فرعون مصر وفراعنة هذا العصر
November 12, 2008

  فرعون مصر وفراعنة هذا العصر

الحمد لله القائل في محكم التنزيل: { وَفِرْعَوْنَ ذِي الْأَوْتَادِ * الَّذِينَ طَغَوْا فِي الْبِلَادِ * فَأَكْثَرُوا فِيهَا الْفَسَادَ * فَصَبَّ عَلَيْهِمْ رَبُّكَ سَوْطَ عَذَابٍ} ، والقائل: { طسم * تِلْكَ آيَاتُ الْكِتَابِ الْمُبِينِ * نَتْلُوا عَلَيْكَ مِن نَّبَإِ مُوسَى وَفِرْعَوْنَ بِالْحَقِّ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ * إِنَّ فِرْعَوْنَ عَلَا فِي الْأَرْضِ وَجَعَلَ أَهْلَهَا شِيَعاً يَسْتَضْعِفُ طَائِفَةً مِّنْهُمْ يُذَبِّحُ أَبْنَاءهُمْ وَيَسْتَحْيِي نِسَاءهُمْ إِنَّهُ كَانَ مِنَ الْمُفْسِدِينَ * وَنُرِيدُ أَن نَّمُنَّ عَلَى الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا فِي الْأَرْضِ وَنَجْعَلَهُمْ أَئِمَّةً وَنَجْعَلَهُمُ الْوَارِثِينَ }.

قصص قصَّها الله سبحانه وتعالى على أنبيائه ورسله, وجعلها معتبراً لعقول المؤمنين, وقلوب الصالحين, إن فرعون علا في الأرض, ولا تحسبَن أن فرعون قد مات وانقضى زمانه, وصار قصة وامَّحَى أوانه, إن فرعون موجودٌ في كل دهر, ويظهر في كل مصر, له أشياعٌ وأتباع, وأقوامٌ يطيعونه من دون الله .

نعم إن فرعون موجود في كل زمان وفي كل مكان, فلا تظـُنن أن فرعون قد مات ! إن الذي مات هو أمر الدين والعياذ بالله تبارك وتعالى في قلوب المسلمين, إلاَّ من رحم الله, ونسأل الله تعالى أن يُحييَ أمره, ويقويَ نبتته, ويطيل شجرته, حتى تنمو باسقة لتشق عنان السماء, فيستظل بها الصالحون, ويعيش في ظلالها المؤمنون .

أيها الناس ألا فلتعلموا أن الله سبحانه وتعالى جلت قدرته, وعلت منزلته, وعظمت جلالته, للكافرين بالمرصاد, وصدق الله: { إِنَّ رَبَّكَ لَبِالْمِرْصَادِ }. فرعون هذا الذي قال: { يَا أَيُّهَا الْمَلَأُ مَا عَلِمْتُ لَكُم مِّنْ إِلَهٍ غَيْرِي فَأَوْقِدْ لِي يَا هَامَانُ عَلَى الطِّينِ فَاجْعَل لِّي صَرْحاً لَّعَلِّي أَطَّلِعُ إِلَى إِلَهِ مُوسَى وَإِنِّي لَأَظُنُّهُ مِنَ الْكَاذِبِينَ * وَاسْتَكْبَرَ هُوَ وَجُنُودُهُ فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَظَنُّوا أَنَّهُمْ إِلَيْنَا لَا يُرْجَعُونَ * فَأَخَذْنَاهُ وَجُنُودَهُ فَنَبَذْنَاهُمْ فِي الْيَمِّ فَانظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الظَّالِمِينَ * وَجَعَلْنَاهُمْ أَئِمَّةً يَدْعُونَ إِلَى النَّارِ وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ لَا يُنصَرُونَ * وَأَتْبَعْنَاهُمْ فِي هَذِهِ الدُّنْيَا لَعْنَةً وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ هُم مِّنَ الْمَقْبُوحِينَ}. أخزاه الله تعالى, وأخذ بناصيته إلى أعماق البحر, وأطعمه من الأوحال, فتغير بعد غطرستهِ وكِبرهِ الحال, وصار ذليلاً بعد عزةٍ كاذبة, مَهيناً بعد أن كان يخدمهُ الخدم, ويصلي له من لا عقل له, ومن لا دين له, ومن لا تدبير له. لقد أخزى الله تبارك وتعالى ذلك الفرعون وجنده, ونصر عليه موسى عليه السلام, ولكن نشأت فراعنة جدد, وفرعون العصر هي دولة البغي والكبر والغطرسة والربا والزنا, دولة أمريكا الفاجرة صاحبة العهر, محاربة الطهر في الدنيا, بَنـَت بيوتاً للربا, وبيوتاً للزنا, وبيوتاً للميسر. وبيوتاً للكفر تـُشرِّعُ فيها من دون الله, وبيوتا لمحاربة الله ورسوله عبر وسائل إعلامها, كان الزنا قبل أيامنا في سراديب تحت الأرض يختبىءُ فيها السـُّقاط ُهروباً من عيون الناس, لأنهم يسقطون في أوحال الفواحش, فأنى لهم أن يظهروا على وجه الأرض, ولكن في عهد الغطرسة الرأسمالية, وفرية الديمقراطية, وفكرة الحرية, صار العُريُ في الشوارع , والزنا على ناصية الطريق, والمهانة حدث ولا حرج , بل صار الزنا على رؤوس العمارات الشاهقة في أمكنة تسمى ــ الرووف ــ يلتقي فيها الزناة ليقضوا أوطارهم, حتى صار الزنا مفخرة, وصار الرجل يتفاخر بأنه قد زنا بهذه, وهذه, وتلك ! وكان الزاني في السابق يخزى ويندى جبينه, ويتوارى من الناس من سوء صنيعه .

