فلسفة التشريع الغربي ومناقضتها للإسلام
January 04, 2013

فلسفة التشريع الغربي ومناقضتها للإسلام

عَمد الغرب إلى فرض نظامه الفكري والحضاري لملء الفراغ السياسي والاجتماعي والاقتصادي في العالم الإسلامي، الذي نتج عن انهيار الخلافة الإسلامية سنة 1924م، كما عمد إلى تشويه البنية السياسية والاقتصادية والاجتماعية الإسلامية، بغية إحداث خلل فكري في المجتمع الإسلامي ليُمكن للأنظمة والتشريعات الغربية أن تسود في العالم الإسلامي. فالتشريعات والقوانين غير الإسلامية لم يكن لها أي أثر أو وجود في واقع الأمة السياسي والتشريعي لأكثر من ثلاثة عشر قرنا، ولكنها بدأت تتسرب لكيان الدولة العثمانية في أواخر أيامها، بعد أن صدرت الفتاوى من شيخ الإسلام آنذاك أنها لا تخالف الإسلام، ولكننا نلاحظ اليوم وجود حالة من الارتكاس في المفاهيم أصابت قطاعا عريضا في الأمة الإسلامية، نجم عنها التبني التام لأحكام التشريعات الغربية دونما اعتبار لمناقضتها لأحكام الشريعة الإسلامية، وفي هذا السياق هالني ما رأيته من تجييش للناس في مصر من قِبل بعض رموز التيار الإسلامي لقول نعم للدستور الجديد، على اعتبار أن هذا هو أفضل المتاح، بل هو الذي سُيمكن من تطبيق الشريعة بشكل كامل. ومما يُثير الاستغراب أن معظم هؤلاء لم يلتفتوا إلى الأثر الواضح لفلسفة التشريع الغربي التي تكاد تسيطر على أغلب بنود الدستور، وتكاد تقضي على أي فلسفة أخرى يمكن أن يظهر أثرها على بعض المواد، ناهيك عما في بنود هذا الدستور من عوار ومخالفة للنصوص القطعية في الإسلام.


ولهذا فلا بد من إبراز أهم الأسس التي تقوم عليها فلسفة التشريع في الفكر الغربي، وبالتالي بيان مدى مناقضتها للإسلام.


تنبني فلسفة التشريع الغربي على قواعد عدة أهمها "حفظ الحرية الفردية" و"فصل الدين عن الحياة" و"نسبية القوانين والتشريعات".

1-الحريات: تعد الحرية في الفكر الغربي، أصل قيام المجتمعات، وقاعدة لبناء الوجود السياسي الذي ينحصر هدفه في الحفاظ عليها. ولكن لما كان الإنسان مضطرا إلى العيش في جماعة، وهذه تحتاج إلى دولة تمتلك سلطة لتنظيم شؤونها، كان لا بد من ربط التشريع بفكرة التوفيق بين السلطة والحرية، فأصبحت التشريعات تهدف إلى "تنظيم التعايش بين السلطة والحرية في إطار الدولة-الأمة". وكان نتيجة ذلك إرساء قاعدة الفصل بين السلطات، للحيلولة دون الاستبداد الفردي، ولقد ظهر جليا أثر هذه الفكرة في باب كامل من الدستور المصري الجديد هو الباب الثاني الذي يحمل اسم الحقوق والحريات، كما ظهر في التأكيد على مسألة الفصل بين السلطات في هذا الدستور. بينما خطاب الشارع المعالج لمشاكل الإنسان لم ينطلق من واقع إعطاء الفرد حريته أو تقييد حريته، بل انطلق من أساس أن كل مشكلة هي مشكلة إنسانية ابتداءً، فيعالجها لهذا الإنسان بصفته إنساناً له غرائز وحاجات مختلفة، وخالق الإنسان هو الأدرى بهذه الغرائز والحاجات ﴿ أَلا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ ﴾، وهو جل وعلا - بخلاف الإنسان - غير محدود العلم والقدرة، وهو العليم الحكيم الذي لا يخطئ ولا يجوز عليه الخطأ، فكان هو الأولى بوضع الحلول لمشاكل هذا الإنسان ليسير عليها، وبيان حكم أفعاله، وكان حكمه المتعلق بأفعال العباد حكمًا شرعيًا ثابتًا. وجاءت الشريعة لتخرج المكلفين من دواعي أهوائهم حتى يكونوا عبادًا لله. فالحكم الشرعي هو خطاب الشارع المتعلق بأفعال العباد. أضف إلى ذلك فساد قاعدة الحرية الغربية عقلا وواقعا، نظرا لأنه لا يمكن جعل الحرية قاعدة لبناء التشريعات عمليا، فإذا كانت حرية المرء تنتهي حين تبدأ حرية الآخرين كما يقولون، فهذا يعني أنه لا توجد حرية للمرء في أن يفعل ما يشاء. وواقع الأمر أن الحرية في المجتمعات الغربية قد قيدت بقيود قانونية واجتماعية وسياسية واقتصادية أخرجتها تمامًا عن مضمونها المثالي الذي افتُتِن به الناس، وجعلت منها مجرد كلمة يتغنى بها المفتونون بوهج الحضارة الغربية.

