فلسفة الحكم   بين المعارضة في الديمقراطية والمحاسبة في الإسلام
February 24, 2013

فلسفة الحكم بين المعارضة في الديمقراطية والمحاسبة في الإسلام


تنتاب مصر هذه الأيام حالة من الشد والجذب بين النظام الحاكم ممثلاً في الرئيس مرسي وحكومته من جهة، والمعارضة ممثلة بجبهة الإنقاذ من جهة أخرى، وكان حزب النور قد التقى برموز المعارضة وطرح مبادرة للخروج من الأزمة، وقد تمنى الحزب على السيد البدوي رئيس حزب الوفد حضور الحوار الذي دعا إليه الرئيس الأربعاء 12/02/2013م ليشكلا جبهة في مواجهة الإخوان حسب قول مخيون رئيس حزب النور. ولعل أبرز ما يسعى إليه المعارضون للدكتور مرسي هو إقالة حكومة هشام قنديل وإقالة النائب العام.

ومما لا شك فيه أن الطرفين، الحكومة والمعارضة، ليس لديهما أي تصور أو مشروع للنهوض بالبلاد، فالحكومة والرئيس من جهة يسيّرون شؤون البلاد كما كان يسيرها النظام السابق، فعلى الصعيد الاقتصادي يحاولون معالجة عجز الموازنة من خلال القروض، سواء الخارجية منها أم الداخلية، والضرائب التي تطال الفئات المتوسطة والفقيرة، أو عن طريق ترشيد مزعوم للإنفاق، وعلى الصعيد السياسي تراهم يقودون البلاد من خلال نظام فاشل ثار الناس عليه ليقلعوه من جذوره، لا ليجمّلوه بلحى وقشور من الإسلام، وكذلك المعارضة لا تملك أي تصور لما تريد نقل الناس إليه، فكل ما لديها هو المعارضة لأجل المعارضة، علّها تستطيع أن تصل إلى الكرسي لتستنسخ لنا نظاما علمانيا بشكل أوضح مما عليه النظام الحالي الذي يلبس لَبوسَ الإسلام والإسلام منه براء.

والغريب عدم إدراك بعض المشايخ لواقع هذا النظام وتلك المعارضة، فكلاهما لا يتحرك على أرضية الإسلام، بمعنى أن النظام الحاكم في مصر ليس خلافة إسلامية، والرئيس ليس أميرا للمؤمنين، كما أن المعارضة ليست فئة باغية خلعت ربقة الطاعة، فبغت وخرجت على الإمام الشرعي المبايَع على كتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم، وحكم الباغي المقاتلة حتى يخضع لإمام المسلمين. لا، ليس الأمر هكذا،، بل إن "الحكومة والمعارضة" يتحركان ضمن لعبة الديمقراطية التي ارتضاها الطرفان. وشتان بين المعارضة السياسية في النظام الديمقراطي ومحاسبة الحكام وأمرهم بالمعروف ونهيهم عن المنكر في ظل الحكم الإسلامي.

إن نظام الحكم في الإسلام لا يقبل المعارضة السياسية لأجل المعارضة، ويرفض التعددية السياسية بالمعنى الديمقراطي الذي يسمح بوجود أحزاب علمانية تعادي المشروع الإسلامي. بل هو نظام يقوم على مبدأ، أي عقيدة عقلية ينبثق عنها نظام ينظم كل شؤون الأمة.

ومما لا شك فيه أن محاسبة الحاكم وأمره بالمعروف ونهيه عن المنكر في هذا النظام، ليس هو مجرد حق سياسي للمسلم يمارسه متى شاء، بل هو فرض إلهي عليه يجب أن يقوم به، وعبادة يتقرب بها إلى الله تعالى، وهذا الحكم الشرعي العظيم يختلف عن المعارضة السياسية في النظام الديمقراطي الجمهوري من وجهين:

أولاً: يرفض الإسلام فكرة المعارضة الدائمة للنظام السياسي، أي المعارضة من أجل المعارضة، فهذه الفكرة ابتدعها فلاسفة المجتمعات في الغرب كردة فعل على استبداد الملوك في أوروبا وحكمهم المطلق، وأيضاً فقد اعتبروا أن السلطة السياسية لها أثر سلبي على حرية الرأي والحرية الفردية التي يقدسونها، مما يستلزم تقييدها في أضيق الحدود، فجاءوا بنظرية المعارضة لإيجاد نوع من التوازن في السلطة والحيلولة دون استبداد الحكومة. فعالجوا مشكلة الاستبداد بإيجاد مناوئ للحكومة يسعى إلى إضعافها، فهم كالذي يكبّل الفرس الجموح خشية عدم السيطرة عليه، بدلاً من ترويضه للاستفادة من قوته وطاقته.