أما اليوم: فهو الزير الذي لحقته النساء, يفخر بالزنا في عصر الحرية والديمقراطية, وتفخر النساء اللواتي يكشفن عوراتهن ورخصت أجسادهن بأنهنَّ متطورات متقدمات متحررات ! بفعل الحرية والديمقراطية التي نشرتها أميركا وأوربا في عقول هذه الأمة, فانحرفوا وانجرفوا, ونسأل الله تعالى أن يطهرنا من رجس الديمقراطية وأوحالها, وأن يرجعنا لجادة الطريق, وأن يعرفنا بالله, وأمر الله, وشرع الله, حتى نستحق جنته, وننجوا من عقابه, لكن الله تعالى بالمرصاد, ولسوف يُطوح بكبرياء أمريكا كما طوَّح بفرعون وهامان وقارون وجنودهم أجمعين .

 إن أمريكا اليوم دولة العهر والزنا والربا, دولة الشذوذ الجنسي, دولة السحاق واللواط, الدولة التي أوجدت نقابات للشاذين جنسياً, واعتبرتهم أناساً عاديين, ينبغي أن يُحافظ على حقوقهم, وغزت عقول الناس جميعاً في العالم بحضارتها البائسة الفاسدة الكاذبة المهلكة. وجيشت جيشاً من أذنابها زينوا للناس سوء مبدئها وقبحَ نظامهما . يريد الله تعالى لها أن تنهار, وأن يلحقها الدمار, فنسأل الله سبحانه وتعالى أن يكون ذلك عاجلاً قريبا. اللهم عجـِّل بانهزام أمريكا, وعجل بضياع أذنابها في بلادنا يا رب العالمين, اللهم اخزِ من شايعها واطفىء نوره, واطفىء ناره, وعجل بواره .

أيها الناس إن أمريكا دولة الربا الذي أعلن الله تعالى الحرب عليه فقال: { يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ اتَّقُواْ اللّهَ وَذَرُواْ مَا بَقِيَ مِنَ الرِّبَا إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ * فَإِن لَّمْ تَفْعَلُواْ فَأْذَنُواْ بِحَرْبٍ مِّنَ اللّهِ وَرَسُولِهِ وَإِن تُبْتُمْ فَلَكُمْ رُؤُوسُ أَمْوَالِكُمْ لاَ تَظْلِمُونَ وَلاَ تُظْلَمُونَ} .نعم: حاربت أمريكا الله تعالى في شرعه ودينه, وقتلت نساء المسلمين, ورجال المسلمين, وأطفال المسلمين, واحتلت ديارَهُم, وانتهكت أعراضَهُم, وقالت جئنا لنصحح خطأ الرب ! الذي جعل النفط في بلاد العرب ولسان حاله ! لا بل لسان مقاله يقول: من هم هؤلاء العرب الأغبياء, هل هؤلاء يعرفون الصناعة, إذاً...! لماذا جعل الله النفط عند هؤلاء الأغبياء ونحن أهل العلم والعقل والصناعة, فقد غزونا الفضاء, ووطأنا بأقدامنا السماء! نحن جبابرة العصر, نحن الفراعنة, فهل غزى العرب الفضاء؟! لا..! فالعرب أهل نوق ٍوجـِمال, أهل صحارى وقفار, كيف يكون النفط ومعدن الحياة عندهم ؟! إذن..! لا بُدَّ أن نصحح خطأ الرب ! تعالى الله عما يقولون ويفترون علواً كبيرا.

