فتح القسطنطينية أعاد قيادة الدولة الإسلامية الفكرية والسياسية للعالم  وتحقيق بشارات الرسول ﷺ الأخرى سيعيدها سيرتها الأولى
January 16, 2020

فتح القسطنطينية أعاد قيادة الدولة الإسلامية الفكرية والسياسية للعالم وتحقيق بشارات الرسول ﷺ الأخرى سيعيدها سيرتها الأولى

فتح القسطنطينية أعاد قيادة الدولة الإسلامية الفكرية والسياسية للعالم

وتحقيق بشارات الرسول ﷺ الأخرى سيعيدها سيرتها الأولى

كانت القسطنطينية، عاصمة هرقل، التي بشر رسول الله ﷺ بفتحها، والتي بناها قسطنطين الأول - أحد أباطرة بيزنطة سنة 330م - وسمّاها باسمه، وجعلها عاصمة للإمبراطورية البيزنطية، إحدى أعظم دولتين من الدول النصرانية، وقد استمرَّت الإمبراطورية البيزنطية أكثر من ألف عام من الزمن، فبدايتها في القرن الرابع ونهايتها في القرن الرابع عشر.

فبعد معارك ونزاعات طويلة مع كثير من الأمم والحضارات سقطت الإمبراطورية البيزنطية بعد سقوط عاصمتها القسطنطينية التي عجزتْ عن فتحها جحافل الشرق والغرب حتَّى جاء القائد العثماني محمد الفاتح وفتحها عام 1453م.

ونظرة إلى وضع الأمة الإسلامية قبل حوالي قرنين من فتح القسطنطينية تُري أنهم كانوا يعيشون أوضاعاً سيئة داخلياً وخارجياً، فكان اجتياح المغول للخلافة واستباحتهم لعاصمة الخلافة بغداد وقتلهم الخليفة نفسه وعشرات الآلاف من المسلمين، وكانت الحملات الصليبية قبل ذلك والتي أذاقت المسلمين الويلات إلى أن قيض الله من أنقذ الأمة من أمثال قطز وبيبرس وصلاح الدين، وبقيت على هذا الحال المتأزم إلى أن آلت الخلافة إلى العثمانيين، وقام على رفعتها واستعادة مكانتها رجال وأي رجال، كان منهم السلطان محمد الثاني أو محمد الفاتح الذي أجرى الله على يديه فتح القسطنطينية فحقق بذلك بشارة الرسول ﷺ في قوله: «لَتُفْتَحَنَّ الْقُسْطَنْطِينِيَّةُ فَلَنِعْمَ الْأَمِيرُ أَمِيرُهَا وَلَنِعْمَ الْجَيْشُ ذَلِكَ الْجَيْشُ».

لم تقتصر بشارات النبي ﷺ على فتح القسطنطينية، فقد بشرنا ﷺ ببشارات ثلاث أخرى، وهي: فتح روما، وعودة الخلافة على منهاج النبوة، وقتال يهود وهزيمتهم شر هزيمة. والرسول ﷺ لا ينطق عن الهوى إن هو إلا وحي يوحى، ولم تكن بشارات الرسول ﷺ أي بشارات، بل إن إنعام النظر فيها يُري أنها بشارات تحتاجها الأمة الإسلامية وهي في أحلك أحوالها، وهي تتلمس طريقها للانعتاق من ذل أعدائها وهم يتآمرون عليها، لتكون خير دافع وحافز للخروج من أزماتها وعودتها قائدة للعالم، لتقوم بمهمتها الأساسية في حمل الدعوة ونشر الإسلام وإخراج الناس من الظلمات إلى النور.

فلم يكن فتح القسطنطينية العظيم على يد الفاتح، نِعم القائد وكان جنده نعم الجند، هو مجرد الفتح فحسب، ولكن كانت لما بعده آثاره العظيمة من التمكين والسيادة، فقد مثل رمزاً مهماً للعلاقات الدولية في تاريخ الدولة العثمانية، وزاد من قيمته السياسية أنه محا رسمياً الإمبراطورية البيزنطية العدوة من الخريطة السياسية بعد عمر طال أكثر من ألف ومائة عام، وأرسى عملياً خارطة جديدة في السياسة الدولية، وأعاد مكانة الدولة الإسلامية كدولة أولى في العالم، لها ثقلها السياسي في الحروب والنزاعات وكما في السلم أو ما يسمى بالتأثير السياسي والنفوذ الدبلوماسي لصراعات القوى على الساحة الدولية.

