسلمين منذ بزوغ فجره، وقتها لم يكن يعرف الغربيون ملوكهم إلا آلهة تعبد وتخضع لها الرقاب، فقد تم اختيار الخلفاء الراشدين بحصر ترشيح عدد منهم، ثم يجري التصويت لهم، وليس أدل على ذلك من حادثة تنصيب سيدنا عثمان رضي الله عنه المشهورة، التي لم يكتحل فيها جفن عبد الرحمن بن عوف ثلاثة أيام بكثير نوم، وهو يطوف على الناس في المدينة رجالهم ونسائهم، أتريدون علياً أم عثمان خليفة.


أما في السودان فقد عمرت حكومة الإنقاذ ربع قرن من الزمان، وفي كل انتخابات يبدون عدم رغبة ترشح عمر البشير، ثم يترشح ويفوز بعد كل الواقع السيئ الذي تبع حكمه لا ندري من يصوت له لعلهم الأشباح!


3. العلاقة بين الحاكم والمحكوم تقوم على الرعاية الكاملة من قبل الخليفة، وعلى الرحمة والمشورة، وعلى التعاون والمساندة من قبل الرعية، وعلى المحاسبة والتصويب إن حصل الخطأ، والسياسة الداخلية في دولة الخلافة هي رعاية شؤون الناس الداخلية؛ المسلمين وغير المسلمين ممن يحملون التابعية، وذلك بأحكام الإسلام العملية؛ التي توفر العدل وحسن الرعاية والكفاية. ومنذ أن هدمت الخلافة وطبقت أنظمة الكفر السياسية في البلاد الإسلامية، انتهى الإسلام من كونه سياسياً، وحل محله الفكر السياسي الغربي المنبثق عن عقيدة المبدأ الرأسمالي، عقيدة فصل الدين عن الحياة. ومما يجب أن تدركه الأمة الإسلامية، أن رعاية شؤونها بالإسلام لا تكون إلاّ بدولة الخلافة على منهاج النبوة، وأن فصل الإسلام السياسي عن الحياة وعن الدين، هو وأد للإسلام وأنظمته وأحكامه، وسحق للأمة وقيمها وحضارتها ورسالتها.


على سبيل المثال دولة السودان، فإننا نسمع جعجة ولا نرى طحناً، فالبشائر بواقع أفضل هي شعارات لا تجد طريقا للتطبيق، بل النتيجة هي تهكمات من المسؤولين على الشعب وأصبحت النظرة المادية هي السائدة، فالمواطن هو رقم في الانتخابات وتحصيل الضرائب، ولا أهمية له ولا رحمة ولا شفقة، وعندما خرجت الجموع لترفض الظلم دُهست وقتلت تقتيلا.


4. المسلمون كلهم في نظر الشرع سواء، فلا يوجد تمييز بين فقير وغني، أو بين شريف ووضيع، ولا يوجد تمييز بين المسلمين وغير المسلمين ممن يحملون التابعية إلا في أمور خاصة ذكرها الإسلام، أما في جمهورية السودان فأفراد الحزب الحاكم هم فوق القانون، بل محميون بالقانون، ولو قدر لأحد أن يملك بطاقة المؤتمر الوطني فقد ملك الدنيا ولكن بغير حقها، أما غير المسلمين فقد فُصلوا باعتبارهم شعباً له ما يميزه، ومن يومها وهم يقتتلون بشراسة الذئاب، فالأولى بدل فصلهم حكمُهم بالإسلام الحق، حتى يعقلوه، فمن دخل فيه نجا من غضب الله وعقابه ومن بقي على دينه لا يفتن عنه: ﴿لا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ﴾.


5- تمكين المسلمين جميعاً من كافة الحقوق، وتمكينهم من الانتفاع بالثروة وحيازتها دون تمييز، ومن جميع مرافق الدولة العامة، ومحاسبتهم على واجباتهم تجاه هذه الدولة في كافة الشؤون. أما الحقوق في دولة السودان فمهضومة، والثروة في أيدي حفنة من الناس استحوذت على الثروات المعلن منها؛ 70 مليار عائدات النفط لم يُر لها أثر في حياة الناس.

