في الذكرى العاشرة للثورة  (3)  كيف تم تدوير نظام مبارك؟
January 20, 2021

في الذكرى العاشرة للثورة (3) كيف تم تدوير نظام مبارك؟

في الذكرى العاشرة للثورة

(3)

كيف تم تدوير نظام مبارك؟

بإيجاز يمكننا أن نلخص كيف سارت الأمور في مصر من الخامس والعشرين من كانون الثاني/يناير 2011م وحتى الآن لنرى كيف تم تدوير نظام مبارك، فبرغم تنحي مبارك وابتعاده عن السلطة إلا أن نظامه ظل متماسكا ولم يسقط. كل الذي حدث أنه تم تدويره وتغيير بعض الوجوه:

1. خرج الناس على نظام مبارك، وكان الواجب شرعاً وعقلاً، على القوى السياسية الإسلامية في مصر أن تستغل هذه الهبَّةَ، وأن تعمل على تحكيم شرع الله وتنادي بذلك، من خلال بناء دولة إسلامية حقيقية، تقوم لتكنس كل النظام السابق، فهو سبب المآسي كُلِّها، وهو من يقف حائلا بين المسلمين وبين تطبيق الإسلام في دولة الخلافة. ولكن هذه القوى الإسلامية وللأسف الشديد لم تستغل الرأي العام المتجذر للإسلام، ولم تبن عليه عملاً ومطالبةً بتحكيم الإسلام، وبناء دولة خلافة تجمع المسلمين، ولو أنهم فعلوا لوقف الناس بجانبهم وأيدوهم، فهم محبون للإسلام، وعندهم استعداد للتضحية في سبيله.

2. لقد رأت أمريكا أن تتخلى عن مبارك، لكي تلتفَّ على الشارع الثائر، الذي يحب الإسلام وينادي به، مع إبقائها على النظام وأسسه وفلوله وإعلامه. فأمريكا أبقت على النظام الفاسد، والوسط السياسي الفاسد لمكرٍ مكرته، ثم عملت على تضليل الناس في مصر، مرةً أخرى، حين صورت لهم أن قيادات الجيش المصري قد احتضنت الثورة والثوار، بينما كانت أمريكا تدّخرُ الجيش، ممثلاً بقيادته، لمهماتٍ لاحقة.

3. أشرفت قيادات الجيش المصري، على ترتيب البيت الداخلي بعد مبارك، فقبلت قياداته أن يدخل الإخوان، وبشكلٍ مباشر في منظومة النظام الديمقراطي، بعد أن رأت أن الناس يريدون الإسلام ويطالبون به. وكان هدف قيادات الجيش ومن ورائهم أمريكا، من إشراك الإخوان في التغيير المزعوم الجديد في مصر هو منع التغيير الحقيقي، وإسكات الجماهير. وكانت أمريكا تدرك أن مآل حكم الإسلاميين الذين استبعدوا شريعة الله ورضوا بالنظام الوضعي، إلى فشلٍ عاجلاً أم آجلاً، مما سيجعل الناس ينفضّون عن الإسلام وحملة دعوته، إذ سيظهر لهم عجز الإسلاميين في إدارة الدولة وتسيير دفة الحكم. وللأسف دخل الإخوان في هذا الشّرَك بمحض إرادتهم، وقبلوا أن يتقاسموا تركة النظام السابق، مع رموز الحرس القديم لنظام مبارك، والأحزاب العلمانية، والجيش المرتبط بأمريكا، وهذا خطأٌ في النهج والطريقة والعمل، ما جعلهم يدفعون الثمن لاحقاً.

