في الذكرى العاشرة للثورة  (8)  شعار "الحرب على الإرهاب"؛ السبيل لتثبيت حكم السيسي المعوج
February 07, 2021

في الذكرى العاشرة للثورة (8) شعار "الحرب على الإرهاب"؛ السبيل لتثبيت حكم السيسي المعوج

في الذكرى العاشرة للثورة

(8)

شعار "الحرب على الإرهاب"؛ السبيل لتثبيت حكم السيسي المعوج

بعد الإطاحة بحكم مرسي في 2013/7/3م والتي تم الترتيب لها بإحكام، طلب السيسي، في 2013/7/24م تفويضا من الشعب لمواجهة الإرهاب المحتمل، ورغم قيامه بفض اعتصامي رابعة العدوية والنهضة في 2013/8/14م بناءً على هذا التفويض بطريقة وحشية خلفت مئات بل آلاف القتلى من المعتصمين السلميين، إلا أن ردة الفعل الباهتة لاستنكار تلك المجزرة في الداخل والخارج، جعلت السيسي يدرك أن بوابة وصوله إلى السلطة واستمراره فيها بدعم غربي كبير هي أن يقدم نفسه للغرب باعتباره العصا التي سيستعملها الغرب في الحرب على الإسلام تحت ذريعة الحرب على الإرهاب. ومنذئذ والحديث عن الإرهاب والإرهابيين في وسائل إعلام النظام لم ينقطع، وأصبح هذا اللفظ من أكثر الألفاظ تردادا على ألسنة حكومة الانقلاب والسياسيين المؤيدين له، ومن ثم أصبح هو شعار المرحلة على ألسنة مقدمي البرامج والإعلاميين الذين يشكلون أبواقاً عمياء للحركة الانقلابية.

في 2013/12/25م، أعلنت حكومة البيبلاوي، جماعة الإخوان المسلمين جماعة إرهابية، وذلك بعد يوم من مقتل 16 شخصا في تفجير استهدف مبنى مديرية أمن محافظة الدقهلية شمالي البلاد، وقد تم هذا الإعلان رغم أنه لم تثبت أية دلائل على صلة الجماعة بهذا التفجير، وعلى الرغم من إعلان جماعة ما يسمى بـ"أنصار بيت المقدس" مسئوليتها عنه.

وكان الدكتور حازم البيبلاوي قد أعلن ذلك عبر المتحدث الرسمي باسم مجلس الوزراء بعد وقت قصير من التفجير مما يؤكد النية لاستغلال الحدث في اعتبار الجماعة جماعة إرهابية قانونا. كما قال اللواء هاني عبد اللطيف، المتحدث باسم وزارة الداخلية في تصريحات صحفية في 2013/12/26م، إن وصف جماعة الإخوان المسلمين بجماعة (إرهابية) سيشمل الإعدام لمن يقود مسيرة لها (حتى إن كانت سيدة)، مؤكداً أن من يشارك في أي مسيرة تابعة لها سيعاقب بالسجن خمس سنوات، حسب قوله. وقد كان إعلان جماعة الإخوان جماعة إرهابية هو محاولة لإرهاب كل من يتصدى لسلطة الانقلاب، وهو تنفيذ لنية مبيتة لمحاربة التيار الإسلامي كله ووصمه بتهمة الإرهاب.

وقد أعاد بروز هذا المصطلح على سطح الأحداث في مصر إنتاج نظام مبارك، الذي لم يكن يترك مناسبة إلا ويردد هذا المصطلح ويحاول أن يخوف العالم ويرعبه بوصم أصحاب المشروع الإسلامي به، سواء من كان يتبنى العمل المسلح منهم، أم من يتبع الوسائل السلمية بما فيها قبول الانخراط في العملية الديمقراطية، بل ظل يردد طوال فترة حكمه دعوة العالم لعقد مؤتمر دولي للحرب على (الإرهاب)، وعودة المصطلح بهذه الكثافة على الساحة المصرية كان محاولة من السيسي لاستعداء التيار الإسلامي كله وصناعة حالة من التخويف تجاه من يعمل للإسلام تماما كما كان يفعل مبارك، وكما فعلت أمريكا بعد أحداث 11 أيلول/سبتمبر، عندما رفعت شعار (الحرب على الإرهاب)، وجعلت منه مبررا لاحتلال أفغانستان والعراق، ولقتل كل من يناوئها ويرفض السير في ركابها ممن سمتهم بـ(إرهابيي اليمن وباكستان). لقد أراد السيسي أن يتخفى أيضا وراء هذا الشعار فيقتل ويحرق ويعتقل ويصادر، دون رقيب أو حسيب، خصوصا في ظل قانون الطوارئ الذي تم فرضه والعمل به.