كتبته للمكتب الإعلامي المركزي لحزب التحرير
أم أواب / غادة عبد الجبار

المزيد من القسم null

لا تنخدعوا بالأسماء فالعبرة بالمواقف لا بالأنساب

لا تنخدعوا بالأسماء فالعبرة بالمواقف لا بالأنساب

في كل مرة يُقدَّم لنا "رمز جديد" له جذور مسلمة أو ملامح شرقية، يهلل كثير من المسلمين، وتُبنى الآمال على وهمٍ اسمه "التمثيل السياسي" في نظامٍ كافر لا يعترف بالإسلام حكماً ولا عقيدةً ولا شريعةً.

نذكر جميعاً الفرح العارم الذي اجتاح مشاعر كثيرين عند فوز أوباما في 2008. فهو ابن كينيا، وله أب مسلم! وهنا توهم البعض أن الإسلام والمسلمين باتوا قريبين من النفوذ الأمريكي، لكن أوباما كان أحد أكثر الرؤساء إيذاءً للمسلمين فقد دمر ليبيا، وساهم في مأساة سوريا، وأشعل أفغانستان والعراق بطائراته وجنوده، بل كان سفاك الدماء في اليمن عبر أدواته وكان عهده استمراراً لعداء ممنهج ضد الأمة.

واليوم يتكرر المشهد، لكن بأسماء جديدة. فـزوهران ممداني يُحتفى به لأنه مسلم ومهاجر وشاب، وكأنه المنقذ! لكن قليلين فقط ينظرون إلى مواقفه السياسية والفكرية. هذا الرجل من الداعمين الأشداء للشواذ المثليين، ومشارك في فعالياتهم، ويعتبر انحرافهم حقوقاً إنسانية!

أي خزي هذا يُعلق عليه الناس آمالاً؟! ألم يكن تكراراً للخيبة السياسية والفكرية نفسها التي وقعت فيها الأمة مراراً وتكراراً؟! نعم لأنها تُفتن بالشكل لا بالجوهر! تُخدع بالابتسامات، وتتعامل بالعاطفة لا بالعقيدة، وبالأسماء لا بالمفاهيم، وبالرموز لا بالمبادئ!

إن هذا الانبهار بالأشكال والأسماء نتيجة غياب الوعي السياسي الشرعي، لأن الإسلام لا يقاس بالأصل أو الاسم أو العرق، بل بالالتزام بمبدأ الإسلام كاملاً؛ نظاماً وعقيدةً وشريعةً. ولا قيمة لمسلم لا يحكم بالإسلام ولا ينصره، بل يخضع للنظام الرأسمالي الكافر، ويبرر الكفر والانحرافات باسم "الحرية".

وليعلم جميع المسلمين الذين فرحوا بفوزه وظنّوا أنه بذرة خير أو بداية نهوض، أن النهوض لا يكون من داخل أنظمة الكفر، ولا بأدواتها، ولا عبر صناديق اقتراعها، ولا تحت سقف دساتيرها.

فمن يُقدّم نفسه عبر النظام الديمقراطي، ويقسم على احترام قوانينه، ثم يدافع عن الشذوذ الجنسي ويحتفل به، ويدعو إلى ما يغضب الله، فهو ليس نصيراً للإسلام ولا أملاً للأمة، بل هو أداة تلميع وتمييع، وتمثيل مزيّف لا يُقدّم ولا يؤخر.

إن ما تسمى النجاحات السياسية في الغرب لبعض الشخصيات ذات الأسماء الإسلامية، ما هي إلا فُتات يُقدَّم كمسكنات للأمة، ليقال لها: انظروا، التغيير ممكن عبر أنظمتنا.

 فما حقيقة هذا "التمثيل"؟

الغرب لا يفتح أبواب الحكم للإسلام، بل يفتحها فقط لمن يتماهى مع قيمه وأفكاره. وأي شخص يدخل نظامهم لا بد أن يقبل بدستورهم، وبقوانينهم الوضعية، وأن يتنكر لحكم الإسلام، فإن رضي بذلك، أصبح نموذجاً مقبولاً، أما المسلم الحق، فهو مرفوض عندهم من جذوره.