وثبّت السلطان الفاتح أقدامه في اليونان، وتوسع شرقاً، وطبّق نظاماً حازماً للسيطرة على هذه المناطق، وبهذا ثبّتت الدولة العثمانية بنهاية عصره نفسها على اعتبارها القوة الدولية العظمى أمام إمبراطوريات ودول غربية وشرقية أقل منها تنظيماً وتماسكاً من الناحية السياسية والعسكرية. ومهّد السلطان محمد الطريقَ أمام الدولة الإسلامية من أجل أن تلعب دور القوة العظمى الحقيقية في أوروبا، لتصبح مصدر الخطر الكبير على الهوية الأوروبية المتصاعدة.

إن فتح القسطنطينية كانت له آثاره السياسية الأخرى، إذ سقط مركز الكنيسة الأرثوذكسية في العالم النصراني، وبمجرد أن دخل السلطان المدينة حوّل كاتدرائية آيا صوفيا إلى مسجد، ومن أهم النتائج على المستوى الدولي سيطرة العثمانيين على أحد أهم شرايين التجارة الدولية بين الشرق والغرب سيطرة كاملة، فقد كان فتح القسطنطينية عظيماً بتحقيق بشرى الرسول ﷺ، وكان عظيماً في آثاره السياسية والعسكرية فتوالت فتوحات الدولة العثمانية حتى وصلوا إلى أسوار فيَنَّا وجنوب فرنسا، وامتدت الخلافة لقرون عدة متربعة على عرش الدولة الأولى في العالم، يحسب لها القاصي والداني ألف حساب.

ولا أدل على ذلك من هذه الصور التاريخية المشرفة لتلك الحقبة الزمنية الطويلة لهذه الدولة العظيمة التي تدلل على عظمتها ومكانتها التي تبوأتها بعد فتح القسطنطينية:

الموقف الأول: أن فرنسا عندما أُسِر ملكها فرانسوا الأول في بعض حروبها في أوروبا (معركة بافيا)، شعرت أنها أهينت بأسر مليكها، فلجأت إلى دولة الخـلافة العثمانية، وأرسلت رسولاً باسم ملك فرنسا في 1525/12/6م يستغيث بالدولة الإسلامية، فقابل الرسولُ الخليفةَ العثماني سليمان القانوني، فأجاب الخليفة استغاثته، وهكذا كان، فقد استعملت دولة الخـلافة ثقلها الدولي، وقوتها العسكرية في إغاثة ملك فرنسا والمساهمة الفاعلة في فك أسره.

الموقف الثاني: خاضت دولة الخلافة العثمانية حرباً ضد الولايات المتحدة، خلال الفترة من 1801 إلى 1804م، انتهت بهزيمة الأمريكان وإذلالهم في أول حرب لهم خارج حدود بلادهم، وذلك بعد رفضهم دفع الضريبة للحاكم العثماني يوسف قرة مانلي نظير دخول الأسطول الأمريكي إلى البحر المتوسط، وأدت هذه الهزيمة بأمريكا إلى توقيع اتفاقية مذلة لها كتبت بغير لغتها مع ولاة تونس وطرابلس والجزائر والمغرب، وتجد إلى اليوم وبعد إسقاط الخلافة عام 1924م، تجد في نشيد البحرية الأمريكية المتبجح والذي يقول مطلعه "من قاعات مونتيزوما إلى شواطئ طرابلس نحن نحارب معارك بلادنا في الجو والأرض والبحر".

