فرنسا... وهل يُرجى الطهر من نجس؟!
October 26, 2020

فرنسا... وهل يُرجى الطهر من نجس؟!

فرنسا... وهل يُرجى الطهر من نجس؟!

ما كان الغرب في البشرية إلا نكبة كبرى، ومأساة حضارية تقاذفتها السنين، ما كان فجر الحضارة فيه إلا حيناً من الدهر بمقدار أيام نبوة عيسى عليه السلام على الأرض، ثم انتهى الفجر برفعه عليه السلام. فما عرف الغرب للحضارة إشراقة ولا نورا ولا ضياء، بل انحرف باكرا وأعقب الفجر ليل بهيم أوله ظلام أقبية الكنائس ومنتهى ظلماته أقفاص علمانيته.

فما كان الغرب في التاريخ البشري إلا ليلا مظلما وتاريخا أسود مقفرا، وما كانت فرنسا إلا فَحْمَةَ هذا الليل، ومن فحمته تخلقت فكان ظهورها شر الظهور في القرن الخامس الميلادي، هَمَجٌ لُفَّتْ بربرية توحشهم بكهنوت الكنيسة المحرف فأصبحت منهم عقلا وما كان السيف في أيديهم إلا سفكا ونهبا حتى أضحى دم قلوبهم حقدا وغلا، وما كان في ملوكهم إلا وحش سفاح يخلفه سفاح وحش، وقام الجور بديارهم وخيم الظلم في سمائهم حتى لا ترى في بشرهم إلا مستبدا ملكا وإقطاعيا متزلفا، أو لصا وقاطع طريق ناقما أو فقيرا معدما، أما حياتهم فكأن بؤس الدنيا قد جُمِعَ لهم جمعا، ففوق قهر الملوك وارتفاع الضرائب الإقطاعية كان القحط والوباء يحاربان بنجاح غريزة التكاثر الآدمية فيهم، حتى وكأن نقمة وحقد نسلهم قد أشربوها من عُصارة قحط ووباء سنين ماضيهم التعيس فاستحكمت فيهم حتى باتت منهم طبعا وعرقا.

ومن سجل تاريخهم الأسود أن زعماء الفرنجة تزوجوا بمن بقي من نساء شيوخ الغاليين الرومان فنشأ أسلافهم في سفالة صفاتهم يحبون القتل والسفك ويحتقرون الفضيلة والآداب ويتباهون في دياثتهم بنسائهم وفي تخنثهم بأثواب الحرير على رجالهم. ولسنا نجد في تاريخ طبقة الحكام على رؤوس الناس طبقة لا تعبأ بالمبادئ والقيم والأخلاق كما لم تعبأ بها طبقة الفرنجة. ولم يكن لاعتناقها المسيحية أثر فيها على الإطلاق، فقد بدت المسيحية لهم كثوب حكم ووثنا لتدجين العامة، فما كان الدين إلا تبعا لهمجيتهم وكانت لهمجيتهم الكلمة العليا واليد الطولى مدى خمسة قرون، وكان الاغتيال وقتل الآباء والإخوة والتنكيل والتعذيب وبتر الأعضاء والغدر والخيانة والزنا ومضاجعة المحارم من طقوس الحكم، وما كان هذا كله إلا وسيلة يخففون بها مَلَل الحكم. وكان قتل الآباء والإخوة طمعا في الملك مذهب حكمهم، فهذا ملكهم كلبريك يقاتل أخاه، وهذا ملكهم لويس الحادي عشر يسمم أباه.. أما تفحشهم فكان أفحش أثرا وأشأم عاقبة، فهذا ملكهم شاربير يتخذ أختين عشيقتين وإحداهن راهبة، وكثرت فيهم الزيجات المحرمة حتى أصيبوا بعقم منقطع النظير. أما التعليم والعلم فلم يعرف له القوم لا اسما ولا رسما حتى يعرفوا منه طبا أو فلكا أو حسابا، حتى كانت معرفة القراءة والكتابة ترفاً لا يتمتع به إلا رجال الدين، وما كانت بضاعة القوم إلا صلاة مكاء أو شعوذة سحرا، بهما يداوى المريض وتستسقى الأرض ويرجى النسل ويستجلب الرزق، حتى إن أسقف تُور أنكر على من يستخدمون الدواء بدل الصلوات في علاج المرضى.

ما كان المُلك فيهم إلا سلبا ونهبا وتكالبا وتقاتلا، ما إن يموت مَلِكهم حتى يتكالب ويتقاتل الأبناء على سلبه، فكثرت ممالكهم جراء تقسيم أسلاب ملوكهم، فعمت فوضاهم وحروبهم الأهلية، وتعاقبت عليهم المصائب فعظمت فوضى ممالكهم واستشرى واستحكم فيهم الفقر وأنْشَبَ الجوع والمرض أنيابه في شعوبهم واستفحل أمر فساد ملوكهم وقساوستهم، حتى كان القرن العاشر من أحلك عصور تاريخهم.

وخوفا من زوال ملكهم أعلنوها حربا صليبية على المسلمين في القرن الحادي عشر، واتخذوا منها مطية للنهب والسلب لسد جشع إقطاعييهم، وتطميعا للغوغاء من العامة في أسلاب تنهي بؤسهم وشقاءهم. فحمل وِزْر الدعوة للحروب الصليبية البابا أوربانوس الثاني الفرنسي، وشارك الفرنسيون فيها بكثرة، وعليه دعي الصليبيون باسم الفرنجة، ومما قاله أوربان الثاني لفرسانه: "هذه الأرض التي تعيشون عليها محاطة بالبحر وسلاسل الجبال وتضيق بأعدادكم، وهي لا تفيض بالثروات الكبيرة، إنما تكاد تعجز عن توفير طعامكم، وهذا هو السبب في أنكم تشنون الحرب ضد بعضكم البعض وتقتلون بعضكم بعضا".

