دولة الخلافة وما يسمى بالأقليات
August 18, 2024

دولة الخلافة وما يسمى بالأقليات

دولة الخلافة وما يسمى بالأقليات

لقد ساد التنوع بالدولة الإسلامية الأولى التي أقامها النبي ﷺ في المدينة المنورة لحظة قيامها فقد وجد فيها المهاجرون والأنصار وكان من رعاياها العربي وغير العربي والمسلم وغير المسلم. وقد أرسى النبي ﷺ أسس العلاقة بين أطياف هذا المجتمع الوليد فيما سمي بوثيقة المدينة ثم توسعت الدولة الإسلامية لتشمل جزيرة العرب كلها في حياة النبي ﷺ وتوسعت في رقعتها أكبر بكثير في عهد الخلفاء الراشدين ومن جاء بعدهم في زمن الدولة الأموية والعباسية والعثمانية فازدادوا بذلك التنوع في الدولة الإسلامية حيث دخل الناس في الإسلام أرسالا من قبائل وشعوب شتى وخضع لسلطان دولة الخلافة أصحاب أديان كثيرة لم تكن معروفة في جزيرة العرب، على ما في جميع هؤلاء من اختلاف في العرق واللون واللغة والثقافة والدين، وكان الغالب في العلاقة فيما بينهم وفي علاقتهم مع الدولة والسلطان الانسجام والتوافق وحسن المعاشرة ولم تعرف الدولة الإسلامية ولا المجتمع الإسلامي مفهوم الأقليات طوال عهدها الممتد عبر قرون من الزمان إلا ما كان عندما تسرب هذا المفهوم من الغرب بتخطيط وتدبير من الدول الغربية الطامعة في بلاد المسلمين في أواخر الدولة العثمانية.

ولم تتوقف هذه الدول عن إثارة فكرة الأقليات بعد أن استعمرت بلاد المسلمين بل أخذت بتنفيذها وتركيزها إعدادا للمرحلة القادمة المتمثلة بإقامة الدول القومية والوطنية العلمانية على أنقاض الدولة العثمانية.

أما نشأة مفهوم الأقليات فلم تعرف المجتمعات الأوروبية قبل ما يسمى بـ(عصر التنوير) مفهوم الأقليات كمفهوم سياسي وقانوني لأن الحكم كان قائما على نظرية الحق الإلهي القائلة بأن الملك أو الحاكم يحكم باسم الله وباسم الدين وكانت السيادة تبعا لهذه النظرية للملك لا للشعب فهو الذي يشرع وهو الذي يحكم وحكمه ماض ومسلّم به، ولما بدأ الفكر الغربي بالتحرر من سلطان الكنيسة وأخذ يتمرد عليها وعلى الفكر الديني اتجه وجهة عالمية وجعل الفرد محل اهتمامه وكانت شعارات الثورة الفرنسية ذات صبغة كونية (حرية، إخاء، مساواة) ولكن الفكر الغربي واجه أزمة في الفكر السياسي عندما أراد تطبيق هذه الأفكار بعد القضاء على نظرية الحق الإلهي، وللخروج من هذه الأزمة اقترح فلاسفة الغرب الفكرة القومية بمفهومها السياسي وعرفوا الشعب والأمة على أساسها.

إن مفهوم الأقلية بمعناه السياسي والقانوني الغربي هو مفهوم خطير جدا على المجتمعات البشرية، فهو يفترض وجود تنافر وصراع بين الأقليات والأكثريات من جهة وبين الأقليات فيما بينها من جهة أخرى لمجرد وجود اختلافات عرقية أو دينية أو لغوية أو ثقافية، تماما مثلما افترضت الشيوعية وجود صراع بين طبقات المجتمع، بين العمالة وأرباب العمل مع أن هذه الاختلافات طبيعية في المجتمعات وهي من سنن الله سبحانه.

موقف الإسلام من مفهوم الأقليات:

وللوقوف على رأي الإسلام في مفهوم الأقليات نبين مجموعة من القضايا التي جاء بها الإسلام:

أولا: لقد كان المجتمع الذي أنشأه النبي ﷺ والدولة التي أقامها في المدينة المنورة نموذجا متميزا عما سبقه وعما لحقه، فقد أسس النبي ﷺ الأمة الإسلامية على العقيدة الإسلامية وجعل الرابط فيها يقوم على أساس الإيمان بالإسلام، فلم يعر الناحية العرقية أو اللغوية أو غيرها من الفوارق أي اهتمام، فلم يقصر الإسلام مفهوم الأمة الإسلامية على الرابطة الروحية بل جعله مفهوما ذا بعد سياسي وقانوني يربط بين المسلمين في المجتمع والدولة وتبنى عليه الحقوق والواجبات.

