في الذكرى المئوية لهدم دولة الخلافة العالم عطاء بن خليل يصف المشكلة وينير الطريق ويقود قافلة الخير
February 17, 2021

في الذكرى المئوية لهدم دولة الخلافة العالم عطاء بن خليل يصف المشكلة وينير الطريق ويقود قافلة الخير

في الذكرى المئوية لهدم دولة الخلافة
العالم عطاء بن خليل يصف المشكلة وينير الطريق ويقود قافلة الخير


في الذكرى المئوية لهدم دولة المسلمين دولة الخلافة نذكركم أيها المسلمون أنها كانت حامية للأرض والعرض والنفس؛ فبدونها سفكت دماؤكم وأزهقت أنفسكم واحتلت بلادكم، وبضياع حاكمها الجُنة الذي يتقى به ويقاتل من ورائه أصبحنا بلا عزة بلا كرامة بلا حام بلا راع؛ يتطاول علينا القاصي والداني؛ فديارنا مهدومة وأموالنا منهوبة وخيراتنا مسلوبة ومقدساتنا مدنسة وأعراضنا منتهكة ودماؤنا مسفوكة.


وفي هذه الذكرى الأليمة أحببت أن أذكر إخواني المسلمين بمآسينا وأبشرهم بالفرج القريب والنصر الأكيد، ولم أجد أعذب كلاماً ولا أصدق تعبيرا من كلام أميرنا العالم الجليل عطاء بن خليل أبو الرشتة وهو يقول في كلمته ليلة العاشر من ذي الحجة 1439هـ الموافق 2018/08/21م:


"... وما زالت خلافتنا غيرَ موجودة فتجرأ الكفار المستعمرون وعملاؤهم علينا فأشعلوا القتل وسفك الدماء في بلادنا، وتنوعت جرائمُهم الوحشية من البراميل المتفجرة إلى الصواريخ المدمرة إلى الأسلحة الكيماوية... وكل ذلك بأيديهم تارة وبأيدي عملائهم تارة أخرى، فحيثما نظرت وجدت دماء المسلمين تُسفك ظلماً وعدوانا... ففي الشرق تلك بورما، وما أدراك ما بورما، فحال المسلمين فيها يُدمي القلب، وذلك من جرائم البوذيين وفظائعهم التي تنأى عنها وحوش الغاب... ومن بعد ترى كشمير وجرائم الهند فيها... فإذا صعدت إلى الشمال فترى الشيشان والقوقاز ثم القرم تَفْتِك بها أيادي روسيا الموغلةُ في الجريمة والدماء... فإذا سرت من هناك شرقاً إلى تركستان الشرقية، فسترى الصين تسومها صنوف العدوان... وأما إذا سرت جنوباً ولامست شاطئ البحر فستجدُ قلب بلاد المسلمين، الأرضَ المباركة، فلسطين أولى القبلتين، وسترى اليهود يغتصبونها ويرتكبون فيها الجرائم والمجازر، وتسمع أنين مسجدها وهو يئن من جرح عميق يكاد يجعله في النزع الأخير... ثم الشام وما أدراك ما الشام، تسيل الدماء فيها من كل جانب، فالمجازرُ الوحشية تكاد تنتشر في الأزقة والحارات بفعل طاغية الشام، ومن ورائه ومن قدامه أمريكا والأتباعُ والأشياع من روسيا إلى إيران ثم المليشيات... وكل هؤلاء يشعلون نار هذا القتل وسفكِ الدماء بجميع وسائل القتل المدمرة... وها هي مجازر إدلب تُطِلُّ برأسها من خلال القصف الوحشي على جنباتها، وحشود الطغاة المتجهة نحوها، الممزوجة بصفقات الخيانة من حولها... ثم العراق أختُ الشام في المآسي والمصائب... فإذا سرت جنوباً إلى اليمن الذي كان سعيداً فستراه قد أصبح حزيناً تفتك به مآسي الاقتتال، وتُغذِّيه الدولُ الكافرة المستعمرة التي اتخذته ميدان تنافسٍ بينها على جماجمنا ودمائنا... وأما إذا سرت إلى مغرب الشمس فستجد ليبيا يقتتل فيها المسلمون فيما بينهم... ثم إذا عرّجت نحو أفريقيا الوسطى فسترى أن المسلمين فيها قد نالهم الأذى والضررُ وسفكُ الدماءِ الزكية وانتهاكُ الحرمات ما يعجز عنه الوصف... ثم جارتها السودان، وقد فُصل جنوبه عن شِماله، وتُرك جرحه ينزف... ثم الصومال تئن من الألم الفظيع والاقتتال الشنيع منذ سنين".