2-فصل الدين عن الدولة: لقد خضع التشريع الغربي للظروف السياسية والاجتماعية والاقتصادية التي عاشتها أوروبا، والتي كانت ثمرتها فصل الدين عن الدولة بعد الصراع الدامي بين المفكرين والكنيسة، مما جعل أوروبا لا تملك تشريعات دائمة ثابتة، طالما أُبعدت القواعد الدينية الثابتة، ولذلك أصبحت التشريعات تعبر عن "الإرادة العامة"، والقانون خاضع لرغبات الأمة وحاجاتها، وأصبح الشعب من الناحية الشكلية مصدرا للقوانين، وارتكز النظام الديمقراطي على حق الشعب في سن قوانينه كجزء من قاعدة "السيادة الشعبية". وتأثرا بهذه الفكرة تم وضع المادة الخامسة في الدستور المصري التي تنص على أن السيادة للشعب يمارسها ويحميها، ويصون وحدته الوطنية، وهو مصدر السلطات، وهذا النص هو تكريس لفصل الدين عن الدولة، وإبعاد للدين الإسلامي عن واقع الدولة والدستور والقوانين. ويتضح فساد نظرية سيادة الأمة، أي حق الأمة في سن القوانين، من قصور العقل البشري عن معالجة واقع الحياة، بسب انعدام الموازين الثابتة، والتي لا يمكن تحقيقها إلا بوجود الدين المقطوع بصحته، وهو الإسلام الذي أُنزل على محمد صلى الله عليه وسلم. كما أن مبدأ فصل الدين عن الدولة ليس تنظيرا مبنيا على البحث والبرهان العقلي، وإنما هو حل وسط بقبول الدين كأمر واقع، مع عزله عن الحياة. ومما لا شك فيه أن فصل الدين عن الدولة يناقض الفطرة الإنسانية، فالإنسان كل لا يتجزأ وليس بالإمكان فصل عقيدته ومشاعره عن ممارساته وتصرفاته بصورة دائمة. كما أن القول بسيادة الأمة وتخويلها إصدار التشريعات، يناقض ويخالف الأدلة الشرعية من الكتاب والسنة، والتي تحرم جعل التشريع لغير الله عز وجل، قال تعالى: ﴿أَمْ لَهُمْ شُرَكَاءُ شَرَعُوا لَهُم مِّنَ الدِّينِ مَا لَمْ يَأْذَن بِهِ اللَّهُ وَلَوْلَا كَلِمَةُ الْفَصْلِ لَقُضِيَ بَيْنَهُمْ وَإِنَّ الظَّالِمِينَ لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ وقال أيضا: ﴿وَمَا كانَ لِمُؤمِنٍ وَلَا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللهُ وَرَسُولُه أَمْراً أَنْ يَكُونَ لَهُم الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِم﴾. وواقع الحال أن الأمة ليست هي من يقوم بسن القوانين، كما يدعي أصحاب الفكر الغربي الرأسمالي. حيث ينحصر التشريع في هيئة محدودة العدد في البرلمان أو في لجنة تأسيسية، ولذلك لا تصح نسبة القوانين إلى الأمة لمخالفة ذلك للواقع، حتى لو تم إقرار هذه القوانين أو الدساتير بعد الاستفتاء الشعبي عليها. إذ يتشكل الدستور من مجموعة مواد فيها مسائل معقدة لا يدركها إلا أهل الاختصاص، وبالتالي فإن الموافقة أو الاعتراض من باقي الشعب ممن هم ليسوا من أهل الاختصاص لا قيمة له.