وهذا ما يفعله الإسلام في نظام حكمه، فهو لا يكبل الحاكم بالحد من صلاحياته وإيجاد قرين له لا همّ له سوى التضييق عليه ومناوأته، بل أعطى للحاكم كل الصلاحيات اللازمة، وأطلق له العنان لاستخدامها بقوة وجدّ لأداء واجبه في رعاية الشؤون، وأوجب على الرعية طاعته، حتى يَسْهُلَ التنفيذ، وتُحَل المشاكل بيسر وسرعة، ويسير المجتمع كله بقوة إلى الأمام، يقول تعالى: "يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُوْلِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ"، وكذلك فقد أكد الرسول صلى الله عليه وسلم على وجوب طاعة الأمير، حيث قال: "ومن يطع الأمير فقد أطاعني، ومن يعص الأمير فقد عصاني"، وقال: "اسمعوا وأطيعوا وإن استعمل عليكم عبد حبشي كأن رأسه زبيبة يقودكم بكتاب الله". تدل هذه الأحاديث أن طاعة الحاكم في الإسلام أداء لفرض من فروض الدين، وهي ليست نابعة من خوف من سطوة الحاكم، أو رغبة في دفع شر ما، بل هي نابعة من إيمان بمبدأ، واعتناق لعقيدة، وانقياد لأمر الله.

ومع ذلك فلم يجعل الإسلام هذه الطاعة مطلقة، بل قيدها بالمعروف وعدم القيام بمعصية الله، فقد نهى الإسلام عن الطاعة في المعصية، قال صلى الله عليه وسلم: "السمع والطاعة على المرء المسلم فيما أحب و كره، ما لم يؤمر بمعصية، فإذا أُمر بمعصية فلا سمع ولا طاعة". فالطاعة واجبة ما أقام الحاكم الشرع، وذلك مصداقاً لقوله تعالى: "وَلَا تُطِيعُوا أَمْرَ الْمُسْرِفِينَ* الذين يُفْسِدُونَ فِي الْأَرْضِ وَلَا يُصْلِحُونَ"، وقوله تعالى: "وَلَا تُطِعْ مَنْ أَغْفَلْنَا قَلْبَهُ عَنْ ذِكْرِنَا وَاتَّبَعَ هَوَاهُ وَكَانَ أَمْرُهُ فُرُطًا". ولذا فإن الإمام يطاع في كل معروف ولا طاعة له في المعصية.

وأيضاً فإن الإسلام لم يجعل سلطة الحاكم مطلقة بل قيدها بحدود الشرع، وألزمه أن يتقيد بها وينقاد لها، فالسيادة في الدولة للأحكام الشرعية وليست للحاكم، بل إن الإسلام أمر الناس بالخروج على الحاكم ونزع السلطان منه إذا أظهر الكفر البواح، ففي حديث عبادة بن الصامت قال: "بايعنا رسول الله صلى الله عليه وسلم على السمع والطاعة في منشطنا ومكرهنا ويسرنا وعسرنا وعلى أثرة علينا وأن لا ننازع الأمر أهله، قال: إلا أن تروا كفراً بواحاً عندكم فيه من الله برهان." فعدم منازعة أولي الأمر أمرَهُم مقيد بعدم ظهور الكفر البواح، أي الخروج على أحكام الله، فمفهوم المخالفة في الحديث أنه إذا أظهر الحاكم الكفر البواح وجب الخروج عليه.

ومن هذا يتبين أن الحكم في الإسلام مقيد وليس مطلقًا، ولكنه مقيد بالكيف لا بالكم، فما دام الحاكم سائرًا بانضباط في إطار الشرع، فله صلاحياته ويجب أن يُطاع، وإذا خرج عن هذا الإطار بطُلت الطاعة، ووجب الخروج عليه إلى أن يعود إلى أحكام الله أو يُعزل عن الحكم.

