في الذكرى العاشرة للثورة  (5)  ثورة 25 يناير ... في خبر كان؟
January 27, 2021

في الذكرى العاشرة للثورة (5) ثورة 25 يناير ... في خبر كان؟

في الذكرى العاشرة للثورة

(5)

ثورة 25 يناير ... في خبر كان؟

أراد السيسي بإيعاز من أمريكا أن يعطي حركته الانقلابية زخما شعبيا، فأخرجت المخابرات الناس إلى الشوارع في 30 حزيران/يونيو 2013م، بترتيب محكم، ثم خدعوا البعض فقالوا لهم إن ما قمنا به ليس انقلابا، بل ثورة جديدة لتصحح مسار ثورة 25 يناير، فصدقهم البعض، وخدعوهم فقالوا إننا نريد خلع نفوذ أمريكا من مصر، فبارك عملهم كثيرون، ثم قالوا إننا سنشن حربا على الإرهاب المحتمل ففوِّضونا لنقوم بذلك، فخرج الكثيرون ليعطوا السيسي ما أراده من تفويض، وعلى إثر ذلك بدأت آلة السيسي القمعية في التنكيل بالمتظاهرين والمعتصمين فكانت مجزرتا رابعة والنهضة، ولبشاعة ما حصل فقد ادعى إعلام السيسي أن المعتصمين من الإخوان ومناصريهم يقتل بعضهم بعضا ليَظهروا في صورة الضحايا، ليدخل الإعلام المصري في ممارسة أحط أنواع التغطية الإعلامية التي لا مثيل لها، وليسمع الناس دعوات منحطة لقتل الناس من الإعلاميين الأرذال وبعض المشايخ الذين باعوا أنفسهم للشيطان. ثم بدأت عملية تبرئة مبارك وزبانيته، وفي المقابل تكدست السجون وتم بناء سجون جديدة لتستوعب الأعداد الضخمة من المعارضين الذين كانوا في أغلبيتهم من أبناء التيار الإسلامي، وبدأت عملية الاختفاء القسري والقتل خارج إطار القانون.

قضاء "نزيه وشريف" يبرئ ساحة مبارك الذي أجرم في حق الشعب المصري ثلاثين سنة، ويحاكم مرسي بتهمة قتل المتظاهرين، بينما وزير داخليته محمد إبراهيم، وهو أداة القتل المفترضة، بقي في منصبه في ظل حكومة الانقلاب – الثورة، لفترة طويلة من الزمن. لا شك أنها كانت خطة ممنهجة لإعادة الأمور إلى ما قبل 25 يناير، لقد كانت خطة ممنهجة جعلت ثورة 25 يناير في خبر كان، خطة ممنهجة نفذت عقوبات جماعية لكل من شارك في ثورة 25 يناير إما بالقتل أو الاعتقال والتعذيب، تماماً كما فعل النظام الجزائري بعد الانقلاب على الجبهة الإسلامية للإنقاذ، حيث قام بعقاب المناطق التي أعطت أصواتها للجبهة في الانتخابات التشريعية بارتكاب المجازر في أهلها عن طريق فرق الموت التي استأجرها الانقلابيون، في عمل مخابراتي قذر اتضحت معالمه بعد ذلك، حيث كانت المخابرات الجزائرية تقوم بالأعمال الإرهابية وتنسبها للإسلاميين لتوجد المبرر لقتلهم واعتقالهم.

