دويلات الخليج تتسابق إلى التطبيع العلني مع كيان يهود
September 22, 2020

دويلات الخليج تتسابق إلى التطبيع العلني مع كيان يهود

دويلات الخليج تتسابق إلى التطبيع العلني مع كيان يهود

كلنا يعلم أن تلك الدويلات كانت تطبع مع كيان يهود قبل إعلان ترامب عن التطبيع العلني مع الإمارات ومن بعدها البحرين... فقد بدأ التناغم السريّ بين كيان يهود والنظام الإماراتي بالظهور علناً في الآونة الأخيرة قبل أن يعلن ترامب التوصل إلى التطبيع العلني، حيث قامت الإمارات في عام 2014 بنقل أكثر من 30 مبنى إلى مستوطنين يهود في سلوان بالقدس الشرقية، كما استقبلت الإمارات شخصياتٍ رسميّة عدّة تمثّل دولة الاحتلال بشكلٍ علني، ورافقها اجتماعاتٌ سريّة لبحث سبل تعزيز التعاون بينهما في المجالين الاقتصاديّ والثقافيّ. فقد شارك وزير خارجيّة كيان يهود يسرائيل كاتس، المعروف بعنصريته الفجة، في مؤتمر الأمم المتحدة المناخي الذي عقد في الإمارات في حزيران/يونيو 2019م، فضلاً عن مرافقة وزيرة ثقافة كيان يهود اليمينية المتطرّفة ميري ريجيف لفريق كيانها خلال دوري الجودو الدوليّ في تشرين الأول/أكتوبر 2018م. هذا إضافةً إلى ما تداولته وسائل الإعلام بشأن زيارةٍ سريّة لرئيس أركان جيش الاحتلال السابق غادي آزينكوت في تشرين الثاني/نوفمبر 2018م...

 كما طالت العلاقات التطبيعية المجال الجويّ، بعدما هبطت إحدى طائرات شركة (موانئ دبيّ العالميّة) الحكومية، والتي تعدّ واحدة من أكبر خمس شركاتٍ عالميّة لإدارة الموانئ، في مطار بن غوريون عدّة مراتٍ. وتربط الشركة المذكورة علاقاتٌ تجاريّةٌ مع كيان يهود، أبرزها الاستثمارات المشتركة التي تجمعها بشركة الملاحة (الإسرائيلية) زيم، والمتورّطة بشكلٍ مباشرٍ في جرائم كيان يهود بحقّ شعبنا منذ النكبة إلى يومنا هذا. وتعمل شركة (موانئ دبي العالمية) بشكلٍ جديٍّ على تعزيز العلاقات التجاريّة مع كيان يهود، وهو ما دفع برئيسها التنفيذيّ، السلطان أحمد بن سليّم، لزيارة تل أبيب في آب/أغسطس 2019م، لبحث سبل تعزيز هذا التعاون.

ولم تقف العلاقات التطبيعية على التطبيع التجاري برعاية حكومية، بل تعدّتها إلى المستوى الأمني، كما كشف تحقيق لـ(بلومبيرج) عن مشروع بنية تحتية أمنية وضعته شركة تابعة لكيان يهود بمهندسين يهود في الإمارات بقيمة 6 مليارات دولارٍ. وفي ظل التعتيم على الصفقات العسكريّة الأمنية المبرمة بين دولة الاحتلال وبعض الأنظمة الخليجيّة الاستبدادية، كشف تقريرٌ جديد لصحيفة (هآرتس) مؤخّراً عن صفقة أُبرمت بين كيان يهود والإمارات لشراء الأخيرة طائرة مراقبة (إسرائيلية) متطورة قُدرت بنحو 846 مليون دولار.

كما شاركت الإمارات كيان يهود في مناورات عسكرية جوية، كانت الأولى في مناورة بعنوان (ريد فلاغ) في الولايات المتحدة الأمريكية، شاركت فيها جيوش من باكستان وإسبانيا بالإضافة إلى أمريكا، وتمت الثانية في قاعدة جوية يونانية.

كما شهدت العلاقات بين الإمارات وكيان يهود تطوراً ملحوظاً قبل ذلك وصل حد التّعاون الوثيق الذي تُوِّج بتعيين محمّد دحلان مستشاراً أمنياً لولي عهد الإمارات محمّد بن زايد، ودحلان متّهمٌ فلسطينيّاً بالتّخابر لمصلحة كيان يهود، كما عُرف دحلان بوصفه رجل فتح داخل قطاع غزّة، حيث أنشأ المعتقلات واستهدف نشطاء حركة حماس بالاعتقال والتصفية والتجسس لمصلحة كيان يهود.

أما البحرين، فقد بدأ ولي عهد البحرين الشيخ سلمان بن حمد آل خليفة الدبلوماسية الرسمية بمحادثات مع مسؤولين يهود خلال قمتي المنتدى الاقتصادي العالمي في عامي 2000 و2003. والتقى وزيرا خارجية البلدين في الأمم المتحدة عام 2007، وبعد ذلك بعامين التقى شمعون بيريز وملك البحرين في نيويورك على هامش مؤتمر للمنظمة الأممية. كما سافر وفد بحريني رسمي إلى كيان يهود عام 2009 في رحلة غير مسبوقة لاستعادة مجموعة من المواطنين المحتجزين لدى كيان يهود كانوا ضمن نشطاء مؤيدين للفلسطينيين على متن سفينة احتجزتها بحرية يهود أثناء توجهها إلى قطاع غزة في تحد للحصار.