ثانيا: لم يفرق الإسلام في نظرته إلى الناس بناء على معطيات خلقية من عرق أو لون أو أساس لغوي بل جعل محط نظره الإنسان من حيث هو إنسان، فالناس في نظر الإسلام سواسية والتفاضل بينهم محصور بأمور كسبية جمعها لفظ التقوى وهي العمل بطاعة الله سبحانه وتعالى، وأما الأمور المختلفة بين الناس من عرق ولون ولغة فهي أمور طبيعية وهي من آيات الله وعلامات قدرته فلا ينظر إليها نظرة سلبية ولا تفضيلية.

ثالثا: لم يعرّف الإسلام الدولة الإسلامية على أسس عرقية أو لغوية، ولم يجعل لها حدوداً جغرافية وسياسية ثابتة بل جاء الإسلام بمفهوم دار الإسلام ودار الكفر.

رابعا: مع أن مفهوم الأمة الإسلامية يحتوي قدرا كبيرا من الاهتمام في الإسلام غير أنه لم يجعله الأساس للتابعية في الدولة الإسلامية بل اشترط الإسلام فقط الولاء للدولة والنظام في حامل التابعية الإسلامية، أما وجود غير المسلمين (أهل الذمة) في دار الإسلام فأمر حتمي وطبيعي لأنه منسجم مع سنن الله الكونية القاضية بتنوع البشر واختلاف أديانهم ومندرج في سنن الله التشريعية التي تحرم فتنة الناس عن دينهم، إلا أن غير المسلم الذي يريد أن يحمل التابعية للدولة الإسلامية وهو لا يؤمن بالإسلام ولا بأحكامه وهو غير ملزم بمقتضى دينه بالدفاع عن بلاد المسلمين ودار الإسلام، لذلك فإن حصوله على التابعية يستوجب حصول التزام من قبله تجاه الدولة والتزام الدولة تجاهه، والشكل القانوني لهذا الالتزام هو العقد، ولذلك بين الإسلام وجود غير المسلمين في دار الإسلام سواء أكان وجودهم مؤقتاً أم غير مؤقت على فكرة العقد وهو وثاق وعقد بين الطرفين يستلزم حقوقا وواجبات يراعيها المتعاقدان.

أما علاقة الدولة الإسلامية برعاياها فتتجلى في جانبين:

الجانب الأول هو جانب الحكم ورعاية الشؤون؛ فإنه لا يجوز للدولة أن تفرق بين رعاياها بل يجب عليها أن تعاملهم جميعهم معاملة واحدة دون أي تمييز بناء على عرق أو لون أو جنس أو دين وذلك بناء على ما جاء في المادتين الخامسة والسادسة من مشروع الدستور لحزب التحرير أن النصوص الشرعية التي جاءت تخاطب المسلمين في أبواب الحكم والقضاء ورعاية الشؤون جاءت عامة غير مفرقة بين مسلمين وغير مسلمين ولا بين عربي وعجمي ولا بين أحمر وأسود من الناس بل جاءت آمرة بالتسوية والعدل.

والجانب الثاني في التشريع وتطبيق القوانين فإن الإسلام جاء بنظام شامل لكل أمور الحياة من عبادات وحكم واقتصاد وتعليم وسياسة خارجية وداخلية وقضاء وغير ذلك، وأن هذا النظام وإن كان منبثقا عن العقيدة الإسلامية غير أنه لا يقتصر على البعد الروحي الذي هو تشريعات وقوانين قابلة للتطبيق في دولة الإسلام، فالإسلام حين يأمر بتطبيق هذا النظام إنما ينظر إلى هذه الناحية التشريعية والقانونية فيه لا إلى الناحية الروحية الدينية كما جاء في المادة السابعة من مشروع الدستور.

التشريع الإسلامي وأهل الذمة:

لقد نظر التشريع الإسلامي إلى البشر بوصفهم الإنساني وجعل الخطاب موجها إلى الإنسان من حيث هو إنسان، فقد عرف علماء الأصول الحكم الشرعي بأنه (خطاب الشارع المتعلق بأفعال العباد...)، تكليف معلق بالعبد، ولذلك صرح علماء الأصول بأن الكافر مكلف ابتداء بأحكام الإسلام لأنه مشمول بها وإن كان لا يلزم بها جميعها في الدولة، فقوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمْ﴾ وقوله ﷺ «عَلَى الْيَدِ مَا أَخَذَتْ حَتَّى تُؤَدِّيَهُ» عام يشمل جميع الناس.

