فاجعة طنجة شمال المغرب هي جريمة نظام!!!
February 14, 2021

فاجعة طنجة شمال المغرب هي جريمة نظام!!!

فاجعة طنجة شمال المغرب هي جريمة نظام!!!


استيقظ أهل المغرب على فاجعة من بين فواجع تترى بها حياة أوجاعهم، وكأنك بحياتهم تجربة أوجاع وأحزان، لا تكاد تمتلئ بوجع لتفرغه، حتى تفرغ لتمتلئ بوجع آخر. استيقظوا على مقتل 29 من فلذات أكبادهم غرقا في قَبْوٍ كان معملا سجنا للنسيج، بمدينة طنجة شمال المغرب، بعد أن حاصرتهم مياه الأمطار داخل القبو، وعَدِمُوا الغوث بعد طول استغاثة، ومن هول الفاجعة فَقْدُ أم أرملة لبناتها الأربعة في الحادث.


ولك أن تسأل وأن تستغرب كيف يكون الغرق في قبو بيت؟! ولكنها من غرائب مآسينا في زمن هدم رويبضاتنا ووباء سياستهم، التي ما كانت فينا إلا فسادا وإفسادا.


زخات مطر لسويعات من نهار لا تذكر تغرق مدنا وتزهق أرواحا وتنهك أموالا، ما كان القضاء فيها إلا مطرا، وتكفلت سوء الرعاية وفساد الراعي ولؤم البطانة بتحويلها إلى فيضانات عارمة وسيول جارفة، لك أن تعلم أننا ما سمعنا بهلاك زرع أو ضرع بريف أو بادية، ولكن رأينا خرابا حل بالمدن لفقدها شبكة مجارٍ لصرف المياه، وإن وجد منها شيء فمهترئ متهالك بفعل عدم الصيانة وفساد التجهيز والتركيب ثم ضيق سعة المجاري؛ ما حَوَّل البالوعات إلى قاذفات للمياه عوض بلعها أغرقت شوارع وأحياء ومدنا، وذلك الذي أغرق القبو المعمل في ثوان معدودة.


تالله ما كانت مآسينا إلا صورة من صنيع رويبضاتنا فينا، وكأنها أيام من حول حكمهم المشؤوم مستمرة متكررة، فنحن بحقٍّ الغارقون في شبر ماء، فمع كل قطرة مطر نستشعر هول الفاجعة؛ فقبل أسابيع غرقت شوارع وأحياء البيضاء كبرى حواضر البلد ومركز اقتصاده، وأسفرت تلك الفيضانات عن انهيار مبان وإزهاق أرواح وضياع ممتلكات. وقبلها في أيلول/سبتمبر 2019 قضى 24 مسافراً إثر انجراف حافلتهم جراء سيول الفيضانات، وقبلها قضى 15 من أهل مراكش على إثر انهيار أرضي بسبب الفيضانات. ثم كان وكان وكانت فاجعة الجنوب بإقليم كلميم سنة 2014 وفيضاناتها التي أسفرت عن دمار قرى بأكملها وحولتها إلى برك من الماء والطين، وأزهقت عشرات الأرواح.


فهذه الفيضانات المتكررة عرّت حقيقة البنية التحتية المنعدمة وإن وجد منها شيء فمهترئ متهالك، وغياب الخدمات والمرافق اللازمة، فسويعات من زخات مطرية كفيلة بتحويل مدن لبرك ماء وقرى لركام طمي، بسبب الاختناق السريع للبالوعات الضيقة المتهالكة، المهملة الصيانة، والسيئة التصميم والتجهيز والتركيب.