وكان وزير خارجية البحرين السابق الشيخ خالد آل خليفة قد أشاد برئيس كيان يهود شمعون بيريز بعد وفاته في أيلول/سبتمبر 2016. وفي عام 2017، ظهر التقارب علنا عندما تم السماح لوفد يهود بالمشاركة في مؤتمر للاتحاد الدولي لكرة القدم في المنامة. وظهرت الدبلوماسية الرياضية مرة أخرى عندما تم السماح لسائق يهودي بالمشاركة في سباق سيارات. وفي أيار/مايو 2018، أيد وزير الخارجية البحريني حق "(إسرائيل) في الدفاع عن نفسها"، بعدما قال جيش يهود إنه قصف عشرات الأهداف العسكرية الإيرانية في سوريا، في موقف علني نادر لمسؤول عربي. وفي مقابلة مع وزير خارجية البحرين من قبل صحفي يهودي، قال: "إن (إسرائيل) جزء من تاريخ المنطقة". وبعد شهر أعلن وزير خارجية يهود وقتها يسرائيل كاتس أنه التقى بنظيره البحريني خلال زيارة لواشنطن.

التطبيع هو عملية فرض لصفقة القرن:

يمكننا القول إن الإعلان عن التطبيع بشكل رسمي من خلال الرئيس الأمريكي يأتي تتويجا للثورة المضادة التي قادتها أمريكا ودول الغرب الكافر ضد الأمة وحراكها الثوري والتي أدت بنظرهم إلى هزيمة الأمة، وهو يتم في إطار صفقة القرن وهو جزء منها وتطبيق لها، أي أن المطلوب هو الرضا بالوضع القائم في فلسطين كما هو، أي السلام مقابل السلام كما يكرر نتنياهو. كما أن هناك نية لتغيير وضع الحرم الشريف، فقد ورد في البيان المشترك بين الولايات المتحدة والإمارات الصادر يوم 13 آب/أغسطس: "يمكن لجميع المسلمين أن يأتوا بسلام لزيارة المسجد الأقصى والصلاة فيه، ويجب أن تظل الأماكن المقدسة مفتوحة للمصلين المسالمين من جميع الأديان". وهذا الكلام يفيد بأن الإمارات توافق وتعطي الضوء الأخضر على سيادة كيان يهود على المسجد الأقصى. فالموضوع أكبر من خيانة سياسية يقوم بها حكام رويبضات يأتيهم الأمر فيقومون بتنفيذه على وجهه، بل إنها الردة والولاء العلني والكامل للصليبيين واليهود. والواجب شرعا ليس حركات مناهضة للتطبيع هنا وهناك، وإنما ثورة تحريرية راشدة يكون أهل القوة جزءاً منها، تطيح بأنظمة الكفر والتبعية وتقيم على أنقاضها دولة إسلامية راشدة تعيد للأمة سلطانها المغصوب وكرامتها المستباحة وعزها المسلوب.

وهناك سبب آخر دفع ترامب ونتنياهو للإعلان عن تلك الخطوة، يتعلق بالوضع الداخلي لكلا منهما.

فالرئيس الأمريكي ترامب يستعد لانتخابات رئاسية جديدة، ويبدو ترامب اليوم في وضع صعب جدا، خصوصا بعد التأثيرات الكبيرة لوباء كورونا على أداء الاقتصاد الأمريكي وما تسببت فيه من خسائر بشرية واقتصادية كبيرة في الولايات المتحدة. فصفقة التطبيع الجديدة والتي ستتبعها صفقات أخرى سيعلن عنها، ستسهم بتعزيز حظوظ ترامب في الانتخابات، وتكون سبباً في تقريبه من الدوائر اليهودية في الولايات المتحدة التي تمنح أصواتها عادة للديمقراطيين.كما أن هذا الاتفاق ربما سيصب في مصلحة نتنياهو الذي يعاني من أزمات ومشكلات سياسية وقضائية متفاقمة، هذا فضلا عن الأزمة الاقتصادية واستفحال البطالة وما خلفته جائحة كورونا.

ولعل البعض يتساءل: ما الذي يجعل الإمارات والبحرين تعترفان بكيان يهود وتطبعان معه وهما أصلا لا تملكان معه حدوداً؟! ولماذا يعطون كيان يهود كل ما يريد من اعتراف وعلاقات دون أن يقدم أي تنازلات فيما يخص القضية الفلسطينية؟!

حيث إن نتنياهو أعلن عن فخره كونه يأخذ من المطبعين دون أن يعطي أي مقابل، فيقول: اتفاقنا معهم يقوم على قاعدة السلام مقابل السلام... نحقق السلام دون أن نتنازل عن الأرض ولا القدس. من المؤكد أن اتفاقهم مع كيان يهود ليس من أجل إنهاء حالة حرب استنزفتهم، فهم أصلا ما كانوا جزءا من أي حرب أو جهد لتحرير فلسطين!

الشيء الوحيد الذي يجعلهم يندفعون ويهرولون نحو يهود هو أن أسيادهم الغربيين يقولون لهم إن شعوبكم كفرت بكم وتمردت عليكم ولا يحميكم ويبقيكم في عروشكم إلا نحن، ولذلك عليكم أن تقطعوا أي حبل مع شعوبكم... عليكم أن تنحازوا بشكل علني وكامل لنا... لم يعد هناك مجال للتذبذب والنفاق... عليكم أن تكونوا جزءا من الثورة المضادة التي نقودها لتحطيم المسلمين، وعليكم أن تقيموا علاقات مع كيان يهود... فهذا يعزز سلطتكم ويضعف الإسلام الذي يهددكم. إذن هي الردة والانحياز العلني للصليبيين واليهود في هذه المواجهة التاريخية.