فما أغنت عنهم صليبيتهم من فساد ملكهم شيئا، بل تحول الصراع إلى صراع بين الملوك والكنيسة حول الأسلاب، فسعى الملوك لتحجيم الكنيسة. ثم كانت حروب ممالك أوروبا لاقتطاع الأراضي والأملاك، فكانت حرب ممالك فرنسا وإنجلترا حرب المائة سنة (1337-1440) توحشا وتكالبا على إقليم الفلاندر. ثم كان القرن السادس عشر وحروب فرنسا الدينية الداخلية بين الكاثوليك والبروتستنت، حولت فرنسا إلى مسلخ بشري وبحر من الدماء في وحشية تامة لتعصب الفرنسيين للكاثوليكية.

ثم ما كان في مستقر طِباعهم من سلب ونهب ما إن تخبو نيران فتنهم الداخلية حتى يوجهوا أنظارهم لسلب أملاك الآخرين، فاستحدثوا سياسة الاستعمار خارج أوروبا في الثلث الأخير من القرن السابع عشر، فتم استعمار مناطق بأمريكا والهند. فما أغنى عنهم استعمارهم هو الآخر من فساد ملكهم شيئا، بل استفحل فساده وعظمت اقتطاعاته الفاحشة من الضرائب والمكوس تغطية لنفقات الملك وحاشيته وكبرت الرشا وانتشرت الموبقات الأخلاقية ونخر سوس الرذيلة والفساد جسم مجتمعاتهم.

ثم كانت الاضطرابات السياسية والاجتماعية الكبرى في فرنسا بدءا بالثورة الفرنسية سنة 1789 واستمرار أحداثها الدامية حتى سنة 1799، انتهت بتحالف بين البرجوازية الفرنسية ونابليون، واتفاق على تصدير الأزمة للخارج على طريق الاستعمار ونهب ثروات الآخرين لإطعام جياع فرنسا وإخماد الثورة. لكن الصراعات الدامية استمرت وغذاها ذلك الانقلاب الفكري والتمرد التام على أفكار الكنيسة وقوانين ملوكها، واستمر هذا الصراع بين التجمعات العلمانية الليبرالية وأنصار الملكية، حتى حسمه العلمانيون الليبراليون بإعلان الجمهورية في أيلول/سبتمبر 1792 بعدها أُعْدِمَ آخر ملوك فرنسا لويس السادس عشر في كانون الثاني/يناير 1793. واستعيض عن الحملات والحروب الصليبية بالحملات والحروب الاستعمارية، فاستبدلت الصليبية العلمانية بالصليبية الكنسية، واستحدثت لها ديباجة حقوق الإنسان غطاء وقناعا بعد أن نزعت عنها ترانيم الكنائس.

ثم وكأن بفرنسا ما تَبَدَّل منها إلا الشكل السياسي والاجتماعي، وإلا هيئة الوضع من مَلَكِيَّة الكهنوت إلى مَلَكِيَّة العلمانية، وفرنسا بعد ذلك هي هي كيف هُدِمَت وكيف بُنِيَت لا تزال على الدسيسة من عرقها والحقد والضغينة من طباع صليبيتها والنهب والقتل من سفالة أخلاقها، فما كان بالأمس حروبا صليبية هو اليوم حروب استعمارية.

ثم كانت جمهوريتهم وكأنها في علمانيتها من تصميم شيطان رجيم، أوفى فيها نَذْرَه ليجتثنَّ من الأرض بها ذرية آدم، فكانت جمهورية فرنسا آلته واستعماره في زرع الدمار والخراب والسفك والقتل شرقا وغربا شمالا وجنوبا. فما من فضيلة إلا وعلمانية الجمهورية الفرنسية استأصلتها وما من رذيلة إلا وابتذرتها، أحجار عمرانها من جماجم ضحاياها وماء أرضها من دمائهم، ومن أبقتهم أحياء جعلت تكاليف حياتهم قاسية فرغيف خبزهم من لحمهم وجرعة مائهم من دمهم. وأحدثت الجمهورية الفرنسية العلمانية السافلة أغراضا للعيش بأخلاق سافلة، ما في حكم التلصص والكيد والمكر والخديعة والخبث والحسد والطمع والاسترقاق واستباحة الأعراض والنهب والسلب والقتل... وكل هذا في كذب مصطلحات وقلب للمفاهيم.

ما كانت فرنسا إلا شرا محضا وكفى باستعماركم بصمة على إجرامكم، ما زلنا حتى يوم الناس هذا نكتشف مقابر جماعية برفات جثث مئات بل آلاف ممن قضوا تحت التعذيب الفرنسي البغيض، ولا زلنا نخبر قتلكم ونهبكم. إن كانت جريمة واحدة وحشية ومقتا، فكيف بتاريخ إجرامي فرنسي مقيت متخم بالقتل والنهب والإبادة والعذابات. فليلكم الاستعماري المقفر ما كان إلا إجراما وهمجية وتوحشا خالصا.

قُدر حجم جريمة الاستعمار الفرنسي بالجزائر من عام 1830 إلى 1962 بعشرة ملايين قتيل، أثبتت دراسة أن عدد سكان الجزائر سنة 1962 قدر بـ8 مليون نسمة، ووفق مراجع تاريخية قدر سكان الجزائر سنة 1830 بما يزيد عن 7 ملايين نسمة. أي أن نسبة النمو السكاني بالجزائر لفترة تفوق 130 عاما كانت صفرا أو سالبة بفعل آلة الإبادة الاستعمارية الفرنسية. في حين إنه في المدة الزمنية نفسها تضاعفت ساكنة فرنسا من 25 مليون إلى 50 مليون، رغم ضعف الخصوبة عند الأوروبيين والحروب الثلاثة الكبرى التي خاضتها فرنسا سنة 1870 ضد ألمانيا ثم الحربين العالميتين الأولى والثانية.