وكذلك فإن يقظة الأمة في محاسبة الحاكم، وأمره بالمعروف ونهيه عن المنكر، تدفعه إلى الانضباط من تلقاء نفسه، وإلى الاجتهاد في أدائه لنوال رضاها، فإن نقمة الرأي العام وسخطه هو أخشى ما يخشاه الحاكم.

ومن هنا نرى أنه لا استبداد في نظام الحكم في الإسلام، بل هناك قيود وانضباط من قبل الحاكم والمحكومين.

ثانياً: تنطلق المعارضة في النظام الجمهوري من قاعدة الحفاظ على"حرية الرأي و "الحرية الفردية" ومنع الاستبداد، وتهدف حصرا إلى إظهار خطأ الممارسات السياسية للحكومة، والكشف عنها بهدف إضعافها وإسقاطها، فالمشاركة السياسية في النظام الديمقراطي الغربي تجسد رغبة الأفراد في الحد من سلطة الحاكم، وبالتالي التخفيف من سيطرة الدولة.

أما الإسلام، فقد جعل محاسبة الحاكم وأمره بالمعروف ونهيه عن المنكر وسيلة للتأكد من التزامه بالشرع وحمايته من ارتكاب الأخطاء، وبعبارة أخرى فمحاسبة الحاكم في الإسلام هي حراسة للدين من الضياع، ومنع لتفشي الظلم والفساد، تهدف إلى مواجهة انحراف الحكومة، فهي أداة لتقوية الحاكم في حسن الرعاية وترشيد حكمه إلى ما فيه الصلاح للبلاد والعباد، وليس لفضحه أمام الناس بهدف إضعافه وإسقاطه، فشتان بين الأمرين.

وكون الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ومحاسبة الحاكم حقًا سياسيًا للمسلمين، وواجباً شرعياً عليهم، فهذا يضمن تطبيق الإسلام تطبيقاً كاملاً وصحيحاً، ويضمن إقامة العدل وتحقيق الطمأنينة للناس، وذلك مصداقاً لقوله تعالى: "الْآمِرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّاهُونَ عَنْ الْمُنكَرِ وَالْحَافِظُونَ لِحُدُودِ اللَّهِ وَبَشِّرْ الْمُؤْمِنِينَ"، وبذلك يقدم النظام السياسي الإسلامي تجسيداً حقيقياً للمشاركة السياسية، والحقوق السياسية للأفراد في هذا النظام.

وأمر آخر نود لفت النظر إليه، وهو لا يقل أهمية عما سبق، وهي قضية الشورى بين الحاكم والرعية، فقد أكد الشارع على موضوع الشورى، وجعله حقاً للرعية على الحاكم، وما كان أحد أكثر مشورة من رسول الله صلى الله عليه وسلم لأصحابه، فبالتشاور تنجلي الأمور وتتبلور، ويُضاء الطريق ويتبين الدرب الذي يراد السير فيه، ومجلس الأمة في دولة الخلافة من أوجب واجباته مشاورة الحاكم وإبداء النصح له، فيكون على بينة من أمره، ويحسن في رعاية شؤون الناس، فأين النظام الديمقراطي من هذا الحكم العظيم؟ حيث تتلقف المعارضة سقطات الحاكم للهجوم عليه، وهي ليست معنية بنجاحه، بل تريد فشله لتحل محله، وهي لا يمكن أن تبدي له النصيحة المخلصة ليحسن رعاية الشؤون، فهذا مخالف لسبب وجودها، فهي ليست موجودة لمساعدته بل لمهاجمته، ولا تكترث إن ضاعت مصالح الناس بين ذلك.

وإذا أردنا تلخيص الفرق بين المحاسبة والشورى في نظام الإسلام والمعارضة في النظام الديمقراطي نقول: إن المحاسبة والشورى في الإسلام هي من أجل إنجاح الحاكم في رعاية شؤون الناس أفضل رعاية، والمعارضة في الديمقراطية هي من أجل إفشال الحاكم في هذه الرعاية وإسقاطه.

