في الذكرى الـ99 لهدم دولة الخلافة عهد علينا أن نعمل لإعادتها راشدةً على منهاج النبوة
March 10, 2020

في الذكرى الـ99 لهدم دولة الخلافة عهد علينا أن نعمل لإعادتها راشدةً على منهاج النبوة

في الذكرى الـ99 لهدم دولة الخلافة
عهد علينا أن نعمل لإعادتها راشدةً على منهاج النبوة


ها هي الذكرى التاسعة والتسعون لهدم صرحنا العظيم، أمّنا الرؤوم وحارسة الإسلام وحامية المسلمين، والحال هو الحال، فلا جديد حلّ ولا قديم زال؛ المسلمون في ضنك وشدة وعناء، والأعداء يتكالبون عليهم من كل حدب وصوب، والخونة يلاحقون المخلصين ويعرقلون العاملين لإعزاز هذا الدين.


نعم، العمل للتغيير سائر في نسق متصاعد، ووعي الأمة يزداد ويتوسع، لكن الدولة لم تُعَدْ بعد، والمصائب تنزل على المسلمين كالسيول الجارفة. فلا الشر متوقف أو مستكين ولا الخير يائس ولا يلين، إنه الصراع الأبدي لكنه صراع مكلف، ضحاياه دائما هم المسلمون.


فهذه الصين مُصرّة على كسر شوكة مسلمي الإيغور الذين رفضوا الانضواء تحت مظلة الشيوعية الكافرة وأصروا على العيش وفق أحكام دينهم، فما كان من الصين إلا محاولة قهرهم وإذلالهم وذلك بإرغامهم على مخالفة أحكام دينهم، فمنعتهم من الصوم والصلاة وأكرهتهم على تناول الأطعمة المحرمة، بل ومنعت النساء من ستر أجسادهن ولبس الخُمُر والجلابيب، وسجنتهم في معسكرات جماعية إمعانا في إذلالهم، ليس هذا فحسب بل لقد اختطفت أطفالهم وأرسلتهم ليتربوا بعيدا عن أهلهم لينشؤوا على الشيوعية وقطع أي علاقة لهم مع الإسلام، سالت كثير من الدماء وبُحّت أصوات الاستغاثة من شدة التعذيب والإذلال، لكن لا مجيب...


وفي كشمير الجرح الإسلامي النازف تستمر المأساة؛ فلا المسلمون راضون عن العيش وفق أحكام عبدة البقر، ولا هم تاركوهم يعيشون وفق أحكام دينهم. وبين إصرار مسلمي كشمير على الانعتاق من الاستعمار الهندي، وإجرام الهنود في حقهم، ليس هناك من بلد مسلم يسارع لنصرة أهل كشمير وتحريرهم. وفي حين يتجاهل حكام المسلمين نصرة أهل كشمير تستأسد الهند على باقي المسلمين في عموم الهند، وتسعى للتخلص منهم، حيث أصدرت سلسلة تعديلات على قانون الجنسية بهدف تحويل البلاد إلى دولة هندوسية بدل أن تكون دولة علمانية لكل مواطنيها. فهذا القانون سيحرم المسلمين الذين يقيمون في الهند من أصول باكستانية أو بنغالية أو أفغانية، سيحرمهم من حق العيش في بلادهم وبلاد أجدادهم، سيحرمون من اعتبارهم مواطنين، في حين تسمح لغير المسلمين من كل الديانات والأجناس أن يتحصلوا على الجنسية الهندية بلا أي معوقات. وليس المسلمون في الهند بأغبياء ليعرفوا أن القانون المعدل يستهدفهم ويستهدف وجودهم في بلادهم التي فتحها أبطال المسلمين قبل أربعة عشر قرنا من الزمان، فلا أحد أحق منهم في الإقامة في هذا البلد الإسلامي المغتصب. نعم لأنهم عرفوا أنهم المستهدفون اعترضوا على التعديل وثاروا ضده فكان الرد الهندي فاضحاً لنوايا الهندوس الحاقدين كاشفاً لوجههم القبيح؛ ذلك أن المسلمين من يومها يتعرضون لحرب إبادة لم يشهد التاريخ لها مثيلا سوى في البلاد التي تستهدف المسلمين من مثل ميانمار وأفريقيا الوسطى والصين ومن قبلها الشيشان وكوسوفو والبوسنة والهرسك في القرن الماضي...