والتشريع الإسلامي يعالج مشاكل الناس باعتبارها مشاكل إنسانية فقط لا بأي اعتبار آخر، فلا ينظر إلى المشكلة من ناحية اقتصادية مثلا بل ينظر إليها على أنها مشكلة إنسانية تحتاج إلى وضع معالجة لها، فالتشريع الإسلامي لا يعرف التمييز في أحكامه، إلا أنه لا يجعل للناس جميعهم حكما واحدا في كل قضية بل يراعي أوصافا معينة عند التشريع تلائم واقع القضية المراد علاجها؛ فمثلا نظم علاقة الرجل بالمرأة ولاحظ في أحكامه وصفي الذكورة والأنوثة لتعلقهما المباشر بهذه المسألة، فجاء بأحكام تتعلق بالمرأة تختلف عن أحكام الرجل بهذا الاعتبار، وهذا عينه ما فعله التشريع الإسلامي عندما فرق في الأحكام بناء على وصفي الإسلام والكفر، فالمدقق في الأحكام التي حصل فيها اختلاف بين المسلم والكافر يتبين له أن هذا الاختلاف اقتضته طبيعة المسألة وكان لا بد منه ولكنه ليس تمييزا.

إن نموذج الدولة العلمانية في الغرب الذي أفرز مشكلة الأقليات وأوجدها لأنه يفصل الدين عن الحياة حيث اضطرت الدولة أن تعرف نفسها بمعرفات عرقية ولغوية وتاريخية، وجاء بالمفهوم القومي للأمة والدولة، فهي وليدة تطور تاريخي طبيعي، وإن تعريف الدولة العلمانية قوميا يشكل تهديدا للقوميات الأخرى وللدولة القومية بالإضافة إلى اعتقاد الدولة العلمانية بناء على المبدأ الرأسمالي مفهوم الأكثرية في تحديد الصواب حيث أهدرت حق الأقلية التي يمكن أن يكون رأيها هو الصواب.

أما دولة الخلافة فإنها تستوعب الأديان كلها وتجعل لها خصوصية قانونية في المجالات الدينية وتجعل لهم مساحة واسعة لممارسة شعائر دينهم.

إن كل ما سبق عرضه عن مساوئ وفشل الدولة العلمانية في الغرب لهو جدير بالذكر، ولكن الأسوأ هو نقل هذا النموذج إلى الدول القائمة في بلاد المسلمين وإلى ما يسمى بدول العالم الثالث لما عانى من هذا المفهوم من ويلات وتمزيق وحروب داخلية، والعراق وسوريا... خير دليل على ذلك.

أما كيف عاملت الخلافة أهل الذمة، فقد عاملتهم بكل إحسان وعدل، ومن يراجع الأحاديث النبوية ونصوص القرآن الخاصة بأهل الذمة يجد خير دليل على الأمر بالإحسان والعدل والبر إليهم. وإن التاريخ خير شاهد على ذلك. وأما ما وقع من خلافات ضد أهل الكتاب وعدم إنصافهم فإن الله ورسوله والإسلام بريئون من ذلك، ولم تكن إلا حالات نادرة في التاريخ الإسلامي الممتد عبر ثلاثة عشر قرنا، كما شهد ناس من المنصفين والمستشرقين غير المسلمين بعدل الإسلام وسماحة المسلمين ودولتهم مع غير المسلمين من الرعايا. وأما مزاعم من قال عن غلظة الإسلام تجاه أهل الذمة ويوردون بعض النصوص الشرعية من الكتاب والسنة والتي بها غلظة على اليهود والنصارى وعلى الكفار عموما ويقولون بأن هذه النصوص تؤسس لجو من الكراهية ضد غير المسلمين، فإن الحقيقة هؤلاء يضعون تلك النصوص المذكورة في غير موضعها، حيث إن هذه النصوص قسمان:

قسم يتحدث عن الصراع الفكري بين الإسلام وغيره من الأفكار والأديان، وهنا تتحدث النصوص الشرعية بكل صراحة عن صحة الإسلام وحده وعن بطلان كل ما سواه من أديان ومعتقدات وأفكار أو ما يستلزم ذلك من تمايز فكري وشعوري، وهذا أمر طبيعي وهو موجود في كل دين ومبدأ، فالإسلام يرى أنه الحق المطلق وأنه من عند الله، ولذلك لا يتصور أن يقف من الأديان والأفكار الأخرى موقف الموافقة والرضا! غير أن الإسلام يقف موقفا خاصا من أهل الكتاب وإن كان يعدهم كفارا ويخوض معهم صراعا فكريا مريرا، ولكنه في الوقت ذاته يجيز أكل ذبائحهم ونكاح نسائهم... وهذا يؤكد أن القضية ذات بعد فكري ولا تؤثر على معاملتهم باعتبارهم الإنساني.