أيها الناس: أترونَ أحداً في الدنيا تجرأ على الله جلَّ في عُلاه مثل هذه الدولة وأمثالها من دول الكفر, وأتباعها وأذنابها من عملاء المسلمين وأوباشِهم ؟! . إن أمريكا أقامت اقتصاداً عالمياً مبنياً على طباعة الأوراق والمستندات, هذه الأوراق لا تعبر عن حقيقة ثروة أمريكا, بل إن أمريكا تطبع الدولارات طباعة هكذا وتشتري ثروات الناس, وسلع الناس, وعقول الناس, وضمائر الناس, وحكامَهُم, وبلادَهم, وأرزاقـَهم, تطبع نقداً من غير غطاءٍ ذهبيٍّ, ولا فضيٍّ, وحينما أدرك ديغول لعبة أمريكا القذرة قال: لنيكسون عندي سبعة مليارات دولار أعطني بدلاً منها ذهباً, فقال نيكسون: لا ذهب عندي, تكفيك قوة الإقتصاد الأمريكي, وأردف قائلاً: نحن لا نعوض بالذهب ! قوتنا هي العِوَض, فأمريكا دولة حاربت نظام الله النقدي, وطبعت نظاماً ورقياً لا يُعبر عن ثروتها, فنظامها كاذب, وثروتها كاذبة, وملياراتـُها كاذبة, وهي اليوم تستجدي مجلس النواب, ومجلس الشيوخ, لتضخ سبعمائة مليار دولار في خزائن المصارف الفارغة التي انهارت, وبارت تجارتها, وانكشف عوارُها, وصدق الله العليُّ العظيم إذ يقول محذراً: { وَالَّذِينَ كَفَرُوا أَعْمَالُهُمْ كَسَرَابٍ بِقِيعَةٍ يَحْسَبُهُ الظَّمْآنُ مَاء حَتَّى إِذَا جَاءهُ لَمْ يَجِدْهُ شَيْئاً وَوَجَدَ اللَّهَ عِندَهُ فَوَفَّاهُ حِسَابَهُ وَاللَّهُ سَرِيعُ الْحِسَابِ}.

وإن النظام الإقتصادي الذي صنعته أمريكا نظام فاشل بائر, لأنه ليس نظاماً ربانياً, ولم يكن من عند الله أبداً, ونؤكد ما قلناه في السابق لكل المضبوعين بالأفكار الغربية والشرقية, أنه لا يثبت في الأرض إلاَّ ما نزل من السماء, ولا يقوم أمرُ الدنيا إلاَّ بكلمات الله, ولا يُصلحُ الناسَ إلاَّ أمرُ الله, أما شرائع الشيطان, وأفكار الزنادقة المُرابين الذين يَمُصُّون دماء الناس, ويسرقون أموالهم, ويهدرون كرامتهم, فإن نظامهم بإذن الله بائر, وأمرهم خاسر, فعَجِّل ِاللهُمَّ في بوارهم ودمارهم وضياعهم .

أيها ألإخوة العقلاء: بعد أن بينت الآيات الكريمات السالفة الذكر حال فرعون وتجبره لأمته, بيَّنَ الله تعقيباً في سورة القصص نفسها مَنـَّهُ وفضله على المؤمنين إذ يقول جل وعلا: { ونريد أن نمن على الذين استضعفوا في الأرض ونجعلهم أئمة ونجعلهم الوارثين * ونمكن لهم في الأرض ونري فرعون وهامان وجنودهما منهم ما كانوا يحذرون } .

نعم: هذا ما كان من أمر فرعون ذاك الزمان, فانتظروا قريباً بإذن الله هلاك فراعنة هذا الزمان وزبانيتهم وقرب دمارهم, فإن القادم أعظم, وإن هذا لموطأ قدم لأمة الإسلام حتى تنطلق لتنفض الركام عن كاهلها, وتلفظ غباره, وتسارع لبناء أمر هذا الدين القويم, وإقامة حدود الله تبارك وتعالى, والخلاص من هؤلاء المفرطين المجرمين, من العملاء الجواسيس الذين يحكمون الأمة في مشارق الأرض ومغاربها, بالحديد والنار, وترويع الآمنين .