واللافت في الممارسات التي يقوم بها ورثة نظام مبارك أنها تتم تحت شعارات ثورية ترفعها أبواق الانقلاب الإعلامية، فيدعون أنه (لا مكان للإرهاب) في مصر، بينما هم يمارسونه صباح مساء، ويتشدقون بمقولة (نعم لدولة القانون)، وهم يتجاوزونه في جُلّ تصرفاتهم، ينادون بـ(دستور لكل المصريين) ويضعون فصيلا منهم في السجون، يطالبون بـ(عدم الإقصاء) بينما لا مكان لمن لم يعترف بما ترتب على ما أسموه بـ(ثورة 30 يونيو)، وهلم جرّاً...

وما زال الإعلام المصري الذي سيطر عليه السيسي يمارس التحريض على الإسلام تحت المسمى الموهوم نفسه (الإرهاب). فقد أصبح إعلاما موجها بتوجيه من المخابرات، حيث تم من اللحظة الأولى للانقلاب غلق كل قناة إعلامية قد يُشتمّ منها رائحة التحريض ضد الانقلابيين. ثم تمت السيطرة بشكل تام على كل وسائل الإعلام المسموع والمقروء والمرئي، فلا يقال أو ينشر إلا ما يريده النظام، وأصبحت تهمة نشر أخبار كاذبة مسلطة على رقاب كل من يكتب أو ينشر أي خبر أو معلومة ولو كانت مؤكدة مائة في المائة، إلا أنها ليست على هوى النظام. وأصبحت وسائل التواصل (الاجتماعي) مراقبة من قبل الأجهزة الأمنية.

لقد ابتدأ السيسي نظامه برفع شعار (الحرب على الإرهاب)، واتخذ نهج سياسة تجفيف منابع (الإرهاب) مبدأً أصيلاً في سياسته، من خلال مناهج التعليم التي طالتها يد التبديل والتغيير، ومن خلال الأفلام والمسلسلات، التي عمل من خلالها على حشو عقول المشاهدين بنظرة سلبية عن الإسلام وحملة دعوته. بينما في المقابل يسبّح الإعلام بحمد السيسي صباح مساء.

كما قامت وزارة الأوقاف بالتضييق على المساجد وخنقها ما استطاعت إلى ذلك من سبيل، بل وغلق بعضها كما حدث لمسجد الفتح ومسجد رابعة ومسجد التوحيد، وتم التضييق على الأئمة والخطباء، وقد لجأت الوزارة إلى كتابة الخطبة للأئمة وإلزامهم بها كما هو جار في بلاد الحرمين، وقد سمعنا جميعا قرار الوزارة بمنع صلاة الجمعة في الزوايا التي تقل مساحتها عن ثمانين مترا، في سابقة جديدة لم تحدث حتى في عهد مبارك البائد! كما قام وزير الأوقاف الدكتور محمد مختار بإصدار قرار بأن يكون الخطباء من خريجي الأزهر فقط. كما تم تحويل المدرسين المنتمين لتيارات إسلامية إلى وظائف إدارية، لا يكون فيها تعامل مباشر مع الطلبة، ولعدم قدرة الانقلابيين على إعادة الحرس الجامعي للجامعة الذي كان له دور بارز في ملاحقة الحركة الطلابية أيام مبارك في حربه على الإرهاب، قام الانقلابيون بإصدار أو تفعيل ما يسمى بالضبطية القضائية. كما تم فرض قانون الطوارئ الذي مكّن النظام القائم من قمع الناس والبطش بهم وإحداث حالة من الخوف والهلع في نفوسهم، ساعدته على الإمساك بالدولة وحماية النظام من السقوط، خصوصا وحالة الطوارئ تلك تتناغم والحديث عن حرب مقدسة ضد (الإرهاب).