يظنون أنهم بذلك يُجْهزون على خير أمة، بينما هم يسرعون من عملية سقوطهم واستبدالهم. قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا مَن يَرْتَدَّ مِنكُمْ عَن دِينِهِ فَسَوْفَ يَأْتِي اللَّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ أَعِزَّةٍ عَلَى الْكَافِرِينَ يُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلَا يَخَافُونَ لَوْمَةَ لَائِمٍ ذَلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَن يَشَاءُ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيم﴾ [المائدة: 54]

التطبيع بين مؤيد ومعارض من الحكام:

برغم أن تركيا تقيم علاقات مع كيان يهود، وهي ليست أحسن حالا من الإمارات التي لحقت بها في التطبيع مع يهود، إلا أنها شجبت الاتفاق وسعت إلى تهديد الإمارات على لسان وزير دفاعها خلوصي أكار الذي قال إن الإمارات قامت بأعمال مضرّة في ليبيا وسوريا، وستحاسبها تركيا على ما فعلت في المكان والزمان المناسبين. وليست تركيا وحدها من تناقض نفسها، فقد استنكر الرئيس الفلسطيني محمود عباس الاتفاق، وقال نبيل أبو ردينة مستشار عباس وهو يقرأ من البيان من مقر التلفزيون الرسمي في رام الله بالضفة الغربية المحتلة "تعلن القيادة الفلسطينية رفضها واستنكارها الشديدين للإعلان الثلاثي الأمريكي، (الإسرائيلي)، الإماراتي، المفاجئ، مقابل ادعاء تعليق مؤقت لمخطط ضم الأراضي الفلسطينية وبسط السيادة الإسرائيلية عليها". وأضاف أن الاتفاق "خيانة للقدس والأقصى والقضية الفلسطينية". وتابع قائلا "تعتبر القيادة الفلسطينية هذه الخطوة نسفا للمبادرة العربية للسلام وقرارات القمم العربية، والإسلامية، والشرعية الدولية، وعدوانا على الشعب الفلسطيني، وتفريطا بالحقوق الفلسطينية والمقدسات، وعلى رأسها القدس والدولة الفلسطينية المستقلة على حدود الرابع من حزيران/يونيو للعام 1967". وطالب أبو ردينة الإمارات "بالتراجع الفوري عن هذا الإعلان المشين، كما ترفض مقايضة تعليق ضم غير شرعي بتطبيع إماراتي واستخدام القضية الفلسطينية غطاء لهذا الغرض". وكأن الإمارات أتت بخيانة لم يسبقها فيها عباس وسلطته ومنظمته!

بينما رحب الأردن بالاتفاق وقال إنه قد يدفع مفاوضات السلام المجمدة إلى الأمام، كما رحب النظام المصري بالاتفاق، وثمن السيسي الاتفاق مؤكدا عبر تغريدة على تويتر "تابعت باهتمام وتقدير بالغ البيان المشترك الثلاثي بين الولايات المتحدة الأمريكية ودولة الإمارات العربية الشقيقة و(إسرائيل) حول الاتفاق على إيقاف ضم (إسرائيل) للأراضي الفلسطينية"، معتبرا أنها خطوات "من شأنها إحلال السلام في الشرق الأوسط"، برغم نفي نتنياهو أنه قدم وعدا بوقف ضم الضفة. وقد رفضت جامعة الدول العربية طلباً تقدمت به السلطة الفلسطينية لعقد اجتماع عربي طارئ لمناقشة اتفاق التطبيع الذي أبرمته الإمارات مؤخراً مع (إسرائيل). وتأكيد أنه سيكون اجتماعاً عادياً، في 9 أيلول/سبتمبر، مما يؤكد أن الجامعة قد لحست ما كانت تسميه بالمبادرة العربية أي الأرض مقابل السلام، وأنها قد تلقت أمرا بعدم معارضة الاتفاق.

موقف الأمة من تلك الخيانة:

في ظل الموجة التطبيعية التي افتتحتها الإمارات ولحقت بها البحرين، واضح أن مساراً سياسياً جديداً في المنطقة سيأخذ مجراه، وتعاملاً مختلفاً كلياً عن السابق سيكون مع "القضية الفلسطينية"، والالتفات إليها على أنها قضية أهلها فحسب، أي تصفية "القضية الفلسطينية"، وعلى أهل فلسطين أن يقلعوا شوكهم بأيديهم؛ فالقضية في نظرهم لم تعد قضية إسلامية ولا حتى عربية. ولهذا فإن الاتجاه العام الذي يسير فيه الحكام بالأمر المباشر الآن هو التعامل مع كيان يهود باعتباره كيانا طبيعيا لا بد من إقامة علاقات طبيعية معه بغض النظر عن معاناة أهلنا في فلسطين. فهناك اتجاه لدى دول عربية وخاصة خليجية نحو التطبيع مع كيان يهود بعد تطبيع الإمارات والبحرين، فعُمان تنتظر دورها، والكويت تعلن أنها لن تكون سوى آخر المطبّعين. أما السعودية، فإن تأخرت قليلاً فلأنها تحتاج إلى المزيد من الوقت لتتجرّأ على إظهار علاقاتها مع كيان يهود، وهي خائفة من تداعيات مثل هكذا قرار. وهناك قطر التي كانت السبَّاقة في إقامة العلاقة الخاصة مع كيان يهود. وهناك مصر السيسي والتي تطبع علاقاتها منذ عام 1979م بعيد اتفاقية كامب ديفيد. وهناك السودان الذي بدأ بالتطبيع من تحت الطاولة وهو في صدد إظهارها، وأما الجامعة العربية فهي بالأصل مجرد أداة في يد عواصم بعينها تستخدمها لأجندات لا علاقة لها بالإجماع العربي ولا بقضايا وتطلعات الأمة العربية.