لقد كانت 30 يونيو بحق ردّةً حقيقية على مساحة (الحرية) التي وفرتها ثورة 25 يناير، وعودة فجة للدولة البوليسية المخابراتية، التي تَعُدّ أنفاس الناس، وتراقب كل حركاتهم وسكناتهم، وتهم الإدانة جاهزة وملفقة، دولة تحكمها قوانين الطوارئ سيئة السمعة وقوانين مكافحة الإرهاب، دولة تُؤمِّن يهود وتنسق معهم، وتتعاون معهم حتى لو تعلق الأمر بقتل أبناء الأمة، ولا تخشى أن يُردِّد على مسامعها أحد أن هذا حلال وهذا حرام. إنها عودة ارتدادية لدولة الإعلام الموجه التي تقود الناس معصوبي الأعين لما تريد، يحشون عقول الناس بالترهات والخرافات، إعلام يُقدس القائد، ويجعل منه بطلا "قوميا" ولو كان يقاتل طواحين الهواء، فبطولاته المزيفة حقائق لا تقبل الشك! ولعله من المفارقات الكبرى تشبيه السيسي قائد الانقلاب بالمقبور عبد الناصر، الذي ضاعت على يديه سيناء والضفة الغربية وقطاع غزة والجولان والسودان من قبل، وبرغم ذلك استطاع الإعلام الناصري أن يخرج الناس إلى الشوارع يهتفون بحياة عبد الناصر ويطالبونه بعدم التنحي بدلا من أن يطالبوا بمحاكمته على تفريطه! وها هو السيسي يفرط في مقدرات مصر بالتنازل عن جزيرتي تيران وصنافير والتفريط في مياه مصر الاقتصادية وفي مياه النيل، بينما الإعلام الممسوك من المخابرات يتكلم عن إنجازات السيسي التي لا يراها أحد سواهم. بل وأكثر من ذلك يصف إعلام الانقلابيين الدكتور البرادعي، شريكهم في الانقلاب، بالخائن خيانة عظمى، لأنه رفض فض الاعتصامات بهذه الوحشية، وتتم إقالة مدير شركة المقاولين العرب من منصبه لأنه شهد عليهم أنهم من تسبب بحرق مقر الشركة في رمسيس أثناء التظاهرات، ويُعتقل صحفي أصابته قوى الجيش، وقتلت زميله في سيارته لأنه لم يسكت ولم يتكتم على جريمتهم.

ولقد رأينا في المشهد من أطلقوا على أنفسهم أنهم ثوار بالأمس، يباركون القتل، ولا يحركون ساكنا وهم يرون حكومة مؤقتة وكأنها حكومة لجنة سياسات الحزب الوطني المنحل، ثوار قالوا عن أنفسهم أحرار، وأنهم عازمون على إكمال المشوار، فإذا بنا نراهم على موائد اللئام، يطلبون ودّهم ويحلفون بحياتهم! إنهم ليسوا ثوارا، ولا هم أحراراً، ومشوارهم الذي يريدون إكماله هو إتمام علمنة الدولة، والمشاركة في الحرب على الإسلام، تحت ذريعة الحرب على (الإرهاب).

هذا المشهد الهزلي الذي رأيناه بعد الانقلاب لا يمكن قراءته بمعزل عن الفترة التي حكم فيها الدكتور مرسي، الذي ظل عاما كاملا يردد على مسامعنا احترامه لحرية الإعلام وأنه لن يقصف قلما ولن يغلق قناة، فكان هذا الإعلام الأداة التي ألقت به خارج السلطة، ورمت به وراء القضبان، والذي ترك مؤسسات دولة مبارك تحفر له الحفرة التي وقع فيها، ومن ثم خرج من السلطة بعد عام لم يطبق حكما واحدا من أحكام الإسلام، بل عمق علمانية الدولة، وجعل منها غولا مخيفا، في وجه الإسلام وحملة الدعوة!

كما لا يمكننا إنكار أن هؤلاء الانقلابيين نجحوا في تشويه صورة حملة الدعوة عند قطاع كبير من أبناء الشعب المصري، وهذا ما ساعدهم مرحليا على إطالة أمد انقلابهم، ريثما يعود للناس رشدهم ويدركوا أنهم قد خُدعوا، فيرجعوا إلى أنفسهم، حين يرون أبناءهم وإخوانهم وأخواتهم وآباءهم وأمهاتهم وهم يُقتلون أو يسجنون بلا جريرة ارتكبوها، أو يختفون قسريا.