فإذا أُقِرَّ القانون أو الدستور لكون الموافِق عليه أكثرَ من المعترض، فهذا يعني أن هناك فئةً كبيرة من الشعب قد تصل إلى النصف ناقص واحد لم توافق على الدستور. كما أن فئة عمرية قد تشكل 25% من الشعب، وهم فئة الشباب الذين هم دون السنّ القانوني المصرح له بالانتخاب، لا تؤخذ أصواتهم وبالتالي لا يُلتفت إليها في الاستفتاء. كما أن موافقة الموافِق لا تعني موافقةً حقيقية في ظل ضغوط من أطراف خارجية أو تأثير الآلة الإعلامية في تشكيل الرأي العام. وفي النهاية فإن إقرار دستورٍ ما في فترة ما هو إقرار أغلبية الشعب الموجود في هذه الفترة، لكن بعد جيل أو جيلين يكون الذين صوتوا لصالح هذا الدستور تحت التراب!


إننا نقول بكل وضوح أنه لا محلّ للبشر في وضع أحكام لتنظيم علاقات الناس، فهم مقيدون بالأحكام الشريعية. قال تعالى ﴿ وَمَا آَتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا﴾، ولهذا فإن الدستور يجب أن يؤخذ من كتاب الله وسنة رسوله وما أرشدا إليه من إجماع الصحابة والقياس الشرعي، ولا عبرة لرأي الأكثرية أو الأقلية.

فالتشريع في الإسلام هو لله وحده ولا يحق لأحد أن يحلل ويحرم من دون الله، وجعل التشريع للبشر، أو لِلَجنة تأسيسية، منتخبةٍ أو معيَّنة هو جريمة كبرى في الإسلام. أخرج الترمذي من طريق عدي بن حاتم قال: "أتيت النبي صلى الله عليه وسلم وفي عنقي صليب من ذهب، فقال يا عدي اطرح عنك هذا الوثن. وسمعته يقرأ في سورة براءة ﴿اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾. قال أما إنهم لم يكونوا يعبدوهم، ولكنهم كانوا إذا أحلوا لهم شيئا استحلوه، وإذا حرموا عليهم شيئا حرموه".

3-نسبية القوانين والتشريعات: انطلق الفكر الغربي في نظرته إلى القانون، على أنه حصيلة التطور الاجتماعي المعبر عن رأي الجماعة. ولهذا فإن التشريع الغربي في واقعه وباعتراف فقهائه، إنما هو تشريع خاص، وليد ظروف اجتماعية وتاريخية معينة. مما حدا بالمُشَرِّعِ الغربي أن يسترشد بأحكام نظرية "القانون الطبيعي" في صياغة قوانين وضعية مبنية على قواعد عقلية محضة، مثل العدل والضمير المنبثق عن الإنسان ذاته. ونحن نرى أن ربط القانون بالمتغيرات الاجتماعية والاقتصادية والسياسية يخلق إحساسا دائما بعدم الاستقرار، ويجعل للقوانين صفة "نسبية" ويدخل كافة القوانين في إطار "المتغيرات" المتعلقة بالمصلحة الآنية. ولهذا فليس من المستغرب سماع عبارات مثل "إن هذا الدستور ليس قرآنًا أو سنة" وأننا يمكننا تغييره في الفترة المقبلة، إذ إن التأثير الفكري والتشريعي الغربي واضح جدا في عقليات هذه الفئة التي تقاتل من أجل تمرير الدستور بأي شكل من الأشكال، لإحداث حالة متوهمة من الاستقرار.