4. في إطار هذا الزواج غير الشرعي بين القوى السياسية العلمانية، والقوى ذات التوجه الإسلامي، بقيادة الإخوان، في مؤسسات الحكم والتشريع والقضاء...، حرص الإخوان على إظهار مرونة عالية في قبول ما ليس بإسلامي، انطلاقا من فكرة التدرج التي يؤمنون بها ولم يُنَزِّل الله بها من سلطان، وحتى يرضوا شركاءهم في الحكم، ويظهروا تسامح الإسلام واعتداله! ولكي لا يحمل الغرب فكرةً سيئةً عن الإسلاميين المعتدلين، ولا ينقلب عليهم! وهكذا لم يتغير أي شيء، حيث بقي دستور مصر الوضعي العلماني وصدر في نسخةٍ منقحةٍ ومعدلةٍ من دستورِ 71 بمباركة الإسلاميين أنفسهم، بل واعتبروه قد خرج من بين رفث ودم لبنا خالصا سائغا للشاربين! وبقي قضاء مصر في يد قضاةٍ علمانيين، يدين معظمهم بالولاء للنظام القديم وفلوله، وظل التعليم في مصر سائرا على النهج نفسه الذي أسس له الاستعمار الإنجليزي، وظل إعلام مصر خاضعاً لرجال أعمالٍ فاسدين يحلمون بالعودة للنظام القديم، واتفاقيات مصر السياسية والاقتصادية، حتى مع أعداء المسلمين يهود، ظلت محترمةً ومصونةً بل ومفعّلةً بشكلٍ أكبر. وأصبح المشهد السياسي في مصر، مشهداً مؤلماً، يراوح بين: مسجدٍ وخمارة، ملهىً ليليٍّ ودارِ تحفيظِ قرآنٍ، فنادق مختلطةٍ تباع فيها الخمور وتشترى، وفنادق أخرى تمنعُ الاختلاط والخمور، إعلامٍ يبث الرذيلة ليل نهار، وإعلامٍ يتحدث عن الوضوء والأخلاق، رئيسٍ ملتحٍ، وأفراد شرطةٍ ممنوعين من إعفاء لحاهم باسم القانونِ العلماني، وبرامج إعلاميةٍ تستهزئ بالإسلام وبالرئيس الإخواني وبالمشايخ،... إنه مشهدٌ لدولة الأعاجيب! أكان هذا هو التغيير المنشود في مصر الكنانة؟! هل كان مبارك ليقبل أن يستهزئ أحدٌ به وبنظامه العلماني؟! هل كان مبارك يحرص على أن يستضيف المشايخ وعلماء المسلمين، ويقول لهم "هاكم الميدان فانطلقوا"، كما قال مرسي لأهل الغناء والممثلين في بداية حكمه، والذين عبروا عن شماتتهم به، وعن فرحتهم الغامرة بعزله؟! باختصار: لم تتغير الحال في مصر، رُغمَ كلِ الشعارات الإسلامية البراقة التي رفعت حينها: فالنظام الجمهوري ظل على حاله، والدستور ظل علمانياً بامتياز، والاقتصاد الربوي المرتهن لقروض الغرب وهيمنته ظل على حاله، وهيمنة أمريكا العسكرية، وتمويلها المالي للنظام التابع ظل على حاله، والعلاقات الدولية ظلت على حالها، والاتفاقيات الاقتصادية والسياسية مع يهود ظلت على حالها، والغاز الطبيعي ليهود ظل يتدفق... ماذا تغير؟ لم يتغير شيء؛ وصل الإسلاميون إلى الحكم، ولم يصل الإسلام.

5. بوصول محمد مرسي للحكم، أصبح هناك فريقان يتشاركان في هذا الحكم المشوّه: الأول فريق علماني يحارب الإسلام ويتآمر عليه، مكونٌ من القيادات السياسية الفاسدة، التي بقيت بعد زوال مبارك، وأحزابها العلمانية، وقيادات الجيش المرتبطة بأمريكا. وهؤلاء لا يطيقون رؤية الإسلام في الحكم ويكرهون رئيسهم محمد مرسي وجماعته، وقد بيتوا لهم كل شر، وجهدوا لكي يجعلوا الإسلام السياسي يبدو من خلال مرسي وجماعته، غير قادرٍ على إدارة الدولة، وعاجزاً في السياسة، ورجعياً في الأفكار والنظرة، وفاشياً وإقصائياً في التعامل مع خصومه، فتآمروا عليهم في كل شيء، وفي كل مفصلٍ من مفاصل العمل السياسي، وتربصوا بهم في كل شأنٍ سياسي: في الحكم، والقضاء، والتشريع... وسخروا منهم ومن رئيسهم، وشككوا بأهليتهم في كل محفلٍ وخصوصاً في الإعلام، وأشاعوا في البلدِ حالةً من النفور من الإسلام، ومن الحركات الإسلامية! وهكذا قاد هذا الفريق عملاً ممنهجاً، تحت عين السفارات الغربية وبمباركتها، ضد كل ما هو إسلام، طعناً وتشويهاً وسبّاً وتعريضاً. هذا كله يحصل والرئيس يحافظ على حبال الود، وفي الوقت الذي يعلن فيه السيسي عن نيته الحقيقية بعد المهلة الشهيرة، كان الرئيس يمدح السيسي وزبانيته عندما وصفهم بأنهم رجال مثل الذهب، كما كان يتفانى في خدمة (المشروعِ الوطنيِّ العظيم)، ويفتخر أنه لم يقصف قلماً ولم يُغلق قناةً، ويا ليته فعل!