وموقف ثالث آخر مسطر في أرشيف مجلس العموم البريطاني يدل على أنفة دولة الخلافة، وهو رد السلطان العثماني على عرض بريطانيا مساعدة خبيثة لقواتها العسكرية البحرية في نزاع الدولة العثمانية مع روسيا عام 1792م، وجاء ذلك في رسالة من الصدر الأعظم للسفير البريطاني قرئت في مجلس العموم: (العثمانيون لا يقيمون أي علاقة مع ملككم ولا بلدكم، ونحن لم نسعَ قط لنصيحتكم، ولا تدخلكم ولا حتى صداقتكم... ولم يخطر ببال السلطان يوماً أن تطأ قدم جندي بريطاني مياه البحر المتوسط... فلأي سبب تقدمون عرضكم بالتوسط نيابة عنا لدى روسيا؟ إذا كنت ترغب في البقاء هنا كجاسوس، أو كما تطلق على نفسك سفيراً لملككم، فيمكنك أن تعيش مع نظرائك من الدول النصرانية الأخرى ذليلاً في حدود الكياسة والأدب، ولكننا لا نريد مساعدتكم لا في البر ولا في البحر ولا نريد مشورتكم ولا وساطتكم).

وأخيراً نأتي على اقتباس من كلمة ألقتها المدير العام التنفيذي لشركة هيولت باكرد آنذاك كارلي فيورينا، في مؤتمرها العالمي للمديرين بالعالم وذلك في 2001/11/26. وهي فيما بعد مرشحة الرئاسة الأمريكية في عهد ترامب، ولربما كان لتوقيت كلمتها أهمية كبيرة من حيث إنه أتى في أعقاب هجمات أيلول/سـبتمبر 2001، جاء فيها: "لقد كان هناك حضارة من أعظم الحضارات على وجه الأرض، فقد كانت قادرة على بناء دولة عظيمة امتدت من المحيط إلى المحيط، ومن المناطق الشمالية الباردة إلى المناطق الاستوائية والصحاري. عاش تحت سلطانها مئات الملايين من الناس من أصول وعرقيات ومذاهب مختلفة.

أصبحت إحدى لغاتها لغة عالمية في معظم أرجاء المعمورة، قربت المسافات بين سكان المئات من البلاد، وتشكلت جيوشها من شعوب من مختلف القوميات، ووفرت قوتها العسكرية الحماية ودرجة من الاستقرار والازدهار لم يشهده العالم من قبل، وامتدت الحركة التجارية لهذه الحضارة من أمريكا اللاتينية وحتى الصين شاملة كل بقعة بينهما.

عندما كانت الأمم الأخرى تتوجس من الفكر والأفكار، كانت هذه الحضارة تزدهر وتعيش بها وتبقيها حية، وعندما كانت الرقابة الإقصائية تهدد بمحو المعارف من الحضارات القديمة، حافظت هذه الحضارة على المعرفة وأبقتها حية ونقلتها لبقية الأمم.

قد يتمتع عالمنا الغربي اليوم بكثير من هذه السمات... لكن الحضارة التي أتكلم عنها الآن كانت هي الحضارة الإسلامية في العالم الإسلامي من عام 800 إلى عام 1600م، والتي كانت تشمل أيضا الدولة العثمانية، وحاضرة بغداد ودمشق ومصر وحكاماً متنورين أمثال سليمان القانوني". انتهى الاقتباس.

لقد وعد الإسلام بانتصارات وإنجازات وفتوحات بعينها، ولم تتحقق بعد، وستتحقق بإذن الله تعالى، فكما تحقق الوعد بفتح القسطنطينية، سيتحقق الوعد بفتح روما، ووعد الرسول ﷺ بقتال يهود وهزيمتهم، فقال في الحديث الذي رواه البخاري: «تُقَاتِلُكُمُ اليَهُودُ فَتُسَلَّطُونَ عَلَيْهِمْ، ثُمَّ يَقُولُ الحَجَرُ: يَا مُسْلِمُ هَذَا يَهُودِيٌّ وَرَائِي، فَاقْتُلْهُ»، وأخيراً فإن على رأس تلك البشارات إقامة الخلافة الراشدة على منهاج النبوة كما جاء في الحديث الشريف «...ثُمَّ تَكُونُ خِلَافَةٌ عَلَى مِنْهَاجِ النُّبُوَّةِ» التي بإذن الله ستُعيد للأمة عزها ونصرها وبها يتم قتال يهود والقضاء عليهم ويتم بها فتح روما، بل نستبشر بأكثر من ذلك كما كان لفتح القسطنطينية من أثر عظيم حققته الدولة الإسلامية لقرون عديدة، وكان الباب الذي عادت منه للدولة الإسلامية مكانتها في إرساء العدل والرحمة وقضائها على عقائد الكفر والاستعمار ونفوذه وأذنابه.