إن موجة التطبيع القادمة هذه هي موجة إعلان حكام عن خياناتهم لقضية الأمة، ولا علاقة للشعوب الإسلامية بها، بل هم - أي الحكام - ينتابهم الخوف والتردد من مثل هذا الاجتراء، والشعوب الإسلامية لا شك أنها تلعنهم صباح مساء. لقد انتهت الآن المتاجرة بالقضية الفلسطينية من لدن الحكام، وعادت القضية إلى الأمة، وهذا هو الوضع السويُّ.

بعد هذا العرض لا بد من بيان الحكم الشرعي في التطبيع؛ وبالرجوع إلى معنى التطبيع الذي هو جعل العلاقة طبيعية بين طرفين طرأ بينهما موقف غير طبيعي، وجعل العلاقة طبيعية أي حالة سلام لا حالة حرب ولا تهديد بحرب، وهذه الحالة تقتضي الاعتراف المتبادل وإقامة علاقات سياسية ودبلوماسية وتجارية وثقافية واجتماعية واتصالات وسياحة وغير ذلك من المجالات، ويترتب على ذلك فتح السفارات والمكاتب التجارية والملاحق الثقافية والعسكرية وإقامة شركات وصناعات وبعثات مختلفة وسياحة وما إلى ذلك من مستلزمات الاعتراف المتبادل.

وهذه الأمور تعني بالمفهوم الشرعي إقرار الصهاينة على اغتصاب أرض المسلمين والتنازل عن أولى القبلتين وثالث الحرمين، بالإضافة إلى موالاة أشد الناس عداوة لله وللمؤمنين وإظهار المودة لهم، وهذه من الجرائم الكبرى في الإسلام وخيانة لله ولرسوله والمؤمنين فاليهود هم كما وصفهم الله تعالى: ﴿لَتَجِدَنَّ أَشَدَّ النَّاسِ عَدَاوَةً لِّلَّذِينَ آمَنُوا الْيَهُودَ وَالَّذِينَ أَشْرَكُوا﴾ [المائدة: 82]. يضاف إلى ذلك احتلالهم لأرض الإسراء والمعراج، كل ذلك يفرض أن تكون العلاقة معهم هي حالة حرب فعلية فهم قد احتلوا أرضاً إسلامية والواجب على المسلمين تحرير هذه الأرض حتى لو استوعب ذلك كل المسلمين في كل العالم. فكيف يكون بين المسلمين وبينهم تطبيع بالمعنى المذكور؟!

لقد حرم الله موالاتهم بقوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا عَدُوِّي وَعَدُوَّكُمْ أَوْلِيَاءَ تُلْقُونَ إِلَيْهِم بِالْمَوَدَّةِ وَقَدْ كَفَرُوا بِمَا جَاءَكُم مِّنَ الْحَقِّ﴾ [الممتحنة: 1]. وقال أيضاً: ﴿يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى أَوْلِيَاءَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ وَمَن يَتَوَلَّهُم مِّنكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ﴾ [المائدة: 51]. وقال أيضاً: ﴿إنَّمَا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ قَاتَلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَأَخْرَجُوكُم مِّن دِيَارِكُمْ وَظَاهَرُوا عَلَى إِخْرَاجِكُمْ أَن تَوَلَّوْهُمْ وَمَن يَتَوَلَّهُمْ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ﴾ [الممتحنة: 9]. ليس هذا فحسب بل إنَّ على الأمة، فوق عدم قبولها بهذا التطبيع مهما زُيِّن لها، وعدم موالاة الكافرين ومن والاهم من الحكام الخونة، أن تقاوم هذا التطبيع بكل أشكاله، وأن تبذل الوسع في مقاتلة اليهود الغاصبين أينما ثقفوا حتى يتم إخراجهم من الأرض المقدسة، قال تعالى: ﴿وَاقْتُلُوهُمْ حَيْثُ ثَقِفْتُمُوهُمْ وَأَخْرِجُوهُم مِّنْ حَيْثُ أَخْرَجُوكُمْ﴾ [البقرة: 191]. فالعلاقة التي قررها الله عز وجل بيننا وبين يهود هي القتل والقتال وليست الصلح والاستسلام أو التطبيع.

وبفضل الله عز وجل فإن المسلمين يفهمون هذه العلاقة جيداً، حتى اليهود أنفسهم يفهمونها، قال إلياهو بن اليسار أول سفير في مصر: "عليكم أن تأخذوا بعين الاعتبار أن ثمة رجلاً واحداً في مصر هو معنا. أما الآخرون فهم ضدنا حتى هؤلاء الجنود الذين يتولون حراسة السفارة قد يستخدمون بنادقهم ضدنا في أي وقت من الأوقات، نحن هنا إذن فريق كوماندوز داخل محيط معادٍ تماماً، علينا أن نتصرف على هذا الأساس".