من استطاع أن يكذب بعض الوقت، لم يستطع أن يكذب كل الوقت، فقد تبين للكثيرين ممن أيدوا الانقلاب خطأ موقفهم، بل إن منهم من نال جزاءه على يد السيسي ونظامه، حتى الإسلاميون الذين دخلوا اللعبة الديمقراطية، وظنوا أنها طريقتهم المثلى للوصول إلى الحكم، سيرجعون إلى أنفسهم ليدركوا أنهم كانوا تائهين ضائعين، يتوهمون السراب حقيقة، وسيدركون أن الدرب من هنا، من سيرة المصطفى ﷺ، ذلك الطريق الذي دللناهم عليه مرارا وتكرارا، ولكنهم لم يستجيبوا لنا، إلا بعد أن ضُربوا على رؤوسهم. سيدرك هؤلاء أن الخلافة هي الملاذ وهي النظام الذي يجب أن يؤسسوا له، وأن ما حدث في 3 تموز/يوليو أعادهم إلى أنفسهم وإلى شرع ربهم، وما حدث بعد ذلك اليوم من قتل وحرق واعتقال، كان كاشفا فاضحا لشخصيات وعلماء وحركات. قال تعالى: ﴿لِيَمِيزَ اللَّهُ الْخَبِيثَ مِنَ الطَّيِّبِ وَيَجْعَلَ الْخَبِيثَ بَعْضَهُ عَلَىَ بَعْضٍ فَيَرْكُمَهُ جَمِيعاً فَيَجْعَلَهُ فِي جَهَنَّمَ أُوْلَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ﴾ [الأنفال: 37]

قد تكون ثورة 25 يناير في خبر كان في ذكراها العاشرة، ولكن ستولد ثورة من جديد تختلف عما قبلها، تعيد للأمة عزتها وكرامتها، فتكنس أنظمة الكفر وتلقي بها في واد سحيق، ولن يرضى الناس بعد ذلك عن الخلافة بديلا، وبغير شرع الله حكما، وحينها ستكون الأمة على السكة الصحيحة.

إننا نُدرك أن نصرَ الله آتٍ، وندرك أن نصرَ الله لا يأتي إلا بعد إخلاصٍ وعملٍ وتضحيةٍ، كما أننا ندرك أن الله ابتلى من هم أفضل منا من رُسُله عليهم السلام وأتباع رُسُله رضي الله عنهم، وما أمر رسولنا محمد ﷺ وصحبه عنا ببعيد ولا غريب، فقد عانوا ما عانوا، وذاقوا المــُـرَّ لما ثبتوا عليه من طريق الحق، حتى أكرمهم الله بدولةٍ أعز الله بها الإسلام وأهله، وكانت بحق رحمة لكل البشر.

الجزء الأول: اضغط هنــا

الجزء الثاني: اضغط هنــا

الجزء الثالث: اضغط هنـا

الجزء الرابع: اضغط هنـا

 الجزء السادس: اضغط هنـا

الجزء السابع : اضغط هنــا

الجزء الثامن: اضغط هنــا

 الجزء التاسع: اضغط هنـا

الجزء العاشر: اضغط هنـا

 الجزء الحادي عشر: اضعط هنا

الجزء الثاني عشر: اضغط هنا

 الجزء الثالث عشر:اضغط هنا

الجزء الرابع عشر: اضغط هنا

 الجزء الخامس عشر:اضغط هنا

الجزء السادس عشر: اضغط هنا

كتبه للمكتب الإعلامي المركزي لحزب التحرير

حامد عبد العزيز

المزيد من القسم null

لا تنخدعوا بالأسماء فالعبرة بالمواقف لا بالأنساب

لا تنخدعوا بالأسماء فالعبرة بالمواقف لا بالأنساب

في كل مرة يُقدَّم لنا "رمز جديد" له جذور مسلمة أو ملامح شرقية، يهلل كثير من المسلمين، وتُبنى الآمال على وهمٍ اسمه "التمثيل السياسي" في نظامٍ كافر لا يعترف بالإسلام حكماً ولا عقيدةً ولا شريعةً.