يكفي أن يعلم المرء أن ما بين 1954 و1962 خلال ثورة أهل الجزائر الأحرار على المستعمر الكافر الفرنسي، قتلت فرنسا ما يزيد على 1,5 مليون من أبناء المسلمين في الجزائر.

أما وحشية استعماركم وطرائق تعذيبكم فقد باتت مدرسة في الهمجية، مثالا لا حصرا في مواجهة أحرار الجزائر عمد الفرنسيون إلى أسلوب وحشي مبتكر في التعذيب، يقضي بغرس أقدام المجاهدين داخل قوالب إسمنتية وتركهم على هذه الحال حتى يجف الإسمنت ويحملون بعدها جوا ليرمى بهم في عرض البحر، وقد عثر البحارة على هذه القوالب وبها آثار أقدام. واعترف أحد كبار مجرميكم الجنرال ماسو بأن التعذيب في الجزائر "كان أمرا مشاعا وكان يمارس على نطاق واسع"، وكذلك جنرالكم بول أوساريس من خلال اعترافاته في كتاب (أجهزة خاصة). ثم تجاربكم النووية بمنطقة الرقان وإخضاع مجاهدينا لإشعاعات قنابلكم النووية.

أما متحف الجماجم بباريس الذي أسميتموه في سفالة خالصة "متحف الإنسان" فهو بحق الشاهد الحي على قذارة وحقارة حضارتكم، فما كان إلا متحف قتل الإنسان، فما كانت تلك الجماجم إلا قطعا لرؤوس من استعمرتم أرضهم ونهبتم أموالهم وانتهكتم أعراضهم وقتلتم أبناءهم.

أما بالمغرب فمقدمة استعماركم في 7 آب/أغسطس 1907 كانت دمارا شاملا لمدينة البيضاء على يد سفن إجرامكم، حتى صرح أحد مجرميكم القبطان كراسي "لم تعد الدار البيضاء مسكونة إلا بالموتى"، فقد اصطفت بوارج موتكم على الساحل المقابل للمدينة فأمطرتها نارا ودمارا طوال خمسة أيام دون انقطاع، فحولت همجيتكم ما كان حضارة وعمرانا إلى رماد وخراب. كانت إدارة البيضاء إدارة محلية متكاملة ومنظمة تنظيما محكما حسب قوانين الإدارة الإسلامية، فالعامل هو المسؤول عن إدارة مصالح الناس وأمنهم وكان بمساعدته أعوان لهم دراية بالمدينة وأحيائها وأحوال ساكنتها، ثم شرطة الأحياء (أصحاب الدور) المناط بهم الحراسة الليلية لأملاك الناس، ثم كان هناك شيخ اليهود المكلف بشؤون اليهود بالملاح، وكانت الأحكام الشرعية وتطبيقها بيد قاضي المدينة الذي كان يساعده عدلان، وكانت مراقبة الأسواق مهمة المحتسب، والأموال يتكلف بها أمين المستفادات، وناظر الأحباس يدير الوقف، ثم هناك موظفو ومدراء المصالح (أمناء الديوانية) ثم أمين المرسى المكلف بالجمارك، وكبير البحرية هو قائد المرسى وهو الوسيط بين الإدارة والبحرية وعمال المرسى في كل ما يهم نشاط التجارة بالميناء. تلكم هي البيضاء التي حولتها همجية فرنسا إلى أثر بعد عين.

فلو قُيِّدَ للمرء العمر كله لسرد سجل إجرامكم لأفنى عمره وجفت أقلامه وبَعْدُ هُوَ لم ينته من مقدمة مخازي سجل استعماركم. ما كنتم وما كانت شرائع استعماركم إلا نكالا ووبالا طَمّاً، أشد وأقسى في إفسادها من الفساد كله، وكأني بكم أمة من جنس الحيوان في توحشكم وكَلَبِكم، في قيامه وانفراده بنفسه وعداوته لغيره، فما كانت ثقافتكم إلا افتراسا وما في حكمه، فههنا آكل وهناك مأكول، وما كانت حضارتكم إلا قتلا وسفكا، ما كان الشيطان ليصنع أخبث منها، بل في حضارتكم يركض اللعين ركضا ويسبح في قذارتها سبحا.

ما كان التاريخ إلا تفسيرا واقعيا للحياة، وما كنتم فيه إلا شرا محضا وآلة فناء للبشرية.

ثم فرنسا هذه يقول سفيهها على الإسلام شططا. يا هذا ما كنت ولن تكون لنا نِدّاً!!!

أوَتَرَاكَ في بؤسك الحضاري وعُقْم ثقافتك وسفالة أخلاقك وهَوَانِ ماديتك وإفلاس سياساتك، ستُجَرِّدُ في حمقك سِرْباً من خردة طائراتك تغزو به المَجَرَّة لتطمس شمسها وتحجب نورها. عجبا لمغفل مثلك، أويحسب أن الحضارات تمحى وتطمس بالقذف والسباب والكذب والتلفيق، فكيف بشمس الحضارات ونورها؟!

يا هذا ما كنت ولن تكون لنا نِدّاً!!!