أيها المسلمون: لا تقنطوا من روح الله, فإنه لا ييأس من روح الله إلاَّ القوم الكافرون, وإن فرجَ الله آتٍ بإذن الله تبارك وتعالى. وإن نقمتـَه من الظالمين سُنـَّة ٌلا تتخلف. وصدق الله: { كَدَأْبِ آلِ فِرْعَوْنَ وَالَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ كَذَّبُواْ بِآيَاتِنَا فَأَخَذَهُمُ اللّهُ بِذُنُوبِهِمْ وَاللّهُ شَدِيدُ الْعِقَابِ }. كذَّبوا بآيات الله, فأخذهم الله بذنوبهم, سُنـَّة ٌمن الله لا تتخلف أبدا, إن الله ينتقم من كل ظالم متكبر, وإن الله لا يصلح عمل المفسدين, تعالى عن ذلك علوا كبيرا, لكنه يختبرنا فيرى ماذا نصنع, ويرى هل نوقن بنصره, أم نجزع, ويرى هل نبرأ من حولنا وقوتنا ونتكأ على حوله وقوته, أم نتعالى والعياذ بالله تعالى ؟!.

إن الفرج لآتٍ لا محالة, فلا يغرنكم الشيطان وحزبه, ولا تغرنكم قوته, ولا سطوته, ولا آلته الضخمة, ولا صواريخه, ولا أسلحته, فإن الله تعالى يحفظ جنده, وينصر أمته, وإذا أراد أن يحيي الميت أحياه, وإذا أراد أن يُميت الحي أماته, فاعتبروا يا أولي الأبصار, واعلموا أنه لا قوة إلاَّ قوته, ولا جبروت إلاَّ جبروته, فاتكؤوا على قوته, واعتصموا بحبله, والجؤوا إليه, وتوكلوا عليه, والتمسوا العون منه, ولا تنشغلوا بسفاسف الأمور فتـَضيعوا وتـُضيعوا, لا تنشغلوا بالخلافات هذا أحمرُ وهذا أسودَ, وهذا بُني, وذاك رمادي. قولوا لا إله إلاَّ الله تفلحوا, واعلموا أنكم أمة ٌمن دون الناس, أمة ُلا إله إلاَّ الله, محمدٌ رسول الله. والله تعالى يريدكم أمة َواحدة , ولا يريدكم شِيَعَاً مُتفرقين, فكونوا أمة ًواحدة ًكما أراد الله تبارك وتعالى, فإن اختلفتم في الأساليب فلا تباغضوا ولا تناجشوا ولا تنابزوا ولا تحاسدوا وكونوا عباد الله إخواناً. ولا تقيلنَّ أقلامُكم بالكلام الفاحش البذيء, ولا بالطعن والسـِّباب, ولا بالبَرَارِ والتباب والبوار, ولا بالتكفير, ولا بالتشنيع, وإنما كونوا إخوة متحابين متناصحين حتى تحشروا في ظلال العرش خالدين, واعلموا أن من يطيلُ مِدادَ قلـَمِهِ في السفاسف والأمة في معركتها مع الكفر فإنه خائن لله, خائن لرسول الله, وخائن لأمته. واعلموا أن من ينشغل في تفريق الأمة, فإنه خارجَ إطار المعركة, ولن يشرفه الله بشرفها, بل سيعيش مذموماً مدحوراً, ملوماً محسوراً. اللهم جنبنا سفاسف الأمور, واجعلنا ممن يهتمُّ بمعاليها, وعظيم تاليها.

وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين, والصلاة والسلام على سيد الأولين والآخرين سيدنا محمد الأمين, المبعوث رحمة للعالمين, ومن تبع هداه, وسلك خطاه, وسار على نهجه إلى يوم الدين .

بقلم : الداعي الى الله

المزيد من القسم سياسة

يا علماء الأزهر: الشام لا تنتظركم تحت راية الاستعمار!!