لا يمكن أن يحدث استقرار في ظل دستور مبني في أسسه، بل وفي تفصيلاته على فلسفة الغرب في التشريع. إن الاستقرار الحقيقي والطمأنينة والعيش الرغيد للأمة، لا يكون إلا في ظل تطبيق حقيقي للإسلام كاملًا، يتمثل في دولته دولة الخلافة الإسلامية، التي تنبني كل مؤسساتها، وأجهزتها، وأنظمتها، ودستورها على أحكام شرعية تنبثق من العقيدة الإسلامية التي هي عقيدة الأمة.


شريف زايد
رئيس المكتب الإعلامي لحزب التحرير ولاية مصر

المزيد من القسم سياسة

يا علماء الأزهر: الشام لا تنتظركم تحت راية الاستعمار!!

ذكرت جريدة اليوم السابع في 26/10/2015م، أنها حصلت على نسخة من تقرير مهم لمرصد الأزهر الشريف أكد فيه "أن التحالف مع جيوش غير مسلمة لمواجهة الجماعات المتطرفة وإن كانت مسلمة "جائزة"، ما دامت ليست من قبيل الاستعانة بالمشركين على المسلمين طلبا لخذلان المسلمين، كما ذكر أن من مقاصد الشريعة عمارة الكون ولتحقيقها تمت الاستعانة بهم في نواح عديدة، منها الإدارية والصناعية والكتابية والقتالية وغيرها، واستدل بأن الرسول r استعان حينما هاجر إلى المدينة برجل مشرك ليدله على الطريق، وكان له غلام يهودي يخدمه بالمدينة، ولما قدم إلى المدينة كتب معاهدة بين المسلمين واليهود جاء فيها: (وأن بينهم النصر على من داهم يثرب)، ولما توجه رسول الله إلى مكة عام الحديبية ووصل إلى ذي الحليفة أرسل عينا له من خزاعة يأتيه بخبر قريش، وكان ذلك الرجل مشركا"، ليختم قائلا: "أما التحالف مع غير المسلم في مواجهة جماعة متطرفة تهدد أمن المجتمعات وسلامتها فعلينا هنا أن نفرق بين من يستعين بالمشركين على المسلمين طالبا خذلان المسلمين، قاصدًا هدم دولتهم، هادفًا إلى إضعاف شوكة الإسلام، كارها مبغضا لهذا الدين وأهله، فهذه الحالة نهى عنها ربنا تبارك وتعالى بقوله: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى أَوْلِيَاءَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ مِنْكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِى الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ﴾، وبين من يفعل ذلك ردا لعدوان فئة باغية لا يستطيع رد عدوانها وحده، مع احتفاظه بسيادة دين الإسلام في بلده ظاهرا غالبا، فلا مانع له أن يستعين بغير المسلمين تحقيقا لمصالح المسلمين؛ ولضرورة أمن المجتمع وسلامته".