نحن أمة من طينة الوحي، قاد أرواحها للتي هي أقوم فطهرها ونقاها، وقَوَّمَ طباعها فأدبها وأحسن آدابها، نحن مستقر ومستودع هذا النور، فأتِنا بمثله، فافقه وما أرى مثلك يفقه ويعي، قال جل في علاه:

﴿وَقَضَى رَبُّكَ أَلاَّ تَعْبُدُواْ إِلاَّ إِيَّاهُ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَاناً إِمَّا يَبْلُغَنَّ عِندَكَ الْكِبَرَ أَحَدُهُمَا أَوْ كِلاَهُمَا فَلاَ تَقُل لَّهُمَآ أُفٍّ وَلاَ تَنْهَرْهُمَا وَقُل لَّهُمَا قَوْلاً كَرِيماً (23) وَاخْفِضْ لَهُمَا جَنَاحَ الذُّلِّ مِنَ الرَّحْمَةِ وَقُل رَّبِّ ارْحَمْهُمَا كَمَا رَبَّيَانِي صَغِيراً (24) رَّبُّكُمْ أَعْلَمُ بِمَا فِي نُفُوسِكُمْ إِن تَكُونُواْ صَالِحِينَ فَإِنَّهُ كَانَ لِلأَوَّابِينَ غَفُوراً (25) وَآتِ ذَا الْقُرْبَى حَقَّهُ وَالْمِسْكِينَ وَابْنَ السَّبِيلِ وَلاَ تُبَذِّرْ تَبْذِيراً (26) إِنَّ الْمُبَذِّرِينَ كَانُواْ إِخْوَانَ الشَّيَاطِينِ وَكَانَ الشَّيْطَانُ لِرَبِّهِ كَفُوراً (27) وَإِمَّا تُعْرِضَنَّ عَنْهُمُ ابْتِغَاء رَحْمَةٍ مِّن رَّبِّكَ تَرْجُوهَا فَقُل لَّهُمْ قَوْلاً مَّيْسُوراً (28) وَلاَ تَجْعَلْ يَدَكَ مَغْلُولَةً إِلَى عُنُقِكَ وَلاَ تَبْسُطْهَا كُلَّ الْبَسْطِ فَتَقْعُدَ مَلُوماً مَّحْسُوراً (29) إِنَّ رَبَّكَ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَن يَشَاء وَيَقْدِرُ إِنَّهُ كَانَ بِعِبَادِهِ خَبِيراً بَصِيراً (30) وَلاَ تَقْتُلُواْ أَوْلادَكُمْ خَشْيَةَ إِمْلاقٍ نَّحْنُ نَرْزُقُهُمْ وَإِيَّاكُم إنَّ قَتْلَهُمْ كَانَ خِطْءاً كَبِيراً (31) وَلاَ تَقْرَبُواْ الزِّنَى إِنَّهُ كَانَ فَاحِشَةً وَسَاء سَبِيلاً (32) وَلاَ تَقْتُلُواْ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلاَّ بِالحَقِّ وَمَن قُتِلَ مَظْلُوماً فَقَدْ جَعَلْنَا لِوَلِيِّهِ سُلْطَاناً فَلاَ يُسْرِف فِّي الْقَتْلِ إِنَّهُ كَانَ مَنْصُوراً (33) وَلاَ تَقْرَبُواْ مَالَ الْيَتِيمِ إِلاَّ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ حَتَّى يَبْلُغَ أَشُدَّهُ وَأَوْفُواْ بِالْعَهْدِ إِنَّ الْعَهْدَ كَانَ مَسْؤُولاً (34) وَأَوْفُوا الْكَيْلَ إِذا كِلْتُمْ وَزِنُواْ بِالقِسْطَاسِ الْمُسْتَقِيمِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلاً (35) وَلاَ تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُولـئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْؤُولاً (36) وَلاَ تَمْشِ فِي الأَرْضِ مَرَحاً إِنَّكَ لَن تَخْرِقَ الأَرْضَ وَلَن تَبْلُغَ الْجِبَالَ طُولاً (37) كُلُّ ذَلِكَ كَانَ سَيِّئُهُ عِنْدَ رَبِّكَ مَكْرُوهاً (38) ذَلِكَ مِمَّا أَوْحَى إِلَيْكَ رَبُّكَ مِنَ الْحِكْمَةِ وَلاَ تَجْعَلْ مَعَ اللَّهِ إِلَهاً آخَرَ فَتُلْقَى فِي جَهَنَّمَ مَلُوماً مَّدْحُوراً﴾. [الإسراء: 23 – 38].

ذاك قبس من نور الفضيلة والحكمة الربانية التي استحال أن يأتي بمثلها أحكم حكماء البشر، ذاك إسلامنا العظيم يعلو ولا يعلى عليه، أقامنا للعالمين شهود هداية وحق، فأقمنا بفضائل الإسلام نقائص الأمم وبنينا على أنقاض جور وظلم الدول دولة العدل، ورفعنا على أطلال كل مذلة عزة وصولة، وخِطْنا مزق شعوب الأرض بخيوط رفيعة من أخوة الإسلام، حتى أصبح تاريخ الأرض تاريخا إسلاميا وكنا فيه شمسا، فنحن شمس التاريخ ومتى غبنا غابت شمسه.

يا هذا ما كنت ولن تكون لنا ندا!!!

نحن بغداد ودمشق والأندلس وسمرقند ومراكش وبخارى والقاهرة وتونس والقدس ومكة... نحن عواصم الأرض وفردوسها وتيجان الأمم. نحن من صَفَّى الوحي طباعنا عن الهوى وصقل جوانب أرواحنا عن الزيغ والظلم، حتى صارت معاني الوحي تتراءى فينا حتى وكأننا من معانيه، ووحيا يمشي بين الناس.

يا هذا ما كنت ولن تكون لنا ندا!!!

زويت لنا الدنيا لا مغنما ولا نهبا، ولكننا سيوف الله المسلطة على الظلم والجور، فمن وراء أسلحتنا هدي إسلامنا ونبل أخلاقه فينا ظاهرا وباطنا، حتى رأى عدونا في أسلحتنا نفسها أخلاقا، فسلاح الإسلام فينا حاكِم ومُسَلَّط على السلاح الذي في أيدينا، وما كنا مع متاع الدنيا إلا استغناء وإيثارا وتمييزا بين حلاله وحرامه. شتان يا هذا بين فتح إسلامي واستعمار علماني.

يا هذا ما كنت ولن تكون لنا ندا!!!