وهكذا فإن التطبيع مع يهود هو خطر كله، ومن كبائر الإثم والعدوان، ولكن الأشد خطراً والأعظم إثماً هو بقاء هذا الكيان قائماً على أي جزء من فلسطين، فقتاله واجب وإزالته فرض عظيم، وعلى الأمة، أمة النصر والشهادة، أن تلفظ الحكام وأعوانهم، الذين يعترفون بكيان يهود، سواء أكانوا مهرولين في التطبيع معه أم أقل هرولة، فأُسُّ الداء ومكمن الخطر هو وجود هذا الكيان وبقاؤه، والواجب على الأمة أن تقف في وجه هؤلاء الحكام وتعمل على تغييرهم ولا تكون في صفهم حتى لا تحشر يوم القيامة في زمرتهم، قال تعالى: ﴿وَمَن يَتَوَلَّهُم مِّنكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ﴾، وقال سبحانه: ﴿وَمَن يَتَوَلَّهُم مِّنكُمْ فَأُوْلَـئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ﴾، ويقول ﷺ: «الْمَرْءُ مَعَ مَنْ أَحَبَّ يَوْمَ الْقِيَامَةِ»، فما على المسلمين إلا أن يزيلوا حاجز الخوف ويحسنوا الظن بالله وبصدق وعده، ويعملوا على إقامة دولة الخـلافة التي ستعمل على تخليص البلاد والعباد من دنس يهود ومن والاهم من الخونة ﴿وَاللَّهُ غَالِبٌ عَلَى أَمْرِهِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ﴾ [يوسف: 21].

كتبه للمكتب الإعلامي المركزي لحزب التحرير

حامد عبد العزيز

المزيد من القسم null

لا تنخدعوا بالأسماء فالعبرة بالمواقف لا بالأنساب

لا تنخدعوا بالأسماء فالعبرة بالمواقف لا بالأنساب

في كل مرة يُقدَّم لنا "رمز جديد" له جذور مسلمة أو ملامح شرقية، يهلل كثير من المسلمين، وتُبنى الآمال على وهمٍ اسمه "التمثيل السياسي" في نظامٍ كافر لا يعترف بالإسلام حكماً ولا عقيدةً ولا شريعةً.

نذكر جميعاً الفرح العارم الذي اجتاح مشاعر كثيرين عند فوز أوباما في 2008. فهو ابن كينيا، وله أب مسلم! وهنا توهم البعض أن الإسلام والمسلمين باتوا قريبين من النفوذ الأمريكي، لكن أوباما كان أحد أكثر الرؤساء إيذاءً للمسلمين فقد دمر ليبيا، وساهم في مأساة سوريا، وأشعل أفغانستان والعراق بطائراته وجنوده، بل كان سفاك الدماء في اليمن عبر أدواته وكان عهده استمراراً لعداء ممنهج ضد الأمة.

واليوم يتكرر المشهد، لكن بأسماء جديدة. فـزوهران ممداني يُحتفى به لأنه مسلم ومهاجر وشاب، وكأنه المنقذ! لكن قليلين فقط ينظرون إلى مواقفه السياسية والفكرية. هذا الرجل من الداعمين الأشداء للشواذ المثليين، ومشارك في فعالياتهم، ويعتبر انحرافهم حقوقاً إنسانية!

أي خزي هذا يُعلق عليه الناس آمالاً؟! ألم يكن تكراراً للخيبة السياسية والفكرية نفسها التي وقعت فيها الأمة مراراً وتكراراً؟! نعم لأنها تُفتن بالشكل لا بالجوهر! تُخدع بالابتسامات، وتتعامل بالعاطفة لا بالعقيدة، وبالأسماء لا بالمفاهيم، وبالرموز لا بالمبادئ!

إن هذا الانبهار بالأشكال والأسماء نتيجة غياب الوعي السياسي الشرعي، لأن الإسلام لا يقاس بالأصل أو الاسم أو العرق، بل بالالتزام بمبدأ الإسلام كاملاً؛ نظاماً وعقيدةً وشريعةً. ولا قيمة لمسلم لا يحكم بالإسلام ولا ينصره، بل يخضع للنظام الرأسمالي الكافر، ويبرر الكفر والانحرافات باسم "الحرية".

وليعلم جميع المسلمين الذين فرحوا بفوزه وظنّوا أنه بذرة خير أو بداية نهوض، أن النهوض لا يكون من داخل أنظمة الكفر، ولا بأدواتها، ولا عبر صناديق اقتراعها، ولا تحت سقف دساتيرها.

فمن يُقدّم نفسه عبر النظام الديمقراطي، ويقسم على احترام قوانينه، ثم يدافع عن الشذوذ الجنسي ويحتفل به، ويدعو إلى ما يغضب الله، فهو ليس نصيراً للإسلام ولا أملاً للأمة، بل هو أداة تلميع وتمييع، وتمثيل مزيّف لا يُقدّم ولا يؤخر.

إن ما تسمى النجاحات السياسية في الغرب لبعض الشخصيات ذات الأسماء الإسلامية، ما هي إلا فُتات يُقدَّم كمسكنات للأمة، ليقال لها: انظروا، التغيير ممكن عبر أنظمتنا.