وليس أدل على صحة ما نقول من الصراع الحاصل هذه الأيام في الولايات المتحدة بين الرئيس الديمقراطي والمعارضة في الكونجرس من الجمهوريين، فمنذ سنة والرئيس يفشل في إقرار ميزانية للولايات المتحدة بسبب اعتراض الغالبية الجمهورية في الكونجرس وتمنعها، ما أوصل الولايات المتحدة إلى هاوية الإفلاس، بكل ما لذلك من تبعات ومصائب على الاقتصاد العالمي جراء تحكم الدولار فيه، وكل ما استطاعوا الاتفاق عليه هو تأجيل إعلان الإفلاس لبضعة أشهر، وهذا التحجر في المواقف سببه خشية الجمهوريين من فقدان جزء من قاعدتهم الانتخابية، وعزمهم قبل كل شيء على إفشال سياسات الرئيس الديمقراطي الاقتصادية ومعالجاته، وإظهار هذا الفشل للناس، لرفع فرص فوز حزبهم الجمهوري في انتخابات الكونجرس وانتخابات الرئاسة المقبلة، حتى إذا كان هذا على حساب مصالح الشعب الأمريكي وإنعاشه اقتصادياً وإيجاد فرص عمل له.

وهذه المعارضة من أجل أجندات خاصة ومصالح حزبية ضيقة على حساب مصلحة الشعب هي خيانة وفسق، وقد نهى الله سبحانه وتعالى عن ذلك بقوله: "يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَخُونُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ وَتَخُونُوا أَمَانَاتِكُمْ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ".

ثم إن الاتهامات المتبادلة بين الحكام والمعارضة في حال عدم الاتفاق، والتلفيق ولي الكلام من كلا الطرفين لعدم تحمل مسؤولية الفشل كما هو مشاهد الآن في الولايات المتحدة هو كذب وقول للزور، وقد نهى سبحانه وتعالى عن هذا بقوله: "وَاجْتَنِبُوا قَوْلَ الزُّور"، ونهى عن التلفيق وكتمان الحق بقوله: "لِمَ تَلْبِسُونَ الْحَقَّ بِالْبَاطِلِ وَتَكْتُمُونَ الْحَقَّ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ".

إذن فالإسلام يرفض فكرة المعارضة من أجل المعارضة، وهي تقوم على مرتكزات تخالف الشرع.

ومن هذا كله يتبين أن محاسبة الحاكم في الدولة الإسلامية هي جزء أصيل من نظام الحكم في الإسلام، يقوم به الأفراد والجماعات والأحزاب الإسلامية في الدولة. وهذا الذي يجعل الدولة تسير في تطبيقها للإسلام في الاتجاه الصحيح إذ وراءها أمة واعية على حقوقها تحاسب الدولة إن هي قصرت في تطبيق الإسلام أو ظلمت أو تجبرت أو خرجت عن الخط المستقيم الذي رسمه لها الإسلام.

فإلى إقامة هذا النظام السياسي الفريد في ظل دولة الخلافة الإسلامية ندعوكم أيها المسلمون!


شريف زايد
رئيس المكتب الإعلامي لحزب التحرير ولاية مصر

المزيد من القسم سياسة

يا علماء الأزهر: الشام لا تنتظركم تحت راية الاستعمار!!

ذكرت جريدة اليوم السابع في 26/10/2015م، أنها حصلت على نسخة من تقرير مهم لمرصد الأزهر الشريف أكد فيه "أن التحالف مع جيوش غير مسلمة لمواجهة الجماعات المتطرفة وإن كانت مسلمة "جائزة"، ما دامت ليست من قبيل الاستعانة بالمشركين على المسلمين طلبا لخذلان المسلمين، كما ذكر أن من مقاصد الشريعة عمارة الكون ولتحقيقها تمت الاستعانة بهم في نواح عديدة، منها الإدارية والصناعية والكتابية والقتالية وغيرها، واستدل بأن الرسول r استعان حينما هاجر إلى المدينة برجل مشرك ليدله على الطريق، وكان له غلام يهودي يخدمه بالمدينة، ولما قدم إلى المدينة كتب معاهدة بين المسلمين واليهود جاء فيها: (وأن بينهم النصر على من داهم يثرب)، ولما توجه رسول الله إلى مكة عام الحديبية ووصل إلى ذي الحليفة أرسل عينا له من خزاعة يأتيه بخبر قريش، وكان ذلك الرجل مشركا"، ليختم قائلا: "أما التحالف مع غير المسلم في مواجهة جماعة متطرفة تهدد أمن المجتمعات وسلامتها فعلينا هنا أن نفرق بين من يستعين بالمشركين على المسلمين طالبا خذلان المسلمين، قاصدًا هدم دولتهم، هادفًا إلى إضعاف شوكة الإسلام، كارها مبغضا لهذا الدين وأهله، فهذه الحالة نهى عنها ربنا تبارك وتعالى بقوله: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى أَوْلِيَاءَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ مِنْكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِى الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ﴾، وبين من يفعل ذلك ردا لعدوان فئة باغية لا يستطيع رد عدوانها وحده، مع احتفاظه بسيادة دين الإسلام في بلده ظاهرا غالبا، فلا مانع له أن يستعين بغير المسلمين تحقيقا لمصالح المسلمين؛ ولضرورة أمن المجتمع وسلامته".