فنحن صناعة الوحي التامة، نحن عقل البشرية في كمال صفائه وفطرتها في تمام طهرها ونقائها، نحن أثر القدوة العظمى في تاريخ البشر، نحن قبس من نور النبي محمد المصطفى الهادي ﷺ، نحن غيث السماء يروي عطش الأرض.

يا هذا ما كنت ولن تكون لنا ندا!!!

ما كنت وفرنساك لتكونوا حبال معالي، ولكنكم كنتم وما زلتم حبال مشانق. إنهما اثْنَتَان عقِمت أُمُّ الهمجية أن تلد لهما ثالثة؛ صليبيتكم واستعماركم، وهما من أنطقاك. وأزيدك من الشعر بيتا، قال فصيحنا: "لا يعذب فاقد الفضيلة شيء مثل رؤيتها في غيره وأنه لا يستطيع تحقيقها في نفسه".

خَبِرْنا أن صليبيتك أيقظت فيك أهوال وكوابيس ماضيك، لَمَّا خَبِرْتَ أن عزمنا جَزْم وتصميمنا حَدّ على استرجاع صرح إسلامنا العظيم وإقامة خلافة عليائه ومجده، وإنا متى عزمنا أنجزنا وإنا أولو عزم وأصدق وأوفى وعدا وعهدا، فأبشر بالأذان وتكبيرات النصر فوق برج إيفيلك بعد أن تطأ أقدام جيوشنا قصر إليزيك وأنت صاغر، والعاقبة للمتقين، وإن موعدنا الصبح أليس الصبح بقريب.

أما لأبناء هذه الأمة العزيزة بإسلامها المقيمين بين ظهرانيكم، اعلموا معشر من آمن بالله ربا وبمحمد ﷺ نبيا ورسولا، أن جمهوريته تنازعكم مكمن قوتكم وجبروتكم وعزكم وكبرياءكم وكرامتكم وشرفكم إسلامكم العظيم، معشر المؤمنين، فإن تنازعتم وفشلتم في رد كيده ومكره أصاب منكم مقتلا، وألبسكم الذلة والمهانة ألوانا وساقكم إلى الرذيلة سوقا وأقسركم على الكفر قسرا، وإن هي إلا قول العليم الخبير: ﴿وَلاَ يَزَالُونَ يُقَاتِلُونَكُمْ حَتَّىَ يَرُدُّوكُمْ عَن دِينِكُمْ إِنِ اسْتَطَاعُواْ﴾.

أما وأنتم من أنتم، من نسل أمة لا تقبل الدنية في دينها ولا تنام على الضيم، وقد أفصحتم وأبنتم، فلا تهنوا ولا تحزنوا وأنتم الأعلون فأنتم بفضل الله المؤمنون، والله مولاكم ولا مولى لهم.

وللأمة الإسلامية صاحبة شهادة الحق على الناس أجمعين، ولأبنائها البررة الأتقياء الأنقياء حملة دعوة الإسلام العظيم، ها هو زرع الباطل قد نما، وآن حصاده، فكونوا له يدا من الحق حاصدة، وبادروا بأفضل أعمالكم طاعة لربكم لإقامة خلافة عدل إسلامكم تستأصل شأفة دول كفره وظلمه وجوره. واعلموا أنكم أنتم الموعودون بقول القوي المتين: ﴿وَكَانَ حَقّاً عَلَيْنَا نَصْرُ الْمؤْمِنِينَ﴾.

كتبه للمكتب الإعلامي المركزي لحزب التحرير

مناجي محمد

المزيد من القسم null

لا تنخدعوا بالأسماء فالعبرة بالمواقف لا بالأنساب

لا تنخدعوا بالأسماء فالعبرة بالمواقف لا بالأنساب

في كل مرة يُقدَّم لنا "رمز جديد" له جذور مسلمة أو ملامح شرقية، يهلل كثير من المسلمين، وتُبنى الآمال على وهمٍ اسمه "التمثيل السياسي" في نظامٍ كافر لا يعترف بالإسلام حكماً ولا عقيدةً ولا شريعةً.

نذكر جميعاً الفرح العارم الذي اجتاح مشاعر كثيرين عند فوز أوباما في 2008. فهو ابن كينيا، وله أب مسلم! وهنا توهم البعض أن الإسلام والمسلمين باتوا قريبين من النفوذ الأمريكي، لكن أوباما كان أحد أكثر الرؤساء إيذاءً للمسلمين فقد دمر ليبيا، وساهم في مأساة سوريا، وأشعل أفغانستان والعراق بطائراته وجنوده، بل كان سفاك الدماء في اليمن عبر أدواته وكان عهده استمراراً لعداء ممنهج ضد الأمة.

واليوم يتكرر المشهد، لكن بأسماء جديدة. فـزوهران ممداني يُحتفى به لأنه مسلم ومهاجر وشاب، وكأنه المنقذ! لكن قليلين فقط ينظرون إلى مواقفه السياسية والفكرية. هذا الرجل من الداعمين الأشداء للشواذ المثليين، ومشارك في فعالياتهم، ويعتبر انحرافهم حقوقاً إنسانية!

أي خزي هذا يُعلق عليه الناس آمالاً؟! ألم يكن تكراراً للخيبة السياسية والفكرية نفسها التي وقعت فيها الأمة مراراً وتكراراً؟! نعم لأنها تُفتن بالشكل لا بالجوهر! تُخدع بالابتسامات، وتتعامل بالعاطفة لا بالعقيدة، وبالأسماء لا بالمفاهيم، وبالرموز لا بالمبادئ!

إن هذا الانبهار بالأشكال والأسماء نتيجة غياب الوعي السياسي الشرعي، لأن الإسلام لا يقاس بالأصل أو الاسم أو العرق، بل بالالتزام بمبدأ الإسلام كاملاً؛ نظاماً وعقيدةً وشريعةً. ولا قيمة لمسلم لا يحكم بالإسلام ولا ينصره، بل يخضع للنظام الرأسمالي الكافر، ويبرر الكفر والانحرافات باسم "الحرية".