من الواضح جدا أن الوضع في الشام يلقي بظلاله على المنطقة كلها، وأن هناك ترتيباً وتحضيرات لكي تصبح مصر مخلبا من مخالب أمريكا في الشام بإدخالها إلى حلبة الصراع كما فعلت في ليبيا من قبل، كجزء من حلف أمريكا في حربها الصليبية الجديدة بعد أن أوشكت روسيا على الفشل، وحتى لا يغضب أبناء الكنانة لتحرك جيشهم تجاه إخوانهم في الشام، ويكون هناك مبرر لقمع من يظهر الغضب منهم، فلا بد من مبرر قوي وفتوى شرعية لخداع أهل الكنانة وأبنائهم في الجيش حتى لا يؤرقهم فيما بعد تلوث أيديهم بدم إخوانهم في بلاد الشام، وبدلا من أن يصدر مرصد الأزهر وعلماء الكنانة بيانا وفتاوى تحرم تلك التحالفات على أبناء الأمة وتجرم الدخول فيها، وتبين وجوب نصرة أهل الشام وأهل فلسطين وغيرهم ورد كيد أعداء الأمة من أمريكا ويهود والغرب الكافر، أصدر المرصد تقريرا أجاز فيه التحالف مع جيوش غير مسلمة لمواجهة الجماعات المتطرفة وإن كانت مسلمة، ما دامت ليست من قبيل خذلان المسلمين، وكأن قتل المسلمين ليس خذلانا لهم أو أنه قد أصبح أحد مقاصد الشريعة، ولا ندري من أين أتى المرصد بهذه الفتوى وما دليله عليها؟! ولا عن أي شريعة وأي مقاصد يتحدث؛ فمقاصد الشرع تحفظ النفس المسلمة لا تقتلها بتحالف مع عدو الله ورسوله وعدو الأمة، والمعلوم من قول رسول الله r «إنا لا نستضيء بنار المشركين» ورده على المشرك الذي لحق بالجيش «إنا لا نستعين بمشرك»، أما الاستعانة في الأمور الإدارية فلم يرد تحريمها، وهي تختلف جملة وتفصيلا عن الاستعانة في القتال فضلا عن قتال المسلمين، والأصل فيها الإباحة ولا يجوز قياسها على قتال أهل البغي من المسلمين بأي حال من الأحوال، فهي ليست من الأمور الإدارية وإنما هي أحكام شرعية لأفعال الأصل فيها التقيد بأحكام الشرع المستنبطة من أدلتها، وما أتى به النص الصريح هنا في قتال طائفتين من المؤمنين ﴿وَإِن طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا فَإِن بَغَتْ إِحْدَاهُمَا عَلَى الْأُخْرَىٰ فَقَاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي حَتَّىٰ تَفِيءَ إِلَىٰ أَمْرِ اللَّه﴾ فالأصل في قتال طائفتين من المؤمنين أن نعمل على الإصلاح بينهما ثم يقاتل المسلمون، والمسلمون فقط دون غيرهم، الفئة الباغية طالما بقيت على بغيها حتى تعود عنه، ولا يجوز لهم أن يستعينوا بكافر على إخوانهم بعدوهم أبدا، فكما في الصحيحين «الْمُسْلِمُ أَخُو الْمُسْلِمِ، لَا يَظْلِمُهُ، وَلَا يُسْلِمُهُ، وَمَنْ كَانَ فِي حَاجَةِ أَخِيهِ، كَانَ اللَّهُ فِي حَاجَتِهِ، وَمَنْ فَرَّجَ عَنْ مُسْلِمٍ كُرْبَةً، فَرَّجَ اللَّهُ عَنْهُ كُرْبَةً مِنْ كُرُبَاتِ يَوْمِ الْقِيَامَةِ، وَمَنْ سَتَرَ مُسْلِمًا، سَتَرَهُ اللَّهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ».

وحتى نفصل في الفتوى يجب أن نستعرض واقع الأمة اليوم؛ حيث لا وجود لدولة إسلامية بالمفهوم الشرعي بل كلها بلاد إسلامية يسكنها مسلمون، يحكمها حكام ضرار مغتصبو سلطة وضعهم الغرب الكافر على رؤوس البلاد والعباد لرعاية مصالحه ولقهر الأمة واستعباد شعوبها للغرب الكافر، وكل من حاول الانعتاق من التبعية والتملص من ربقة الغرب يتسلطون عليه بسلاح ثمنه من أموال وأقوات الأمة واصفين كل من حاول الانعتاق بكل أوصاف التطرف والإرهاب والخروج.