أما الحقيقة العارية فهي فساد النظام منظومةً وأجهزة، عطفا عليهم فساد الذمم الذي ينخر سوسه جسم المجتمع، حتى بات في إفساده أشد من الفساد ذاته، ولك أن تعلم حجم الفساد من أن زخات مطرية لسويعات لا تعد حطمت قناطر وطرقاً لم يمر على إنشائها سوى 3 أشهر، وانهدمت أبنية سلمت رخص بنائها فوق أسرة ومجاري أودية جافة جرفتها السيول بعد حين، بل في فجور هذا النظام واستهتاره بأهل البلد أحياء وأمواتا، أن ضحايا إحدى الفيضانات رميت جثتهم في شاحنة للأزبال لنقلهم!


ثم استمرارا في غيه وفجوره، فمتى حلت الكارثة تداعى هذا النظام الفاجر للتعمية على إجرامه، وانبرى إعلامه المأجور لتحويل الجريمة إلى قضاء، وقبيح وشنيع سوء رعايته إلى قدر، بل في امتهانه واحترافه للكذب جلد الضحية ونسب إليها قبيح صنيع نظامه! فقد أذيع خبر فاجعة طنجة مرفوقا ومذيلا بالقرينة التهمة، من كون القبو المعمل كان سريا، في خبث إيحاء وإيهام بأن المعمل حالة نشاز وخروج عن النسق ومخالفة للوائح والقوانين الإدارية، وفي كل هذا ما كان هذا الكذب الصاخب إلا سعيا لطمس حقيقة الجريمة والمجرم.


فبعد هذا الهرج والمرج حول سرية المعمل والذي اتضح أنه ما كان في يوم من الأيام سريا، فالقبو المعمل ما كان نشازا في منظومة غارقة في الفساد ولا سريا، فالمعمل لشركة مرخص لها منذ سنوات، وبناء عليه تم تزويده بتيار كهربائي عالي التوتر لتشغيل معدات وآلات الخياطة بعد حصوله على تراخيص من الأجهزة والإدارات المعنية.


أما ما وراء الأكمة، فهو أن جل معامل ومصانع النسيج سواء بطنجة أو البيضاء تفتقر إلى أدنى معايير السلامة المهنية للآدميين؛ مساحات ضيقة واكتظاظ، وانعدام مخارج ومنافذ للطوارئ حالة الحرائق أو الفيضانات، وعدم وجود مطافئ لإخماد الحرائق بورشات النسيج، فضلا عن سوء التهوية وانعدام الشروط الصحية وغياب النظافة ومرافقها...، فحسب دراسة لنقابة رجال الأعمال "اتحاد مقاولات المغرب" لسنة 2018 فإن 54% من منتجات النسيج تصنع في معامل "لا تحترم المعايير القانونية".


والأنكى أن هذا الوضع لقطاع النسيج بالمغرب خطط له وصمم بهكذا شكل مأساوي استجابة لحاجة رأسماليي القطاع الغربيين خلف البحر، وتحديدا شركات النسيج الفرنسية والإسبانية بتواطؤ تام مع الدولة وأجهزتها. فمن شروط الرأسمالي الغربي خلف البحر إعفاؤه ضريبياً وحصانة قانونية من أية مساءلة بل إعفاؤه من قانون الشغل المحلي نفسه، وتوفير اليد العاملة بأبخس الأثمان وأزهد الأجور، لتخفيض مصاريفه وزيادة أرباحه. ولتوفير هكذا نخاسة، وتخفيضاً للمصاريف في حدها الأدنى، يلجأ النظام لهكذا أساليب ووسائل حقيرة دنيئة باستعمال حاويات وجدران مغطاة بصفائح القصدير وأقبية كلفتها متدنية كمعامل ومصانع لجيوش البائسين الكادحين من شباب البلد، فضلا عن جعل أغلبية هؤلاء الكادحين غير مسجلين في لوائح الشغل أي ليس لهم أي غطاء قانوني، مما يسهل غمط حقوقهم وتخفيض تكاليف أجورهم.