أما في بلاد المسلمين فشلالات الدماء لا زالت تتدفق في سوريا وليبيا واليمن ومصر ثمنا لمحاولة أهل هذه البلاد الانعتاق من الظلم والطغيان ومطالبتهم بالعودة لحكم الإسلام، حيث العدل في الحكم والكرامة للفرد والعزة للإسلام والمسلمين. لكن هيهات لحكام عملاء أن يستجيبوا لهذه المطالب والدعوات، وما كان منهم إلا أن انقضوا على الناس تقتيلا وتنكيلا؛ فالقصف والتهجير واللجوء والاعتقال ثم أحكام بالإعدام للعشرات تلو العشرات، حتى ملّ الناس من تعداد ضحايا القصف والإعدامات، فضلا عن تعداد المهجرين واللاجئين...


ولا تقف مآسي المسلمين عند هذا الحد بل تتعداه لما يعانيه اللاجئون من إذلال وتحقير بل وتقتيل. فلا الشقيقة بنغلادش تواسي اللاجئين من أراكان، ولا تهبّ مع الشقيقة باكستان لنجدة الإخوة في الهند وكشمير. ولا يختلف موقف الحكام في تركيا والأردن ولبنان والعراق ومصر وسائر البلاد تجاه اللاجئين السوريين وغير السوريين ممن فروا من القصف والقتل في بلادهم ويمّموا صوب إخوان لهم يبتغون عندهم الأمان! ولو كانت هذه الأنظمة لا تستطيع نصرتهم، وهذا غير صحيح، فلا أقل من أن تحتضنهم وتعوضهم، لكن أبدا، تأبى أنظمة الفساد والعمالة أن تنصف المسلمين بل هي تزيد معاناتهم؛ فبين رفض إدخالهم إلى البلاد وامتهان كرامة من دخلوا خلسة أو طردهم وتوجيههم للمضي نحو بلاد الغرب تستمر معاناة اللاجئين والمهجرين، فبفضل الحدود التي أقامها الاستعمار بين بلاد المسلمين وحراس ونواطير عملاء له، أصبح المسلم في بلاد الإسلام غريبا غير مرحب فيه بل هو بلاء يجب التخلص منه بأية طريقة كانت حتى لا ينشر بلاءه في البلاد!...


هذا حالنا بكثير من الاختصار منذ هدمت دولتنا وبتنا أيتاما على موائد اللئام.


أفلا يحق لنا والحال هذه أن نبكي الخلافة وأن نلعن هادمها، وأن نبذل الغالي والنفيس لتذكير الأمة بها وقيادتها للعمل على إعادتها؟! بلى والله إن حالنا ليتطلب منا هذا وفوقه.