ذكرت جريدة اليوم السابع في 26/10/2015م، أنها حصلت على نسخة من تقرير مهم لمرصد الأزهر الشريف أكد فيه "أن التحالف مع جيوش غير مسلمة لمواجهة الجماعات المتطرفة وإن كانت مسلمة "جائزة"، ما دامت ليست من قبيل الاستعانة بالمشركين على المسلمين طلبا لخذلان المسلمين، كما ذكر أن من مقاصد الشريعة عمارة الكون ولتحقيقها تمت الاستعانة بهم في نواح عديدة، منها الإدارية والصناعية والكتابية والقتالية وغيرها، واستدل بأن الرسول r استعان حينما هاجر إلى المدينة برجل مشرك ليدله على الطريق، وكان له غلام يهودي يخدمه بالمدينة، ولما قدم إلى المدينة كتب معاهدة بين المسلمين واليهود جاء فيها: (وأن بينهم النصر على من داهم يثرب)، ولما توجه رسول الله إلى مكة عام الحديبية ووصل إلى ذي الحليفة أرسل عينا له من خزاعة يأتيه بخبر قريش، وكان ذلك الرجل مشركا"، ليختم قائلا: "أما التحالف مع غير المسلم في مواجهة جماعة متطرفة تهدد أمن المجتمعات وسلامتها فعلينا هنا أن نفرق بين من يستعين بالمشركين على المسلمين طالبا خذلان المسلمين، قاصدًا هدم دولتهم، هادفًا إلى إضعاف شوكة الإسلام، كارها مبغضا لهذا الدين وأهله، فهذه الحالة نهى عنها ربنا تبارك وتعالى بقوله: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى أَوْلِيَاءَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ مِنْكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِى الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ﴾، وبين من يفعل ذلك ردا لعدوان فئة باغية لا يستطيع رد عدوانها وحده، مع احتفاظه بسيادة دين الإسلام في بلده ظاهرا غالبا، فلا مانع له أن يستعين بغير المسلمين تحقيقا لمصالح المسلمين؛ ولضرورة أمن المجتمع وسلامته".

من الواضح جدا أن الوضع في الشام يلقي بظلاله على المنطقة كلها، وأن هناك ترتيباً وتحضيرات لكي تصبح مصر مخلبا من مخالب أمريكا في الشام بإدخالها إلى حلبة الصراع كما فعلت في ليبيا من قبل، كجزء من حلف أمريكا في حربها الصليبية الجديدة بعد أن أوشكت روسيا على الفشل، وحتى لا يغضب أبناء الكنانة لتحرك جيشهم تجاه إخوانهم في الشام، ويكون هناك مبرر لقمع من يظهر الغضب منهم، فلا بد من مبرر قوي وفتوى شرعية لخداع أهل الكنانة وأبنائهم في الجيش حتى لا يؤرقهم فيما بعد تلوث أيديهم بدم إخوانهم في بلاد الشام، وبدلا من أن يصدر مرصد الأزهر وعلماء الكنانة بيانا وفتاوى تحرم تلك التحالفات على أبناء الأمة وتجرم الدخول فيها، وتبين وجوب نصرة أهل الشام وأهل فلسطين وغيرهم ورد كيد أعداء الأمة من أمريكا ويهود والغرب الكافر، أصدر المرصد تقريرا أجاز فيه التحالف مع جيوش غير مسلمة لمواجهة الجماعات المتطرفة وإن كانت مسلمة، ما دامت ليست من قبيل خذلان المسلمين، وكأن قتل المسلمين ليس خذلانا لهم أو أنه قد أصبح أحد مقاصد الشريعة، ولا ندري من أين أتى المرصد بهذه الفتوى وما دليله عليها؟! ولا عن أي شريعة وأي مقاصد يتحدث؛ فمقاصد الشرع تحفظ النفس المسلمة لا تقتلها بتحالف مع عدو الله ورسوله وعدو الأمة، والمعلوم من قول رسول الله r «إنا لا نستضيء بنار المشركين» ورده على المشرك الذي لحق بالجيش «إنا لا نستعين بمشرك»، أما الاستعانة في الأمور الإدارية فلم يرد تحريمها، وهي تختلف جملة وتفصيلا عن الاستعانة في القتال فضلا عن قتال المسلمين، والأصل فيها الإباحة ولا يجوز قياسها على قتال أهل البغي من المسلمين بأي حال من الأحوال، فهي ليست من الأمور الإدارية وإنما هي أحكام شرعية لأفعال الأصل فيها التقيد بأحكام الشرع المستنبطة من أدلتها، وما أتى به النص الصريح هنا في قتال طائفتين من المؤمنين ﴿وَإِن طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا فَإِن بَغَتْ إِحْدَاهُمَا عَلَى الْأُخْرَىٰ فَقَاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي حَتَّىٰ تَفِيءَ إِلَىٰ أَمْرِ اللَّه﴾ فالأصل في قتال طائفتين من المؤمنين أن نعمل على الإصلاح بينهما ثم يقاتل المسلمون، والمسلمون فقط دون غيرهم، الفئة الباغية طالما بقيت على بغيها حتى تعود عنه، ولا يجوز لهم أن يستعينوا بكافر على إخوانهم بعدوهم أبدا، فكما في الصحيحين «الْمُسْلِمُ أَخُو الْمُسْلِمِ، لَا يَظْلِمُهُ، وَلَا يُسْلِمُهُ، وَمَنْ كَانَ فِي حَاجَةِ أَخِيهِ، كَانَ اللَّهُ فِي حَاجَتِهِ، وَمَنْ فَرَّجَ عَنْ مُسْلِمٍ كُرْبَةً، فَرَّجَ اللَّهُ عَنْهُ كُرْبَةً مِنْ كُرُبَاتِ يَوْمِ الْقِيَامَةِ، وَمَنْ سَتَرَ مُسْلِمًا، سَتَرَهُ اللَّهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ».