إن تحقيق هذه البشارات لا يكون بالركون والانتظار والتقاعس، إن كانت لها مكانتها في نفوس المسلمين من الإيمان الراسخ بأنها متحققة كما آمن المسلمون الأوائل بفتح القسطنطينية، فلم يهدأ لهم بال ولم تسكن إيحاءات هذه البشرى من مداعبة تلابيب عقولهم، لمدة تزيد عن ثمانية قرون، فأعدوا العدة ونصروا الله فنصرهم... فسنة الله أن ننصر الله فينصرنا، فنقيم شرعه ونعليَ صرح دولته ونُعدّ ما نستطيع من قوة ثم نجاهد في سبيله، وعندها تشرق الأرض بالبشارات الثلاث الباقية وتشرق الأرض بالخلافة من جديد.

كتبه للمكتب الإعلامي المركزي لحزب التحرير

د. عبد الله شاكر – الأردن

#فتح_القسطنطينية
#
القسطنطينية

المزيد من القسم null

لا تنخدعوا بالأسماء فالعبرة بالمواقف لا بالأنساب

لا تنخدعوا بالأسماء فالعبرة بالمواقف لا بالأنساب

في كل مرة يُقدَّم لنا "رمز جديد" له جذور مسلمة أو ملامح شرقية، يهلل كثير من المسلمين، وتُبنى الآمال على وهمٍ اسمه "التمثيل السياسي" في نظامٍ كافر لا يعترف بالإسلام حكماً ولا عقيدةً ولا شريعةً.

نذكر جميعاً الفرح العارم الذي اجتاح مشاعر كثيرين عند فوز أوباما في 2008. فهو ابن كينيا، وله أب مسلم! وهنا توهم البعض أن الإسلام والمسلمين باتوا قريبين من النفوذ الأمريكي، لكن أوباما كان أحد أكثر الرؤساء إيذاءً للمسلمين فقد دمر ليبيا، وساهم في مأساة سوريا، وأشعل أفغانستان والعراق بطائراته وجنوده، بل كان سفاك الدماء في اليمن عبر أدواته وكان عهده استمراراً لعداء ممنهج ضد الأمة.

واليوم يتكرر المشهد، لكن بأسماء جديدة. فـزوهران ممداني يُحتفى به لأنه مسلم ومهاجر وشاب، وكأنه المنقذ! لكن قليلين فقط ينظرون إلى مواقفه السياسية والفكرية. هذا الرجل من الداعمين الأشداء للشواذ المثليين، ومشارك في فعالياتهم، ويعتبر انحرافهم حقوقاً إنسانية!

أي خزي هذا يُعلق عليه الناس آمالاً؟! ألم يكن تكراراً للخيبة السياسية والفكرية نفسها التي وقعت فيها الأمة مراراً وتكراراً؟! نعم لأنها تُفتن بالشكل لا بالجوهر! تُخدع بالابتسامات، وتتعامل بالعاطفة لا بالعقيدة، وبالأسماء لا بالمفاهيم، وبالرموز لا بالمبادئ!

إن هذا الانبهار بالأشكال والأسماء نتيجة غياب الوعي السياسي الشرعي، لأن الإسلام لا يقاس بالأصل أو الاسم أو العرق، بل بالالتزام بمبدأ الإسلام كاملاً؛ نظاماً وعقيدةً وشريعةً. ولا قيمة لمسلم لا يحكم بالإسلام ولا ينصره، بل يخضع للنظام الرأسمالي الكافر، ويبرر الكفر والانحرافات باسم "الحرية".

وليعلم جميع المسلمين الذين فرحوا بفوزه وظنّوا أنه بذرة خير أو بداية نهوض، أن النهوض لا يكون من داخل أنظمة الكفر، ولا بأدواتها، ولا عبر صناديق اقتراعها، ولا تحت سقف دساتيرها.

فمن يُقدّم نفسه عبر النظام الديمقراطي، ويقسم على احترام قوانينه، ثم يدافع عن الشذوذ الجنسي ويحتفل به، ويدعو إلى ما يغضب الله، فهو ليس نصيراً للإسلام ولا أملاً للأمة، بل هو أداة تلميع وتمييع، وتمثيل مزيّف لا يُقدّم ولا يؤخر.