وهنا مع هذا الواقع يكون واجب الأمة خلع هؤلاء الحكام وتنصيب خليفة واحد تكون رئاسته عامة لجميع المسلمين ويحصل الحكم ببيعة شرعية صحيحة ويحكم الأمة بالإسلام كاملا شاملا غير منقوص، ويكون له وحده حق تبني الأحكام الشرعية وسنها دستورا وقوانين، بهذا فقط يكون لدينا دولة إسلامية من حقها وحدها قتال البغاة والخارجين، أما هؤلاء الحكام وعلماؤهم وعملاؤهم فهم مغتصبون لسلطان الأمة محاربون لله ورسوله وأوليائه، وهم آخر من يقيم للإسلام وأحكامه وزنا أو احتراما في بلادنا ولا علاقة لهم لا بالشرع ولا بمقاصده، وأول من يدرك ذلك هم العلماء قبل عوام الناس من أهل الكنانة وغيرها، فلا يجوز لهم أن يبرروا ويشرعنوا خياناتهم في تجارة بالإسلام واستغلال واضح لجهل الناس بأحكامه لصالح حكام السوء ومن خلفهم الغرب الكافر عدو الإسلام والمسلمين، والذي يبررون الآن التحالف معه لوأد ثورة الأمة في الشام وغيرها، في محاولة يائسة لمنع عودة الخلافة على منهاج النبوة والتي أصبح نجمها يعلو في الأمة بعمومها والشام خاصة، والتي فضحت العملاء وعلماء السوء وأبت إلا أن تكشف كل متلون مخادع، ولن يبقى ثابتا إلا من يستحقون بحق أن يكونوا كأمثال الصحابة وأن تقام على أكتافهم دولة خلافة على منهاج النبوة يرضى عنها ساكن السماء وساكن الأرض.

يا علماء الأزهر الكرام وأحفاد العز بن عبد السلام سلطان العلماء، لا تكونوا أكثر الخاسرين فتبيعوا دينكم بدنيا غيركم، ولن ينفعكم حكام السوء أو يغنوا عنكم من الله شيئا، فكونوا مع الحق الذي تعلمون وطالبوا أهل مصر الكنانة وجيشها بخلع حكام السوء وإعلانها خلافة على منهاج النبوة، ونصرة أهل الشام وفلسطين وسائر المستضعفين من أبناء الأمة، فهذا دوركم ودورهم، فأنتم ورثة الأنبياء وهم جند الله ورسوله ودرع الأمة وحماة الإسلام فحرضوهم على نصرة الله ورسوله تفوزوا وإياهم ويكون لكم وللكنانة السبق في ركب الجنة.

يا أهل الكنانة وعلماءها وجيشها، يا من كنتم للإسلام درعا وحصنا وكان للإسلام بكم عزٌّ ومنعة من للإسلام، إن لم يكن أنتم من ينتصر لحرمات المسلمات غيركم من يحرر الأقصى دونكم، إن الأقصى والشام لا تنتظركم تحت راية الاستعمار وخلف عدو من أعداء الله ولخدمة الغرب الكافر ولفرض نفوذه ومخططاته ومنع عودة الحياة الإسلامية من خلال خلافة على منهاج النبوة، وإنما تنتظركم أنتم جند صلاح الدين تحت راية رسول الله r، تنتظركم ناصرين فاتحين محررين كما عهد بكم، تنتظركم بأسا شديدا على أعداء الله ورسوله وعزا لدينه ومددا لأنصاره، واعلموا أن نصر الله قادم لا محالة، فليكن بأيديكم أنتم وليكن لكم السبق للفردوس الأعلى مع أنصار الأمس فإنها الجنة، والأيام القادمة أيام فاصلة فانحازوا فيها لما يحب الله ويرضى وانصروا إخوانكم في حزب التحرير واحملوا معهم مشروع الأمة المنبثق عن عقيدتها خلافة على منهاج النبوة تنهي التبعية للغرب الكافر وتعيد عز الإسلام وأهله وتعيد بلادنا سيدة الدنيا كما كانت، اللهم اجعله قريبا واجعله بأيدينا.