نذكر جميعاً الفرح العارم الذي اجتاح مشاعر كثيرين عند فوز أوباما في 2008. فهو ابن كينيا، وله أب مسلم! وهنا توهم البعض أن الإسلام والمسلمين باتوا قريبين من النفوذ الأمريكي، لكن أوباما كان أحد أكثر الرؤساء إيذاءً للمسلمين فقد دمر ليبيا، وساهم في مأساة سوريا، وأشعل أفغانستان والعراق بطائراته وجنوده، بل كان سفاك الدماء في اليمن عبر أدواته وكان عهده استمراراً لعداء ممنهج ضد الأمة.

واليوم يتكرر المشهد، لكن بأسماء جديدة. فـزوهران ممداني يُحتفى به لأنه مسلم ومهاجر وشاب، وكأنه المنقذ! لكن قليلين فقط ينظرون إلى مواقفه السياسية والفكرية. هذا الرجل من الداعمين الأشداء للشواذ المثليين، ومشارك في فعالياتهم، ويعتبر انحرافهم حقوقاً إنسانية!

أي خزي هذا يُعلق عليه الناس آمالاً؟! ألم يكن تكراراً للخيبة السياسية والفكرية نفسها التي وقعت فيها الأمة مراراً وتكراراً؟! نعم لأنها تُفتن بالشكل لا بالجوهر! تُخدع بالابتسامات، وتتعامل بالعاطفة لا بالعقيدة، وبالأسماء لا بالمفاهيم، وبالرموز لا بالمبادئ!

إن هذا الانبهار بالأشكال والأسماء نتيجة غياب الوعي السياسي الشرعي، لأن الإسلام لا يقاس بالأصل أو الاسم أو العرق، بل بالالتزام بمبدأ الإسلام كاملاً؛ نظاماً وعقيدةً وشريعةً. ولا قيمة لمسلم لا يحكم بالإسلام ولا ينصره، بل يخضع للنظام الرأسمالي الكافر، ويبرر الكفر والانحرافات باسم "الحرية".

وليعلم جميع المسلمين الذين فرحوا بفوزه وظنّوا أنه بذرة خير أو بداية نهوض، أن النهوض لا يكون من داخل أنظمة الكفر، ولا بأدواتها، ولا عبر صناديق اقتراعها، ولا تحت سقف دساتيرها.

فمن يُقدّم نفسه عبر النظام الديمقراطي، ويقسم على احترام قوانينه، ثم يدافع عن الشذوذ الجنسي ويحتفل به، ويدعو إلى ما يغضب الله، فهو ليس نصيراً للإسلام ولا أملاً للأمة، بل هو أداة تلميع وتمييع، وتمثيل مزيّف لا يُقدّم ولا يؤخر.

إن ما تسمى النجاحات السياسية في الغرب لبعض الشخصيات ذات الأسماء الإسلامية، ما هي إلا فُتات يُقدَّم كمسكنات للأمة، ليقال لها: انظروا، التغيير ممكن عبر أنظمتنا.

 فما حقيقة هذا "التمثيل"؟

الغرب لا يفتح أبواب الحكم للإسلام، بل يفتحها فقط لمن يتماهى مع قيمه وأفكاره. وأي شخص يدخل نظامهم لا بد أن يقبل بدستورهم، وبقوانينهم الوضعية، وأن يتنكر لحكم الإسلام، فإن رضي بذلك، أصبح نموذجاً مقبولاً، أما المسلم الحق، فهو مرفوض عندهم من جذوره.