من الواضح جدا أن الوضع في الشام يلقي بظلاله على المنطقة كلها، وأن هناك ترتيباً وتحضيرات لكي تصبح مصر مخلبا من مخالب أمريكا في الشام بإدخالها إلى حلبة الصراع كما فعلت في ليبيا من قبل، كجزء من حلف أمريكا في حربها الصليبية الجديدة بعد أن أوشكت روسيا على الفشل، وحتى لا يغضب أبناء الكنانة لتحرك جيشهم تجاه إخوانهم في الشام، ويكون هناك مبرر لقمع من يظهر الغضب منهم، فلا بد من مبرر قوي وفتوى شرعية لخداع أهل الكنانة وأبنائهم في الجيش حتى لا يؤرقهم فيما بعد تلوث أيديهم بدم إخوانهم في بلاد الشام، وبدلا من أن يصدر مرصد الأزهر وعلماء الكنانة بيانا وفتاوى تحرم تلك التحالفات على أبناء الأمة وتجرم الدخول فيها، وتبين وجوب نصرة أهل الشام وأهل فلسطين وغيرهم ورد كيد أعداء الأمة من أمريكا ويهود والغرب الكافر، أصدر المرصد تقريرا أجاز فيه التحالف مع جيوش غير مسلمة لمواجهة الجماعات المتطرفة وإن كانت مسلمة، ما دامت ليست من قبيل خذلان المسلمين، وكأن قتل المسلمين ليس خذلانا لهم أو أنه قد أصبح أحد مقاصد الشريعة، ولا ندري من أين أتى المرصد بهذه الفتوى وما دليله عليها؟! ولا عن أي شريعة وأي مقاصد يتحدث؛ فمقاصد الشرع تحفظ النفس المسلمة لا تقتلها بتحالف مع عدو الله ورسوله وعدو الأمة، والمعلوم من قول رسول الله r «إنا لا نستضيء بنار المشركين» ورده على المشرك الذي لحق بالجيش «إنا لا نستعين بمشرك»، أما الاستعانة في الأمور الإدارية فلم يرد تحريمها، وهي تختلف جملة وتفصيلا عن الاستعانة في القتال فضلا عن قتال المسلمين، والأصل فيها الإباحة ولا يجوز قياسها على قتال أهل البغي من المسلمين بأي حال من الأحوال، فهي ليست من الأمور الإدارية وإنما هي أحكام شرعية لأفعال الأصل فيها التقيد بأحكام الشرع المستنبطة من أدلتها، وما أتى به النص الصريح هنا في قتال طائفتين من المؤمنين ﴿وَإِن طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا فَإِن بَغَتْ إِحْدَاهُمَا عَلَى الْأُخْرَىٰ فَقَاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي حَتَّىٰ تَفِيءَ إِلَىٰ أَمْرِ اللَّه﴾ فالأصل في قتال طائفتين من المؤمنين أن نعمل على الإصلاح بينهما ثم يقاتل المسلمون، والمسلمون فقط دون غيرهم، الفئة الباغية طالما بقيت على بغيها حتى تعود عنه، ولا يجوز لهم أن يستعينوا بكافر على إخوانهم بعدوهم أبدا، فكما في الصحيحين «الْمُسْلِمُ أَخُو الْمُسْلِمِ، لَا يَظْلِمُهُ، وَلَا يُسْلِمُهُ، وَمَنْ كَانَ فِي حَاجَةِ أَخِيهِ، كَانَ اللَّهُ فِي حَاجَتِهِ، وَمَنْ فَرَّجَ عَنْ مُسْلِمٍ كُرْبَةً، فَرَّجَ اللَّهُ عَنْهُ كُرْبَةً مِنْ كُرُبَاتِ يَوْمِ الْقِيَامَةِ، وَمَنْ سَتَرَ مُسْلِمًا، سَتَرَهُ اللَّهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ».