كتبه لإذاعة المكتب الإعلامي المركزي لحزب التحرير

عبد الله عبد الرحمن

عضو المكتب الإعلامي لحزب التحرير في ولاية مصر

نعمة الأمن والأمان في الأردن

نتغنى في الأردن بالأمن والأمان، وإذا ما تكلم بعضنا بوجوب نصرة الشام والأقصى رد علينا آخرون بقولهم أنتم تريدون إشاعة الفوضى في البلد والقضاء على الأمن والأمان، ألا ترون ما حدث لأهل سوريا ومصر وليبيا واليمن وغيرهم؟

أقول لمثل هؤلاء: إن نعمة الأمن والأمان والرخاء الاقتصادي كان يتنعم بها أهل مكة، فقد آمنهم الله من الجوع والخوف بينما كانت القبائل من حولهم يغير بعضها على بعض فيقع فيهم القتل والأسر، قال تعالى مذكرا إياهم أنهم كانوا في أمان بينما غيرهم يعيش في خوف ﴿أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّا جَعَلْنَا حَرَمًا آمِنًا وَيُتَخَطَّفُ النَّاسُ مِنْ حَوْلِهِمْ أَفَبِالْبَاطِلِ يُؤْمِنُونَ وَبِنِعْمَةِ اللَّهِ يَكْفُرُونَ﴾ فماذا حدث لأهل مكة؟ هل استمر الأمن والأمان؟ هل حافظوا على نعمة الأمن والأمان؟ قال تعالى: ﴿لِإِيلَافِ قُرَيْشٍ * إِيلافِهِمْ رِحْلَةَ الشِّتَاءِ وَالصَّيْفِ * فَلْيَعْبُدُوا رَبَّ هَذَا الْبَيْتِ * الَّذِي أَطْعَمَهُم مِّن جُوعٍ وَآمَنَهُم مِّنْ خَوْفٍ﴾.

أطعمهم من جوع: أمان اقتصادي... كانت خيرات الجزيرة العربية والشام واليمن تجبى إليهم في رحلتين سنويتين، رحلة الشتاء إلى اليمن ورحلة الصيف إلى الشام، وآمنهم من خوف: كانت القبائل تسعى إلى ودِّهم لأنهم أهل الحرم،كما أن الرحلة في الصحراء إلى اليمن جنوبا والشام شمالا دليل على الأمن الذي تنعَّم به تجار مكة.

ولما بعث رسول الله r إليهم طلب منهم أن يحافظوا على هذه النعمة، كيف؟

اسمعوا قوله تعالى ﴿فَلْيَعْبُدُوا رَبَّ هَذَا الْبَيْتِ * الَّذِي أَطْعَمَهُم مِّن جُوعٍ وَآمَنَهُم مِّنْ خَوْفٍ

إذن المحافظة على الأمن والأمان تكون بطاعة الله عز وجل، وتنفيذ أوامره سبحانه في الحياة العامة، في الحكم والاقتصاد والاجتماع والتعليم والسياسة الخارجية، وليس الاقتصار على تنفيذ أمر الله في العبادات والأخلاق والمطعومات والملبوسات فقط، قال تعالى ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ ادْخُلُواْ فِي السِّلْمِ كَآفَّةً﴾ أي نفذوا أحكام الإسلام كلها، فلا يجوز أن نقصر الإسلام على جزء منه ونترك الباقي خوفا من أمريكا وأوروبا وغيرهما من دول العالم.

فحتى نحافظ على الأمن والأمان يجب تغيير الدستور إلى دستور إسلامي وتغيير النظام الحاكم من نظام علماني إلى نظام إسلامي، وأن تسترد الأمة سلطانها وتختار حاكمها لتبايعه على الحكم بكتاب الله وسنة رسوله r... وفي ذلك تحقيق لعبادة رب البيت.