فحسب معطيات الجمعية المغربية لصناعة النسيج والألبسة (لاميث) فإن إسبانيا وفرنسا تشكلان لوحدهما 60% من سوق النسيج بالمغرب، ويوفر القطاع فرص شغل لعمالة قدرت بـ600 ألف، منها 200 ألف بالقطاع الرسمي المنظم و400 ألف خارج التغطية القانونية. وكشفت القناة الإسبانية "تيلي سينكو" في تحقيق صحفي مصور لها سنة 2019 عن مآسي وعذابات عمال النسيج بطنجة، ومن أن مفتشية الشغل ممثلة في مفتشيها تخفي أبشع أنواع الاستغلال وأشنع ظروف العمل، وأضافت أن 80 ألف عامل في 500 مصنع بطنجة لا تتعدى أجورهم 500 درهم للأسبوع ما يعادل 46 يورو، وتبلغ ساعات العمل 12 ساعة في اليوم.


علما أن من يشرف على هذا المقت والعبودية المقنعة هي الشركات الغربية الرأسمالية لصناعة النسيج التي تتعاقد مع هكذا معامل ومصانع وتديرها نيابة عنها الدولة الوظيفية وأجهزتها، ويكأن رقيق حقول القطن قد استبدل بهم عبيد معامل النسيج، والغرب الكافر هو هو في توحشه الرأسمالي لا يحيد عن طبعه المفترس قيد أنملة.


والذي زاد من قبح المصيبة أن هذه الحاويات المصانع والأقبية المعامل في افتقارها لأدنى شروط السلامة والأمان كانت وما زالت مصدرا للكوارث والفواجع، فحسب بيانات "المجلس الاقتصادي والاجتماعي والبيئي" فإن حوادث الشغل بالمغرب تصل إلى 2000 حالة وفاة في السنة الواحدة، وهي من أعلى الأرقام في منطقة شمال أفريقيا والشرق الأوسط.


ما كانت فاجعة طنجة إلا جريمة أخرى تضاف لسجل الموت الأسود لجرائم النظام ومن ورائه الغرب الكافر، وما كنتم فيها معشر الأهل بالمغرب إلا حطبا لناره، وما كنتم إلا رقما في شبكة الاتجار بالبشر لرأسماليي الغرب الكفرة الفجرة، ونخاسكم نظامكم.


يا معشر الأهل المقهورين والمحرومين في المغرب:


هذا حالكم في زمن الرويبضات اللئام؛ سوء رعاية وإهمال وإذلال - حشف وسوء كيلة - يبغون للغرب الكافر ولأنفسهم ما لا يبغون لكم، يتخوضون في أموالكم ترفا وفحش غنى ولكم في دويلاتهم جحيم الفقر وخراب الجهل ومستنقع الأمراض نصيبا وحظا وسياطهم تلهب ظهوركم ظلما وقهرا.


يا معشر الأهل:


أما آن لكم أن تنفضوا عنكم غبار المهانة وتنزعوا عنكم لباس الذل وتكسروا أغلال القهر؟! ولن يكون ذلك إلا إذا اتخذتم من تحكيم شرع ربكم قضية مصيرية لكم، ولن يكون ذلك إلا بانتزاع سلطانكم المغصوب من هكذا رويبضات وبيعة إمام راشد على كتاب الله سبحانه وسنة نبيه ﷺ، يعمل فيكم بسيرة الراشدين خلافة راشدة على منهاج النبوة يقام فيها أمر دينكم وتستقيم فيها حياتكم ويحكم فيها بشرع ربكم فترد لكم حقوقكم وتحمى بيضتكم وتعز أنفسكم ويهاب جانبكم ويذل عدوكم، فتحققوا حقيق عبادة ربكم فيرضى عنكم ويرضيكم.


﴿وَأَطِيعُواْ اللَّهَ وَالرَّسُولَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ﴾

كتبه للمكتب الإعلامي المركزي لحزب التحرير
مناجي محمد

المزيد من القسم null

لا تنخدعوا بالأسماء فالعبرة بالمواقف لا بالأنساب

لا تنخدعوا بالأسماء فالعبرة بالمواقف لا بالأنساب

في كل مرة يُقدَّم لنا "رمز جديد" له جذور مسلمة أو ملامح شرقية، يهلل كثير من المسلمين، وتُبنى الآمال على وهمٍ اسمه "التمثيل السياسي" في نظامٍ كافر لا يعترف بالإسلام حكماً ولا عقيدةً ولا شريعةً.