وحتى نفصل في الفتوى يجب أن نستعرض واقع الأمة اليوم؛ حيث لا وجود لدولة إسلامية بالمفهوم الشرعي بل كلها بلاد إسلامية يسكنها مسلمون، يحكمها حكام ضرار مغتصبو سلطة وضعهم الغرب الكافر على رؤوس البلاد والعباد لرعاية مصالحه ولقهر الأمة واستعباد شعوبها للغرب الكافر، وكل من حاول الانعتاق من التبعية والتملص من ربقة الغرب يتسلطون عليه بسلاح ثمنه من أموال وأقوات الأمة واصفين كل من حاول الانعتاق بكل أوصاف التطرف والإرهاب والخروج.

وهنا مع هذا الواقع يكون واجب الأمة خلع هؤلاء الحكام وتنصيب خليفة واحد تكون رئاسته عامة لجميع المسلمين ويحصل الحكم ببيعة شرعية صحيحة ويحكم الأمة بالإسلام كاملا شاملا غير منقوص، ويكون له وحده حق تبني الأحكام الشرعية وسنها دستورا وقوانين، بهذا فقط يكون لدينا دولة إسلامية من حقها وحدها قتال البغاة والخارجين، أما هؤلاء الحكام وعلماؤهم وعملاؤهم فهم مغتصبون لسلطان الأمة محاربون لله ورسوله وأوليائه، وهم آخر من يقيم للإسلام وأحكامه وزنا أو احتراما في بلادنا ولا علاقة لهم لا بالشرع ولا بمقاصده، وأول من يدرك ذلك هم العلماء قبل عوام الناس من أهل الكنانة وغيرها، فلا يجوز لهم أن يبرروا ويشرعنوا خياناتهم في تجارة بالإسلام واستغلال واضح لجهل الناس بأحكامه لصالح حكام السوء ومن خلفهم الغرب الكافر عدو الإسلام والمسلمين، والذي يبررون الآن التحالف معه لوأد ثورة الأمة في الشام وغيرها، في محاولة يائسة لمنع عودة الخلافة على منهاج النبوة والتي أصبح نجمها يعلو في الأمة بعمومها والشام خاصة، والتي فضحت العملاء وعلماء السوء وأبت إلا أن تكشف كل متلون مخادع، ولن يبقى ثابتا إلا من يستحقون بحق أن يكونوا كأمثال الصحابة وأن تقام على أكتافهم دولة خلافة على منهاج النبوة يرضى عنها ساكن السماء وساكن الأرض.

يا علماء الأزهر الكرام وأحفاد العز بن عبد السلام سلطان العلماء، لا تكونوا أكثر الخاسرين فتبيعوا دينكم بدنيا غيركم، ولن ينفعكم حكام السوء أو يغنوا عنكم من الله شيئا، فكونوا مع الحق الذي تعلمون وطالبوا أهل مصر الكنانة وجيشها بخلع حكام السوء وإعلانها خلافة على منهاج النبوة، ونصرة أهل الشام وفلسطين وسائر المستضعفين من أبناء الأمة، فهذا دوركم ودورهم، فأنتم ورثة الأنبياء وهم جند الله ورسوله ودرع الأمة وحماة الإسلام فحرضوهم على نصرة الله ورسوله تفوزوا وإياهم ويكون لكم وللكنانة السبق في ركب الجنة.