وحتى نفصل في الفتوى يجب أن نستعرض واقع الأمة اليوم؛ حيث لا وجود لدولة إسلامية بالمفهوم الشرعي بل كلها بلاد إسلامية يسكنها مسلمون، يحكمها حكام ضرار مغتصبو سلطة وضعهم الغرب الكافر على رؤوس البلاد والعباد لرعاية مصالحه ولقهر الأمة واستعباد شعوبها للغرب الكافر، وكل من حاول الانعتاق من التبعية والتملص من ربقة الغرب يتسلطون عليه بسلاح ثمنه من أموال وأقوات الأمة واصفين كل من حاول الانعتاق بكل أوصاف التطرف والإرهاب والخروج.

وهنا مع هذا الواقع يكون واجب الأمة خلع هؤلاء الحكام وتنصيب خليفة واحد تكون رئاسته عامة لجميع المسلمين ويحصل الحكم ببيعة شرعية صحيحة ويحكم الأمة بالإسلام كاملا شاملا غير منقوص، ويكون له وحده حق تبني الأحكام الشرعية وسنها دستورا وقوانين، بهذا فقط يكون لدينا دولة إسلامية من حقها وحدها قتال البغاة والخارجين، أما هؤلاء الحكام وعلماؤهم وعملاؤهم فهم مغتصبون لسلطان الأمة محاربون لله ورسوله وأوليائه، وهم آخر من يقيم للإسلام وأحكامه وزنا أو احتراما في بلادنا ولا علاقة لهم لا بالشرع ولا بمقاصده، وأول من يدرك ذلك هم العلماء قبل عوام الناس من أهل الكنانة وغيرها، فلا يجوز لهم أن يبرروا ويشرعنوا خياناتهم في تجارة بالإسلام واستغلال واضح لجهل الناس بأحكامه لصالح حكام السوء ومن خلفهم الغرب الكافر عدو الإسلام والمسلمين، والذي يبررون الآن التحالف معه لوأد ثورة الأمة في الشام وغيرها، في محاولة يائسة لمنع عودة الخلافة على منهاج النبوة والتي أصبح نجمها يعلو في الأمة بعمومها والشام خاصة، والتي فضحت العملاء وعلماء السوء وأبت إلا أن تكشف كل متلون مخادع، ولن يبقى ثابتا إلا من يستحقون بحق أن يكونوا كأمثال الصحابة وأن تقام على أكتافهم دولة خلافة على منهاج النبوة يرضى عنها ساكن السماء وساكن الأرض.

يا علماء الأزهر الكرام وأحفاد العز بن عبد السلام سلطان العلماء، لا تكونوا أكثر الخاسرين فتبيعوا دينكم بدنيا غيركم، ولن ينفعكم حكام السوء أو يغنوا عنكم من الله شيئا، فكونوا مع الحق الذي تعلمون وطالبوا أهل مصر الكنانة وجيشها بخلع حكام السوء وإعلانها خلافة على منهاج النبوة، ونصرة أهل الشام وفلسطين وسائر المستضعفين من أبناء الأمة، فهذا دوركم ودورهم، فأنتم ورثة الأنبياء وهم جند الله ورسوله ودرع الأمة وحماة الإسلام فحرضوهم على نصرة الله ورسوله تفوزوا وإياهم ويكون لكم وللكنانة السبق في ركب الجنة.