وحتى لا أكون مثبطة أو أنشر التشاؤم في الأمة فإنني أنبه إلى أن ما وصفتُه من حال المسلمين يشاهده الناظر بالعين المجردة دون توجيه أو توضيح. أما الشق الآخر الذي يحمل التفاؤل والأمل في التغيير والنهوض قريبا بإذن الله فهو ما يحتاج إلى إنعام نظر ودراسة وتركيز، وهذا لا يراه إلا كل مهتم بالشأن العام ودارس لواقع المجتمعات والعوامل المؤثرة في تغييرها. وإن هؤلاء ليرون بعين الفاحص أن البلاد الإسلامية في حالة مخاض، وأن العاملين للتغيير وإنهاض الأمة يؤثرون بشكل ملحوظ على الرأي العام ويرفعون درجة ثقافة الأمة باضطراد، حتى لقد بات واضحا تطور مطالب الأمة من تحسين في المعاش إلى إسقاط للنظم القائمة وإعادة نظام الإسلام... ولعل هذا الذي جعل الغرب الذي يراقب الواقع الإسلامي بعين الصقر فيرى ما لا يراه الناس العاديون، يرى التحول الذي يحصل في الأمة الإسلامية ويزن كل تغيير في وعيها العام بميزان دقيق. لذا نراه يؤلب الحكام على حزب التحرير ويحاول إغلاق كل باب يمكن أن يأتي منه النصر ويتحقق النهوض. فمن أوزبيكستان إلى أفغانستان إلى العراق وسوريا ومصر والسودان إضافة إلى باكستان وكل بلد توقع الغرب أن يكون مكان إعلان الخلافة وإقامة دولة الإسلام، أعلنه الغرب الكافر بلدا خارجا عن الشرعية الدولية ويحتضن الإرهاب فهاجمها بكل قسوة؛ فمنها من هاجمها بقضه وقضيضه فاحتلها ودمرها تدميرا كالعراق وأفغانستان وسوريا ومنها ما حاصرها وجعلها تحت مرمى قواته وأقام التحالفات الدولية للقضاء على مكامن قوتها ومقدراتها لتحول دون تمكن العاملين للخلافة من إيجاد مكان يقيمون فيه دولة تحكم بالإسلام. ولا يجاهر الغرب بعدائه لحزب التحرير ولا يذكره بالاسم إلاً نادرا، لكنه يستهدف شباب الحزب بأن يسلط عليهم عملاءه وأتباعه في بلاد المسلمين لعلهم يرهبونهم فيسكتون ويضيقون عليهم فييأسون.


ألا فليسمع هؤلاء الكفار وعملاؤهم وأتباعهم آخر ما نقول:


إننا في حزب التحرير وفي الذكرى التاسعة والتسعين لهدم دولة الخلافة لَنَعِدُ الأمة أننا لن نسكن ولن نلين أو نستكين حتى نعيدها راشدة ثانية على منهاج النبوة... لن يوقفنا كيد الكائدين ولا حقد الحاقدين، فإن من كان الله معه لا يخاف العبيد ومن عنده من الله سبحانه وعدٌ ومن رسوله e بشرى لا يفت في عضده تهديد ولا وعيد ولا ملاحقة ولا تقتيل، بل يزداد مع التضييق إصرارا، ومع الملاحقة رسوخا وثباتا، حتى يأتي وعد الله بالنصر والتمكين، وإنه لآت قريبا بإذن الله فهو وعد غير مكذوب من رب العالمين لمن أخلص النية لله وعمل جاهداً لنصرة هذا الدين العظيم. ﴿وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الْأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَىٰ لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُم مِّن بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْناً يَعْبُدُونَنِي لَا يُشْرِكُونَ بِي شَيْئاً وَمَن كَفَرَ بَعْدَ ذَٰلِكَ فَأُولَٰئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ﴾.

كتبته للمكتب الإعلامي المركزي لحزب التحرير
أسماء الجعبة


#أقيموا_الخلافة
#ReturnTheKhilafah
#YenidenHilafet

المزيد من القسم null

لا تنخدعوا بالأسماء فالعبرة بالمواقف لا بالأنساب

لا تنخدعوا بالأسماء فالعبرة بالمواقف لا بالأنساب

في كل مرة يُقدَّم لنا "رمز جديد" له جذور مسلمة أو ملامح شرقية، يهلل كثير من المسلمين، وتُبنى الآمال على وهمٍ اسمه "التمثيل السياسي" في نظامٍ كافر لا يعترف بالإسلام حكماً ولا عقيدةً ولا شريعةً.