يا أهل الكنانة وعلماءها وجيشها، يا من كنتم للإسلام درعا وحصنا وكان للإسلام بكم عزٌّ ومنعة من للإسلام، إن لم يكن أنتم من ينتصر لحرمات المسلمات غيركم من يحرر الأقصى دونكم، إن الأقصى والشام لا تنتظركم تحت راية الاستعمار وخلف عدو من أعداء الله ولخدمة الغرب الكافر ولفرض نفوذه ومخططاته ومنع عودة الحياة الإسلامية من خلال خلافة على منهاج النبوة، وإنما تنتظركم أنتم جند صلاح الدين تحت راية رسول الله r، تنتظركم ناصرين فاتحين محررين كما عهد بكم، تنتظركم بأسا شديدا على أعداء الله ورسوله وعزا لدينه ومددا لأنصاره، واعلموا أن نصر الله قادم لا محالة، فليكن بأيديكم أنتم وليكن لكم السبق للفردوس الأعلى مع أنصار الأمس فإنها الجنة، والأيام القادمة أيام فاصلة فانحازوا فيها لما يحب الله ويرضى وانصروا إخوانكم في حزب التحرير واحملوا معهم مشروع الأمة المنبثق عن عقيدتها خلافة على منهاج النبوة تنهي التبعية للغرب الكافر وتعيد عز الإسلام وأهله وتعيد بلادنا سيدة الدنيا كما كانت، اللهم اجعله قريبا واجعله بأيدينا.

كتبه لإذاعة المكتب الإعلامي المركزي لحزب التحرير

عبد الله عبد الرحمن

عضو المكتب الإعلامي لحزب التحرير في ولاية مصر

نعمة الأمن والأمان في الأردن

نتغنى في الأردن بالأمن والأمان، وإذا ما تكلم بعضنا بوجوب نصرة الشام والأقصى رد علينا آخرون بقولهم أنتم تريدون إشاعة الفوضى في البلد والقضاء على الأمن والأمان، ألا ترون ما حدث لأهل سوريا ومصر وليبيا واليمن وغيرهم؟

أقول لمثل هؤلاء: إن نعمة الأمن والأمان والرخاء الاقتصادي كان يتنعم بها أهل مكة، فقد آمنهم الله من الجوع والخوف بينما كانت القبائل من حولهم يغير بعضها على بعض فيقع فيهم القتل والأسر، قال تعالى مذكرا إياهم أنهم كانوا في أمان بينما غيرهم يعيش في خوف ﴿أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّا جَعَلْنَا حَرَمًا آمِنًا وَيُتَخَطَّفُ النَّاسُ مِنْ حَوْلِهِمْ أَفَبِالْبَاطِلِ يُؤْمِنُونَ وَبِنِعْمَةِ اللَّهِ يَكْفُرُونَ﴾ فماذا حدث لأهل مكة؟ هل استمر الأمن والأمان؟ هل حافظوا على نعمة الأمن والأمان؟ قال تعالى: ﴿لِإِيلَافِ قُرَيْشٍ * إِيلافِهِمْ رِحْلَةَ الشِّتَاءِ وَالصَّيْفِ * فَلْيَعْبُدُوا رَبَّ هَذَا الْبَيْتِ * الَّذِي أَطْعَمَهُم مِّن جُوعٍ وَآمَنَهُم مِّنْ خَوْفٍ﴾.

أطعمهم من جوع: أمان اقتصادي... كانت خيرات الجزيرة العربية والشام واليمن تجبى إليهم في رحلتين سنويتين، رحلة الشتاء إلى اليمن ورحلة الصيف إلى الشام، وآمنهم من خوف: كانت القبائل تسعى إلى ودِّهم لأنهم أهل الحرم،كما أن الرحلة في الصحراء إلى اليمن جنوبا والشام شمالا دليل على الأمن الذي تنعَّم به تجار مكة.

ولما بعث رسول الله r إليهم طلب منهم أن يحافظوا على هذه النعمة، كيف؟

اسمعوا قوله تعالى ﴿فَلْيَعْبُدُوا رَبَّ هَذَا الْبَيْتِ * الَّذِي أَطْعَمَهُم مِّن جُوعٍ وَآمَنَهُم مِّنْ خَوْفٍ

إذن المحافظة على الأمن والأمان تكون بطاعة الله عز وجل، وتنفيذ أوامره سبحانه في الحياة العامة، في الحكم والاقتصاد والاجتماع والتعليم والسياسة الخارجية، وليس الاقتصار على تنفيذ أمر الله في العبادات والأخلاق والمطعومات والملبوسات فقط، قال تعالى ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ ادْخُلُواْ فِي السِّلْمِ كَآفَّةً﴾ أي نفذوا أحكام الإسلام كلها، فلا يجوز أن نقصر الإسلام على جزء منه ونترك الباقي خوفا من أمريكا وأوروبا وغيرهما من دول العالم.