فمن هو زهران ممداني؟ ولماذا يُصنع هذا الوهم؟

هو شخص يحمل اسماً مسلماً لكنه متبنٍ لأجندة منحرفة مخالفة تماماً لفطرة الإسلام، من دعم المثليين، والترويج لما يُسمى بـ"حقوقهم"، وهو نموذج حي لكيف يصنع الغرب نماذجه: مسلم بالاسم، علماني بالفعل، خادم لأجندة الليبرالية الغربية لا أكثر. بل لإشغال الأمة عن طريقها الحقيقي، فبدل أن تطالب بدولة الإسلام والخلافة، تنشغل بالمقاعد النيابية والمناصب في أنظمة كفر! وبدل أن تتوجه لتحرير فلسطين، تنتظر مَن "يدافع عن غزة" من داخل الكونغرس الأمريكي أو البرلمان الأوروبي!

فحقيقة الأمر أن هذا تشويه لطريق التغيير الحقيقي، وهو إقامة الخلافة الراشدة على منهاج النبوة، التي تُعلي راية الإسلام، وتقيم شرع الله، وتوحد الأمة خلف خليفة واحد يُقاتل من ورائه ويُتقى به.

فلا تنخدعوا بالأسماء، ولا تفرحوا بمن ينتمي لكم شكلاً ويخالفكم مضموناً، فليس كل من حمل اسم سعيد أو علي أو زهران هو على طريق نبينا محمد ﷺ.

واعلموا أن التغيير لا يأتي من داخل برلمانات الكفر، بل من جيوش الأمة التي آن لها أن تتحرك، ومن شبابها الواعين الذين يعملون ليلا ونهارا لقلب الطاولة على رؤوس الغرب وأعوانه وأتباعه الخائنين في بلاد الإسلام والمسلمين.

فالمسلمون لن ينهضوا عبر انتخابات الديمقراطية ولا من خلال صناديق الغرب، بل بنهضة حقيقية على أساس العقيدة الإسلامية، بإقامة دولة الخلافة الراشدة التي تُعيد للإسلام مكانته، وللمسلمين عزّتهم، وتحطم أوهام الديمقراطية.

لا تنخدعوا بالأسماء، ولا تعلقوا آمالكم على أفراد في أنظمة كفر، بل ارجعوا إلى مشروعكم العظيم: استئناف الحياة الإسلامية، فهذا وحده طريق العزة والنصر والتمكين.

فالمشهد تكرار مُهين لمآسٍ قديمة: رموز مزيفة، وولاء للأنظمة الغربية، وانحراف عن طريق الإسلام. وكل من يُصفّق لهذا المسار، إنما يضلل الأمة. فعودوا إلى مشروع الخلافة، ولا تجعلوا أعداء الإسلام يصنعون لكم قادتكم وممثليكم. فالعزة ليست في مقاعد الديمقراطية، بل في سدة الخلافة التي يعمل لها حزب التحرير ويُحذر الأمة من هذا الانحدار الفكري والسياسي. فلا خلاص لنا إلا بدولة الخلافة، التي لا تسمح بأن يحكم المسلمين من يدين بدين غير الإسلام، ولا بمن يبرر الشذوذ والانحراف، ولا بمن يُشرّع للناس غير ما أنزل الله.

كتبه لإذاعة المكتب الإعلامي المركزي لحزب التحرير

عبد المحمود العامري – ولاية اليمن

مصر بين الشعارات الحكومية والواقع المرّ  الحقيقة الكاملة عن الفقر، والسياسات الرأسمالية

مصر بين الشعارات الحكومية والواقع المرّ

الحقيقة الكاملة عن الفقر، والسياسات الرأسمالية

نقلت بوابة الأهرام الثلاثاء 4 تشرين الثاني/نوفمبر 2025م، أن رئيس الوزراء المصري، في كلمة ألقاها نيابةً عن الرئيس في القمة العالمية الثانية للتنمية الاجتماعية في العاصمة القطرية الدوحة، قال إنّ مصر تطبّق نهجاً شاملاً للقضاء على الفقر في جميع أشكاله وأبعاده، بما في ذلك "الفقر متعدد الأبعاد".