نذكر جميعاً الفرح العارم الذي اجتاح مشاعر كثيرين عند فوز أوباما في 2008. فهو ابن كينيا، وله أب مسلم! وهنا توهم البعض أن الإسلام والمسلمين باتوا قريبين من النفوذ الأمريكي، لكن أوباما كان أحد أكثر الرؤساء إيذاءً للمسلمين فقد دمر ليبيا، وساهم في مأساة سوريا، وأشعل أفغانستان والعراق بطائراته وجنوده، بل كان سفاك الدماء في اليمن عبر أدواته وكان عهده استمراراً لعداء ممنهج ضد الأمة.

واليوم يتكرر المشهد، لكن بأسماء جديدة. فـزوهران ممداني يُحتفى به لأنه مسلم ومهاجر وشاب، وكأنه المنقذ! لكن قليلين فقط ينظرون إلى مواقفه السياسية والفكرية. هذا الرجل من الداعمين الأشداء للشواذ المثليين، ومشارك في فعالياتهم، ويعتبر انحرافهم حقوقاً إنسانية!

أي خزي هذا يُعلق عليه الناس آمالاً؟! ألم يكن تكراراً للخيبة السياسية والفكرية نفسها التي وقعت فيها الأمة مراراً وتكراراً؟! نعم لأنها تُفتن بالشكل لا بالجوهر! تُخدع بالابتسامات، وتتعامل بالعاطفة لا بالعقيدة، وبالأسماء لا بالمفاهيم، وبالرموز لا بالمبادئ!

إن هذا الانبهار بالأشكال والأسماء نتيجة غياب الوعي السياسي الشرعي، لأن الإسلام لا يقاس بالأصل أو الاسم أو العرق، بل بالالتزام بمبدأ الإسلام كاملاً؛ نظاماً وعقيدةً وشريعةً. ولا قيمة لمسلم لا يحكم بالإسلام ولا ينصره، بل يخضع للنظام الرأسمالي الكافر، ويبرر الكفر والانحرافات باسم "الحرية".

وليعلم جميع المسلمين الذين فرحوا بفوزه وظنّوا أنه بذرة خير أو بداية نهوض، أن النهوض لا يكون من داخل أنظمة الكفر، ولا بأدواتها، ولا عبر صناديق اقتراعها، ولا تحت سقف دساتيرها.

فمن يُقدّم نفسه عبر النظام الديمقراطي، ويقسم على احترام قوانينه، ثم يدافع عن الشذوذ الجنسي ويحتفل به، ويدعو إلى ما يغضب الله، فهو ليس نصيراً للإسلام ولا أملاً للأمة، بل هو أداة تلميع وتمييع، وتمثيل مزيّف لا يُقدّم ولا يؤخر.

إن ما تسمى النجاحات السياسية في الغرب لبعض الشخصيات ذات الأسماء الإسلامية، ما هي إلا فُتات يُقدَّم كمسكنات للأمة، ليقال لها: انظروا، التغيير ممكن عبر أنظمتنا.

 فما حقيقة هذا "التمثيل"؟

الغرب لا يفتح أبواب الحكم للإسلام، بل يفتحها فقط لمن يتماهى مع قيمه وأفكاره. وأي شخص يدخل نظامهم لا بد أن يقبل بدستورهم، وبقوانينهم الوضعية، وأن يتنكر لحكم الإسلام، فإن رضي بذلك، أصبح نموذجاً مقبولاً، أما المسلم الحق، فهو مرفوض عندهم من جذوره.