فمن هو زهران ممداني؟ ولماذا يُصنع هذا الوهم؟

هو شخص يحمل اسماً مسلماً لكنه متبنٍ لأجندة منحرفة مخالفة تماماً لفطرة الإسلام، من دعم المثليين، والترويج لما يُسمى بـ"حقوقهم"، وهو نموذج حي لكيف يصنع الغرب نماذجه: مسلم بالاسم، علماني بالفعل، خادم لأجندة الليبرالية الغربية لا أكثر. بل لإشغال الأمة عن طريقها الحقيقي، فبدل أن تطالب بدولة الإسلام والخلافة، تنشغل بالمقاعد النيابية والمناصب في أنظمة كفر! وبدل أن تتوجه لتحرير فلسطين، تنتظر مَن "يدافع عن غزة" من داخل الكونغرس الأمريكي أو البرلمان الأوروبي!

فحقيقة الأمر أن هذا تشويه لطريق التغيير الحقيقي، وهو إقامة الخلافة الراشدة على منهاج النبوة، التي تُعلي راية الإسلام، وتقيم شرع الله، وتوحد الأمة خلف خليفة واحد يُقاتل من ورائه ويُتقى به.

فلا تنخدعوا بالأسماء، ولا تفرحوا بمن ينتمي لكم شكلاً ويخالفكم مضموناً، فليس كل من حمل اسم سعيد أو علي أو زهران هو على طريق نبينا محمد ﷺ.

واعلموا أن التغيير لا يأتي من داخل برلمانات الكفر، بل من جيوش الأمة التي آن لها أن تتحرك، ومن شبابها الواعين الذين يعملون ليلا ونهارا لقلب الطاولة على رؤوس الغرب وأعوانه وأتباعه الخائنين في بلاد الإسلام والمسلمين.

فالمسلمون لن ينهضوا عبر انتخابات الديمقراطية ولا من خلال صناديق الغرب، بل بنهضة حقيقية على أساس العقيدة الإسلامية، بإقامة دولة الخلافة الراشدة التي تُعيد للإسلام مكانته، وللمسلمين عزّتهم، وتحطم أوهام الديمقراطية.

لا تنخدعوا بالأسماء، ولا تعلقوا آمالكم على أفراد في أنظمة كفر، بل ارجعوا إلى مشروعكم العظيم: استئناف الحياة الإسلامية، فهذا وحده طريق العزة والنصر والتمكين.

فالمشهد تكرار مُهين لمآسٍ قديمة: رموز مزيفة، وولاء للأنظمة الغربية، وانحراف عن طريق الإسلام. وكل من يُصفّق لهذا المسار، إنما يضلل الأمة. فعودوا إلى مشروع الخلافة، ولا تجعلوا أعداء الإسلام يصنعون لكم قادتكم وممثليكم. فالعزة ليست في مقاعد الديمقراطية، بل في سدة الخلافة التي يعمل لها حزب التحرير ويُحذر الأمة من هذا الانحدار الفكري والسياسي. فلا خلاص لنا إلا بدولة الخلافة، التي لا تسمح بأن يحكم المسلمين من يدين بدين غير الإسلام، ولا بمن يبرر الشذوذ والانحراف، ولا بمن يُشرّع للناس غير ما أنزل الله.

كتبه لإذاعة المكتب الإعلامي المركزي لحزب التحرير

عبد المحمود العامري – ولاية اليمن

مصر بين الشعارات الحكومية والواقع المرّ  الحقيقة الكاملة عن الفقر، والسياسات الرأسمالية

مصر بين الشعارات الحكومية والواقع المرّ

الحقيقة الكاملة عن الفقر، والسياسات الرأسمالية

نقلت بوابة الأهرام الثلاثاء 4 تشرين الثاني/نوفمبر 2025م، أن رئيس الوزراء المصري، في كلمة ألقاها نيابةً عن الرئيس في القمة العالمية الثانية للتنمية الاجتماعية في العاصمة القطرية الدوحة، قال إنّ مصر تطبّق نهجاً شاملاً للقضاء على الفقر في جميع أشكاله وأبعاده، بما في ذلك "الفقر متعدد الأبعاد".