أما الفريق الثاني فهو فريق محمد مرسي وجماعته، الذي قام بأولى الخطايا عندما قبل بمشاركة العلمانيين، وبعض فلول النظامِ السابق في الحكم، ليستلم الحكم منقوصا، فدخل اللعبة السياسية مكبلاً عاجزاً عن أي تغييرٍ، فقد أقسم منذ أولِ يوم على القبول بكل مفردات الدولة العلمانية، التي يقاتل في سبيل بقائها فلول النظام السابق، وأعوانُهم. وعلى هذا الأساس، وخلال السنة التي حكم فيها، قاد محمد مرسي سياسة لم تقدم نهجاً بديلاً للشعب المصري، ولم تأخذ بيده إلى أي ارتفاع، فلم يطبق شيئاً من إسلام، ولا اختلف عن سلفه في أية سياسةٍ تذكر، وكان محمد مرسي يعمل في حقل ألغامٍ، وفخاخٍ، ينصبها له شركاؤه في الحكم، وهو يعلم ولا يحرك ساكنا، وإذا تحرك أظهر ترددا وتلعثما يفضح عدم قدرته على الحكم والإدارة. لقد كانت المشكلةُ تكمن في نهج محمد مرسي وجماعته: فهم لا يعرفون سبيلاً آخر للعملِ غير المشاركة السياسية مع أعدائهم، أعداء الإسلام!

6. وبعد سنة من حكم محمد مرسي (الديمقراطي)، وبعد سنة من التشويه والتوريط والإفشال، أخذ الجيش، صاحب القرار الفعلي، القرار بالانقلاب على الشرعيةِ الديمقراطيةِ المزعومة، وأزاح مرسي، واتهمه وجماعته بالحكم الفاشي، واختطاف البلد، وأنهم يريدون حكماً دينياً! وأنهم روعوا الجماهير في مصر، وأساءوا لمؤسساتِ البلد الوطنية والدينية! وأنهم فشلوا في أن يكونوا ديمقراطيين!! وها هي قيادات الإخوان، التي كانت قبل مدة في الحكم، تؤخذ إلى السجن، وتُحاكم من شركائها، لأنها كما يدعي خصومها تحرض على العنف والقتل والإرهاب! فيما الديمقراطية الغربية، التي طالما تطلع إليها الدكتور مرسي، تطعنه وتنقلب عليه وعلى جماعته المعتدلة، ولا تقف لتدافع عن شرعيته الديمقراطية!

وهكذا أطاح الجيش بمحمد مرسي برضاً وتنسيقٍ أمريكي لعدم قدرته على إحداث استقرارٍ تريده أمريكا، لتتم إعادة تدوير نظام مبارك مرة ثانية، فدعا الإخوان أنصارهم للخروج إلى الشارع للاحتجاج، والمناداة بعودة مرسي إلى موقعه السابق رئيساً للبلاد، وقام الجيش يقتل منهم، ويلاحقهم، ويلاحق قياداتهم، ويصادر أموالهم عقاباً لهم على تحديه، فتم احتجاز مرسي ثم محاكمته بتهم هزلية، ثم تم التخلص منه وقتله بشكل بطيء ممنهج، ليتخلص النظام من شرعيته الديمقراطية نهائيا.