إن ما تسمى النجاحات السياسية في الغرب لبعض الشخصيات ذات الأسماء الإسلامية، ما هي إلا فُتات يُقدَّم كمسكنات للأمة، ليقال لها: انظروا، التغيير ممكن عبر أنظمتنا.

 فما حقيقة هذا "التمثيل"؟

الغرب لا يفتح أبواب الحكم للإسلام، بل يفتحها فقط لمن يتماهى مع قيمه وأفكاره. وأي شخص يدخل نظامهم لا بد أن يقبل بدستورهم، وبقوانينهم الوضعية، وأن يتنكر لحكم الإسلام، فإن رضي بذلك، أصبح نموذجاً مقبولاً، أما المسلم الحق، فهو مرفوض عندهم من جذوره.

فمن هو زهران ممداني؟ ولماذا يُصنع هذا الوهم؟

هو شخص يحمل اسماً مسلماً لكنه متبنٍ لأجندة منحرفة مخالفة تماماً لفطرة الإسلام، من دعم المثليين، والترويج لما يُسمى بـ"حقوقهم"، وهو نموذج حي لكيف يصنع الغرب نماذجه: مسلم بالاسم، علماني بالفعل، خادم لأجندة الليبرالية الغربية لا أكثر. بل لإشغال الأمة عن طريقها الحقيقي، فبدل أن تطالب بدولة الإسلام والخلافة، تنشغل بالمقاعد النيابية والمناصب في أنظمة كفر! وبدل أن تتوجه لتحرير فلسطين، تنتظر مَن "يدافع عن غزة" من داخل الكونغرس الأمريكي أو البرلمان الأوروبي!

فحقيقة الأمر أن هذا تشويه لطريق التغيير الحقيقي، وهو إقامة الخلافة الراشدة على منهاج النبوة، التي تُعلي راية الإسلام، وتقيم شرع الله، وتوحد الأمة خلف خليفة واحد يُقاتل من ورائه ويُتقى به.

فلا تنخدعوا بالأسماء، ولا تفرحوا بمن ينتمي لكم شكلاً ويخالفكم مضموناً، فليس كل من حمل اسم سعيد أو علي أو زهران هو على طريق نبينا محمد ﷺ.

واعلموا أن التغيير لا يأتي من داخل برلمانات الكفر، بل من جيوش الأمة التي آن لها أن تتحرك، ومن شبابها الواعين الذين يعملون ليلا ونهارا لقلب الطاولة على رؤوس الغرب وأعوانه وأتباعه الخائنين في بلاد الإسلام والمسلمين.

فالمسلمون لن ينهضوا عبر انتخابات الديمقراطية ولا من خلال صناديق الغرب، بل بنهضة حقيقية على أساس العقيدة الإسلامية، بإقامة دولة الخلافة الراشدة التي تُعيد للإسلام مكانته، وللمسلمين عزّتهم، وتحطم أوهام الديمقراطية.

لا تنخدعوا بالأسماء، ولا تعلقوا آمالكم على أفراد في أنظمة كفر، بل ارجعوا إلى مشروعكم العظيم: استئناف الحياة الإسلامية، فهذا وحده طريق العزة والنصر والتمكين.

فالمشهد تكرار مُهين لمآسٍ قديمة: رموز مزيفة، وولاء للأنظمة الغربية، وانحراف عن طريق الإسلام. وكل من يُصفّق لهذا المسار، إنما يضلل الأمة. فعودوا إلى مشروع الخلافة، ولا تجعلوا أعداء الإسلام يصنعون لكم قادتكم وممثليكم. فالعزة ليست في مقاعد الديمقراطية، بل في سدة الخلافة التي يعمل لها حزب التحرير ويُحذر الأمة من هذا الانحدار الفكري والسياسي. فلا خلاص لنا إلا بدولة الخلافة، التي لا تسمح بأن يحكم المسلمين من يدين بدين غير الإسلام، ولا بمن يبرر الشذوذ والانحراف، ولا بمن يُشرّع للناس غير ما أنزل الله.