فحتى نحافظ على الأمن والأمان يجب تغيير الدستور إلى دستور إسلامي وتغيير النظام الحاكم من نظام علماني إلى نظام إسلامي، وأن تسترد الأمة سلطانها وتختار حاكمها لتبايعه على الحكم بكتاب الله وسنة رسوله r... وفي ذلك تحقيق لعبادة رب البيت.

وأما عصيان الله وإعلان الحرب على أحكامه الشرعية فهو خسران الأمن والأمان، والحكم بغير ما أنزل الله خروج عن طاعة رب البيت، والتنسيق مع روسيا في حربها على المسلمين في الشام خروج عن طاعة رب البيت، والمشاركة في التحالف الصليبي خروج عن طاعة رب البيت، وإباحة الربا باسم الحرية الاقتصادية، وإباحة التعري والسفور والاختلاط والمثلية الجنسية باسم الحرية الشخصية خروج عن طاعة رب البيت، وترك قطعان يهود يمارسون عربدتهم في الأقصى خروج عن طاعة رب البيت، وتأييد نتنياهو في تركيب كاميرات التجسس خروج عن طاعة رب البيت، وخذلان أهل سوريا وتركهم لبشار وروسيا وإيران وحزبها في لبنان خروج عن طاعة رب البيت، وإرسال الجيش الأردني ليحارب المسلمين بدلا من توجيههم لمحاربة يهود وتحرير الأقصى وفلسطين منهم هو خروج عن طاعة رب البيت...

أهل مكة رفضوا دعوة الله فخسروا الأمن والأمان.

انقسم المجتمع إلى مؤمنين وكافرين... أصبح الأخ يعادي أخاه والابن يعادي أباه والزوجة تعادي زوجها والعبد يعادي سيده. عصا العبيد أسيادهم، وعصا الشعب حكامه، وسموا زعيمهم أبا الحكم بأبي جهل. وأمر الله نبيه والمؤمنين بتهديد أبي جهل ﴿كَلَّا لَئِن لَّمْ يَنتَهِ لَنَسْفَعًا بِالنَّاصِيَةِ﴾ ثم أمره أن يعلن الوصف الحقيقي لأبي جهل ﴿نَاصِيَةٍ كَاذِبَةٍ خَاطِئَةٍ﴾ ثم يستأنف التحدي والتهديد والوعيد ﴿فَلْيَدْعُ نَادِيَه * سَنَدْعُ الزَّبَانِيَةَ﴾ ثم أمر رسوله والمؤمنين بعصيان الحاكم المجرم وإعلان التمرد على دستوره ﴿كَلَّا لَا تُطِعْهُ وَاسْجُدْ وَاقْتَرِبْ﴾.

لو دخل أبو الحكم في الإسلام وعبد ربَّه الذي أعطاه الأمن من الجوع والأمن من الخوف لما فرق مجتمعه، ولو آمن زعماء مكة لحققوا شرفا ما بعده شرف، ولظل ذكرهم معطراً خالدا، ولكنهم رفضوا الشرف واستغربوا وعد الرسول r بالانتصار على فارس والروم، واتهموه بالجنون، ففقدوا الأمن والأمان وقُتلوا في معركة بدر، أين هم الآن؟!.. في الجحيم والعياذ بالله وقانا الله وإياكم ذلك المصير. أما أولادهم الذين آمنوا بدعوة الإسلام فقد حافظوا على نعمة الأمن والأمان وأصبحوا قادة البشرية.

ونحن في الأردن إذا لم نعِ الدرس وندرك أن الحفاظ على الأمن والأمان لا يكون إلا بعبادة رب البيت... فسنخسر الدنيا والآخرة.. نعوذ بالله من ذلك... وها نحن نرى بعض البوادر في فقدان نعمة الأمن والأمان من انتشار العصابات والعنف في الجامعات والعشائر وفساد الدولة ونهب المال العام والفقر والبطالة... وإذا لم نعد إلى ديننا عودة حقيقية فسيستمر الخسران حتى نجد أنفسنا مشردين لاجئين كأهل البلاد من حولنا... لا قدر الله.

كتبته لإذاعة المكتب الإعلامي المركزي لحزب التحرير

نجاح السباتين – ولاية الأردن