بهذا استطاعت أمريكا أن تضع حدا للثورة في مصر وأن تحرفها عن مسارها وغايتها، المتمثلة في إسقاط النظام. فتم لها ما أرادته من إعادة تدوير نفاياتها لتنتج نظاما أكثر قسوة وبشاعة وخيانة وعمالة من سابقه، ومن ثم سلمت زمام الأمور في مصر للجيش بقيادة وزير دفاع مرسي.

الجزء الأول: اضغط هنــا

الجزء الثاني: اضعط هنــا

الجزء الرابع: اضغط هنــا

 الجزء الخامس: اضغط هنـا

 الجزء السادس: اضغط هنـا

الجزء السابع : اضغط هنــا

الجزء الثامن: اضغط هنــا

 الجزء التاسع: اضغط هنـا

الجزء العاشر: اضغط هنـا

 الجزء الحادي عشر: اضعط هنا

 الجزء الثاني عشر: اضغط هنا

 الجزء الثالث عشر:اضغط هنا

الجزء الرابع عشر: اضغط هنا

 الجزء الخامس عشر:اضغط هنا

 الجزء السادس عشر: اضغط هنا

كتبه للمكتب الإعلامي المركزي لحزب التحرير

حامد عبد العزيز

المزيد من القسم null

لا تنخدعوا بالأسماء فالعبرة بالمواقف لا بالأنساب

لا تنخدعوا بالأسماء فالعبرة بالمواقف لا بالأنساب

في كل مرة يُقدَّم لنا "رمز جديد" له جذور مسلمة أو ملامح شرقية، يهلل كثير من المسلمين، وتُبنى الآمال على وهمٍ اسمه "التمثيل السياسي" في نظامٍ كافر لا يعترف بالإسلام حكماً ولا عقيدةً ولا شريعةً.

نذكر جميعاً الفرح العارم الذي اجتاح مشاعر كثيرين عند فوز أوباما في 2008. فهو ابن كينيا، وله أب مسلم! وهنا توهم البعض أن الإسلام والمسلمين باتوا قريبين من النفوذ الأمريكي، لكن أوباما كان أحد أكثر الرؤساء إيذاءً للمسلمين فقد دمر ليبيا، وساهم في مأساة سوريا، وأشعل أفغانستان والعراق بطائراته وجنوده، بل كان سفاك الدماء في اليمن عبر أدواته وكان عهده استمراراً لعداء ممنهج ضد الأمة.

واليوم يتكرر المشهد، لكن بأسماء جديدة. فـزوهران ممداني يُحتفى به لأنه مسلم ومهاجر وشاب، وكأنه المنقذ! لكن قليلين فقط ينظرون إلى مواقفه السياسية والفكرية. هذا الرجل من الداعمين الأشداء للشواذ المثليين، ومشارك في فعالياتهم، ويعتبر انحرافهم حقوقاً إنسانية!

أي خزي هذا يُعلق عليه الناس آمالاً؟! ألم يكن تكراراً للخيبة السياسية والفكرية نفسها التي وقعت فيها الأمة مراراً وتكراراً؟! نعم لأنها تُفتن بالشكل لا بالجوهر! تُخدع بالابتسامات، وتتعامل بالعاطفة لا بالعقيدة، وبالأسماء لا بالمفاهيم، وبالرموز لا بالمبادئ!

إن هذا الانبهار بالأشكال والأسماء نتيجة غياب الوعي السياسي الشرعي، لأن الإسلام لا يقاس بالأصل أو الاسم أو العرق، بل بالالتزام بمبدأ الإسلام كاملاً؛ نظاماً وعقيدةً وشريعةً. ولا قيمة لمسلم لا يحكم بالإسلام ولا ينصره، بل يخضع للنظام الرأسمالي الكافر، ويبرر الكفر والانحرافات باسم "الحرية".

وليعلم جميع المسلمين الذين فرحوا بفوزه وظنّوا أنه بذرة خير أو بداية نهوض، أن النهوض لا يكون من داخل أنظمة الكفر، ولا بأدواتها، ولا عبر صناديق اقتراعها، ولا تحت سقف دساتيرها.

فمن يُقدّم نفسه عبر النظام الديمقراطي، ويقسم على احترام قوانينه، ثم يدافع عن الشذوذ الجنسي ويحتفل به، ويدعو إلى ما يغضب الله، فهو ليس نصيراً للإسلام ولا أملاً للأمة، بل هو أداة تلميع وتمييع، وتمثيل مزيّف لا يُقدّم ولا يؤخر.