سيكون طريق كشف القناع عن زيف فزاعة الإرهاب ومن يقف وراءها طويلا وصعبا، لأن الكثير من أبناء الأمة قد انجرف وراء فكرة أن من يقوم به هم أناس يحملون عقيدة الإسلام السياسي أصحاب لحى طويلة وثياب قصيرة ووجوه مكفهرة معقودة الحاجبين، وقد استطاع الإعلام المحلي والعالمي أن يكرس تلك الصورة النمطية عن الإسلاميين وكأنها أصبحت لازمة ملازمة لهم. وما يجب أن يعرفه الكثيرون أن كل هذا مقصود ومخطط له من القوى الدولية التي تخوض الصراع مع الإسلام وحملة دعوته، وأن من يقوم على تنفيذ تلك الخطط يتلقى الدعم الكامل من جميع القوى العالمية، في حين تدعي تلك القوى بأنها تدافع عن حقوق الإنسان وتناضل ضد الظلم في كل مكان من العالم. إنها تلك السياسة الخبيثة اللعينة التي تمارسها أمريكا وغيرها من دول الكفر في العالم؛ تصنع الإرهاب ثم تدعي في وقاحة أنها تحاربه، إنه المبرر لبقائها والدافع للحفاظ على أنظمة دكتاتورية ظالمة تدعي هي الأخرى أنها تحارب الإرهاب، وما فتئ النظام وسدنته في مصر يرددون تلك الجملة على مسامع الناس "لولا السيسي لتحولت مصر إلى سوريا أو ليبيا أو اليمن" كي يخيفهم ويرعبهم ويجعلهم يسبحون بحمد النظام الذي يحارب الإرهاب ويمنع مصر من أن تكون كسوريا! إنه التخويف والتخوين؛ التخويف من مستقبل قاتم إن وصل الإسلاميون إلى الحكم، وتخوين كل صوت ينتقد أو يعارض كل ما تقوم به السلطة الحالية من عمليات قتل أو قمع للمعارضين. فهل يمكن أن ينجح من يمارس الإرهاب ويصنعه أم سينجح من وقع ضحية له فلُوحق واعتُقل وعُذب ولكنه ظل صامدا مؤمنا بقضيته التي قام من أجلها وهي إيصال الإسلام إلى الحكم؟

إن هذا الواقع السيئ الذي فرضه الانقلابيون ومحاولة تصوير كل من يعمل لوضع الإسلام موضع التطبيق بالإرهابي الذي لا يريد خيرا لهذا البلد هو بلا شك عقبة يحاول الكافر المستعمر من خلالها تأخير حصول التغيير الجذري بإقامة الخلافة على منهاج النبوة في أرض الكنانة، وإن كان يعلم أنه لا يستطيع الحيلولة دون إقامتها، وإن غدا لناظره قريب، وسيعلم الذين ظلموا أي منقلب ينقلبون.