منذ سنوات، لا يكاد يخلو خطاب رسمي في مصر من عباراتٍ مثل "نهج شامل للقضاء على الفقر" و"الانطلاقة الحقيقية للاقتصاد المصري". يكرّر المسؤولون هذه الشعارات في المؤتمرات والمناسبات، مصحوبة بصور براقة لمشروعات استثمارية وفنادق ومنتجعات. لكن الواقع، كما تشهد عليه التقارير الدولية، مختلف تماماً. فالفقر في مصر ما زال ظاهرةً راسخة، بل متفاقمة، رغم الوعود الحكومية المتكرّرة بالتحسن والنهضة.

بحسب تقارير اليونيسف والإسكوا وبرنامج الغذاء العالمي لعامي 2024 و2025، يعيش نحو واحد من كل خمسة مصريين في فقرٍ متعدد الأبعاد، أي محروم من أكثر من جانب من جوانب الحياة الأساسية كالتعليم والصحة والسكن والعمل والخدمات. كما تؤكد البيانات أن أكثر من 49% من الأسر تعاني من صعوبات في الحصول على غذاء كافٍ، وهو رقم صادم يعكس عمق الأزمة المعيشية.

أما الفقر المالي، أي انخفاض الدخل مقارنة بتكاليف المعيشة، فقد ارتفع بصورة حادة، نتيجة موجات التضخم المتلاحقة التي أكلت أجور الناس وجهودهم ومدخراتهم، حتى أصبحت نسبة كبيرة من المصريين تحت خط الفقر المالي رغم عملهم الدائم.

وبينما تتحدث الحكومة عن مبادرات مثل "تكافل وكرامة" و"حياة كريمة"، تكشف الأرقام الدولية أن هذه البرامج لم تغيّر بنية الفقر جذرياً، بل اقتصرت على مسكّنات مؤقتة أشبه بالقطرة التي تُسكب في صحراء. فما زال الريف المصري الذي يقطنه أكثر من نصف السكان، يعاني من ضعف الخدمات وانعدام فرص العمل اللائق وتهالك البنية الأساسية. ويؤكد تقرير الإسكوا أن الحرمان في الريف يفوق نظيره في المدن بعدة أضعاف، ما يدل على سوء توزيع الثروة والإهمال المزمن للأطراف.

حين يشكر رئيسُ الوزراء ابنَ البلد "الذي تحمّل مع الحكومة إجراءات الإصلاح الاقتصادي"، فإنه في الواقع يُقرّ بوجود معاناة حقيقية ناتجة عن تلك السياسات. غير أن هذا الاعتراف لا يتبعه تغيير في المنهج، بل مزيد من السير في الطريق الرأسمالي نفسه الذي سبّب الأزمة.

فالإصلاح المزعوم الذي بدأ عام 2016 ببرنامج "التعويم" ورفع الدعم وزيادة الضرائب، لم يكن إصلاحاً بل تحميلاً للفقراء كلفة الديون والعجز. وفي الوقت الذي يتحدث فيه المسؤولون عن "الانطلاقة"، تتجه الاستثمارات الضخمة إلى العقارات الفاخرة والمشروعات السياحية التي تخدم أصحاب رؤوس الأموال، بينما لا يجد ملايين الشباب فرصاً للعمل أو السكن. بل إن كثيراً من هذه المشاريع، كمنطقة علم الروم في مطروح التي تُقدّر استثماراتها بـ29 مليار دولار، هي شراكات رأسمالية أجنبية تستحوذ على الأراضي والثروات وتحوّلها إلى مصدر ربح للمستثمرين، لا مصدر رزق للناس.

النظام يفشل ليس لأنه فاسد فحسب، بل لأنه يسير على أساسٍ فكريٍّ باطلٍ هو النظام الرأسمالي، الذي يجعل المال محوراً لكل سياسات الدولة. فالرأسمالية تقوم على حرية التملك المطلقة، وتسمح بتكديس الثروة في يد القلة التي تملك أدوات الإنتاج، فيما تتحمل الكثرة عبء الضرائب والأسعار والدَّين العام.