نذكر جميعاً الفرح العارم الذي اجتاح مشاعر كثيرين عند فوز أوباما في 2008. فهو ابن كينيا، وله أب مسلم! وهنا توهم البعض أن الإسلام والمسلمين باتوا قريبين من النفوذ الأمريكي، لكن أوباما كان أحد أكثر الرؤساء إيذاءً للمسلمين فقد دمر ليبيا، وساهم في مأساة سوريا، وأشعل أفغانستان والعراق بطائراته وجنوده، بل كان سفاك الدماء في اليمن عبر أدواته وكان عهده استمراراً لعداء ممنهج ضد الأمة.

واليوم يتكرر المشهد، لكن بأسماء جديدة. فـزوهران ممداني يُحتفى به لأنه مسلم ومهاجر وشاب، وكأنه المنقذ! لكن قليلين فقط ينظرون إلى مواقفه السياسية والفكرية. هذا الرجل من الداعمين الأشداء للشواذ المثليين، ومشارك في فعالياتهم، ويعتبر انحرافهم حقوقاً إنسانية!

أي خزي هذا يُعلق عليه الناس آمالاً؟! ألم يكن تكراراً للخيبة السياسية والفكرية نفسها التي وقعت فيها الأمة مراراً وتكراراً؟! نعم لأنها تُفتن بالشكل لا بالجوهر! تُخدع بالابتسامات، وتتعامل بالعاطفة لا بالعقيدة، وبالأسماء لا بالمفاهيم، وبالرموز لا بالمبادئ!

إن هذا الانبهار بالأشكال والأسماء نتيجة غياب الوعي السياسي الشرعي، لأن الإسلام لا يقاس بالأصل أو الاسم أو العرق، بل بالالتزام بمبدأ الإسلام كاملاً؛ نظاماً وعقيدةً وشريعةً. ولا قيمة لمسلم لا يحكم بالإسلام ولا ينصره، بل يخضع للنظام الرأسمالي الكافر، ويبرر الكفر والانحرافات باسم "الحرية".

وليعلم جميع المسلمين الذين فرحوا بفوزه وظنّوا أنه بذرة خير أو بداية نهوض، أن النهوض لا يكون من داخل أنظمة الكفر، ولا بأدواتها، ولا عبر صناديق اقتراعها، ولا تحت سقف دساتيرها.

فمن يُقدّم نفسه عبر النظام الديمقراطي، ويقسم على احترام قوانينه، ثم يدافع عن الشذوذ الجنسي ويحتفل به، ويدعو إلى ما يغضب الله، فهو ليس نصيراً للإسلام ولا أملاً للأمة، بل هو أداة تلميع وتمييع، وتمثيل مزيّف لا يُقدّم ولا يؤخر.

إن ما تسمى النجاحات السياسية في الغرب لبعض الشخصيات ذات الأسماء الإسلامية، ما هي إلا فُتات يُقدَّم كمسكنات للأمة، ليقال لها: انظروا، التغيير ممكن عبر أنظمتنا.

 فما حقيقة هذا "التمثيل"؟

الغرب لا يفتح أبواب الحكم للإسلام، بل يفتحها فقط لمن يتماهى مع قيمه وأفكاره. وأي شخص يدخل نظامهم لا بد أن يقبل بدستورهم، وبقوانينهم الوضعية، وأن يتنكر لحكم الإسلام، فإن رضي بذلك، أصبح نموذجاً مقبولاً، أما المسلم الحق، فهو مرفوض عندهم من جذوره.