يا أهل الكنانة وعلماءها وجيشها، يا من كنتم للإسلام درعا وحصنا وكان للإسلام بكم عزٌّ ومنعة من للإسلام، إن لم يكن أنتم من ينتصر لحرمات المسلمات غيركم من يحرر الأقصى دونكم، إن الأقصى والشام لا تنتظركم تحت راية الاستعمار وخلف عدو من أعداء الله ولخدمة الغرب الكافر ولفرض نفوذه ومخططاته ومنع عودة الحياة الإسلامية من خلال خلافة على منهاج النبوة، وإنما تنتظركم أنتم جند صلاح الدين تحت راية رسول الله r، تنتظركم ناصرين فاتحين محررين كما عهد بكم، تنتظركم بأسا شديدا على أعداء الله ورسوله وعزا لدينه ومددا لأنصاره، واعلموا أن نصر الله قادم لا محالة، فليكن بأيديكم أنتم وليكن لكم السبق للفردوس الأعلى مع أنصار الأمس فإنها الجنة، والأيام القادمة أيام فاصلة فانحازوا فيها لما يحب الله ويرضى وانصروا إخوانكم في حزب التحرير واحملوا معهم مشروع الأمة المنبثق عن عقيدتها خلافة على منهاج النبوة تنهي التبعية للغرب الكافر وتعيد عز الإسلام وأهله وتعيد بلادنا سيدة الدنيا كما كانت، اللهم اجعله قريبا واجعله بأيدينا.

كتبه لإذاعة المكتب الإعلامي المركزي لحزب التحرير

عبد الله عبد الرحمن

عضو المكتب الإعلامي لحزب التحرير في ولاية مصر

نعمة الأمن والأمان في الأردن

نتغنى في الأردن بالأمن والأمان، وإذا ما تكلم بعضنا بوجوب نصرة الشام والأقصى رد علينا آخرون بقولهم أنتم تريدون إشاعة الفوضى في البلد والقضاء على الأمن والأمان، ألا ترون ما حدث لأهل سوريا ومصر وليبيا واليمن وغيرهم؟

أقول لمثل هؤلاء: إن نعمة الأمن والأمان والرخاء الاقتصادي كان يتنعم بها أهل مكة، فقد آمنهم الله من الجوع والخوف بينما كانت القبائل من حولهم يغير بعضها على بعض فيقع فيهم القتل والأسر، قال تعالى مذكرا إياهم أنهم كانوا في أمان بينما غيرهم يعيش في خوف ﴿أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّا جَعَلْنَا حَرَمًا آمِنًا وَيُتَخَطَّفُ النَّاسُ مِنْ حَوْلِهِمْ أَفَبِالْبَاطِلِ يُؤْمِنُونَ وَبِنِعْمَةِ اللَّهِ يَكْفُرُونَ﴾ فماذا حدث لأهل مكة؟ هل استمر الأمن والأمان؟ هل حافظوا على نعمة الأمن والأمان؟ قال تعالى: ﴿لِإِيلَافِ قُرَيْشٍ * إِيلافِهِمْ رِحْلَةَ الشِّتَاءِ وَالصَّيْفِ * فَلْيَعْبُدُوا رَبَّ هَذَا الْبَيْتِ * الَّذِي أَطْعَمَهُم مِّن جُوعٍ وَآمَنَهُم مِّنْ خَوْفٍ﴾.

أطعمهم من جوع: أمان اقتصادي... كانت خيرات الجزيرة العربية والشام واليمن تجبى إليهم في رحلتين سنويتين، رحلة الشتاء إلى اليمن ورحلة الصيف إلى الشام، وآمنهم من خوف: كانت القبائل تسعى إلى ودِّهم لأنهم أهل الحرم،كما أن الرحلة في الصحراء إلى اليمن جنوبا والشام شمالا دليل على الأمن الذي تنعَّم به تجار مكة.

ولما بعث رسول الله r إليهم طلب منهم أن يحافظوا على هذه النعمة، كيف؟

اسمعوا قوله تعالى ﴿فَلْيَعْبُدُوا رَبَّ هَذَا الْبَيْتِ * الَّذِي أَطْعَمَهُم مِّن جُوعٍ وَآمَنَهُم مِّنْ خَوْفٍ

إذن المحافظة على الأمن والأمان تكون بطاعة الله عز وجل، وتنفيذ أوامره سبحانه في الحياة العامة، في الحكم والاقتصاد والاجتماع والتعليم والسياسة الخارجية، وليس الاقتصار على تنفيذ أمر الله في العبادات والأخلاق والمطعومات والملبوسات فقط، قال تعالى ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ ادْخُلُواْ فِي السِّلْمِ كَآفَّةً﴾ أي نفذوا أحكام الإسلام كلها، فلا يجوز أن نقصر الإسلام على جزء منه ونترك الباقي خوفا من أمريكا وأوروبا وغيرهما من دول العالم.