كتبه لإذاعة المكتب الإعلامي المركزي لحزب التحرير

عبد المحمود العامري – ولاية اليمن

مصر بين الشعارات الحكومية والواقع المرّ  الحقيقة الكاملة عن الفقر، والسياسات الرأسمالية

مصر بين الشعارات الحكومية والواقع المرّ

الحقيقة الكاملة عن الفقر، والسياسات الرأسمالية

نقلت بوابة الأهرام الثلاثاء 4 تشرين الثاني/نوفمبر 2025م، أن رئيس الوزراء المصري، في كلمة ألقاها نيابةً عن الرئيس في القمة العالمية الثانية للتنمية الاجتماعية في العاصمة القطرية الدوحة، قال إنّ مصر تطبّق نهجاً شاملاً للقضاء على الفقر في جميع أشكاله وأبعاده، بما في ذلك "الفقر متعدد الأبعاد".

منذ سنوات، لا يكاد يخلو خطاب رسمي في مصر من عباراتٍ مثل "نهج شامل للقضاء على الفقر" و"الانطلاقة الحقيقية للاقتصاد المصري". يكرّر المسؤولون هذه الشعارات في المؤتمرات والمناسبات، مصحوبة بصور براقة لمشروعات استثمارية وفنادق ومنتجعات. لكن الواقع، كما تشهد عليه التقارير الدولية، مختلف تماماً. فالفقر في مصر ما زال ظاهرةً راسخة، بل متفاقمة، رغم الوعود الحكومية المتكرّرة بالتحسن والنهضة.

بحسب تقارير اليونيسف والإسكوا وبرنامج الغذاء العالمي لعامي 2024 و2025، يعيش نحو واحد من كل خمسة مصريين في فقرٍ متعدد الأبعاد، أي محروم من أكثر من جانب من جوانب الحياة الأساسية كالتعليم والصحة والسكن والعمل والخدمات. كما تؤكد البيانات أن أكثر من 49% من الأسر تعاني من صعوبات في الحصول على غذاء كافٍ، وهو رقم صادم يعكس عمق الأزمة المعيشية.

أما الفقر المالي، أي انخفاض الدخل مقارنة بتكاليف المعيشة، فقد ارتفع بصورة حادة، نتيجة موجات التضخم المتلاحقة التي أكلت أجور الناس وجهودهم ومدخراتهم، حتى أصبحت نسبة كبيرة من المصريين تحت خط الفقر المالي رغم عملهم الدائم.

وبينما تتحدث الحكومة عن مبادرات مثل "تكافل وكرامة" و"حياة كريمة"، تكشف الأرقام الدولية أن هذه البرامج لم تغيّر بنية الفقر جذرياً، بل اقتصرت على مسكّنات مؤقتة أشبه بالقطرة التي تُسكب في صحراء. فما زال الريف المصري الذي يقطنه أكثر من نصف السكان، يعاني من ضعف الخدمات وانعدام فرص العمل اللائق وتهالك البنية الأساسية. ويؤكد تقرير الإسكوا أن الحرمان في الريف يفوق نظيره في المدن بعدة أضعاف، ما يدل على سوء توزيع الثروة والإهمال المزمن للأطراف.

حين يشكر رئيسُ الوزراء ابنَ البلد "الذي تحمّل مع الحكومة إجراءات الإصلاح الاقتصادي"، فإنه في الواقع يُقرّ بوجود معاناة حقيقية ناتجة عن تلك السياسات. غير أن هذا الاعتراف لا يتبعه تغيير في المنهج، بل مزيد من السير في الطريق الرأسمالي نفسه الذي سبّب الأزمة.

فالإصلاح المزعوم الذي بدأ عام 2016 ببرنامج "التعويم" ورفع الدعم وزيادة الضرائب، لم يكن إصلاحاً بل تحميلاً للفقراء كلفة الديون والعجز. وفي الوقت الذي يتحدث فيه المسؤولون عن "الانطلاقة"، تتجه الاستثمارات الضخمة إلى العقارات الفاخرة والمشروعات السياحية التي تخدم أصحاب رؤوس الأموال، بينما لا يجد ملايين الشباب فرصاً للعمل أو السكن. بل إن كثيراً من هذه المشاريع، كمنطقة علم الروم في مطروح التي تُقدّر استثماراتها بـ29 مليار دولار، هي شراكات رأسمالية أجنبية تستحوذ على الأراضي والثروات وتحوّلها إلى مصدر ربح للمستثمرين، لا مصدر رزق للناس.