الجزء الأول: اضغط هنــا

الجزء الثاني: اضغط هنــا

الجزء الثالث: اضغط هنـا

الجزء الرابع: اضغط هنـا

الجزء الخامس: اضغط هنـا

الجزء السادس: اضغط هنــا

الجزء السابع: اضغط هنـا

 الجزء التاسع: اضغط هنـا

الجزء العاشر: اضغط هنـا

 الجزء الحادي عشر: اضغط هنا

الجزء الثاني عشر: اضغط هنا

 الجزء الثالث عشر:اضغط هنا

الجزء الرابع عشر:اضغط هنا

 الجزء الخامس عشر:اضغط هنا

 الجزء السادس عشر: اضغط هنا

كتبه للمكتب الإعلامي المركزي لحزب التحرير

حامد عبد العزيز

المزيد من القسم null

لا تنخدعوا بالأسماء فالعبرة بالمواقف لا بالأنساب

لا تنخدعوا بالأسماء فالعبرة بالمواقف لا بالأنساب

في كل مرة يُقدَّم لنا "رمز جديد" له جذور مسلمة أو ملامح شرقية، يهلل كثير من المسلمين، وتُبنى الآمال على وهمٍ اسمه "التمثيل السياسي" في نظامٍ كافر لا يعترف بالإسلام حكماً ولا عقيدةً ولا شريعةً.

نذكر جميعاً الفرح العارم الذي اجتاح مشاعر كثيرين عند فوز أوباما في 2008. فهو ابن كينيا، وله أب مسلم! وهنا توهم البعض أن الإسلام والمسلمين باتوا قريبين من النفوذ الأمريكي، لكن أوباما كان أحد أكثر الرؤساء إيذاءً للمسلمين فقد دمر ليبيا، وساهم في مأساة سوريا، وأشعل أفغانستان والعراق بطائراته وجنوده، بل كان سفاك الدماء في اليمن عبر أدواته وكان عهده استمراراً لعداء ممنهج ضد الأمة.

واليوم يتكرر المشهد، لكن بأسماء جديدة. فـزوهران ممداني يُحتفى به لأنه مسلم ومهاجر وشاب، وكأنه المنقذ! لكن قليلين فقط ينظرون إلى مواقفه السياسية والفكرية. هذا الرجل من الداعمين الأشداء للشواذ المثليين، ومشارك في فعالياتهم، ويعتبر انحرافهم حقوقاً إنسانية!

أي خزي هذا يُعلق عليه الناس آمالاً؟! ألم يكن تكراراً للخيبة السياسية والفكرية نفسها التي وقعت فيها الأمة مراراً وتكراراً؟! نعم لأنها تُفتن بالشكل لا بالجوهر! تُخدع بالابتسامات، وتتعامل بالعاطفة لا بالعقيدة، وبالأسماء لا بالمفاهيم، وبالرموز لا بالمبادئ!

إن هذا الانبهار بالأشكال والأسماء نتيجة غياب الوعي السياسي الشرعي، لأن الإسلام لا يقاس بالأصل أو الاسم أو العرق، بل بالالتزام بمبدأ الإسلام كاملاً؛ نظاماً وعقيدةً وشريعةً. ولا قيمة لمسلم لا يحكم بالإسلام ولا ينصره، بل يخضع للنظام الرأسمالي الكافر، ويبرر الكفر والانحرافات باسم "الحرية".

وليعلم جميع المسلمين الذين فرحوا بفوزه وظنّوا أنه بذرة خير أو بداية نهوض، أن النهوض لا يكون من داخل أنظمة الكفر، ولا بأدواتها، ولا عبر صناديق اقتراعها، ولا تحت سقف دساتيرها.

فمن يُقدّم نفسه عبر النظام الديمقراطي، ويقسم على احترام قوانينه، ثم يدافع عن الشذوذ الجنسي ويحتفل به، ويدعو إلى ما يغضب الله، فهو ليس نصيراً للإسلام ولا أملاً للأمة، بل هو أداة تلميع وتمييع، وتمثيل مزيّف لا يُقدّم ولا يؤخر.

إن ما تسمى النجاحات السياسية في الغرب لبعض الشخصيات ذات الأسماء الإسلامية، ما هي إلا فُتات يُقدَّم كمسكنات للأمة، ليقال لها: انظروا، التغيير ممكن عبر أنظمتنا.

 فما حقيقة هذا "التمثيل"؟

الغرب لا يفتح أبواب الحكم للإسلام، بل يفتحها فقط لمن يتماهى مع قيمه وأفكاره. وأي شخص يدخل نظامهم لا بد أن يقبل بدستورهم، وبقوانينهم الوضعية، وأن يتنكر لحكم الإسلام، فإن رضي بذلك، أصبح نموذجاً مقبولاً، أما المسلم الحق، فهو مرفوض عندهم من جذوره.