فمن هو زهران ممداني؟ ولماذا يُصنع هذا الوهم؟

هو شخص يحمل اسماً مسلماً لكنه متبنٍ لأجندة منحرفة مخالفة تماماً لفطرة الإسلام، من دعم المثليين، والترويج لما يُسمى بـ"حقوقهم"، وهو نموذج حي لكيف يصنع الغرب نماذجه: مسلم بالاسم، علماني بالفعل، خادم لأجندة الليبرالية الغربية لا أكثر. بل لإشغال الأمة عن طريقها الحقيقي، فبدل أن تطالب بدولة الإسلام والخلافة، تنشغل بالمقاعد النيابية والمناصب في أنظمة كفر! وبدل أن تتوجه لتحرير فلسطين، تنتظر مَن "يدافع عن غزة" من داخل الكونغرس الأمريكي أو البرلمان الأوروبي!

فحقيقة الأمر أن هذا تشويه لطريق التغيير الحقيقي، وهو إقامة الخلافة الراشدة على منهاج النبوة، التي تُعلي راية الإسلام، وتقيم شرع الله، وتوحد الأمة خلف خليفة واحد يُقاتل من ورائه ويُتقى به.

فلا تنخدعوا بالأسماء، ولا تفرحوا بمن ينتمي لكم شكلاً ويخالفكم مضموناً، فليس كل من حمل اسم سعيد أو علي أو زهران هو على طريق نبينا محمد ﷺ.

واعلموا أن التغيير لا يأتي من داخل برلمانات الكفر، بل من جيوش الأمة التي آن لها أن تتحرك، ومن شبابها الواعين الذين يعملون ليلا ونهارا لقلب الطاولة على رؤوس الغرب وأعوانه وأتباعه الخائنين في بلاد الإسلام والمسلمين.

فالمسلمون لن ينهضوا عبر انتخابات الديمقراطية ولا من خلال صناديق الغرب، بل بنهضة حقيقية على أساس العقيدة الإسلامية، بإقامة دولة الخلافة الراشدة التي تُعيد للإسلام مكانته، وللمسلمين عزّتهم، وتحطم أوهام الديمقراطية.

لا تنخدعوا بالأسماء، ولا تعلقوا آمالكم على أفراد في أنظمة كفر، بل ارجعوا إلى مشروعكم العظيم: استئناف الحياة الإسلامية، فهذا وحده طريق العزة والنصر والتمكين.

فالمشهد تكرار مُهين لمآسٍ قديمة: رموز مزيفة، وولاء للأنظمة الغربية، وانحراف عن طريق الإسلام. وكل من يُصفّق لهذا المسار، إنما يضلل الأمة. فعودوا إلى مشروع الخلافة، ولا تجعلوا أعداء الإسلام يصنعون لكم قادتكم وممثليكم. فالعزة ليست في مقاعد الديمقراطية، بل في سدة الخلافة التي يعمل لها حزب التحرير ويُحذر الأمة من هذا الانحدار الفكري والسياسي. فلا خلاص لنا إلا بدولة الخلافة، التي لا تسمح بأن يحكم المسلمين من يدين بدين غير الإسلام، ولا بمن يبرر الشذوذ والانحراف، ولا بمن يُشرّع للناس غير ما أنزل الله.

كتبه لإذاعة المكتب الإعلامي المركزي لحزب التحرير

عبد المحمود العامري – ولاية اليمن

مصر بين الشعارات الحكومية والواقع المرّ  الحقيقة الكاملة عن الفقر، والسياسات الرأسمالية

مصر بين الشعارات الحكومية والواقع المرّ

الحقيقة الكاملة عن الفقر، والسياسات الرأسمالية

نقلت بوابة الأهرام الثلاثاء 4 تشرين الثاني/نوفمبر 2025م، أن رئيس الوزراء المصري، في كلمة ألقاها نيابةً عن الرئيس في القمة العالمية الثانية للتنمية الاجتماعية في العاصمة القطرية الدوحة، قال إنّ مصر تطبّق نهجاً شاملاً للقضاء على الفقر في جميع أشكاله وأبعاده، بما في ذلك "الفقر متعدد الأبعاد".