فمن هو زهران ممداني؟ ولماذا يُصنع هذا الوهم؟

هو شخص يحمل اسماً مسلماً لكنه متبنٍ لأجندة منحرفة مخالفة تماماً لفطرة الإسلام، من دعم المثليين، والترويج لما يُسمى بـ"حقوقهم"، وهو نموذج حي لكيف يصنع الغرب نماذجه: مسلم بالاسم، علماني بالفعل، خادم لأجندة الليبرالية الغربية لا أكثر. بل لإشغال الأمة عن طريقها الحقيقي، فبدل أن تطالب بدولة الإسلام والخلافة، تنشغل بالمقاعد النيابية والمناصب في أنظمة كفر! وبدل أن تتوجه لتحرير فلسطين، تنتظر مَن "يدافع عن غزة" من داخل الكونغرس الأمريكي أو البرلمان الأوروبي!

فحقيقة الأمر أن هذا تشويه لطريق التغيير الحقيقي، وهو إقامة الخلافة الراشدة على منهاج النبوة، التي تُعلي راية الإسلام، وتقيم شرع الله، وتوحد الأمة خلف خليفة واحد يُقاتل من ورائه ويُتقى به.

فلا تنخدعوا بالأسماء، ولا تفرحوا بمن ينتمي لكم شكلاً ويخالفكم مضموناً، فليس كل من حمل اسم سعيد أو علي أو زهران هو على طريق نبينا محمد ﷺ.

واعلموا أن التغيير لا يأتي من داخل برلمانات الكفر، بل من جيوش الأمة التي آن لها أن تتحرك، ومن شبابها الواعين الذين يعملون ليلا ونهارا لقلب الطاولة على رؤوس الغرب وأعوانه وأتباعه الخائنين في بلاد الإسلام والمسلمين.

فالمسلمون لن ينهضوا عبر انتخابات الديمقراطية ولا من خلال صناديق الغرب، بل بنهضة حقيقية على أساس العقيدة الإسلامية، بإقامة دولة الخلافة الراشدة التي تُعيد للإسلام مكانته، وللمسلمين عزّتهم، وتحطم أوهام الديمقراطية.

لا تنخدعوا بالأسماء، ولا تعلقوا آمالكم على أفراد في أنظمة كفر، بل ارجعوا إلى مشروعكم العظيم: استئناف الحياة الإسلامية، فهذا وحده طريق العزة والنصر والتمكين.

فالمشهد تكرار مُهين لمآسٍ قديمة: رموز مزيفة، وولاء للأنظمة الغربية، وانحراف عن طريق الإسلام. وكل من يُصفّق لهذا المسار، إنما يضلل الأمة. فعودوا إلى مشروع الخلافة، ولا تجعلوا أعداء الإسلام يصنعون لكم قادتكم وممثليكم. فالعزة ليست في مقاعد الديمقراطية، بل في سدة الخلافة التي يعمل لها حزب التحرير ويُحذر الأمة من هذا الانحدار الفكري والسياسي. فلا خلاص لنا إلا بدولة الخلافة، التي لا تسمح بأن يحكم المسلمين من يدين بدين غير الإسلام، ولا بمن يبرر الشذوذ والانحراف، ولا بمن يُشرّع للناس غير ما أنزل الله.

كتبه لإذاعة المكتب الإعلامي المركزي لحزب التحرير

عبد المحمود العامري – ولاية اليمن

مصر بين الشعارات الحكومية والواقع المرّ  الحقيقة الكاملة عن الفقر، والسياسات الرأسمالية

مصر بين الشعارات الحكومية والواقع المرّ

الحقيقة الكاملة عن الفقر، والسياسات الرأسمالية

نقلت بوابة الأهرام الثلاثاء 4 تشرين الثاني/نوفمبر 2025م، أن رئيس الوزراء المصري، في كلمة ألقاها نيابةً عن الرئيس في القمة العالمية الثانية للتنمية الاجتماعية في العاصمة القطرية الدوحة، قال إنّ مصر تطبّق نهجاً شاملاً للقضاء على الفقر في جميع أشكاله وأبعاده، بما في ذلك "الفقر متعدد الأبعاد".