فمن هو زهران ممداني؟ ولماذا يُصنع هذا الوهم؟

هو شخص يحمل اسماً مسلماً لكنه متبنٍ لأجندة منحرفة مخالفة تماماً لفطرة الإسلام، من دعم المثليين، والترويج لما يُسمى بـ"حقوقهم"، وهو نموذج حي لكيف يصنع الغرب نماذجه: مسلم بالاسم، علماني بالفعل، خادم لأجندة الليبرالية الغربية لا أكثر. بل لإشغال الأمة عن طريقها الحقيقي، فبدل أن تطالب بدولة الإسلام والخلافة، تنشغل بالمقاعد النيابية والمناصب في أنظمة كفر! وبدل أن تتوجه لتحرير فلسطين، تنتظر مَن "يدافع عن غزة" من داخل الكونغرس الأمريكي أو البرلمان الأوروبي!

فحقيقة الأمر أن هذا تشويه لطريق التغيير الحقيقي، وهو إقامة الخلافة الراشدة على منهاج النبوة، التي تُعلي راية الإسلام، وتقيم شرع الله، وتوحد الأمة خلف خليفة واحد يُقاتل من ورائه ويُتقى به.

فلا تنخدعوا بالأسماء، ولا تفرحوا بمن ينتمي لكم شكلاً ويخالفكم مضموناً، فليس كل من حمل اسم سعيد أو علي أو زهران هو على طريق نبينا محمد ﷺ.

واعلموا أن التغيير لا يأتي من داخل برلمانات الكفر، بل من جيوش الأمة التي آن لها أن تتحرك، ومن شبابها الواعين الذين يعملون ليلا ونهارا لقلب الطاولة على رؤوس الغرب وأعوانه وأتباعه الخائنين في بلاد الإسلام والمسلمين.

فالمسلمون لن ينهضوا عبر انتخابات الديمقراطية ولا من خلال صناديق الغرب، بل بنهضة حقيقية على أساس العقيدة الإسلامية، بإقامة دولة الخلافة الراشدة التي تُعيد للإسلام مكانته، وللمسلمين عزّتهم، وتحطم أوهام الديمقراطية.

لا تنخدعوا بالأسماء، ولا تعلقوا آمالكم على أفراد في أنظمة كفر، بل ارجعوا إلى مشروعكم العظيم: استئناف الحياة الإسلامية، فهذا وحده طريق العزة والنصر والتمكين.

فالمشهد تكرار مُهين لمآسٍ قديمة: رموز مزيفة، وولاء للأنظمة الغربية، وانحراف عن طريق الإسلام. وكل من يُصفّق لهذا المسار، إنما يضلل الأمة. فعودوا إلى مشروع الخلافة، ولا تجعلوا أعداء الإسلام يصنعون لكم قادتكم وممثليكم. فالعزة ليست في مقاعد الديمقراطية، بل في سدة الخلافة التي يعمل لها حزب التحرير ويُحذر الأمة من هذا الانحدار الفكري والسياسي. فلا خلاص لنا إلا بدولة الخلافة، التي لا تسمح بأن يحكم المسلمين من يدين بدين غير الإسلام، ولا بمن يبرر الشذوذ والانحراف، ولا بمن يُشرّع للناس غير ما أنزل الله.

كتبه لإذاعة المكتب الإعلامي المركزي لحزب التحرير

عبد المحمود العامري – ولاية اليمن

مصر بين الشعارات الحكومية والواقع المرّ  الحقيقة الكاملة عن الفقر، والسياسات الرأسمالية

مصر بين الشعارات الحكومية والواقع المرّ

الحقيقة الكاملة عن الفقر، والسياسات الرأسمالية

نقلت بوابة الأهرام الثلاثاء 4 تشرين الثاني/نوفمبر 2025م، أن رئيس الوزراء المصري، في كلمة ألقاها نيابةً عن الرئيس في القمة العالمية الثانية للتنمية الاجتماعية في العاصمة القطرية الدوحة، قال إنّ مصر تطبّق نهجاً شاملاً للقضاء على الفقر في جميع أشكاله وأبعاده، بما في ذلك "الفقر متعدد الأبعاد".