إن ما تسمى النجاحات السياسية في الغرب لبعض الشخصيات ذات الأسماء الإسلامية، ما هي إلا فُتات يُقدَّم كمسكنات للأمة، ليقال لها: انظروا، التغيير ممكن عبر أنظمتنا.

 فما حقيقة هذا "التمثيل"؟

الغرب لا يفتح أبواب الحكم للإسلام، بل يفتحها فقط لمن يتماهى مع قيمه وأفكاره. وأي شخص يدخل نظامهم لا بد أن يقبل بدستورهم، وبقوانينهم الوضعية، وأن يتنكر لحكم الإسلام، فإن رضي بذلك، أصبح نموذجاً مقبولاً، أما المسلم الحق، فهو مرفوض عندهم من جذوره.

فمن هو زهران ممداني؟ ولماذا يُصنع هذا الوهم؟

هو شخص يحمل اسماً مسلماً لكنه متبنٍ لأجندة منحرفة مخالفة تماماً لفطرة الإسلام، من دعم المثليين، والترويج لما يُسمى بـ"حقوقهم"، وهو نموذج حي لكيف يصنع الغرب نماذجه: مسلم بالاسم، علماني بالفعل، خادم لأجندة الليبرالية الغربية لا أكثر. بل لإشغال الأمة عن طريقها الحقيقي، فبدل أن تطالب بدولة الإسلام والخلافة، تنشغل بالمقاعد النيابية والمناصب في أنظمة كفر! وبدل أن تتوجه لتحرير فلسطين، تنتظر مَن "يدافع عن غزة" من داخل الكونغرس الأمريكي أو البرلمان الأوروبي!

فحقيقة الأمر أن هذا تشويه لطريق التغيير الحقيقي، وهو إقامة الخلافة الراشدة على منهاج النبوة، التي تُعلي راية الإسلام، وتقيم شرع الله، وتوحد الأمة خلف خليفة واحد يُقاتل من ورائه ويُتقى به.

فلا تنخدعوا بالأسماء، ولا تفرحوا بمن ينتمي لكم شكلاً ويخالفكم مضموناً، فليس كل من حمل اسم سعيد أو علي أو زهران هو على طريق نبينا محمد ﷺ.

واعلموا أن التغيير لا يأتي من داخل برلمانات الكفر، بل من جيوش الأمة التي آن لها أن تتحرك، ومن شبابها الواعين الذين يعملون ليلا ونهارا لقلب الطاولة على رؤوس الغرب وأعوانه وأتباعه الخائنين في بلاد الإسلام والمسلمين.

فالمسلمون لن ينهضوا عبر انتخابات الديمقراطية ولا من خلال صناديق الغرب، بل بنهضة حقيقية على أساس العقيدة الإسلامية، بإقامة دولة الخلافة الراشدة التي تُعيد للإسلام مكانته، وللمسلمين عزّتهم، وتحطم أوهام الديمقراطية.

لا تنخدعوا بالأسماء، ولا تعلقوا آمالكم على أفراد في أنظمة كفر، بل ارجعوا إلى مشروعكم العظيم: استئناف الحياة الإسلامية، فهذا وحده طريق العزة والنصر والتمكين.

فالمشهد تكرار مُهين لمآسٍ قديمة: رموز مزيفة، وولاء للأنظمة الغربية، وانحراف عن طريق الإسلام. وكل من يُصفّق لهذا المسار، إنما يضلل الأمة. فعودوا إلى مشروع الخلافة، ولا تجعلوا أعداء الإسلام يصنعون لكم قادتكم وممثليكم. فالعزة ليست في مقاعد الديمقراطية، بل في سدة الخلافة التي يعمل لها حزب التحرير ويُحذر الأمة من هذا الانحدار الفكري والسياسي. فلا خلاص لنا إلا بدولة الخلافة، التي لا تسمح بأن يحكم المسلمين من يدين بدين غير الإسلام، ولا بمن يبرر الشذوذ والانحراف، ولا بمن يُشرّع للناس غير ما أنزل الله.