ولهذا، فإن كل ما يُسمى "برامج حماية اجتماعية" ما هو إلا محاولة لتجميل وجه الرأسمالية الوحشي، وإطالة عمر نظامٍ جائرٍ يراعي الأغنياء ويجبي من الفقراء. فبدلاً من معالجة أصل الداء؛ أي احتكار الثروة وتبعية الاقتصاد للمؤسسات الدولية، يُكتفى بتوزيع فتات من الإعانات النقدية، لا ترفع فقراً ولا تحفظ كرامة.

إن الرعاية ليست منّةً من الحاكم على الرعية، بل واجب شرعي، ومسؤولية يحاسبه الله عليها في الدنيا والآخرة. وما يجري اليوم، هو إهمال متعمّد لشؤون الناس، وتخلٍّ عن واجب الرعاية لصالح قروضٍ مشروطة من صندوق النقد والبنك الدوليين.

لقد أصبحت الدولة وسيطاً بين الفقير والدائن الأجنبي، تفرض الضرائب وتقلّص الدعم وتبيع الممتلكات العامة لسدّ عجزٍ متضخم صنعه النظام الرأسمالي نفسه. وفي هذا كله تغيب المفاهيم الشرعية التي تضبط الاقتصاد، كتحريم الربا، ومنع تملك الثروات العامة للأفراد، ووجوب النفقة على الرعية من بيت مال المسلمين.

لقد قدم الإسلام نظاماً اقتصادياً متكاملاً يعالج الفقر من جذوره، لا بمجرد دعمٍ نقدي أو مشروعات تجميلية. هذا النظام يقوم على أسسٍ شرعيةٍ ثابتة أبرزها:

1- تحريم الربا والديون الربوية التي تُكبّل الدولة وتستنزف مواردها، فبزوال الربا تزول تبعية الاقتصاد للمؤسسات الدولية، وتُعاد السيادة المالية للأمة.

2- جعل الملكيات ثلاثة أنواع:

ملكية فردية: كالبيوت والمتاجر والمزارع الخاصة...

ملكية عامة: تشمل الثروات الكبرى كالنفط والغاز والمعادن والمياه...

ملكية دولة: كأراضي الفيء والركاز والخراج...

وبهذا التوزيع تتحقق العدالة، إذ تُمنع فئة قليلة من احتكار موارد الأمة.

3- ضمان الكفاية لكل فرد من الرعية: فالدولة تضمن لكل إنسان في رعايتها حاجاته الأساسية من مأكل وملبس ومسكن، فإن عجز عن العمل وجب على بيت المال أن ينفق عليه.

4- الزكاة والإنفاق الإلزامي: الزكاة ليست إحساناً بل فريضة، تجمعها الدولة وتصرفها في مصارفها الشرعية للفقراء والمساكين والغارمين. وهي أداة توزيع فعّالة تعيد الأموال إلى دورة الحياة في المجتمع.

مع التحفيز على العمل المنتج ومنع الاستغلال، والحثّ على استثمار الموارد في مشاريع نافعة حقيقية كالصناعات الثقيلة والحربية لا في المضاربات والعقارات الفاخرة والمشاريع الوهمية. إلى جانب ضبط الأسعار بالعرض والطلب الحقيقيين لا بالاحتكار ولا بالتعويم.

إن دولة الخلافة على منهاج النبوة هي وحدها القادرة على تطبيق هذه الأحكام عملياً، لأنها تُبنى على أساس العقيدة الإسلامية، ويكون هدفها رعاية شؤون الناس لا جباية أموالهم. ففي ظل الخلافة، لا يوجد ربا ولا قروض مشروطة، ولا بيع للثروات العامة للأجانب، بل تُدار الموارد بما يحقق مصلحة الأمة، ويتولى بيت المال تمويل الرعاية الصحية والتعليم والمرافق العامة من موارد الدولة والخراج والأنفال والملكية العامة.