منذ سنوات، لا يكاد يخلو خطاب رسمي في مصر من عباراتٍ مثل "نهج شامل للقضاء على الفقر" و"الانطلاقة الحقيقية للاقتصاد المصري". يكرّر المسؤولون هذه الشعارات في المؤتمرات والمناسبات، مصحوبة بصور براقة لمشروعات استثمارية وفنادق ومنتجعات. لكن الواقع، كما تشهد عليه التقارير الدولية، مختلف تماماً. فالفقر في مصر ما زال ظاهرةً راسخة، بل متفاقمة، رغم الوعود الحكومية المتكرّرة بالتحسن والنهضة.

بحسب تقارير اليونيسف والإسكوا وبرنامج الغذاء العالمي لعامي 2024 و2025، يعيش نحو واحد من كل خمسة مصريين في فقرٍ متعدد الأبعاد، أي محروم من أكثر من جانب من جوانب الحياة الأساسية كالتعليم والصحة والسكن والعمل والخدمات. كما تؤكد البيانات أن أكثر من 49% من الأسر تعاني من صعوبات في الحصول على غذاء كافٍ، وهو رقم صادم يعكس عمق الأزمة المعيشية.

أما الفقر المالي، أي انخفاض الدخل مقارنة بتكاليف المعيشة، فقد ارتفع بصورة حادة، نتيجة موجات التضخم المتلاحقة التي أكلت أجور الناس وجهودهم ومدخراتهم، حتى أصبحت نسبة كبيرة من المصريين تحت خط الفقر المالي رغم عملهم الدائم.

وبينما تتحدث الحكومة عن مبادرات مثل "تكافل وكرامة" و"حياة كريمة"، تكشف الأرقام الدولية أن هذه البرامج لم تغيّر بنية الفقر جذرياً، بل اقتصرت على مسكّنات مؤقتة أشبه بالقطرة التي تُسكب في صحراء. فما زال الريف المصري الذي يقطنه أكثر من نصف السكان، يعاني من ضعف الخدمات وانعدام فرص العمل اللائق وتهالك البنية الأساسية. ويؤكد تقرير الإسكوا أن الحرمان في الريف يفوق نظيره في المدن بعدة أضعاف، ما يدل على سوء توزيع الثروة والإهمال المزمن للأطراف.

حين يشكر رئيسُ الوزراء ابنَ البلد "الذي تحمّل مع الحكومة إجراءات الإصلاح الاقتصادي"، فإنه في الواقع يُقرّ بوجود معاناة حقيقية ناتجة عن تلك السياسات. غير أن هذا الاعتراف لا يتبعه تغيير في المنهج، بل مزيد من السير في الطريق الرأسمالي نفسه الذي سبّب الأزمة.

فالإصلاح المزعوم الذي بدأ عام 2016 ببرنامج "التعويم" ورفع الدعم وزيادة الضرائب، لم يكن إصلاحاً بل تحميلاً للفقراء كلفة الديون والعجز. وفي الوقت الذي يتحدث فيه المسؤولون عن "الانطلاقة"، تتجه الاستثمارات الضخمة إلى العقارات الفاخرة والمشروعات السياحية التي تخدم أصحاب رؤوس الأموال، بينما لا يجد ملايين الشباب فرصاً للعمل أو السكن. بل إن كثيراً من هذه المشاريع، كمنطقة علم الروم في مطروح التي تُقدّر استثماراتها بـ29 مليار دولار، هي شراكات رأسمالية أجنبية تستحوذ على الأراضي والثروات وتحوّلها إلى مصدر ربح للمستثمرين، لا مصدر رزق للناس.