 فما حقيقة هذا "التمثيل"؟

الغرب لا يفتح أبواب الحكم للإسلام، بل يفتحها فقط لمن يتماهى مع قيمه وأفكاره. وأي شخص يدخل نظامهم لا بد أن يقبل بدستورهم، وبقوانينهم الوضعية، وأن يتنكر لحكم الإسلام، فإن رضي بذلك، أصبح نموذجاً مقبولاً، أما المسلم الحق، فهو مرفوض عندهم من جذوره.

فمن هو زهران ممداني؟ ولماذا يُصنع هذا الوهم؟

هو شخص يحمل اسماً مسلماً لكنه متبنٍ لأجندة منحرفة مخالفة تماماً لفطرة الإسلام، من دعم المثليين، والترويج لما يُسمى بـ"حقوقهم"، وهو نموذج حي لكيف يصنع الغرب نماذجه: مسلم بالاسم، علماني بالفعل، خادم لأجندة الليبرالية الغربية لا أكثر. بل لإشغال الأمة عن طريقها الحقيقي، فبدل أن تطالب بدولة الإسلام والخلافة، تنشغل بالمقاعد النيابية والمناصب في أنظمة كفر! وبدل أن تتوجه لتحرير فلسطين، تنتظر مَن "يدافع عن غزة" من داخل الكونغرس الأمريكي أو البرلمان الأوروبي!

فحقيقة الأمر أن هذا تشويه لطريق التغيير الحقيقي، وهو إقامة الخلافة الراشدة على منهاج النبوة، التي تُعلي راية الإسلام، وتقيم شرع الله، وتوحد الأمة خلف خليفة واحد يُقاتل من ورائه ويُتقى به.

فلا تنخدعوا بالأسماء، ولا تفرحوا بمن ينتمي لكم شكلاً ويخالفكم مضموناً، فليس كل من حمل اسم سعيد أو علي أو زهران هو على طريق نبينا محمد ﷺ.

واعلموا أن التغيير لا يأتي من داخل برلمانات الكفر، بل من جيوش الأمة التي آن لها أن تتحرك، ومن شبابها الواعين الذين يعملون ليلا ونهارا لقلب الطاولة على رؤوس الغرب وأعوانه وأتباعه الخائنين في بلاد الإسلام والمسلمين.

فالمسلمون لن ينهضوا عبر انتخابات الديمقراطية ولا من خلال صناديق الغرب، بل بنهضة حقيقية على أساس العقيدة الإسلامية، بإقامة دولة الخلافة الراشدة التي تُعيد للإسلام مكانته، وللمسلمين عزّتهم، وتحطم أوهام الديمقراطية.

لا تنخدعوا بالأسماء، ولا تعلقوا آمالكم على أفراد في أنظمة كفر، بل ارجعوا إلى مشروعكم العظيم: استئناف الحياة الإسلامية، فهذا وحده طريق العزة والنصر والتمكين.

فالمشهد تكرار مُهين لمآسٍ قديمة: رموز مزيفة، وولاء للأنظمة الغربية، وانحراف عن طريق الإسلام. وكل من يُصفّق لهذا المسار، إنما يضلل الأمة. فعودوا إلى مشروع الخلافة، ولا تجعلوا أعداء الإسلام يصنعون لكم قادتكم وممثليكم. فالعزة ليست في مقاعد الديمقراطية، بل في سدة الخلافة التي يعمل لها حزب التحرير ويُحذر الأمة من هذا الانحدار الفكري والسياسي. فلا خلاص لنا إلا بدولة الخلافة، التي لا تسمح بأن يحكم المسلمين من يدين بدين غير الإسلام، ولا بمن يبرر الشذوذ والانحراف، ولا بمن يُشرّع للناس غير ما أنزل الله.

كتبه لإذاعة المكتب الإعلامي المركزي لحزب التحرير

عبد المحمود العامري – ولاية اليمن

مصر بين الشعارات الحكومية والواقع المرّ  الحقيقة الكاملة عن الفقر، والسياسات الرأسمالية

مصر بين الشعارات الحكومية والواقع المرّ

الحقيقة الكاملة عن الفقر، والسياسات الرأسمالية

نقلت بوابة الأهرام الثلاثاء 4 تشرين الثاني/نوفمبر 2025م، أن رئيس الوزراء المصري، في كلمة ألقاها نيابةً عن الرئيس في القمة العالمية الثانية للتنمية الاجتماعية في العاصمة القطرية الدوحة، قال إنّ مصر تطبّق نهجاً شاملاً للقضاء على الفقر في جميع أشكاله وأبعاده، بما في ذلك "الفقر متعدد الأبعاد".

منذ سنوات، لا يكاد يخلو خطاب رسمي في مصر من عباراتٍ مثل "نهج شامل للقضاء على الفقر" و"الانطلاقة الحقيقية للاقتصاد المصري". يكرّر المسؤولون هذه الشعارات في المؤتمرات والمناسبات، مصحوبة بصور براقة لمشروعات استثمارية وفنادق ومنتجعات. لكن الواقع، كما تشهد عليه التقارير الدولية، مختلف تماماً. فالفقر في مصر ما زال ظاهرةً راسخة، بل متفاقمة، رغم الوعود الحكومية المتكرّرة بالتحسن والنهضة.