النظام يفشل ليس لأنه فاسد فحسب، بل لأنه يسير على أساسٍ فكريٍّ باطلٍ هو النظام الرأسمالي، الذي يجعل المال محوراً لكل سياسات الدولة. فالرأسمالية تقوم على حرية التملك المطلقة، وتسمح بتكديس الثروة في يد القلة التي تملك أدوات الإنتاج، فيما تتحمل الكثرة عبء الضرائب والأسعار والدَّين العام.

ولهذا، فإن كل ما يُسمى "برامج حماية اجتماعية" ما هو إلا محاولة لتجميل وجه الرأسمالية الوحشي، وإطالة عمر نظامٍ جائرٍ يراعي الأغنياء ويجبي من الفقراء. فبدلاً من معالجة أصل الداء؛ أي احتكار الثروة وتبعية الاقتصاد للمؤسسات الدولية، يُكتفى بتوزيع فتات من الإعانات النقدية، لا ترفع فقراً ولا تحفظ كرامة.

إن الرعاية ليست منّةً من الحاكم على الرعية، بل واجب شرعي، ومسؤولية يحاسبه الله عليها في الدنيا والآخرة. وما يجري اليوم، هو إهمال متعمّد لشؤون الناس، وتخلٍّ عن واجب الرعاية لصالح قروضٍ مشروطة من صندوق النقد والبنك الدوليين.

لقد أصبحت الدولة وسيطاً بين الفقير والدائن الأجنبي، تفرض الضرائب وتقلّص الدعم وتبيع الممتلكات العامة لسدّ عجزٍ متضخم صنعه النظام الرأسمالي نفسه. وفي هذا كله تغيب المفاهيم الشرعية التي تضبط الاقتصاد، كتحريم الربا، ومنع تملك الثروات العامة للأفراد، ووجوب النفقة على الرعية من بيت مال المسلمين.

لقد قدم الإسلام نظاماً اقتصادياً متكاملاً يعالج الفقر من جذوره، لا بمجرد دعمٍ نقدي أو مشروعات تجميلية. هذا النظام يقوم على أسسٍ شرعيةٍ ثابتة أبرزها:

1- تحريم الربا والديون الربوية التي تُكبّل الدولة وتستنزف مواردها، فبزوال الربا تزول تبعية الاقتصاد للمؤسسات الدولية، وتُعاد السيادة المالية للأمة.

2- جعل الملكيات ثلاثة أنواع:

ملكية فردية: كالبيوت والمتاجر والمزارع الخاصة...

ملكية عامة: تشمل الثروات الكبرى كالنفط والغاز والمعادن والمياه...

ملكية دولة: كأراضي الفيء والركاز والخراج...

وبهذا التوزيع تتحقق العدالة، إذ تُمنع فئة قليلة من احتكار موارد الأمة.

3- ضمان الكفاية لكل فرد من الرعية: فالدولة تضمن لكل إنسان في رعايتها حاجاته الأساسية من مأكل وملبس ومسكن، فإن عجز عن العمل وجب على بيت المال أن ينفق عليه.

4- الزكاة والإنفاق الإلزامي: الزكاة ليست إحساناً بل فريضة، تجمعها الدولة وتصرفها في مصارفها الشرعية للفقراء والمساكين والغارمين. وهي أداة توزيع فعّالة تعيد الأموال إلى دورة الحياة في المجتمع.

مع التحفيز على العمل المنتج ومنع الاستغلال، والحثّ على استثمار الموارد في مشاريع نافعة حقيقية كالصناعات الثقيلة والحربية لا في المضاربات والعقارات الفاخرة والمشاريع الوهمية. إلى جانب ضبط الأسعار بالعرض والطلب الحقيقيين لا بالاحتكار ولا بالتعويم.