منذ سنوات، لا يكاد يخلو خطاب رسمي في مصر من عباراتٍ مثل "نهج شامل للقضاء على الفقر" و"الانطلاقة الحقيقية للاقتصاد المصري". يكرّر المسؤولون هذه الشعارات في المؤتمرات والمناسبات، مصحوبة بصور براقة لمشروعات استثمارية وفنادق ومنتجعات. لكن الواقع، كما تشهد عليه التقارير الدولية، مختلف تماماً. فالفقر في مصر ما زال ظاهرةً راسخة، بل متفاقمة، رغم الوعود الحكومية المتكرّرة بالتحسن والنهضة.

بحسب تقارير اليونيسف والإسكوا وبرنامج الغذاء العالمي لعامي 2024 و2025، يعيش نحو واحد من كل خمسة مصريين في فقرٍ متعدد الأبعاد، أي محروم من أكثر من جانب من جوانب الحياة الأساسية كالتعليم والصحة والسكن والعمل والخدمات. كما تؤكد البيانات أن أكثر من 49% من الأسر تعاني من صعوبات في الحصول على غذاء كافٍ، وهو رقم صادم يعكس عمق الأزمة المعيشية.

أما الفقر المالي، أي انخفاض الدخل مقارنة بتكاليف المعيشة، فقد ارتفع بصورة حادة، نتيجة موجات التضخم المتلاحقة التي أكلت أجور الناس وجهودهم ومدخراتهم، حتى أصبحت نسبة كبيرة من المصريين تحت خط الفقر المالي رغم عملهم الدائم.

وبينما تتحدث الحكومة عن مبادرات مثل "تكافل وكرامة" و"حياة كريمة"، تكشف الأرقام الدولية أن هذه البرامج لم تغيّر بنية الفقر جذرياً، بل اقتصرت على مسكّنات مؤقتة أشبه بالقطرة التي تُسكب في صحراء. فما زال الريف المصري الذي يقطنه أكثر من نصف السكان، يعاني من ضعف الخدمات وانعدام فرص العمل اللائق وتهالك البنية الأساسية. ويؤكد تقرير الإسكوا أن الحرمان في الريف يفوق نظيره في المدن بعدة أضعاف، ما يدل على سوء توزيع الثروة والإهمال المزمن للأطراف.

حين يشكر رئيسُ الوزراء ابنَ البلد "الذي تحمّل مع الحكومة إجراءات الإصلاح الاقتصادي"، فإنه في الواقع يُقرّ بوجود معاناة حقيقية ناتجة عن تلك السياسات. غير أن هذا الاعتراف لا يتبعه تغيير في المنهج، بل مزيد من السير في الطريق الرأسمالي نفسه الذي سبّب الأزمة.

فالإصلاح المزعوم الذي بدأ عام 2016 ببرنامج "التعويم" ورفع الدعم وزيادة الضرائب، لم يكن إصلاحاً بل تحميلاً للفقراء كلفة الديون والعجز. وفي الوقت الذي يتحدث فيه المسؤولون عن "الانطلاقة"، تتجه الاستثمارات الضخمة إلى العقارات الفاخرة والمشروعات السياحية التي تخدم أصحاب رؤوس الأموال، بينما لا يجد ملايين الشباب فرصاً للعمل أو السكن. بل إن كثيراً من هذه المشاريع، كمنطقة علم الروم في مطروح التي تُقدّر استثماراتها بـ29 مليار دولار، هي شراكات رأسمالية أجنبية تستحوذ على الأراضي والثروات وتحوّلها إلى مصدر ربح للمستثمرين، لا مصدر رزق للناس.

النظام يفشل ليس لأنه فاسد فحسب، بل لأنه يسير على أساسٍ فكريٍّ باطلٍ هو النظام الرأسمالي، الذي يجعل المال محوراً لكل سياسات الدولة. فالرأسمالية تقوم على حرية التملك المطلقة، وتسمح بتكديس الثروة في يد القلة التي تملك أدوات الإنتاج، فيما تتحمل الكثرة عبء الضرائب والأسعار والدَّين العام.