النظام يفشل ليس لأنه فاسد فحسب، بل لأنه يسير على أساسٍ فكريٍّ باطلٍ هو النظام الرأسمالي، الذي يجعل المال محوراً لكل سياسات الدولة. فالرأسمالية تقوم على حرية التملك المطلقة، وتسمح بتكديس الثروة في يد القلة التي تملك أدوات الإنتاج، فيما تتحمل الكثرة عبء الضرائب والأسعار والدَّين العام.

ولهذا، فإن كل ما يُسمى "برامج حماية اجتماعية" ما هو إلا محاولة لتجميل وجه الرأسمالية الوحشي، وإطالة عمر نظامٍ جائرٍ يراعي الأغنياء ويجبي من الفقراء. فبدلاً من معالجة أصل الداء؛ أي احتكار الثروة وتبعية الاقتصاد للمؤسسات الدولية، يُكتفى بتوزيع فتات من الإعانات النقدية، لا ترفع فقراً ولا تحفظ كرامة.

إن الرعاية ليست منّةً من الحاكم على الرعية، بل واجب شرعي، ومسؤولية يحاسبه الله عليها في الدنيا والآخرة. وما يجري اليوم، هو إهمال متعمّد لشؤون الناس، وتخلٍّ عن واجب الرعاية لصالح قروضٍ مشروطة من صندوق النقد والبنك الدوليين.

لقد أصبحت الدولة وسيطاً بين الفقير والدائن الأجنبي، تفرض الضرائب وتقلّص الدعم وتبيع الممتلكات العامة لسدّ عجزٍ متضخم صنعه النظام الرأسمالي نفسه. وفي هذا كله تغيب المفاهيم الشرعية التي تضبط الاقتصاد، كتحريم الربا، ومنع تملك الثروات العامة للأفراد، ووجوب النفقة على الرعية من بيت مال المسلمين.

لقد قدم الإسلام نظاماً اقتصادياً متكاملاً يعالج الفقر من جذوره، لا بمجرد دعمٍ نقدي أو مشروعات تجميلية. هذا النظام يقوم على أسسٍ شرعيةٍ ثابتة أبرزها:

1- تحريم الربا والديون الربوية التي تُكبّل الدولة وتستنزف مواردها، فبزوال الربا تزول تبعية الاقتصاد للمؤسسات الدولية، وتُعاد السيادة المالية للأمة.

2- جعل الملكيات ثلاثة أنواع:

ملكية فردية: كالبيوت والمتاجر والمزارع الخاصة...

ملكية عامة: تشمل الثروات الكبرى كالنفط والغاز والمعادن والمياه...

ملكية دولة: كأراضي الفيء والركاز والخراج...

وبهذا التوزيع تتحقق العدالة، إذ تُمنع فئة قليلة من احتكار موارد الأمة.

3- ضمان الكفاية لكل فرد من الرعية: فالدولة تضمن لكل إنسان في رعايتها حاجاته الأساسية من مأكل وملبس ومسكن، فإن عجز عن العمل وجب على بيت المال أن ينفق عليه.

4- الزكاة والإنفاق الإلزامي: الزكاة ليست إحساناً بل فريضة، تجمعها الدولة وتصرفها في مصارفها الشرعية للفقراء والمساكين والغارمين. وهي أداة توزيع فعّالة تعيد الأموال إلى دورة الحياة في المجتمع.

مع التحفيز على العمل المنتج ومنع الاستغلال، والحثّ على استثمار الموارد في مشاريع نافعة حقيقية كالصناعات الثقيلة والحربية لا في المضاربات والعقارات الفاخرة والمشاريع الوهمية. إلى جانب ضبط الأسعار بالعرض والطلب الحقيقيين لا بالاحتكار ولا بالتعويم.

إن دولة الخلافة على منهاج النبوة هي وحدها القادرة على تطبيق هذه الأحكام عملياً، لأنها تُبنى على أساس العقيدة الإسلامية، ويكون هدفها رعاية شؤون الناس لا جباية أموالهم. ففي ظل الخلافة، لا يوجد ربا ولا قروض مشروطة، ولا بيع للثروات العامة للأجانب، بل تُدار الموارد بما يحقق مصلحة الأمة، ويتولى بيت المال تمويل الرعاية الصحية والتعليم والمرافق العامة من موارد الدولة والخراج والأنفال والملكية العامة.