منذ سنوات، لا يكاد يخلو خطاب رسمي في مصر من عباراتٍ مثل "نهج شامل للقضاء على الفقر" و"الانطلاقة الحقيقية للاقتصاد المصري". يكرّر المسؤولون هذه الشعارات في المؤتمرات والمناسبات، مصحوبة بصور براقة لمشروعات استثمارية وفنادق ومنتجعات. لكن الواقع، كما تشهد عليه التقارير الدولية، مختلف تماماً. فالفقر في مصر ما زال ظاهرةً راسخة، بل متفاقمة، رغم الوعود الحكومية المتكرّرة بالتحسن والنهضة.

بحسب تقارير اليونيسف والإسكوا وبرنامج الغذاء العالمي لعامي 2024 و2025، يعيش نحو واحد من كل خمسة مصريين في فقرٍ متعدد الأبعاد، أي محروم من أكثر من جانب من جوانب الحياة الأساسية كالتعليم والصحة والسكن والعمل والخدمات. كما تؤكد البيانات أن أكثر من 49% من الأسر تعاني من صعوبات في الحصول على غذاء كافٍ، وهو رقم صادم يعكس عمق الأزمة المعيشية.

أما الفقر المالي، أي انخفاض الدخل مقارنة بتكاليف المعيشة، فقد ارتفع بصورة حادة، نتيجة موجات التضخم المتلاحقة التي أكلت أجور الناس وجهودهم ومدخراتهم، حتى أصبحت نسبة كبيرة من المصريين تحت خط الفقر المالي رغم عملهم الدائم.

وبينما تتحدث الحكومة عن مبادرات مثل "تكافل وكرامة" و"حياة كريمة"، تكشف الأرقام الدولية أن هذه البرامج لم تغيّر بنية الفقر جذرياً، بل اقتصرت على مسكّنات مؤقتة أشبه بالقطرة التي تُسكب في صحراء. فما زال الريف المصري الذي يقطنه أكثر من نصف السكان، يعاني من ضعف الخدمات وانعدام فرص العمل اللائق وتهالك البنية الأساسية. ويؤكد تقرير الإسكوا أن الحرمان في الريف يفوق نظيره في المدن بعدة أضعاف، ما يدل على سوء توزيع الثروة والإهمال المزمن للأطراف.

حين يشكر رئيسُ الوزراء ابنَ البلد "الذي تحمّل مع الحكومة إجراءات الإصلاح الاقتصادي"، فإنه في الواقع يُقرّ بوجود معاناة حقيقية ناتجة عن تلك السياسات. غير أن هذا الاعتراف لا يتبعه تغيير في المنهج، بل مزيد من السير في الطريق الرأسمالي نفسه الذي سبّب الأزمة.

فالإصلاح المزعوم الذي بدأ عام 2016 ببرنامج "التعويم" ورفع الدعم وزيادة الضرائب، لم يكن إصلاحاً بل تحميلاً للفقراء كلفة الديون والعجز. وفي الوقت الذي يتحدث فيه المسؤولون عن "الانطلاقة"، تتجه الاستثمارات الضخمة إلى العقارات الفاخرة والمشروعات السياحية التي تخدم أصحاب رؤوس الأموال، بينما لا يجد ملايين الشباب فرصاً للعمل أو السكن. بل إن كثيراً من هذه المشاريع، كمنطقة علم الروم في مطروح التي تُقدّر استثماراتها بـ29 مليار دولار، هي شراكات رأسمالية أجنبية تستحوذ على الأراضي والثروات وتحوّلها إلى مصدر ربح للمستثمرين، لا مصدر رزق للناس.