كتبه لإذاعة المكتب الإعلامي المركزي لحزب التحرير

عبد المحمود العامري – ولاية اليمن

مصر بين الشعارات الحكومية والواقع المرّ  الحقيقة الكاملة عن الفقر، والسياسات الرأسمالية

مصر بين الشعارات الحكومية والواقع المرّ

الحقيقة الكاملة عن الفقر، والسياسات الرأسمالية

نقلت بوابة الأهرام الثلاثاء 4 تشرين الثاني/نوفمبر 2025م، أن رئيس الوزراء المصري، في كلمة ألقاها نيابةً عن الرئيس في القمة العالمية الثانية للتنمية الاجتماعية في العاصمة القطرية الدوحة، قال إنّ مصر تطبّق نهجاً شاملاً للقضاء على الفقر في جميع أشكاله وأبعاده، بما في ذلك "الفقر متعدد الأبعاد".

منذ سنوات، لا يكاد يخلو خطاب رسمي في مصر من عباراتٍ مثل "نهج شامل للقضاء على الفقر" و"الانطلاقة الحقيقية للاقتصاد المصري". يكرّر المسؤولون هذه الشعارات في المؤتمرات والمناسبات، مصحوبة بصور براقة لمشروعات استثمارية وفنادق ومنتجعات. لكن الواقع، كما تشهد عليه التقارير الدولية، مختلف تماماً. فالفقر في مصر ما زال ظاهرةً راسخة، بل متفاقمة، رغم الوعود الحكومية المتكرّرة بالتحسن والنهضة.

بحسب تقارير اليونيسف والإسكوا وبرنامج الغذاء العالمي لعامي 2024 و2025، يعيش نحو واحد من كل خمسة مصريين في فقرٍ متعدد الأبعاد، أي محروم من أكثر من جانب من جوانب الحياة الأساسية كالتعليم والصحة والسكن والعمل والخدمات. كما تؤكد البيانات أن أكثر من 49% من الأسر تعاني من صعوبات في الحصول على غذاء كافٍ، وهو رقم صادم يعكس عمق الأزمة المعيشية.

أما الفقر المالي، أي انخفاض الدخل مقارنة بتكاليف المعيشة، فقد ارتفع بصورة حادة، نتيجة موجات التضخم المتلاحقة التي أكلت أجور الناس وجهودهم ومدخراتهم، حتى أصبحت نسبة كبيرة من المصريين تحت خط الفقر المالي رغم عملهم الدائم.

وبينما تتحدث الحكومة عن مبادرات مثل "تكافل وكرامة" و"حياة كريمة"، تكشف الأرقام الدولية أن هذه البرامج لم تغيّر بنية الفقر جذرياً، بل اقتصرت على مسكّنات مؤقتة أشبه بالقطرة التي تُسكب في صحراء. فما زال الريف المصري الذي يقطنه أكثر من نصف السكان، يعاني من ضعف الخدمات وانعدام فرص العمل اللائق وتهالك البنية الأساسية. ويؤكد تقرير الإسكوا أن الحرمان في الريف يفوق نظيره في المدن بعدة أضعاف، ما يدل على سوء توزيع الثروة والإهمال المزمن للأطراف.

حين يشكر رئيسُ الوزراء ابنَ البلد "الذي تحمّل مع الحكومة إجراءات الإصلاح الاقتصادي"، فإنه في الواقع يُقرّ بوجود معاناة حقيقية ناتجة عن تلك السياسات. غير أن هذا الاعتراف لا يتبعه تغيير في المنهج، بل مزيد من السير في الطريق الرأسمالي نفسه الذي سبّب الأزمة.

فالإصلاح المزعوم الذي بدأ عام 2016 ببرنامج "التعويم" ورفع الدعم وزيادة الضرائب، لم يكن إصلاحاً بل تحميلاً للفقراء كلفة الديون والعجز. وفي الوقت الذي يتحدث فيه المسؤولون عن "الانطلاقة"، تتجه الاستثمارات الضخمة إلى العقارات الفاخرة والمشروعات السياحية التي تخدم أصحاب رؤوس الأموال، بينما لا يجد ملايين الشباب فرصاً للعمل أو السكن. بل إن كثيراً من هذه المشاريع، كمنطقة علم الروم في مطروح التي تُقدّر استثماراتها بـ29 مليار دولار، هي شراكات رأسمالية أجنبية تستحوذ على الأراضي والثروات وتحوّلها إلى مصدر ربح للمستثمرين، لا مصدر رزق للناس.