فحتى نحافظ على الأمن والأمان يجب تغيير الدستور إلى دستور إسلامي وتغيير النظام الحاكم من نظام علماني إلى نظام إسلامي، وأن تسترد الأمة سلطانها وتختار حاكمها لتبايعه على الحكم بكتاب الله وسنة رسوله r... وفي ذلك تحقيق لعبادة رب البيت.

وأما عصيان الله وإعلان الحرب على أحكامه الشرعية فهو خسران الأمن والأمان، والحكم بغير ما أنزل الله خروج عن طاعة رب البيت، والتنسيق مع روسيا في حربها على المسلمين في الشام خروج عن طاعة رب البيت، والمشاركة في التحالف الصليبي خروج عن طاعة رب البيت، وإباحة الربا باسم الحرية الاقتصادية، وإباحة التعري والسفور والاختلاط والمثلية الجنسية باسم الحرية الشخصية خروج عن طاعة رب البيت، وترك قطعان يهود يمارسون عربدتهم في الأقصى خروج عن طاعة رب البيت، وتأييد نتنياهو في تركيب كاميرات التجسس خروج عن طاعة رب البيت، وخذلان أهل سوريا وتركهم لبشار وروسيا وإيران وحزبها في لبنان خروج عن طاعة رب البيت، وإرسال الجيش الأردني ليحارب المسلمين بدلا من توجيههم لمحاربة يهود وتحرير الأقصى وفلسطين منهم هو خروج عن طاعة رب البيت...

أهل مكة رفضوا دعوة الله فخسروا الأمن والأمان.

انقسم المجتمع إلى مؤمنين وكافرين... أصبح الأخ يعادي أخاه والابن يعادي أباه والزوجة تعادي زوجها والعبد يعادي سيده. عصا العبيد أسيادهم، وعصا الشعب حكامه، وسموا زعيمهم أبا الحكم بأبي جهل. وأمر الله نبيه والمؤمنين بتهديد أبي جهل ﴿كَلَّا لَئِن لَّمْ يَنتَهِ لَنَسْفَعًا بِالنَّاصِيَةِ﴾ ثم أمره أن يعلن الوصف الحقيقي لأبي جهل ﴿نَاصِيَةٍ كَاذِبَةٍ خَاطِئَةٍ﴾ ثم يستأنف التحدي والتهديد والوعيد ﴿فَلْيَدْعُ نَادِيَه * سَنَدْعُ الزَّبَانِيَةَ﴾ ثم أمر رسوله والمؤمنين بعصيان الحاكم المجرم وإعلان التمرد على دستوره ﴿كَلَّا لَا تُطِعْهُ وَاسْجُدْ وَاقْتَرِبْ﴾.

لو دخل أبو الحكم في الإسلام وعبد ربَّه الذي أعطاه الأمن من الجوع والأمن من الخوف لما فرق مجتمعه، ولو آمن زعماء مكة لحققوا شرفا ما بعده شرف، ولظل ذكرهم معطراً خالدا، ولكنهم رفضوا الشرف واستغربوا وعد الرسول r بالانتصار على فارس والروم، واتهموه بالجنون، ففقدوا الأمن والأمان وقُتلوا في معركة بدر، أين هم الآن؟!.. في الجحيم والعياذ بالله وقانا الله وإياكم ذلك المصير. أما أولادهم الذين آمنوا بدعوة الإسلام فقد حافظوا على نعمة الأمن والأمان وأصبحوا قادة البشرية.

ونحن في الأردن إذا لم نعِ الدرس وندرك أن الحفاظ على الأمن والأمان لا يكون إلا بعبادة رب البيت... فسنخسر الدنيا والآخرة.. نعوذ بالله من ذلك... وها نحن نرى بعض البوادر في فقدان نعمة الأمن والأمان من انتشار العصابات والعنف في الجامعات والعشائر وفساد الدولة ونهب المال العام والفقر والبطالة... وإذا لم نعد إلى ديننا عودة حقيقية فسيستمر الخسران حتى نجد أنفسنا مشردين لاجئين كأهل البلاد من حولنا... لا قدر الله.

كتبته لإذاعة المكتب الإعلامي المركزي لحزب التحرير

نجاح السباتين – ولاية الأردن