إن دولة الخلافة على منهاج النبوة هي وحدها القادرة على تطبيق هذه الأحكام عملياً، لأنها تُبنى على أساس العقيدة الإسلامية، ويكون هدفها رعاية شؤون الناس لا جباية أموالهم. ففي ظل الخلافة، لا يوجد ربا ولا قروض مشروطة، ولا بيع للثروات العامة للأجانب، بل تُدار الموارد بما يحقق مصلحة الأمة، ويتولى بيت المال تمويل الرعاية الصحية والتعليم والمرافق العامة من موارد الدولة والخراج والأنفال والملكية العامة.

أما الفقراء، فتُكفل حاجاتهم الأساسية فرداً فرداً، لا عبر صدقات مؤقتة بل كحقٍّ شرعي مضمون. ولذا فإن محاربة الفقر في الإسلام ليست شعاراً سياسياً، بل نظام حياة متكامل يُقيم العدل ويمنع الظلم ويعيد الثروة إلى أهلها.

ما بين الخطاب الرسمي والواقع المعاش مسافةٌ هائلة لا تخفى على أحد. فبينما تتغنّى الحكومة بمشروعاتها "العملاقة" وبـ"الانطلاقة الحقيقية"، يعيش ملايين المصريين تحت خط الفقر، يعانون الغلاء والبطالة وانعدام الأمل. والحقيقة أن هذه المعاناة لن تزول ما دامت مصر تسير في طريق الرأسمالية، تُسلِّم اقتصادها للمرابين وتخضع لسياسات المؤسسات الدولية.

إن أزمات ومشكلات مصر هي مشكلات إنسانية وليست مادية، وتتعلق بها أحكام شرعية تبين كيفية التعامل معها وعلاجها على أساس الإسلام، وإن الحلول أسهل من غض الطرف لكنها تحتاج إدارة مخلصة تملك إرادة حرة تريد السير في الطريق الصحيح وتريد الخير لمصر وأهلها حقا، وحينها على هذه الإدارة أن تراجع كل العقود التي أبرمت سابقا والتي تبرم مع كل الشركات التي تحتكر أصول البلاد وما هو من ملكياتها العام وعلى رأسها شركات التنقيب عن الغاز والنفط والذهب وباقي المعادن والثروات، وتطرد كل تلك الشركات لأنها في الأصل شركات استعمارية ناهبة لثروات البلاد، ثم تصوغ عهدا جديدا يقوم على تمكين الناس من ثروات البلاد وإنشاء أو استئجار شركات تقوم هي على إنتاج الثروة من منابع النفط والغاز والذهب وغيرها من المعادن وتعيد توزيع هذه الثروات على الناس من جديد، حينها سيتمكن الناس من زراعة الأرض الموات التي ستمكنهم الدولة من استغلالها بحقهم فيها، وسيتمكنون أيضا من صناعة ما يجب أن يصنع ليرتفع باقتصاد مصر ويكفي أهلها، وستدعمهم الدولة في هذا السبيل، وإن كل هذا ليس ضربا من الخيال ولا مستحيل الحدوث ولا مشروعا نعرضه للتجربة قد ينجح أو يفشل، وإنما هي أحكام شرعية لازمة ملزمة للدولة والرعية، فلا يجوز للدولة أن تفرط في ثروات البلاد التي هي ملك للناس بدعوى عقود أقرتها وأيدتها وتحميها قوانين دولية جائرة، ولا يجوز لها أن تمنع الناس منها بل يجب أن تقطع كل يد تمتد ناهبة إلى ثروات الناس، هذا ما يقدمه الإسلام ويجب تنفيذه، إلا أنه لا يطبق بمعزل عن باقي أنظمة الإسلام بل إنه لا يطبق إلا من خلال دولة الخلافة الراشدة على منهاج النبوة، هذه الدولة التي يحمل همها والدعوة إليها حزب التحرير ويدعو مصر وأهلها شعبا وجيشا إلى العمل معه من أجلها، عسى الله أن يكتب الفتح من عنده فنراها واقعا يعز الإسلام وأهله، اللهم عاجلا غير آجل.

﴿وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرَىٰ آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَفَتَحْنَا عَلَيْهِم بَرَكَاتٍ مِّنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ﴾

كتبه للمكتب الإعلامي المركزي لحزب التحرير

سعيد فضل

عضو المكتب الإعلامي لحزب التحرير في ولاية مصر