أما الفقراء، فتُكفل حاجاتهم الأساسية فرداً فرداً، لا عبر صدقات مؤقتة بل كحقٍّ شرعي مضمون. ولذا فإن محاربة الفقر في الإسلام ليست شعاراً سياسياً، بل نظام حياة متكامل يُقيم العدل ويمنع الظلم ويعيد الثروة إلى أهلها.

ما بين الخطاب الرسمي والواقع المعاش مسافةٌ هائلة لا تخفى على أحد. فبينما تتغنّى الحكومة بمشروعاتها "العملاقة" وبـ"الانطلاقة الحقيقية"، يعيش ملايين المصريين تحت خط الفقر، يعانون الغلاء والبطالة وانعدام الأمل. والحقيقة أن هذه المعاناة لن تزول ما دامت مصر تسير في طريق الرأسمالية، تُسلِّم اقتصادها للمرابين وتخضع لسياسات المؤسسات الدولية.

إن أزمات ومشكلات مصر هي مشكلات إنسانية وليست مادية، وتتعلق بها أحكام شرعية تبين كيفية التعامل معها وعلاجها على أساس الإسلام، وإن الحلول أسهل من غض الطرف لكنها تحتاج إدارة مخلصة تملك إرادة حرة تريد السير في الطريق الصحيح وتريد الخير لمصر وأهلها حقا، وحينها على هذه الإدارة أن تراجع كل العقود التي أبرمت سابقا والتي تبرم مع كل الشركات التي تحتكر أصول البلاد وما هو من ملكياتها العام وعلى رأسها شركات التنقيب عن الغاز والنفط والذهب وباقي المعادن والثروات، وتطرد كل تلك الشركات لأنها في الأصل شركات استعمارية ناهبة لثروات البلاد، ثم تصوغ عهدا جديدا يقوم على تمكين الناس من ثروات البلاد وإنشاء أو استئجار شركات تقوم هي على إنتاج الثروة من منابع النفط والغاز والذهب وغيرها من المعادن وتعيد توزيع هذه الثروات على الناس من جديد، حينها سيتمكن الناس من زراعة الأرض الموات التي ستمكنهم الدولة من استغلالها بحقهم فيها، وسيتمكنون أيضا من صناعة ما يجب أن يصنع ليرتفع باقتصاد مصر ويكفي أهلها، وستدعمهم الدولة في هذا السبيل، وإن كل هذا ليس ضربا من الخيال ولا مستحيل الحدوث ولا مشروعا نعرضه للتجربة قد ينجح أو يفشل، وإنما هي أحكام شرعية لازمة ملزمة للدولة والرعية، فلا يجوز للدولة أن تفرط في ثروات البلاد التي هي ملك للناس بدعوى عقود أقرتها وأيدتها وتحميها قوانين دولية جائرة، ولا يجوز لها أن تمنع الناس منها بل يجب أن تقطع كل يد تمتد ناهبة إلى ثروات الناس، هذا ما يقدمه الإسلام ويجب تنفيذه، إلا أنه لا يطبق بمعزل عن باقي أنظمة الإسلام بل إنه لا يطبق إلا من خلال دولة الخلافة الراشدة على منهاج النبوة، هذه الدولة التي يحمل همها والدعوة إليها حزب التحرير ويدعو مصر وأهلها شعبا وجيشا إلى العمل معه من أجلها، عسى الله أن يكتب الفتح من عنده فنراها واقعا يعز الإسلام وأهله، اللهم عاجلا غير آجل.

﴿وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرَىٰ آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَفَتَحْنَا عَلَيْهِم بَرَكَاتٍ مِّنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ﴾

كتبه للمكتب الإعلامي المركزي لحزب التحرير

سعيد فضل

عضو المكتب الإعلامي لحزب التحرير في ولاية مصر