النظام يفشل ليس لأنه فاسد فحسب، بل لأنه يسير على أساسٍ فكريٍّ باطلٍ هو النظام الرأسمالي، الذي يجعل المال محوراً لكل سياسات الدولة. فالرأسمالية تقوم على حرية التملك المطلقة، وتسمح بتكديس الثروة في يد القلة التي تملك أدوات الإنتاج، فيما تتحمل الكثرة عبء الضرائب والأسعار والدَّين العام.

ولهذا، فإن كل ما يُسمى "برامج حماية اجتماعية" ما هو إلا محاولة لتجميل وجه الرأسمالية الوحشي، وإطالة عمر نظامٍ جائرٍ يراعي الأغنياء ويجبي من الفقراء. فبدلاً من معالجة أصل الداء؛ أي احتكار الثروة وتبعية الاقتصاد للمؤسسات الدولية، يُكتفى بتوزيع فتات من الإعانات النقدية، لا ترفع فقراً ولا تحفظ كرامة.

إن الرعاية ليست منّةً من الحاكم على الرعية، بل واجب شرعي، ومسؤولية يحاسبه الله عليها في الدنيا والآخرة. وما يجري اليوم، هو إهمال متعمّد لشؤون الناس، وتخلٍّ عن واجب الرعاية لصالح قروضٍ مشروطة من صندوق النقد والبنك الدوليين.

لقد أصبحت الدولة وسيطاً بين الفقير والدائن الأجنبي، تفرض الضرائب وتقلّص الدعم وتبيع الممتلكات العامة لسدّ عجزٍ متضخم صنعه النظام الرأسمالي نفسه. وفي هذا كله تغيب المفاهيم الشرعية التي تضبط الاقتصاد، كتحريم الربا، ومنع تملك الثروات العامة للأفراد، ووجوب النفقة على الرعية من بيت مال المسلمين.

لقد قدم الإسلام نظاماً اقتصادياً متكاملاً يعالج الفقر من جذوره، لا بمجرد دعمٍ نقدي أو مشروعات تجميلية. هذا النظام يقوم على أسسٍ شرعيةٍ ثابتة أبرزها:

1- تحريم الربا والديون الربوية التي تُكبّل الدولة وتستنزف مواردها، فبزوال الربا تزول تبعية الاقتصاد للمؤسسات الدولية، وتُعاد السيادة المالية للأمة.

2- جعل الملكيات ثلاثة أنواع:

ملكية فردية: كالبيوت والمتاجر والمزارع الخاصة...

ملكية عامة: تشمل الثروات الكبرى كالنفط والغاز والمعادن والمياه...

ملكية دولة: كأراضي الفيء والركاز والخراج...

وبهذا التوزيع تتحقق العدالة، إذ تُمنع فئة قليلة من احتكار موارد الأمة.

3- ضمان الكفاية لكل فرد من الرعية: فالدولة تضمن لكل إنسان في رعايتها حاجاته الأساسية من مأكل وملبس ومسكن، فإن عجز عن العمل وجب على بيت المال أن ينفق عليه.

4- الزكاة والإنفاق الإلزامي: الزكاة ليست إحساناً بل فريضة، تجمعها الدولة وتصرفها في مصارفها الشرعية للفقراء والمساكين والغارمين. وهي أداة توزيع فعّالة تعيد الأموال إلى دورة الحياة في المجتمع.

مع التحفيز على العمل المنتج ومنع الاستغلال، والحثّ على استثمار الموارد في مشاريع نافعة حقيقية كالصناعات الثقيلة والحربية لا في المضاربات والعقارات الفاخرة والمشاريع الوهمية. إلى جانب ضبط الأسعار بالعرض والطلب الحقيقيين لا بالاحتكار ولا بالتعويم.

إن دولة الخلافة على منهاج النبوة هي وحدها القادرة على تطبيق هذه الأحكام عملياً، لأنها تُبنى على أساس العقيدة الإسلامية، ويكون هدفها رعاية شؤون الناس لا جباية أموالهم. ففي ظل الخلافة، لا يوجد ربا ولا قروض مشروطة، ولا بيع للثروات العامة للأجانب، بل تُدار الموارد بما يحقق مصلحة الأمة، ويتولى بيت المال تمويل الرعاية الصحية والتعليم والمرافق العامة من موارد الدولة والخراج والأنفال والملكية العامة.