منذ سنوات، لا يكاد يخلو خطاب رسمي في مصر من عباراتٍ مثل "نهج شامل للقضاء على الفقر" و"الانطلاقة الحقيقية للاقتصاد المصري". يكرّر المسؤولون هذه الشعارات في المؤتمرات والمناسبات، مصحوبة بصور براقة لمشروعات استثمارية وفنادق ومنتجعات. لكن الواقع، كما تشهد عليه التقارير الدولية، مختلف تماماً. فالفقر في مصر ما زال ظاهرةً راسخة، بل متفاقمة، رغم الوعود الحكومية المتكرّرة بالتحسن والنهضة.

بحسب تقارير اليونيسف والإسكوا وبرنامج الغذاء العالمي لعامي 2024 و2025، يعيش نحو واحد من كل خمسة مصريين في فقرٍ متعدد الأبعاد، أي محروم من أكثر من جانب من جوانب الحياة الأساسية كالتعليم والصحة والسكن والعمل والخدمات. كما تؤكد البيانات أن أكثر من 49% من الأسر تعاني من صعوبات في الحصول على غذاء كافٍ، وهو رقم صادم يعكس عمق الأزمة المعيشية.

أما الفقر المالي، أي انخفاض الدخل مقارنة بتكاليف المعيشة، فقد ارتفع بصورة حادة، نتيجة موجات التضخم المتلاحقة التي أكلت أجور الناس وجهودهم ومدخراتهم، حتى أصبحت نسبة كبيرة من المصريين تحت خط الفقر المالي رغم عملهم الدائم.

وبينما تتحدث الحكومة عن مبادرات مثل "تكافل وكرامة" و"حياة كريمة"، تكشف الأرقام الدولية أن هذه البرامج لم تغيّر بنية الفقر جذرياً، بل اقتصرت على مسكّنات مؤقتة أشبه بالقطرة التي تُسكب في صحراء. فما زال الريف المصري الذي يقطنه أكثر من نصف السكان، يعاني من ضعف الخدمات وانعدام فرص العمل اللائق وتهالك البنية الأساسية. ويؤكد تقرير الإسكوا أن الحرمان في الريف يفوق نظيره في المدن بعدة أضعاف، ما يدل على سوء توزيع الثروة والإهمال المزمن للأطراف.

حين يشكر رئيسُ الوزراء ابنَ البلد "الذي تحمّل مع الحكومة إجراءات الإصلاح الاقتصادي"، فإنه في الواقع يُقرّ بوجود معاناة حقيقية ناتجة عن تلك السياسات. غير أن هذا الاعتراف لا يتبعه تغيير في المنهج، بل مزيد من السير في الطريق الرأسمالي نفسه الذي سبّب الأزمة.

فالإصلاح المزعوم الذي بدأ عام 2016 ببرنامج "التعويم" ورفع الدعم وزيادة الضرائب، لم يكن إصلاحاً بل تحميلاً للفقراء كلفة الديون والعجز. وفي الوقت الذي يتحدث فيه المسؤولون عن "الانطلاقة"، تتجه الاستثمارات الضخمة إلى العقارات الفاخرة والمشروعات السياحية التي تخدم أصحاب رؤوس الأموال، بينما لا يجد ملايين الشباب فرصاً للعمل أو السكن. بل إن كثيراً من هذه المشاريع، كمنطقة علم الروم في مطروح التي تُقدّر استثماراتها بـ29 مليار دولار، هي شراكات رأسمالية أجنبية تستحوذ على الأراضي والثروات وتحوّلها إلى مصدر ربح للمستثمرين، لا مصدر رزق للناس.

النظام يفشل ليس لأنه فاسد فحسب، بل لأنه يسير على أساسٍ فكريٍّ باطلٍ هو النظام الرأسمالي، الذي يجعل المال محوراً لكل سياسات الدولة. فالرأسمالية تقوم على حرية التملك المطلقة، وتسمح بتكديس الثروة في يد القلة التي تملك أدوات الإنتاج، فيما تتحمل الكثرة عبء الضرائب والأسعار والدَّين العام.