أما القسم الثاني الذي يتحدث عن أعداء الإسلام من الكفار الذين يخوضون ضد الإسلام حربا مادية ويقاتلون المسلمين فهؤلاء لهم أحكام تختلف عن أحكام أهل الذمة لأنهم محاربون فلا يصح أن نطبق النصوص الشرعية التي تتحدث عن فعل هؤلاء على أهل الذمة لاختلاف واقعهم.

إن مفهوم الأقلية الذي أنشأه الغرب وصدره إلى العالم لا يعالج ما يسمى بمشكلة الأقليات بل هو الذي يوجد الأزمة ويعقدها فهو يعمل على إيجاد الفوارق بين مجموعات الشعب الواحد ويعمل على تقسيمه، وإن العلاج الصحيح والحق في هذه المسألة هو العمل على إيجاد الانسجام بين المجموعات البشرية المختلفة لأن وجود الفوارق في اللغات والأديان وغيرها أمر طبيعي بين البشر منذ أن خلق الله البشرية.

إن علاج المشاكل بين المجموعات البشرية ذات الفوارق التي قد تحدث بينها مشاكل وفتن لا يكون بإقصائها عن أخواتها في كيان منفصل ومستقل، فإن هذا يقطع الجسد الواحد، بل يكون بالعمل على حل المشاكل والتصالح بين الناس بعد الوقوف على سبب المشكلة وإزالته.

وأخيرا نؤكد على حقيقة لا بد من فهمها وإدراكها، وهي أن مشكلة الأقليات هي مشكلة مصطنعة وأن علاجها لا يمكن أن يكون عن طريق الدولة العلمانية الديمقراطية لأنها هي التي ولدتها، وأما الدول العلمانية في بلاد المسلمين التي يراد أن تكتب لها الحياة فهي تخالف ما عليه جماهير الناس من الإيمان بالإسلام والرغبة بالعيش حسب أحكامه.

فليعلم الجميع أن الحكم الإسلامي قادم لا محالة ولا نجاة للمسلمين ولا للبشرية كلها من ظلم الرأسمالية والعلمانية وأهلها إلا بالإسلام، وحينها سيعلم أهل الذمة أن الخير كل الخير هو في العيش في ظل دولة الخلافة على منهاج النبوة.

كتبه للمكتب الإعلامي المركزي لحزب التحرير

إياد عبد الرحمن – ولاية العراق

المزيد من القسم null

لا تنخدعوا بالأسماء فالعبرة بالمواقف لا بالأنساب

لا تنخدعوا بالأسماء فالعبرة بالمواقف لا بالأنساب

في كل مرة يُقدَّم لنا "رمز جديد" له جذور مسلمة أو ملامح شرقية، يهلل كثير من المسلمين، وتُبنى الآمال على وهمٍ اسمه "التمثيل السياسي" في نظامٍ كافر لا يعترف بالإسلام حكماً ولا عقيدةً ولا شريعةً.

نذكر جميعاً الفرح العارم الذي اجتاح مشاعر كثيرين عند فوز أوباما في 2008. فهو ابن كينيا، وله أب مسلم! وهنا توهم البعض أن الإسلام والمسلمين باتوا قريبين من النفوذ الأمريكي، لكن أوباما كان أحد أكثر الرؤساء إيذاءً للمسلمين فقد دمر ليبيا، وساهم في مأساة سوريا، وأشعل أفغانستان والعراق بطائراته وجنوده، بل كان سفاك الدماء في اليمن عبر أدواته وكان عهده استمراراً لعداء ممنهج ضد الأمة.

واليوم يتكرر المشهد، لكن بأسماء جديدة. فـزوهران ممداني يُحتفى به لأنه مسلم ومهاجر وشاب، وكأنه المنقذ! لكن قليلين فقط ينظرون إلى مواقفه السياسية والفكرية. هذا الرجل من الداعمين الأشداء للشواذ المثليين، ومشارك في فعالياتهم، ويعتبر انحرافهم حقوقاً إنسانية!