أما الفقراء، فتُكفل حاجاتهم الأساسية فرداً فرداً، لا عبر صدقات مؤقتة بل كحقٍّ شرعي مضمون. ولذا فإن محاربة الفقر في الإسلام ليست شعاراً سياسياً، بل نظام حياة متكامل يُقيم العدل ويمنع الظلم ويعيد الثروة إلى أهلها.

ما بين الخطاب الرسمي والواقع المعاش مسافةٌ هائلة لا تخفى على أحد. فبينما تتغنّى الحكومة بمشروعاتها "العملاقة" وبـ"الانطلاقة الحقيقية"، يعيش ملايين المصريين تحت خط الفقر، يعانون الغلاء والبطالة وانعدام الأمل. والحقيقة أن هذه المعاناة لن تزول ما دامت مصر تسير في طريق الرأسمالية، تُسلِّم اقتصادها للمرابين وتخضع لسياسات المؤسسات الدولية.

إن أزمات ومشكلات مصر هي مشكلات إنسانية وليست مادية، وتتعلق بها أحكام شرعية تبين كيفية التعامل معها وعلاجها على أساس الإسلام، وإن الحلول أسهل من غض الطرف لكنها تحتاج إدارة مخلصة تملك إرادة حرة تريد السير في الطريق الصحيح وتريد الخير لمصر وأهلها حقا، وحينها على هذه الإدارة أن تراجع كل العقود التي أبرمت سابقا والتي تبرم مع كل الشركات التي تحتكر أصول البلاد وما هو من ملكياتها العام وعلى رأسها شركات التنقيب عن الغاز والنفط والذهب وباقي المعادن والثروات، وتطرد كل تلك الشركات لأنها في الأصل شركات استعمارية ناهبة لثروات البلاد، ثم تصوغ عهدا جديدا يقوم على تمكين الناس من ثروات البلاد وإنشاء أو استئجار شركات تقوم هي على إنتاج الثروة من منابع النفط والغاز والذهب وغيرها من المعادن وتعيد توزيع هذه الثروات على الناس من جديد، حينها سيتمكن الناس من زراعة الأرض الموات التي ستمكنهم الدولة من استغلالها بحقهم فيها، وسيتمكنون أيضا من صناعة ما يجب أن يصنع ليرتفع باقتصاد مصر ويكفي أهلها، وستدعمهم الدولة في هذا السبيل، وإن كل هذا ليس ضربا من الخيال ولا مستحيل الحدوث ولا مشروعا نعرضه للتجربة قد ينجح أو يفشل، وإنما هي أحكام شرعية لازمة ملزمة للدولة والرعية، فلا يجوز للدولة أن تفرط في ثروات البلاد التي هي ملك للناس بدعوى عقود أقرتها وأيدتها وتحميها قوانين دولية جائرة، ولا يجوز لها أن تمنع الناس منها بل يجب أن تقطع كل يد تمتد ناهبة إلى ثروات الناس، هذا ما يقدمه الإسلام ويجب تنفيذه، إلا أنه لا يطبق بمعزل عن باقي أنظمة الإسلام بل إنه لا يطبق إلا من خلال دولة الخلافة الراشدة على منهاج النبوة، هذه الدولة التي يحمل همها والدعوة إليها حزب التحرير ويدعو مصر وأهلها شعبا وجيشا إلى العمل معه من أجلها، عسى الله أن يكتب الفتح من عنده فنراها واقعا يعز الإسلام وأهله، اللهم عاجلا غير آجل.

﴿وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرَىٰ آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَفَتَحْنَا عَلَيْهِم بَرَكَاتٍ مِّنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ﴾

كتبه للمكتب الإعلامي المركزي لحزب التحرير

سعيد فضل

عضو المكتب الإعلامي لحزب التحرير في ولاية مصر