ولهذا، فإن كل ما يُسمى "برامج حماية اجتماعية" ما هو إلا محاولة لتجميل وجه الرأسمالية الوحشي، وإطالة عمر نظامٍ جائرٍ يراعي الأغنياء ويجبي من الفقراء. فبدلاً من معالجة أصل الداء؛ أي احتكار الثروة وتبعية الاقتصاد للمؤسسات الدولية، يُكتفى بتوزيع فتات من الإعانات النقدية، لا ترفع فقراً ولا تحفظ كرامة.

إن الرعاية ليست منّةً من الحاكم على الرعية، بل واجب شرعي، ومسؤولية يحاسبه الله عليها في الدنيا والآخرة. وما يجري اليوم، هو إهمال متعمّد لشؤون الناس، وتخلٍّ عن واجب الرعاية لصالح قروضٍ مشروطة من صندوق النقد والبنك الدوليين.

لقد أصبحت الدولة وسيطاً بين الفقير والدائن الأجنبي، تفرض الضرائب وتقلّص الدعم وتبيع الممتلكات العامة لسدّ عجزٍ متضخم صنعه النظام الرأسمالي نفسه. وفي هذا كله تغيب المفاهيم الشرعية التي تضبط الاقتصاد، كتحريم الربا، ومنع تملك الثروات العامة للأفراد، ووجوب النفقة على الرعية من بيت مال المسلمين.

لقد قدم الإسلام نظاماً اقتصادياً متكاملاً يعالج الفقر من جذوره، لا بمجرد دعمٍ نقدي أو مشروعات تجميلية. هذا النظام يقوم على أسسٍ شرعيةٍ ثابتة أبرزها:

1- تحريم الربا والديون الربوية التي تُكبّل الدولة وتستنزف مواردها، فبزوال الربا تزول تبعية الاقتصاد للمؤسسات الدولية، وتُعاد السيادة المالية للأمة.

2- جعل الملكيات ثلاثة أنواع:

ملكية فردية: كالبيوت والمتاجر والمزارع الخاصة...

ملكية عامة: تشمل الثروات الكبرى كالنفط والغاز والمعادن والمياه...

ملكية دولة: كأراضي الفيء والركاز والخراج...

وبهذا التوزيع تتحقق العدالة، إذ تُمنع فئة قليلة من احتكار موارد الأمة.

3- ضمان الكفاية لكل فرد من الرعية: فالدولة تضمن لكل إنسان في رعايتها حاجاته الأساسية من مأكل وملبس ومسكن، فإن عجز عن العمل وجب على بيت المال أن ينفق عليه.

4- الزكاة والإنفاق الإلزامي: الزكاة ليست إحساناً بل فريضة، تجمعها الدولة وتصرفها في مصارفها الشرعية للفقراء والمساكين والغارمين. وهي أداة توزيع فعّالة تعيد الأموال إلى دورة الحياة في المجتمع.

مع التحفيز على العمل المنتج ومنع الاستغلال، والحثّ على استثمار الموارد في مشاريع نافعة حقيقية كالصناعات الثقيلة والحربية لا في المضاربات والعقارات الفاخرة والمشاريع الوهمية. إلى جانب ضبط الأسعار بالعرض والطلب الحقيقيين لا بالاحتكار ولا بالتعويم.

إن دولة الخلافة على منهاج النبوة هي وحدها القادرة على تطبيق هذه الأحكام عملياً، لأنها تُبنى على أساس العقيدة الإسلامية، ويكون هدفها رعاية شؤون الناس لا جباية أموالهم. ففي ظل الخلافة، لا يوجد ربا ولا قروض مشروطة، ولا بيع للثروات العامة للأجانب، بل تُدار الموارد بما يحقق مصلحة الأمة، ويتولى بيت المال تمويل الرعاية الصحية والتعليم والمرافق العامة من موارد الدولة والخراج والأنفال والملكية العامة.