النظام يفشل ليس لأنه فاسد فحسب، بل لأنه يسير على أساسٍ فكريٍّ باطلٍ هو النظام الرأسمالي، الذي يجعل المال محوراً لكل سياسات الدولة. فالرأسمالية تقوم على حرية التملك المطلقة، وتسمح بتكديس الثروة في يد القلة التي تملك أدوات الإنتاج، فيما تتحمل الكثرة عبء الضرائب والأسعار والدَّين العام.

ولهذا، فإن كل ما يُسمى "برامج حماية اجتماعية" ما هو إلا محاولة لتجميل وجه الرأسمالية الوحشي، وإطالة عمر نظامٍ جائرٍ يراعي الأغنياء ويجبي من الفقراء. فبدلاً من معالجة أصل الداء؛ أي احتكار الثروة وتبعية الاقتصاد للمؤسسات الدولية، يُكتفى بتوزيع فتات من الإعانات النقدية، لا ترفع فقراً ولا تحفظ كرامة.

إن الرعاية ليست منّةً من الحاكم على الرعية، بل واجب شرعي، ومسؤولية يحاسبه الله عليها في الدنيا والآخرة. وما يجري اليوم، هو إهمال متعمّد لشؤون الناس، وتخلٍّ عن واجب الرعاية لصالح قروضٍ مشروطة من صندوق النقد والبنك الدوليين.

لقد أصبحت الدولة وسيطاً بين الفقير والدائن الأجنبي، تفرض الضرائب وتقلّص الدعم وتبيع الممتلكات العامة لسدّ عجزٍ متضخم صنعه النظام الرأسمالي نفسه. وفي هذا كله تغيب المفاهيم الشرعية التي تضبط الاقتصاد، كتحريم الربا، ومنع تملك الثروات العامة للأفراد، ووجوب النفقة على الرعية من بيت مال المسلمين.

لقد قدم الإسلام نظاماً اقتصادياً متكاملاً يعالج الفقر من جذوره، لا بمجرد دعمٍ نقدي أو مشروعات تجميلية. هذا النظام يقوم على أسسٍ شرعيةٍ ثابتة أبرزها:

1- تحريم الربا والديون الربوية التي تُكبّل الدولة وتستنزف مواردها، فبزوال الربا تزول تبعية الاقتصاد للمؤسسات الدولية، وتُعاد السيادة المالية للأمة.

2- جعل الملكيات ثلاثة أنواع:

ملكية فردية: كالبيوت والمتاجر والمزارع الخاصة...

ملكية عامة: تشمل الثروات الكبرى كالنفط والغاز والمعادن والمياه...

ملكية دولة: كأراضي الفيء والركاز والخراج...

وبهذا التوزيع تتحقق العدالة، إذ تُمنع فئة قليلة من احتكار موارد الأمة.

3- ضمان الكفاية لكل فرد من الرعية: فالدولة تضمن لكل إنسان في رعايتها حاجاته الأساسية من مأكل وملبس ومسكن، فإن عجز عن العمل وجب على بيت المال أن ينفق عليه.

4- الزكاة والإنفاق الإلزامي: الزكاة ليست إحساناً بل فريضة، تجمعها الدولة وتصرفها في مصارفها الشرعية للفقراء والمساكين والغارمين. وهي أداة توزيع فعّالة تعيد الأموال إلى دورة الحياة في المجتمع.

مع التحفيز على العمل المنتج ومنع الاستغلال، والحثّ على استثمار الموارد في مشاريع نافعة حقيقية كالصناعات الثقيلة والحربية لا في المضاربات والعقارات الفاخرة والمشاريع الوهمية. إلى جانب ضبط الأسعار بالعرض والطلب الحقيقيين لا بالاحتكار ولا بالتعويم.