أي خزي هذا يُعلق عليه الناس آمالاً؟! ألم يكن تكراراً للخيبة السياسية والفكرية نفسها التي وقعت فيها الأمة مراراً وتكراراً؟! نعم لأنها تُفتن بالشكل لا بالجوهر! تُخدع بالابتسامات، وتتعامل بالعاطفة لا بالعقيدة، وبالأسماء لا بالمفاهيم، وبالرموز لا بالمبادئ!

إن هذا الانبهار بالأشكال والأسماء نتيجة غياب الوعي السياسي الشرعي، لأن الإسلام لا يقاس بالأصل أو الاسم أو العرق، بل بالالتزام بمبدأ الإسلام كاملاً؛ نظاماً وعقيدةً وشريعةً. ولا قيمة لمسلم لا يحكم بالإسلام ولا ينصره، بل يخضع للنظام الرأسمالي الكافر، ويبرر الكفر والانحرافات باسم "الحرية".

وليعلم جميع المسلمين الذين فرحوا بفوزه وظنّوا أنه بذرة خير أو بداية نهوض، أن النهوض لا يكون من داخل أنظمة الكفر، ولا بأدواتها، ولا عبر صناديق اقتراعها، ولا تحت سقف دساتيرها.

فمن يُقدّم نفسه عبر النظام الديمقراطي، ويقسم على احترام قوانينه، ثم يدافع عن الشذوذ الجنسي ويحتفل به، ويدعو إلى ما يغضب الله، فهو ليس نصيراً للإسلام ولا أملاً للأمة، بل هو أداة تلميع وتمييع، وتمثيل مزيّف لا يُقدّم ولا يؤخر.

إن ما تسمى النجاحات السياسية في الغرب لبعض الشخصيات ذات الأسماء الإسلامية، ما هي إلا فُتات يُقدَّم كمسكنات للأمة، ليقال لها: انظروا، التغيير ممكن عبر أنظمتنا.

 فما حقيقة هذا "التمثيل"؟

الغرب لا يفتح أبواب الحكم للإسلام، بل يفتحها فقط لمن يتماهى مع قيمه وأفكاره. وأي شخص يدخل نظامهم لا بد أن يقبل بدستورهم، وبقوانينهم الوضعية، وأن يتنكر لحكم الإسلام، فإن رضي بذلك، أصبح نموذجاً مقبولاً، أما المسلم الحق، فهو مرفوض عندهم من جذوره.

فمن هو زهران ممداني؟ ولماذا يُصنع هذا الوهم؟

هو شخص يحمل اسماً مسلماً لكنه متبنٍ لأجندة منحرفة مخالفة تماماً لفطرة الإسلام، من دعم المثليين، والترويج لما يُسمى بـ"حقوقهم"، وهو نموذج حي لكيف يصنع الغرب نماذجه: مسلم بالاسم، علماني بالفعل، خادم لأجندة الليبرالية الغربية لا أكثر. بل لإشغال الأمة عن طريقها الحقيقي، فبدل أن تطالب بدولة الإسلام والخلافة، تنشغل بالمقاعد النيابية والمناصب في أنظمة كفر! وبدل أن تتوجه لتحرير فلسطين، تنتظر مَن "يدافع عن غزة" من داخل الكونغرس الأمريكي أو البرلمان الأوروبي!

فحقيقة الأمر أن هذا تشويه لطريق التغيير الحقيقي، وهو إقامة الخلافة الراشدة على منهاج النبوة، التي تُعلي راية الإسلام، وتقيم شرع الله، وتوحد الأمة خلف خليفة واحد يُقاتل من ورائه ويُتقى به.

فلا تنخدعوا بالأسماء، ولا تفرحوا بمن ينتمي لكم شكلاً ويخالفكم مضموناً، فليس كل من حمل اسم سعيد أو علي أو زهران هو على طريق نبينا محمد ﷺ.

واعلموا أن التغيير لا يأتي من داخل برلمانات الكفر، بل من جيوش الأمة التي آن لها أن تتحرك، ومن شبابها الواعين الذين يعملون ليلا ونهارا لقلب الطاولة على رؤوس الغرب وأعوانه وأتباعه الخائنين في بلاد الإسلام والمسلمين.

فالمسلمون لن ينهضوا عبر انتخابات الديمقراطية ولا من خلال صناديق الغرب، بل بنهضة حقيقية على أساس العقيدة الإسلامية، بإقامة دولة الخلافة الراشدة التي تُعيد للإسلام مكانته، وللمسلمين عزّتهم، وتحطم أوهام الديمقراطية.