وليعلم جميع المسلمين الذين فرحوا بفوزه وظنّوا أنه بذرة خير أو بداية نهوض، أن النهوض لا يكون من داخل أنظمة الكفر، ولا بأدواتها، ولا عبر صناديق اقتراعها، ولا تحت سقف دساتيرها.

فمن يُقدّم نفسه عبر النظام الديمقراطي، ويقسم على احترام قوانينه، ثم يدافع عن الشذوذ الجنسي ويحتفل به، ويدعو إلى ما يغضب الله، فهو ليس نصيراً للإسلام ولا أملاً للأمة، بل هو أداة تلميع وتمييع، وتمثيل مزيّف لا يُقدّم ولا يؤخر.

إن ما تسمى النجاحات السياسية في الغرب لبعض الشخصيات ذات الأسماء الإسلامية، ما هي إلا فُتات يُقدَّم كمسكنات للأمة، ليقال لها: انظروا، التغيير ممكن عبر أنظمتنا.

 فما حقيقة هذا "التمثيل"؟

الغرب لا يفتح أبواب الحكم للإسلام، بل يفتحها فقط لمن يتماهى مع قيمه وأفكاره. وأي شخص يدخل نظامهم لا بد أن يقبل بدستورهم، وبقوانينهم الوضعية، وأن يتنكر لحكم الإسلام، فإن رضي بذلك، أصبح نموذجاً مقبولاً، أما المسلم الحق، فهو مرفوض عندهم من جذوره.

فمن هو زهران ممداني؟ ولماذا يُصنع هذا الوهم؟

هو شخص يحمل اسماً مسلماً لكنه متبنٍ لأجندة منحرفة مخالفة تماماً لفطرة الإسلام، من دعم المثليين، والترويج لما يُسمى بـ"حقوقهم"، وهو نموذج حي لكيف يصنع الغرب نماذجه: مسلم بالاسم، علماني بالفعل، خادم لأجندة الليبرالية الغربية لا أكثر. بل لإشغال الأمة عن طريقها الحقيقي، فبدل أن تطالب بدولة الإسلام والخلافة، تنشغل بالمقاعد النيابية والمناصب في أنظمة كفر! وبدل أن تتوجه لتحرير فلسطين، تنتظر مَن "يدافع عن غزة" من داخل الكونغرس الأمريكي أو البرلمان الأوروبي!

فحقيقة الأمر أن هذا تشويه لطريق التغيير الحقيقي، وهو إقامة الخلافة الراشدة على منهاج النبوة، التي تُعلي راية الإسلام، وتقيم شرع الله، وتوحد الأمة خلف خليفة واحد يُقاتل من ورائه ويُتقى به.

فلا تنخدعوا بالأسماء، ولا تفرحوا بمن ينتمي لكم شكلاً ويخالفكم مضموناً، فليس كل من حمل اسم سعيد أو علي أو زهران هو على طريق نبينا محمد ﷺ.

واعلموا أن التغيير لا يأتي من داخل برلمانات الكفر، بل من جيوش الأمة التي آن لها أن تتحرك، ومن شبابها الواعين الذين يعملون ليلا ونهارا لقلب الطاولة على رؤوس الغرب وأعوانه وأتباعه الخائنين في بلاد الإسلام والمسلمين.

فالمسلمون لن ينهضوا عبر انتخابات الديمقراطية ولا من خلال صناديق الغرب، بل بنهضة حقيقية على أساس العقيدة الإسلامية، بإقامة دولة الخلافة الراشدة التي تُعيد للإسلام مكانته، وللمسلمين عزّتهم، وتحطم أوهام الديمقراطية.

لا تنخدعوا بالأسماء، ولا تعلقوا آمالكم على أفراد في أنظمة كفر، بل ارجعوا إلى مشروعكم العظيم: استئناف الحياة الإسلامية، فهذا وحده طريق العزة والنصر والتمكين.

فالمشهد تكرار مُهين لمآسٍ قديمة: رموز مزيفة، وولاء للأنظمة الغربية، وانحراف عن طريق الإسلام. وكل من يُصفّق لهذا المسار، إنما يضلل الأمة. فعودوا إلى مشروع الخلافة، ولا تجعلوا أعداء الإسلام يصنعون لكم قادتكم وممثليكم. فالعزة ليست في مقاعد الديمقراطية، بل في سدة الخلافة التي يعمل لها حزب التحرير ويُحذر الأمة من هذا الانحدار الفكري والسياسي. فلا خلاص لنا إلا بدولة الخلافة، التي لا تسمح بأن يحكم المسلمين من يدين بدين غير الإسلام، ولا بمن يبرر الشذوذ والانحراف، ولا بمن يُشرّع للناس غير ما أنزل الله.

كتبه لإذاعة المكتب الإعلامي المركزي لحزب التحرير

عبد المحمود العامري – ولاية اليمن

مصر بين الشعارات الحكومية والواقع المرّ  الحقيقة الكاملة عن الفقر، والسياسات الرأسمالية

مصر بين الشعارات الحكومية والواقع المرّ

الحقيقة الكاملة عن الفقر، والسياسات الرأسمالية

نقلت بوابة الأهرام الثلاثاء 4 تشرين الثاني/نوفمبر 2025م، أن رئيس الوزراء المصري، في كلمة ألقاها نيابةً عن الرئيس في القمة العالمية الثانية للتنمية الاجتماعية في العاصمة القطرية الدوحة، قال إنّ مصر تطبّق نهجاً شاملاً للقضاء على الفقر في جميع أشكاله وأبعاده، بما في ذلك "الفقر متعدد الأبعاد".