وأما عصيان الله وإعلان الحرب على أحكامه الشرعية فهو خسران الأمن والأمان، والحكم بغير ما أنزل الله خروج عن طاعة رب البيت، والتنسيق مع روسيا في حربها على المسلمين في الشام خروج عن طاعة رب البيت، والمشاركة في التحالف الصليبي خروج عن طاعة رب البيت، وإباحة الربا باسم الحرية الاقتصادية، وإباحة التعري والسفور والاختلاط والمثلية الجنسية باسم الحرية الشخصية خروج عن طاعة رب البيت، وترك قطعان يهود يمارسون عربدتهم في الأقصى خروج عن طاعة رب البيت، وتأييد نتنياهو في تركيب كاميرات التجسس خروج عن طاعة رب البيت، وخذلان أهل سوريا وتركهم لبشار وروسيا وإيران وحزبها في لبنان خروج عن طاعة رب البيت، وإرسال الجيش الأردني ليحارب المسلمين بدلا من توجيههم لمحاربة يهود وتحرير الأقصى وفلسطين منهم هو خروج عن طاعة رب البيت...

أهل مكة رفضوا دعوة الله فخسروا الأمن والأمان.

انقسم المجتمع إلى مؤمنين وكافرين... أصبح الأخ يعادي أخاه والابن يعادي أباه والزوجة تعادي زوجها والعبد يعادي سيده. عصا العبيد أسيادهم، وعصا الشعب حكامه، وسموا زعيمهم أبا الحكم بأبي جهل. وأمر الله نبيه والمؤمنين بتهديد أبي جهل ﴿كَلَّا لَئِن لَّمْ يَنتَهِ لَنَسْفَعًا بِالنَّاصِيَةِ﴾ ثم أمره أن يعلن الوصف الحقيقي لأبي جهل ﴿نَاصِيَةٍ كَاذِبَةٍ خَاطِئَةٍ﴾ ثم يستأنف التحدي والتهديد والوعيد ﴿فَلْيَدْعُ نَادِيَه * سَنَدْعُ الزَّبَانِيَةَ﴾ ثم أمر رسوله والمؤمنين بعصيان الحاكم المجرم وإعلان التمرد على دستوره ﴿كَلَّا لَا تُطِعْهُ وَاسْجُدْ وَاقْتَرِبْ﴾.

لو دخل أبو الحكم في الإسلام وعبد ربَّه الذي أعطاه الأمن من الجوع والأمن من الخوف لما فرق مجتمعه، ولو آمن زعماء مكة لحققوا شرفا ما بعده شرف، ولظل ذكرهم معطراً خالدا، ولكنهم رفضوا الشرف واستغربوا وعد الرسول r بالانتصار على فارس والروم، واتهموه بالجنون، ففقدوا الأمن والأمان وقُتلوا في معركة بدر، أين هم الآن؟!.. في الجحيم والعياذ بالله وقانا الله وإياكم ذلك المصير. أما أولادهم الذين آمنوا بدعوة الإسلام فقد حافظوا على نعمة الأمن والأمان وأصبحوا قادة البشرية.

ونحن في الأردن إذا لم نعِ الدرس وندرك أن الحفاظ على الأمن والأمان لا يكون إلا بعبادة رب البيت... فسنخسر الدنيا والآخرة.. نعوذ بالله من ذلك... وها نحن نرى بعض البوادر في فقدان نعمة الأمن والأمان من انتشار العصابات والعنف في الجامعات والعشائر وفساد الدولة ونهب المال العام والفقر والبطالة... وإذا لم نعد إلى ديننا عودة حقيقية فسيستمر الخسران حتى نجد أنفسنا مشردين لاجئين كأهل البلاد من حولنا... لا قدر الله.

كتبته لإذاعة المكتب الإعلامي المركزي لحزب التحرير

نجاح السباتين – ولاية الأردن