ولهذا، فإن كل ما يُسمى "برامج حماية اجتماعية" ما هو إلا محاولة لتجميل وجه الرأسمالية الوحشي، وإطالة عمر نظامٍ جائرٍ يراعي الأغنياء ويجبي من الفقراء. فبدلاً من معالجة أصل الداء؛ أي احتكار الثروة وتبعية الاقتصاد للمؤسسات الدولية، يُكتفى بتوزيع فتات من الإعانات النقدية، لا ترفع فقراً ولا تحفظ كرامة.

إن الرعاية ليست منّةً من الحاكم على الرعية، بل واجب شرعي، ومسؤولية يحاسبه الله عليها في الدنيا والآخرة. وما يجري اليوم، هو إهمال متعمّد لشؤون الناس، وتخلٍّ عن واجب الرعاية لصالح قروضٍ مشروطة من صندوق النقد والبنك الدوليين.

لقد أصبحت الدولة وسيطاً بين الفقير والدائن الأجنبي، تفرض الضرائب وتقلّص الدعم وتبيع الممتلكات العامة لسدّ عجزٍ متضخم صنعه النظام الرأسمالي نفسه. وفي هذا كله تغيب المفاهيم الشرعية التي تضبط الاقتصاد، كتحريم الربا، ومنع تملك الثروات العامة للأفراد، ووجوب النفقة على الرعية من بيت مال المسلمين.

لقد قدم الإسلام نظاماً اقتصادياً متكاملاً يعالج الفقر من جذوره، لا بمجرد دعمٍ نقدي أو مشروعات تجميلية. هذا النظام يقوم على أسسٍ شرعيةٍ ثابتة أبرزها:

1- تحريم الربا والديون الربوية التي تُكبّل الدولة وتستنزف مواردها، فبزوال الربا تزول تبعية الاقتصاد للمؤسسات الدولية، وتُعاد السيادة المالية للأمة.

2- جعل الملكيات ثلاثة أنواع:

ملكية فردية: كالبيوت والمتاجر والمزارع الخاصة...

ملكية عامة: تشمل الثروات الكبرى كالنفط والغاز والمعادن والمياه...

ملكية دولة: كأراضي الفيء والركاز والخراج...

وبهذا التوزيع تتحقق العدالة، إذ تُمنع فئة قليلة من احتكار موارد الأمة.

3- ضمان الكفاية لكل فرد من الرعية: فالدولة تضمن لكل إنسان في رعايتها حاجاته الأساسية من مأكل وملبس ومسكن، فإن عجز عن العمل وجب على بيت المال أن ينفق عليه.

4- الزكاة والإنفاق الإلزامي: الزكاة ليست إحساناً بل فريضة، تجمعها الدولة وتصرفها في مصارفها الشرعية للفقراء والمساكين والغارمين. وهي أداة توزيع فعّالة تعيد الأموال إلى دورة الحياة في المجتمع.

مع التحفيز على العمل المنتج ومنع الاستغلال، والحثّ على استثمار الموارد في مشاريع نافعة حقيقية كالصناعات الثقيلة والحربية لا في المضاربات والعقارات الفاخرة والمشاريع الوهمية. إلى جانب ضبط الأسعار بالعرض والطلب الحقيقيين لا بالاحتكار ولا بالتعويم.

إن دولة الخلافة على منهاج النبوة هي وحدها القادرة على تطبيق هذه الأحكام عملياً، لأنها تُبنى على أساس العقيدة الإسلامية، ويكون هدفها رعاية شؤون الناس لا جباية أموالهم. ففي ظل الخلافة، لا يوجد ربا ولا قروض مشروطة، ولا بيع للثروات العامة للأجانب، بل تُدار الموارد بما يحقق مصلحة الأمة، ويتولى بيت المال تمويل الرعاية الصحية والتعليم والمرافق العامة من موارد الدولة والخراج والأنفال والملكية العامة.