منذ سنوات، لا يكاد يخلو خطاب رسمي في مصر من عباراتٍ مثل "نهج شامل للقضاء على الفقر" و"الانطلاقة الحقيقية للاقتصاد المصري". يكرّر المسؤولون هذه الشعارات في المؤتمرات والمناسبات، مصحوبة بصور براقة لمشروعات استثمارية وفنادق ومنتجعات. لكن الواقع، كما تشهد عليه التقارير الدولية، مختلف تماماً. فالفقر في مصر ما زال ظاهرةً راسخة، بل متفاقمة، رغم الوعود الحكومية المتكرّرة بالتحسن والنهضة.

بحسب تقارير اليونيسف والإسكوا وبرنامج الغذاء العالمي لعامي 2024 و2025، يعيش نحو واحد من كل خمسة مصريين في فقرٍ متعدد الأبعاد، أي محروم من أكثر من جانب من جوانب الحياة الأساسية كالتعليم والصحة والسكن والعمل والخدمات. كما تؤكد البيانات أن أكثر من 49% من الأسر تعاني من صعوبات في الحصول على غذاء كافٍ، وهو رقم صادم يعكس عمق الأزمة المعيشية.

أما الفقر المالي، أي انخفاض الدخل مقارنة بتكاليف المعيشة، فقد ارتفع بصورة حادة، نتيجة موجات التضخم المتلاحقة التي أكلت أجور الناس وجهودهم ومدخراتهم، حتى أصبحت نسبة كبيرة من المصريين تحت خط الفقر المالي رغم عملهم الدائم.

وبينما تتحدث الحكومة عن مبادرات مثل "تكافل وكرامة" و"حياة كريمة"، تكشف الأرقام الدولية أن هذه البرامج لم تغيّر بنية الفقر جذرياً، بل اقتصرت على مسكّنات مؤقتة أشبه بالقطرة التي تُسكب في صحراء. فما زال الريف المصري الذي يقطنه أكثر من نصف السكان، يعاني من ضعف الخدمات وانعدام فرص العمل اللائق وتهالك البنية الأساسية. ويؤكد تقرير الإسكوا أن الحرمان في الريف يفوق نظيره في المدن بعدة أضعاف، ما يدل على سوء توزيع الثروة والإهمال المزمن للأطراف.

حين يشكر رئيسُ الوزراء ابنَ البلد "الذي تحمّل مع الحكومة إجراءات الإصلاح الاقتصادي"، فإنه في الواقع يُقرّ بوجود معاناة حقيقية ناتجة عن تلك السياسات. غير أن هذا الاعتراف لا يتبعه تغيير في المنهج، بل مزيد من السير في الطريق الرأسمالي نفسه الذي سبّب الأزمة.

فالإصلاح المزعوم الذي بدأ عام 2016 ببرنامج "التعويم" ورفع الدعم وزيادة الضرائب، لم يكن إصلاحاً بل تحميلاً للفقراء كلفة الديون والعجز. وفي الوقت الذي يتحدث فيه المسؤولون عن "الانطلاقة"، تتجه الاستثمارات الضخمة إلى العقارات الفاخرة والمشروعات السياحية التي تخدم أصحاب رؤوس الأموال، بينما لا يجد ملايين الشباب فرصاً للعمل أو السكن. بل إن كثيراً من هذه المشاريع، كمنطقة علم الروم في مطروح التي تُقدّر استثماراتها بـ29 مليار دولار، هي شراكات رأسمالية أجنبية تستحوذ على الأراضي والثروات وتحوّلها إلى مصدر ربح للمستثمرين، لا مصدر رزق للناس.

النظام يفشل ليس لأنه فاسد فحسب، بل لأنه يسير على أساسٍ فكريٍّ باطلٍ هو النظام الرأسمالي، الذي يجعل المال محوراً لكل سياسات الدولة. فالرأسمالية تقوم على حرية التملك المطلقة، وتسمح بتكديس الثروة في يد القلة التي تملك أدوات الإنتاج، فيما تتحمل الكثرة عبء الضرائب والأسعار والدَّين العام.

ولهذا، فإن كل ما يُسمى "برامج حماية اجتماعية" ما هو إلا محاولة لتجميل وجه الرأسمالية الوحشي، وإطالة عمر نظامٍ جائرٍ يراعي الأغنياء ويجبي من الفقراء. فبدلاً من معالجة أصل الداء؛ أي احتكار الثروة وتبعية الاقتصاد للمؤسسات الدولية، يُكتفى بتوزيع فتات من الإعانات النقدية، لا ترفع فقراً ولا تحفظ كرامة.

إن الرعاية ليست منّةً من الحاكم على الرعية، بل واجب شرعي، ومسؤولية يحاسبه الله عليها في الدنيا والآخرة. وما يجري اليوم، هو إهمال متعمّد لشؤون الناس، وتخلٍّ عن واجب الرعاية لصالح قروضٍ مشروطة من صندوق النقد والبنك الدوليين.

لقد أصبحت الدولة وسيطاً بين الفقير والدائن الأجنبي، تفرض الضرائب وتقلّص الدعم وتبيع الممتلكات العامة لسدّ عجزٍ متضخم صنعه النظام الرأسمالي نفسه. وفي هذا كله تغيب المفاهيم الشرعية التي تضبط الاقتصاد، كتحريم الربا، ومنع تملك الثروات العامة للأفراد، ووجوب النفقة على الرعية من بيت مال المسلمين.

لقد قدم الإسلام نظاماً اقتصادياً متكاملاً يعالج الفقر من جذوره، لا بمجرد دعمٍ نقدي أو مشروعات تجميلية. هذا النظام يقوم على أسسٍ شرعيةٍ ثابتة أبرزها:

1- تحريم الربا والديون الربوية التي تُكبّل الدولة وتستنزف مواردها، فبزوال الربا تزول تبعية الاقتصاد للمؤسسات الدولية، وتُعاد السيادة المالية للأمة.