لا تنخدعوا بالأسماء، ولا تعلقوا آمالكم على أفراد في أنظمة كفر، بل ارجعوا إلى مشروعكم العظيم: استئناف الحياة الإسلامية، فهذا وحده طريق العزة والنصر والتمكين.

فالمشهد تكرار مُهين لمآسٍ قديمة: رموز مزيفة، وولاء للأنظمة الغربية، وانحراف عن طريق الإسلام. وكل من يُصفّق لهذا المسار، إنما يضلل الأمة. فعودوا إلى مشروع الخلافة، ولا تجعلوا أعداء الإسلام يصنعون لكم قادتكم وممثليكم. فالعزة ليست في مقاعد الديمقراطية، بل في سدة الخلافة التي يعمل لها حزب التحرير ويُحذر الأمة من هذا الانحدار الفكري والسياسي. فلا خلاص لنا إلا بدولة الخلافة، التي لا تسمح بأن يحكم المسلمين من يدين بدين غير الإسلام، ولا بمن يبرر الشذوذ والانحراف، ولا بمن يُشرّع للناس غير ما أنزل الله.

كتبه لإذاعة المكتب الإعلامي المركزي لحزب التحرير

عبد المحمود العامري – ولاية اليمن

مصر بين الشعارات الحكومية والواقع المرّ  الحقيقة الكاملة عن الفقر، والسياسات الرأسمالية

مصر بين الشعارات الحكومية والواقع المرّ

الحقيقة الكاملة عن الفقر، والسياسات الرأسمالية

نقلت بوابة الأهرام الثلاثاء 4 تشرين الثاني/نوفمبر 2025م، أن رئيس الوزراء المصري، في كلمة ألقاها نيابةً عن الرئيس في القمة العالمية الثانية للتنمية الاجتماعية في العاصمة القطرية الدوحة، قال إنّ مصر تطبّق نهجاً شاملاً للقضاء على الفقر في جميع أشكاله وأبعاده، بما في ذلك "الفقر متعدد الأبعاد".

منذ سنوات، لا يكاد يخلو خطاب رسمي في مصر من عباراتٍ مثل "نهج شامل للقضاء على الفقر" و"الانطلاقة الحقيقية للاقتصاد المصري". يكرّر المسؤولون هذه الشعارات في المؤتمرات والمناسبات، مصحوبة بصور براقة لمشروعات استثمارية وفنادق ومنتجعات. لكن الواقع، كما تشهد عليه التقارير الدولية، مختلف تماماً. فالفقر في مصر ما زال ظاهرةً راسخة، بل متفاقمة، رغم الوعود الحكومية المتكرّرة بالتحسن والنهضة.

بحسب تقارير اليونيسف والإسكوا وبرنامج الغذاء العالمي لعامي 2024 و2025، يعيش نحو واحد من كل خمسة مصريين في فقرٍ متعدد الأبعاد، أي محروم من أكثر من جانب من جوانب الحياة الأساسية كالتعليم والصحة والسكن والعمل والخدمات. كما تؤكد البيانات أن أكثر من 49% من الأسر تعاني من صعوبات في الحصول على غذاء كافٍ، وهو رقم صادم يعكس عمق الأزمة المعيشية.

أما الفقر المالي، أي انخفاض الدخل مقارنة بتكاليف المعيشة، فقد ارتفع بصورة حادة، نتيجة موجات التضخم المتلاحقة التي أكلت أجور الناس وجهودهم ومدخراتهم، حتى أصبحت نسبة كبيرة من المصريين تحت خط الفقر المالي رغم عملهم الدائم.

وبينما تتحدث الحكومة عن مبادرات مثل "تكافل وكرامة" و"حياة كريمة"، تكشف الأرقام الدولية أن هذه البرامج لم تغيّر بنية الفقر جذرياً، بل اقتصرت على مسكّنات مؤقتة أشبه بالقطرة التي تُسكب في صحراء. فما زال الريف المصري الذي يقطنه أكثر من نصف السكان، يعاني من ضعف الخدمات وانعدام فرص العمل اللائق وتهالك البنية الأساسية. ويؤكد تقرير الإسكوا أن الحرمان في الريف يفوق نظيره في المدن بعدة أضعاف، ما يدل على سوء توزيع الثروة والإهمال المزمن للأطراف.

حين يشكر رئيسُ الوزراء ابنَ البلد "الذي تحمّل مع الحكومة إجراءات الإصلاح الاقتصادي"، فإنه في الواقع يُقرّ بوجود معاناة حقيقية ناتجة عن تلك السياسات. غير أن هذا الاعتراف لا يتبعه تغيير في المنهج، بل مزيد من السير في الطريق الرأسمالي نفسه الذي سبّب الأزمة.