أما الفقراء، فتُكفل حاجاتهم الأساسية فرداً فرداً، لا عبر صدقات مؤقتة بل كحقٍّ شرعي مضمون. ولذا فإن محاربة الفقر في الإسلام ليست شعاراً سياسياً، بل نظام حياة متكامل يُقيم العدل ويمنع الظلم ويعيد الثروة إلى أهلها.

ما بين الخطاب الرسمي والواقع المعاش مسافةٌ هائلة لا تخفى على أحد. فبينما تتغنّى الحكومة بمشروعاتها "العملاقة" وبـ"الانطلاقة الحقيقية"، يعيش ملايين المصريين تحت خط الفقر، يعانون الغلاء والبطالة وانعدام الأمل. والحقيقة أن هذه المعاناة لن تزول ما دامت مصر تسير في طريق الرأسمالية، تُسلِّم اقتصادها للمرابين وتخضع لسياسات المؤسسات الدولية.

إن أزمات ومشكلات مصر هي مشكلات إنسانية وليست مادية، وتتعلق بها أحكام شرعية تبين كيفية التعامل معها وعلاجها على أساس الإسلام، وإن الحلول أسهل من غض الطرف لكنها تحتاج إدارة مخلصة تملك إرادة حرة تريد السير في الطريق الصحيح وتريد الخير لمصر وأهلها حقا، وحينها على هذه الإدارة أن تراجع كل العقود التي أبرمت سابقا والتي تبرم مع كل الشركات التي تحتكر أصول البلاد وما هو من ملكياتها العام وعلى رأسها شركات التنقيب عن الغاز والنفط والذهب وباقي المعادن والثروات، وتطرد كل تلك الشركات لأنها في الأصل شركات استعمارية ناهبة لثروات البلاد، ثم تصوغ عهدا جديدا يقوم على تمكين الناس من ثروات البلاد وإنشاء أو استئجار شركات تقوم هي على إنتاج الثروة من منابع النفط والغاز والذهب وغيرها من المعادن وتعيد توزيع هذه الثروات على الناس من جديد، حينها سيتمكن الناس من زراعة الأرض الموات التي ستمكنهم الدولة من استغلالها بحقهم فيها، وسيتمكنون أيضا من صناعة ما يجب أن يصنع ليرتفع باقتصاد مصر ويكفي أهلها، وستدعمهم الدولة في هذا السبيل، وإن كل هذا ليس ضربا من الخيال ولا مستحيل الحدوث ولا مشروعا نعرضه للتجربة قد ينجح أو يفشل، وإنما هي أحكام شرعية لازمة ملزمة للدولة والرعية، فلا يجوز للدولة أن تفرط في ثروات البلاد التي هي ملك للناس بدعوى عقود أقرتها وأيدتها وتحميها قوانين دولية جائرة، ولا يجوز لها أن تمنع الناس منها بل يجب أن تقطع كل يد تمتد ناهبة إلى ثروات الناس، هذا ما يقدمه الإسلام ويجب تنفيذه، إلا أنه لا يطبق بمعزل عن باقي أنظمة الإسلام بل إنه لا يطبق إلا من خلال دولة الخلافة الراشدة على منهاج النبوة، هذه الدولة التي يحمل همها والدعوة إليها حزب التحرير ويدعو مصر وأهلها شعبا وجيشا إلى العمل معه من أجلها، عسى الله أن يكتب الفتح من عنده فنراها واقعا يعز الإسلام وأهله، اللهم عاجلا غير آجل.

﴿وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرَىٰ آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَفَتَحْنَا عَلَيْهِم بَرَكَاتٍ مِّنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ﴾

كتبه للمكتب الإعلامي المركزي لحزب التحرير

سعيد فضل

عضو المكتب الإعلامي لحزب التحرير في ولاية مصر