بحسب تقارير اليونيسف والإسكوا وبرنامج الغذاء العالمي لعامي 2024 و2025، يعيش نحو واحد من كل خمسة مصريين في فقرٍ متعدد الأبعاد، أي محروم من أكثر من جانب من جوانب الحياة الأساسية كالتعليم والصحة والسكن والعمل والخدمات. كما تؤكد البيانات أن أكثر من 49% من الأسر تعاني من صعوبات في الحصول على غذاء كافٍ، وهو رقم صادم يعكس عمق الأزمة المعيشية.

أما الفقر المالي، أي انخفاض الدخل مقارنة بتكاليف المعيشة، فقد ارتفع بصورة حادة، نتيجة موجات التضخم المتلاحقة التي أكلت أجور الناس وجهودهم ومدخراتهم، حتى أصبحت نسبة كبيرة من المصريين تحت خط الفقر المالي رغم عملهم الدائم.

وبينما تتحدث الحكومة عن مبادرات مثل "تكافل وكرامة" و"حياة كريمة"، تكشف الأرقام الدولية أن هذه البرامج لم تغيّر بنية الفقر جذرياً، بل اقتصرت على مسكّنات مؤقتة أشبه بالقطرة التي تُسكب في صحراء. فما زال الريف المصري الذي يقطنه أكثر من نصف السكان، يعاني من ضعف الخدمات وانعدام فرص العمل اللائق وتهالك البنية الأساسية. ويؤكد تقرير الإسكوا أن الحرمان في الريف يفوق نظيره في المدن بعدة أضعاف، ما يدل على سوء توزيع الثروة والإهمال المزمن للأطراف.

حين يشكر رئيسُ الوزراء ابنَ البلد "الذي تحمّل مع الحكومة إجراءات الإصلاح الاقتصادي"، فإنه في الواقع يُقرّ بوجود معاناة حقيقية ناتجة عن تلك السياسات. غير أن هذا الاعتراف لا يتبعه تغيير في المنهج، بل مزيد من السير في الطريق الرأسمالي نفسه الذي سبّب الأزمة.

فالإصلاح المزعوم الذي بدأ عام 2016 ببرنامج "التعويم" ورفع الدعم وزيادة الضرائب، لم يكن إصلاحاً بل تحميلاً للفقراء كلفة الديون والعجز. وفي الوقت الذي يتحدث فيه المسؤولون عن "الانطلاقة"، تتجه الاستثمارات الضخمة إلى العقارات الفاخرة والمشروعات السياحية التي تخدم أصحاب رؤوس الأموال، بينما لا يجد ملايين الشباب فرصاً للعمل أو السكن. بل إن كثيراً من هذه المشاريع، كمنطقة علم الروم في مطروح التي تُقدّر استثماراتها بـ29 مليار دولار، هي شراكات رأسمالية أجنبية تستحوذ على الأراضي والثروات وتحوّلها إلى مصدر ربح للمستثمرين، لا مصدر رزق للناس.

النظام يفشل ليس لأنه فاسد فحسب، بل لأنه يسير على أساسٍ فكريٍّ باطلٍ هو النظام الرأسمالي، الذي يجعل المال محوراً لكل سياسات الدولة. فالرأسمالية تقوم على حرية التملك المطلقة، وتسمح بتكديس الثروة في يد القلة التي تملك أدوات الإنتاج، فيما تتحمل الكثرة عبء الضرائب والأسعار والدَّين العام.

ولهذا، فإن كل ما يُسمى "برامج حماية اجتماعية" ما هو إلا محاولة لتجميل وجه الرأسمالية الوحشي، وإطالة عمر نظامٍ جائرٍ يراعي الأغنياء ويجبي من الفقراء. فبدلاً من معالجة أصل الداء؛ أي احتكار الثروة وتبعية الاقتصاد للمؤسسات الدولية، يُكتفى بتوزيع فتات من الإعانات النقدية، لا ترفع فقراً ولا تحفظ كرامة.

إن الرعاية ليست منّةً من الحاكم على الرعية، بل واجب شرعي، ومسؤولية يحاسبه الله عليها في الدنيا والآخرة. وما يجري اليوم، هو إهمال متعمّد لشؤون الناس، وتخلٍّ عن واجب الرعاية لصالح قروضٍ مشروطة من صندوق النقد والبنك الدوليين.

لقد أصبحت الدولة وسيطاً بين الفقير والدائن الأجنبي، تفرض الضرائب وتقلّص الدعم وتبيع الممتلكات العامة لسدّ عجزٍ متضخم صنعه النظام الرأسمالي نفسه. وفي هذا كله تغيب المفاهيم الشرعية التي تضبط الاقتصاد، كتحريم الربا، ومنع تملك الثروات العامة للأفراد، ووجوب النفقة على الرعية من بيت مال المسلمين.

لقد قدم الإسلام نظاماً اقتصادياً متكاملاً يعالج الفقر من جذوره، لا بمجرد دعمٍ نقدي أو مشروعات تجميلية. هذا النظام يقوم على أسسٍ شرعيةٍ ثابتة أبرزها:

1- تحريم الربا والديون الربوية التي تُكبّل الدولة وتستنزف مواردها، فبزوال الربا تزول تبعية الاقتصاد للمؤسسات الدولية، وتُعاد السيادة المالية للأمة.

2- جعل الملكيات ثلاثة أنواع:

ملكية فردية: كالبيوت والمتاجر والمزارع الخاصة...

ملكية عامة: تشمل الثروات الكبرى كالنفط والغاز والمعادن والمياه...

ملكية دولة: كأراضي الفيء والركاز والخراج...