فالإصلاح المزعوم الذي بدأ عام 2016 ببرنامج "التعويم" ورفع الدعم وزيادة الضرائب، لم يكن إصلاحاً بل تحميلاً للفقراء كلفة الديون والعجز. وفي الوقت الذي يتحدث فيه المسؤولون عن "الانطلاقة"، تتجه الاستثمارات الضخمة إلى العقارات الفاخرة والمشروعات السياحية التي تخدم أصحاب رؤوس الأموال، بينما لا يجد ملايين الشباب فرصاً للعمل أو السكن. بل إن كثيراً من هذه المشاريع، كمنطقة علم الروم في مطروح التي تُقدّر استثماراتها بـ29 مليار دولار، هي شراكات رأسمالية أجنبية تستحوذ على الأراضي والثروات وتحوّلها إلى مصدر ربح للمستثمرين، لا مصدر رزق للناس.

النظام يفشل ليس لأنه فاسد فحسب، بل لأنه يسير على أساسٍ فكريٍّ باطلٍ هو النظام الرأسمالي، الذي يجعل المال محوراً لكل سياسات الدولة. فالرأسمالية تقوم على حرية التملك المطلقة، وتسمح بتكديس الثروة في يد القلة التي تملك أدوات الإنتاج، فيما تتحمل الكثرة عبء الضرائب والأسعار والدَّين العام.

ولهذا، فإن كل ما يُسمى "برامج حماية اجتماعية" ما هو إلا محاولة لتجميل وجه الرأسمالية الوحشي، وإطالة عمر نظامٍ جائرٍ يراعي الأغنياء ويجبي من الفقراء. فبدلاً من معالجة أصل الداء؛ أي احتكار الثروة وتبعية الاقتصاد للمؤسسات الدولية، يُكتفى بتوزيع فتات من الإعانات النقدية، لا ترفع فقراً ولا تحفظ كرامة.

إن الرعاية ليست منّةً من الحاكم على الرعية، بل واجب شرعي، ومسؤولية يحاسبه الله عليها في الدنيا والآخرة. وما يجري اليوم، هو إهمال متعمّد لشؤون الناس، وتخلٍّ عن واجب الرعاية لصالح قروضٍ مشروطة من صندوق النقد والبنك الدوليين.

لقد أصبحت الدولة وسيطاً بين الفقير والدائن الأجنبي، تفرض الضرائب وتقلّص الدعم وتبيع الممتلكات العامة لسدّ عجزٍ متضخم صنعه النظام الرأسمالي نفسه. وفي هذا كله تغيب المفاهيم الشرعية التي تضبط الاقتصاد، كتحريم الربا، ومنع تملك الثروات العامة للأفراد، ووجوب النفقة على الرعية من بيت مال المسلمين.

لقد قدم الإسلام نظاماً اقتصادياً متكاملاً يعالج الفقر من جذوره، لا بمجرد دعمٍ نقدي أو مشروعات تجميلية. هذا النظام يقوم على أسسٍ شرعيةٍ ثابتة أبرزها:

1- تحريم الربا والديون الربوية التي تُكبّل الدولة وتستنزف مواردها، فبزوال الربا تزول تبعية الاقتصاد للمؤسسات الدولية، وتُعاد السيادة المالية للأمة.

2- جعل الملكيات ثلاثة أنواع:

ملكية فردية: كالبيوت والمتاجر والمزارع الخاصة...

ملكية عامة: تشمل الثروات الكبرى كالنفط والغاز والمعادن والمياه...

ملكية دولة: كأراضي الفيء والركاز والخراج...

وبهذا التوزيع تتحقق العدالة، إذ تُمنع فئة قليلة من احتكار موارد الأمة.

3- ضمان الكفاية لكل فرد من الرعية: فالدولة تضمن لكل إنسان في رعايتها حاجاته الأساسية من مأكل وملبس ومسكن، فإن عجز عن العمل وجب على بيت المال أن ينفق عليه.

4- الزكاة والإنفاق الإلزامي: الزكاة ليست إحساناً بل فريضة، تجمعها الدولة وتصرفها في مصارفها الشرعية للفقراء والمساكين والغارمين. وهي أداة توزيع فعّالة تعيد الأموال إلى دورة الحياة في المجتمع.

مع التحفيز على العمل المنتج ومنع الاستغلال، والحثّ على استثمار الموارد في مشاريع نافعة حقيقية كالصناعات الثقيلة والحربية لا في المضاربات والعقارات الفاخرة والمشاريع الوهمية. إلى جانب ضبط الأسعار بالعرض والطلب الحقيقيين لا بالاحتكار ولا بالتعويم.