2- جعل الملكيات ثلاثة أنواع:

ملكية فردية: كالبيوت والمتاجر والمزارع الخاصة...

ملكية عامة: تشمل الثروات الكبرى كالنفط والغاز والمعادن والمياه...

ملكية دولة: كأراضي الفيء والركاز والخراج...

وبهذا التوزيع تتحقق العدالة، إذ تُمنع فئة قليلة من احتكار موارد الأمة.

3- ضمان الكفاية لكل فرد من الرعية: فالدولة تضمن لكل إنسان في رعايتها حاجاته الأساسية من مأكل وملبس ومسكن، فإن عجز عن العمل وجب على بيت المال أن ينفق عليه.

4- الزكاة والإنفاق الإلزامي: الزكاة ليست إحساناً بل فريضة، تجمعها الدولة وتصرفها في مصارفها الشرعية للفقراء والمساكين والغارمين. وهي أداة توزيع فعّالة تعيد الأموال إلى دورة الحياة في المجتمع.

مع التحفيز على العمل المنتج ومنع الاستغلال، والحثّ على استثمار الموارد في مشاريع نافعة حقيقية كالصناعات الثقيلة والحربية لا في المضاربات والعقارات الفاخرة والمشاريع الوهمية. إلى جانب ضبط الأسعار بالعرض والطلب الحقيقيين لا بالاحتكار ولا بالتعويم.

إن دولة الخلافة على منهاج النبوة هي وحدها القادرة على تطبيق هذه الأحكام عملياً، لأنها تُبنى على أساس العقيدة الإسلامية، ويكون هدفها رعاية شؤون الناس لا جباية أموالهم. ففي ظل الخلافة، لا يوجد ربا ولا قروض مشروطة، ولا بيع للثروات العامة للأجانب، بل تُدار الموارد بما يحقق مصلحة الأمة، ويتولى بيت المال تمويل الرعاية الصحية والتعليم والمرافق العامة من موارد الدولة والخراج والأنفال والملكية العامة.

أما الفقراء، فتُكفل حاجاتهم الأساسية فرداً فرداً، لا عبر صدقات مؤقتة بل كحقٍّ شرعي مضمون. ولذا فإن محاربة الفقر في الإسلام ليست شعاراً سياسياً، بل نظام حياة متكامل يُقيم العدل ويمنع الظلم ويعيد الثروة إلى أهلها.

ما بين الخطاب الرسمي والواقع المعاش مسافةٌ هائلة لا تخفى على أحد. فبينما تتغنّى الحكومة بمشروعاتها "العملاقة" وبـ"الانطلاقة الحقيقية"، يعيش ملايين المصريين تحت خط الفقر، يعانون الغلاء والبطالة وانعدام الأمل. والحقيقة أن هذه المعاناة لن تزول ما دامت مصر تسير في طريق الرأسمالية، تُسلِّم اقتصادها للمرابين وتخضع لسياسات المؤسسات الدولية.

إن أزمات ومشكلات مصر هي مشكلات إنسانية وليست مادية، وتتعلق بها أحكام شرعية تبين كيفية التعامل معها وعلاجها على أساس الإسلام، وإن الحلول أسهل من غض الطرف لكنها تحتاج إدارة مخلصة تملك إرادة حرة تريد السير في الطريق الصحيح وتريد الخير لمصر وأهلها حقا، وحينها على هذه الإدارة أن تراجع كل العقود التي أبرمت سابقا والتي تبرم مع كل الشركات التي تحتكر أصول البلاد وما هو من ملكياتها العام وعلى رأسها شركات التنقيب عن الغاز والنفط والذهب وباقي المعادن والثروات، وتطرد كل تلك الشركات لأنها في الأصل شركات استعمارية ناهبة لثروات البلاد، ثم تصوغ عهدا جديدا يقوم على تمكين الناس من ثروات البلاد وإنشاء أو استئجار شركات تقوم هي على إنتاج الثروة من منابع النفط والغاز والذهب وغيرها من المعادن وتعيد توزيع هذه الثروات على الناس من جديد، حينها سيتمكن الناس من زراعة الأرض الموات التي ستمكنهم الدولة من استغلالها بحقهم فيها، وسيتمكنون أيضا من صناعة ما يجب أن يصنع ليرتفع باقتصاد مصر ويكفي أهلها، وستدعمهم الدولة في هذا السبيل، وإن كل هذا ليس ضربا من الخيال ولا مستحيل الحدوث ولا مشروعا نعرضه للتجربة قد ينجح أو يفشل، وإنما هي أحكام شرعية لازمة ملزمة للدولة والرعية، فلا يجوز للدولة أن تفرط في ثروات البلاد التي هي ملك للناس بدعوى عقود أقرتها وأيدتها وتحميها قوانين دولية جائرة، ولا يجوز لها أن تمنع الناس منها بل يجب أن تقطع كل يد تمتد ناهبة إلى ثروات الناس، هذا ما يقدمه الإسلام ويجب تنفيذه، إلا أنه لا يطبق بمعزل عن باقي أنظمة الإسلام بل إنه لا يطبق إلا من خلال دولة الخلافة الراشدة على منهاج النبوة، هذه الدولة التي يحمل همها والدعوة إليها حزب التحرير ويدعو مصر وأهلها شعبا وجيشا إلى العمل معه من أجلها، عسى الله أن يكتب الفتح من عنده فنراها واقعا يعز الإسلام وأهله، اللهم عاجلا غير آجل.

﴿وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرَىٰ آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَفَتَحْنَا عَلَيْهِم بَرَكَاتٍ مِّنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ﴾

كتبه للمكتب الإعلامي المركزي لحزب التحرير

سعيد فضل

عضو المكتب الإعلامي لحزب التحرير في ولاية مصر