وبهذا التوزيع تتحقق العدالة، إذ تُمنع فئة قليلة من احتكار موارد الأمة.

3- ضمان الكفاية لكل فرد من الرعية: فالدولة تضمن لكل إنسان في رعايتها حاجاته الأساسية من مأكل وملبس ومسكن، فإن عجز عن العمل وجب على بيت المال أن ينفق عليه.

4- الزكاة والإنفاق الإلزامي: الزكاة ليست إحساناً بل فريضة، تجمعها الدولة وتصرفها في مصارفها الشرعية للفقراء والمساكين والغارمين. وهي أداة توزيع فعّالة تعيد الأموال إلى دورة الحياة في المجتمع.

مع التحفيز على العمل المنتج ومنع الاستغلال، والحثّ على استثمار الموارد في مشاريع نافعة حقيقية كالصناعات الثقيلة والحربية لا في المضاربات والعقارات الفاخرة والمشاريع الوهمية. إلى جانب ضبط الأسعار بالعرض والطلب الحقيقيين لا بالاحتكار ولا بالتعويم.

إن دولة الخلافة على منهاج النبوة هي وحدها القادرة على تطبيق هذه الأحكام عملياً، لأنها تُبنى على أساس العقيدة الإسلامية، ويكون هدفها رعاية شؤون الناس لا جباية أموالهم. ففي ظل الخلافة، لا يوجد ربا ولا قروض مشروطة، ولا بيع للثروات العامة للأجانب، بل تُدار الموارد بما يحقق مصلحة الأمة، ويتولى بيت المال تمويل الرعاية الصحية والتعليم والمرافق العامة من موارد الدولة والخراج والأنفال والملكية العامة.

أما الفقراء، فتُكفل حاجاتهم الأساسية فرداً فرداً، لا عبر صدقات مؤقتة بل كحقٍّ شرعي مضمون. ولذا فإن محاربة الفقر في الإسلام ليست شعاراً سياسياً، بل نظام حياة متكامل يُقيم العدل ويمنع الظلم ويعيد الثروة إلى أهلها.

ما بين الخطاب الرسمي والواقع المعاش مسافةٌ هائلة لا تخفى على أحد. فبينما تتغنّى الحكومة بمشروعاتها "العملاقة" وبـ"الانطلاقة الحقيقية"، يعيش ملايين المصريين تحت خط الفقر، يعانون الغلاء والبطالة وانعدام الأمل. والحقيقة أن هذه المعاناة لن تزول ما دامت مصر تسير في طريق الرأسمالية، تُسلِّم اقتصادها للمرابين وتخضع لسياسات المؤسسات الدولية.

إن أزمات ومشكلات مصر هي مشكلات إنسانية وليست مادية، وتتعلق بها أحكام شرعية تبين كيفية التعامل معها وعلاجها على أساس الإسلام، وإن الحلول أسهل من غض الطرف لكنها تحتاج إدارة مخلصة تملك إرادة حرة تريد السير في الطريق الصحيح وتريد الخير لمصر وأهلها حقا، وحينها على هذه الإدارة أن تراجع كل العقود التي أبرمت سابقا والتي تبرم مع كل الشركات التي تحتكر أصول البلاد وما هو من ملكياتها العام وعلى رأسها شركات التنقيب عن الغاز والنفط والذهب وباقي المعادن والثروات، وتطرد كل تلك الشركات لأنها في الأصل شركات استعمارية ناهبة لثروات البلاد، ثم تصوغ عهدا جديدا يقوم على تمكين الناس من ثروات البلاد وإنشاء أو استئجار شركات تقوم هي على إنتاج الثروة من منابع النفط والغاز والذهب وغيرها من المعادن وتعيد توزيع هذه الثروات على الناس من جديد، حينها سيتمكن الناس من زراعة الأرض الموات التي ستمكنهم الدولة من استغلالها بحقهم فيها، وسيتمكنون أيضا من صناعة ما يجب أن يصنع ليرتفع باقتصاد مصر ويكفي أهلها، وستدعمهم الدولة في هذا السبيل، وإن كل هذا ليس ضربا من الخيال ولا مستحيل الحدوث ولا مشروعا نعرضه للتجربة قد ينجح أو يفشل، وإنما هي أحكام شرعية لازمة ملزمة للدولة والرعية، فلا يجوز للدولة أن تفرط في ثروات البلاد التي هي ملك للناس بدعوى عقود أقرتها وأيدتها وتحميها قوانين دولية جائرة، ولا يجوز لها أن تمنع الناس منها بل يجب أن تقطع كل يد تمتد ناهبة إلى ثروات الناس، هذا ما يقدمه الإسلام ويجب تنفيذه، إلا أنه لا يطبق بمعزل عن باقي أنظمة الإسلام بل إنه لا يطبق إلا من خلال دولة الخلافة الراشدة على منهاج النبوة، هذه الدولة التي يحمل همها والدعوة إليها حزب التحرير ويدعو مصر وأهلها شعبا وجيشا إلى العمل معه من أجلها، عسى الله أن يكتب الفتح من عنده فنراها واقعا يعز الإسلام وأهله، اللهم عاجلا غير آجل.

﴿وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرَىٰ آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَفَتَحْنَا عَلَيْهِم بَرَكَاتٍ مِّنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ﴾

كتبه للمكتب الإعلامي المركزي لحزب التحرير

سعيد فضل

عضو المكتب الإعلامي لحزب التحرير في ولاية مصر