إن دولة الخلافة على منهاج النبوة هي وحدها القادرة على تطبيق هذه الأحكام عملياً، لأنها تُبنى على أساس العقيدة الإسلامية، ويكون هدفها رعاية شؤون الناس لا جباية أموالهم. ففي ظل الخلافة، لا يوجد ربا ولا قروض مشروطة، ولا بيع للثروات العامة للأجانب، بل تُدار الموارد بما يحقق مصلحة الأمة، ويتولى بيت المال تمويل الرعاية الصحية والتعليم والمرافق العامة من موارد الدولة والخراج والأنفال والملكية العامة.

أما الفقراء، فتُكفل حاجاتهم الأساسية فرداً فرداً، لا عبر صدقات مؤقتة بل كحقٍّ شرعي مضمون. ولذا فإن محاربة الفقر في الإسلام ليست شعاراً سياسياً، بل نظام حياة متكامل يُقيم العدل ويمنع الظلم ويعيد الثروة إلى أهلها.

ما بين الخطاب الرسمي والواقع المعاش مسافةٌ هائلة لا تخفى على أحد. فبينما تتغنّى الحكومة بمشروعاتها "العملاقة" وبـ"الانطلاقة الحقيقية"، يعيش ملايين المصريين تحت خط الفقر، يعانون الغلاء والبطالة وانعدام الأمل. والحقيقة أن هذه المعاناة لن تزول ما دامت مصر تسير في طريق الرأسمالية، تُسلِّم اقتصادها للمرابين وتخضع لسياسات المؤسسات الدولية.

إن أزمات ومشكلات مصر هي مشكلات إنسانية وليست مادية، وتتعلق بها أحكام شرعية تبين كيفية التعامل معها وعلاجها على أساس الإسلام، وإن الحلول أسهل من غض الطرف لكنها تحتاج إدارة مخلصة تملك إرادة حرة تريد السير في الطريق الصحيح وتريد الخير لمصر وأهلها حقا، وحينها على هذه الإدارة أن تراجع كل العقود التي أبرمت سابقا والتي تبرم مع كل الشركات التي تحتكر أصول البلاد وما هو من ملكياتها العام وعلى رأسها شركات التنقيب عن الغاز والنفط والذهب وباقي المعادن والثروات، وتطرد كل تلك الشركات لأنها في الأصل شركات استعمارية ناهبة لثروات البلاد، ثم تصوغ عهدا جديدا يقوم على تمكين الناس من ثروات البلاد وإنشاء أو استئجار شركات تقوم هي على إنتاج الثروة من منابع النفط والغاز والذهب وغيرها من المعادن وتعيد توزيع هذه الثروات على الناس من جديد، حينها سيتمكن الناس من زراعة الأرض الموات التي ستمكنهم الدولة من استغلالها بحقهم فيها، وسيتمكنون أيضا من صناعة ما يجب أن يصنع ليرتفع باقتصاد مصر ويكفي أهلها، وستدعمهم الدولة في هذا السبيل، وإن كل هذا ليس ضربا من الخيال ولا مستحيل الحدوث ولا مشروعا نعرضه للتجربة قد ينجح أو يفشل، وإنما هي أحكام شرعية لازمة ملزمة للدولة والرعية، فلا يجوز للدولة أن تفرط في ثروات البلاد التي هي ملك للناس بدعوى عقود أقرتها وأيدتها وتحميها قوانين دولية جائرة، ولا يجوز لها أن تمنع الناس منها بل يجب أن تقطع كل يد تمتد ناهبة إلى ثروات الناس، هذا ما يقدمه الإسلام ويجب تنفيذه، إلا أنه لا يطبق بمعزل عن باقي أنظمة الإسلام بل إنه لا يطبق إلا من خلال دولة الخلافة الراشدة على منهاج النبوة، هذه الدولة التي يحمل همها والدعوة إليها حزب التحرير ويدعو مصر وأهلها شعبا وجيشا إلى العمل معه من أجلها، عسى الله أن يكتب الفتح من عنده فنراها واقعا يعز الإسلام وأهله، اللهم عاجلا غير آجل.

﴿وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرَىٰ آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَفَتَحْنَا عَلَيْهِم بَرَكَاتٍ مِّنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ﴾

كتبه للمكتب الإعلامي المركزي لحزب التحرير

سعيد فضل

عضو المكتب الإعلامي لحزب التحرير في ولاية مصر