أما الفقراء، فتُكفل حاجاتهم الأساسية فرداً فرداً، لا عبر صدقات مؤقتة بل كحقٍّ شرعي مضمون. ولذا فإن محاربة الفقر في الإسلام ليست شعاراً سياسياً، بل نظام حياة متكامل يُقيم العدل ويمنع الظلم ويعيد الثروة إلى أهلها.

ما بين الخطاب الرسمي والواقع المعاش مسافةٌ هائلة لا تخفى على أحد. فبينما تتغنّى الحكومة بمشروعاتها "العملاقة" وبـ"الانطلاقة الحقيقية"، يعيش ملايين المصريين تحت خط الفقر، يعانون الغلاء والبطالة وانعدام الأمل. والحقيقة أن هذه المعاناة لن تزول ما دامت مصر تسير في طريق الرأسمالية، تُسلِّم اقتصادها للمرابين وتخضع لسياسات المؤسسات الدولية.

إن أزمات ومشكلات مصر هي مشكلات إنسانية وليست مادية، وتتعلق بها أحكام شرعية تبين كيفية التعامل معها وعلاجها على أساس الإسلام، وإن الحلول أسهل من غض الطرف لكنها تحتاج إدارة مخلصة تملك إرادة حرة تريد السير في الطريق الصحيح وتريد الخير لمصر وأهلها حقا، وحينها على هذه الإدارة أن تراجع كل العقود التي أبرمت سابقا والتي تبرم مع كل الشركات التي تحتكر أصول البلاد وما هو من ملكياتها العام وعلى رأسها شركات التنقيب عن الغاز والنفط والذهب وباقي المعادن والثروات، وتطرد كل تلك الشركات لأنها في الأصل شركات استعمارية ناهبة لثروات البلاد، ثم تصوغ عهدا جديدا يقوم على تمكين الناس من ثروات البلاد وإنشاء أو استئجار شركات تقوم هي على إنتاج الثروة من منابع النفط والغاز والذهب وغيرها من المعادن وتعيد توزيع هذه الثروات على الناس من جديد، حينها سيتمكن الناس من زراعة الأرض الموات التي ستمكنهم الدولة من استغلالها بحقهم فيها، وسيتمكنون أيضا من صناعة ما يجب أن يصنع ليرتفع باقتصاد مصر ويكفي أهلها، وستدعمهم الدولة في هذا السبيل، وإن كل هذا ليس ضربا من الخيال ولا مستحيل الحدوث ولا مشروعا نعرضه للتجربة قد ينجح أو يفشل، وإنما هي أحكام شرعية لازمة ملزمة للدولة والرعية، فلا يجوز للدولة أن تفرط في ثروات البلاد التي هي ملك للناس بدعوى عقود أقرتها وأيدتها وتحميها قوانين دولية جائرة، ولا يجوز لها أن تمنع الناس منها بل يجب أن تقطع كل يد تمتد ناهبة إلى ثروات الناس، هذا ما يقدمه الإسلام ويجب تنفيذه، إلا أنه لا يطبق بمعزل عن باقي أنظمة الإسلام بل إنه لا يطبق إلا من خلال دولة الخلافة الراشدة على منهاج النبوة، هذه الدولة التي يحمل همها والدعوة إليها حزب التحرير ويدعو مصر وأهلها شعبا وجيشا إلى العمل معه من أجلها، عسى الله أن يكتب الفتح من عنده فنراها واقعا يعز الإسلام وأهله، اللهم عاجلا غير آجل.

﴿وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرَىٰ آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَفَتَحْنَا عَلَيْهِم بَرَكَاتٍ مِّنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ﴾

كتبه للمكتب الإعلامي المركزي لحزب التحرير

سعيد فضل

عضو المكتب الإعلامي لحزب التحرير في ولاية مصر