أما الفقراء، فتُكفل حاجاتهم الأساسية فرداً فرداً، لا عبر صدقات مؤقتة بل كحقٍّ شرعي مضمون. ولذا فإن محاربة الفقر في الإسلام ليست شعاراً سياسياً، بل نظام حياة متكامل يُقيم العدل ويمنع الظلم ويعيد الثروة إلى أهلها.

ما بين الخطاب الرسمي والواقع المعاش مسافةٌ هائلة لا تخفى على أحد. فبينما تتغنّى الحكومة بمشروعاتها "العملاقة" وبـ"الانطلاقة الحقيقية"، يعيش ملايين المصريين تحت خط الفقر، يعانون الغلاء والبطالة وانعدام الأمل. والحقيقة أن هذه المعاناة لن تزول ما دامت مصر تسير في طريق الرأسمالية، تُسلِّم اقتصادها للمرابين وتخضع لسياسات المؤسسات الدولية.

إن أزمات ومشكلات مصر هي مشكلات إنسانية وليست مادية، وتتعلق بها أحكام شرعية تبين كيفية التعامل معها وعلاجها على أساس الإسلام، وإن الحلول أسهل من غض الطرف لكنها تحتاج إدارة مخلصة تملك إرادة حرة تريد السير في الطريق الصحيح وتريد الخير لمصر وأهلها حقا، وحينها على هذه الإدارة أن تراجع كل العقود التي أبرمت سابقا والتي تبرم مع كل الشركات التي تحتكر أصول البلاد وما هو من ملكياتها العام وعلى رأسها شركات التنقيب عن الغاز والنفط والذهب وباقي المعادن والثروات، وتطرد كل تلك الشركات لأنها في الأصل شركات استعمارية ناهبة لثروات البلاد، ثم تصوغ عهدا جديدا يقوم على تمكين الناس من ثروات البلاد وإنشاء أو استئجار شركات تقوم هي على إنتاج الثروة من منابع النفط والغاز والذهب وغيرها من المعادن وتعيد توزيع هذه الثروات على الناس من جديد، حينها سيتمكن الناس من زراعة الأرض الموات التي ستمكنهم الدولة من استغلالها بحقهم فيها، وسيتمكنون أيضا من صناعة ما يجب أن يصنع ليرتفع باقتصاد مصر ويكفي أهلها، وستدعمهم الدولة في هذا السبيل، وإن كل هذا ليس ضربا من الخيال ولا مستحيل الحدوث ولا مشروعا نعرضه للتجربة قد ينجح أو يفشل، وإنما هي أحكام شرعية لازمة ملزمة للدولة والرعية، فلا يجوز للدولة أن تفرط في ثروات البلاد التي هي ملك للناس بدعوى عقود أقرتها وأيدتها وتحميها قوانين دولية جائرة، ولا يجوز لها أن تمنع الناس منها بل يجب أن تقطع كل يد تمتد ناهبة إلى ثروات الناس، هذا ما يقدمه الإسلام ويجب تنفيذه، إلا أنه لا يطبق بمعزل عن باقي أنظمة الإسلام بل إنه لا يطبق إلا من خلال دولة الخلافة الراشدة على منهاج النبوة، هذه الدولة التي يحمل همها والدعوة إليها حزب التحرير ويدعو مصر وأهلها شعبا وجيشا إلى العمل معه من أجلها، عسى الله أن يكتب الفتح من عنده فنراها واقعا يعز الإسلام وأهله، اللهم عاجلا غير آجل.

﴿وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرَىٰ آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَفَتَحْنَا عَلَيْهِم بَرَكَاتٍ مِّنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ﴾

كتبه للمكتب الإعلامي المركزي لحزب التحرير

سعيد فضل

عضو المكتب الإعلامي لحزب التحرير في ولاية مصر