إن دولة الخلافة على منهاج النبوة هي وحدها القادرة على تطبيق هذه الأحكام عملياً، لأنها تُبنى على أساس العقيدة الإسلامية، ويكون هدفها رعاية شؤون الناس لا جباية أموالهم. ففي ظل الخلافة، لا يوجد ربا ولا قروض مشروطة، ولا بيع للثروات العامة للأجانب، بل تُدار الموارد بما يحقق مصلحة الأمة، ويتولى بيت المال تمويل الرعاية الصحية والتعليم والمرافق العامة من موارد الدولة والخراج والأنفال والملكية العامة.

أما الفقراء، فتُكفل حاجاتهم الأساسية فرداً فرداً، لا عبر صدقات مؤقتة بل كحقٍّ شرعي مضمون. ولذا فإن محاربة الفقر في الإسلام ليست شعاراً سياسياً، بل نظام حياة متكامل يُقيم العدل ويمنع الظلم ويعيد الثروة إلى أهلها.

ما بين الخطاب الرسمي والواقع المعاش مسافةٌ هائلة لا تخفى على أحد. فبينما تتغنّى الحكومة بمشروعاتها "العملاقة" وبـ"الانطلاقة الحقيقية"، يعيش ملايين المصريين تحت خط الفقر، يعانون الغلاء والبطالة وانعدام الأمل. والحقيقة أن هذه المعاناة لن تزول ما دامت مصر تسير في طريق الرأسمالية، تُسلِّم اقتصادها للمرابين وتخضع لسياسات المؤسسات الدولية.

إن أزمات ومشكلات مصر هي مشكلات إنسانية وليست مادية، وتتعلق بها أحكام شرعية تبين كيفية التعامل معها وعلاجها على أساس الإسلام، وإن الحلول أسهل من غض الطرف لكنها تحتاج إدارة مخلصة تملك إرادة حرة تريد السير في الطريق الصحيح وتريد الخير لمصر وأهلها حقا، وحينها على هذه الإدارة أن تراجع كل العقود التي أبرمت سابقا والتي تبرم مع كل الشركات التي تحتكر أصول البلاد وما هو من ملكياتها العام وعلى رأسها شركات التنقيب عن الغاز والنفط والذهب وباقي المعادن والثروات، وتطرد كل تلك الشركات لأنها في الأصل شركات استعمارية ناهبة لثروات البلاد، ثم تصوغ عهدا جديدا يقوم على تمكين الناس من ثروات البلاد وإنشاء أو استئجار شركات تقوم هي على إنتاج الثروة من منابع النفط والغاز والذهب وغيرها من المعادن وتعيد توزيع هذه الثروات على الناس من جديد، حينها سيتمكن الناس من زراعة الأرض الموات التي ستمكنهم الدولة من استغلالها بحقهم فيها، وسيتمكنون أيضا من صناعة ما يجب أن يصنع ليرتفع باقتصاد مصر ويكفي أهلها، وستدعمهم الدولة في هذا السبيل، وإن كل هذا ليس ضربا من الخيال ولا مستحيل الحدوث ولا مشروعا نعرضه للتجربة قد ينجح أو يفشل، وإنما هي أحكام شرعية لازمة ملزمة للدولة والرعية، فلا يجوز للدولة أن تفرط في ثروات البلاد التي هي ملك للناس بدعوى عقود أقرتها وأيدتها وتحميها قوانين دولية جائرة، ولا يجوز لها أن تمنع الناس منها بل يجب أن تقطع كل يد تمتد ناهبة إلى ثروات الناس، هذا ما يقدمه الإسلام ويجب تنفيذه، إلا أنه لا يطبق بمعزل عن باقي أنظمة الإسلام بل إنه لا يطبق إلا من خلال دولة الخلافة الراشدة على منهاج النبوة، هذه الدولة التي يحمل همها والدعوة إليها حزب التحرير ويدعو مصر وأهلها شعبا وجيشا إلى العمل معه من أجلها، عسى الله أن يكتب الفتح من عنده فنراها واقعا يعز الإسلام وأهله، اللهم عاجلا غير آجل.

﴿وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرَىٰ آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَفَتَحْنَا عَلَيْهِم بَرَكَاتٍ مِّنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ﴾

كتبه للمكتب الإعلامي المركزي لحزب التحرير

سعيد فضل

عضو المكتب الإعلامي لحزب التحرير في ولاية مصر