إلى أن قال: "أيها الإخوة، إن هذه المآسي لو أصابت أي أمة أخرى لانهارت أو كادت، وليئست من استمرار الحياة إن كان فيها بقية من حياة... وأما الأمة الإسلامية فإن لها في كتاب ربها وسنة نبيها وحتى في ظواهر المخلوقات من الليل والنهار ما يجعلها لا تهتز في الشدائد ولا يلين عزمها في الأزمات بل تزداد قوة فوق قوة وعزماً فوق عزم... تؤدي عملها بقوة وإحسان وتتوجه إلى ربها بصادق التُّكلان:


أما في كتاب ربها فآيات الله تنطق بذلك: ﴿فإِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْراً * إِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْراً﴾... ﴿حَتَّى إِذَا اسْتَيْأَسَ الرُّسُلُ وَظَنُّوا أَنَّهُمْ قَدْ كُذِبُوا جَاءَهُمْ نَصْرُنَا فَنُجِّيَ مَنْ نَشَاءُ وَلَا يُرَدُّ بَأْسُنَا عَنِ الْقَوْمِ الْمُجْرِمِينَ﴾... ﴿أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَأْتِكُمْ مَثَلُ الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلِكُمْ مَسَّتْهُمُ الْبَأْسَاءُ وَالضَّرَّاءُ وَزُلْزِلُوا حَتَّى يَقُولَ الرَّسُولُ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ مَتَى نَصْرُ اللَّهِ أَلَا إِنَّ نَصْرَ اللَّهِ قَرِيبٌ﴾.


وأما في سيرة نبيها فهو ما حدث لرسول الله ﷺ حيث كان عامُ الحزن فتوفيت خديجة أم المؤمنين رضي الله عنها، ثم كانت وفاة أبي طالب الذي كان يعين رسول الله ﷺ، ومن بعدُ ذلك الرد العنيف من أهل الطائف الذي أدمى رسول الله ﷺ. ثم اشتدت الأزمة فتوافقوا على قتل رسول الله ﷺ ثم لحقوا به صلوات الله وسلامه عليه إلى غار ثور، وهو ﷺ مختفٍ فيه مع صاحبه الصديق أبي بكر رضي الله عنه، فوقفوا أمام باب الغار ولم يكن بينهم وبين رسول الله ﷺ سوى ذراعٍ أو بعض ذراع... كان هذا عشيةَ ذلك اليوم، وبعد ذلك بيومٍ أو يومين كان الرسول ﷺ يقيم الدولة في المدينة ويعلي صرحها فتضيءُ الدنيا وتصدع بالحق...


وأما في ظواهر المخلوقات من الليل والنهار، فإن اشتداد ظلمة الليل يتلوها بزوغ الفجر الصادق، وتلك آية لأولي الألباب...


وهكذا فالأمة الإسلامية لا تيأس من رحمة الله، وهي تدرك أن اليسر بعد العسر، والفرج بعد الشدة، وبزوغ الفجر بعد ظلمة الليل. فلا تهزها الصدمات بل تعمل وتعمل مخلصة لله صادقة مع رسول الله. ولا يضيرها من ينحرف منها أو يضل فغالبها لا يرضى للإسلام بديلا".


"أيها الإخوة، إن أولئك الكفار قد تنفسوا الصعداء بعد زوال الخلافة فقاموا بجرائمهم تلك وهم آمنون، فلا يقف في وجههم أحد ولا يصدهم عن جرائمهم أحد ولا يردهم إلى عقر دارهم أحد... فهم يدركون أن درع المسلمين قد زال ومن ثم يبذلون الوسع في أن لا يعود ذلك الدرع، ولأنهم يدركون أن صانعة هذا الدرع هي الخلافة حيث عز المسلمين ومنعتهم، لهذا هم يلاحقون العاملين لإعادة الخلافة... وهكذا أصبح حزب التحرير هدفاً لسهام الكفار المستعمرين وعملائهم الحكامِ في بلاد المسلمين، ومن ثم تعرض الحزب إلى شتى المضايقات والتعذيب المفضي للاستشهاد من كيد الكافرين وجواسيس الظالمين وحقد الحاقدين... فالحزب قد حُظر ومُنع في بلاد العالم الإسلامي حتى في تلك البلاد المفتوحة للأحزاب بأشكالها المختلفة مثل إندونيسيا فقد مُنع الحزب! وكذلك في تلك البلاد المشرعةِ أبوابُها للأحزاب على أنواعها حتى الغثِّ منها مثل تونس فكذلك قد مُنع الحزب... وأما شباب الحزب فسجون الطواغيت تنطق بحالهم، فهم في سجنهم الضيق يعذبون، وفي سجنهم الأوسع يلاحقون، وأما لماذا كلُّ هذا فهو لكلمة الحق التي يصدع بها الحزب فتصعقُهم فوق صعق السيوف لأنهم لا يملكون حجة تقف أمام كلمة الحق قاتلهم الله أنى يؤفكون..."


إلى أن قال: "ولكن، ومع شدة هذه المآسي فإن حزب التحرير مطمئن بنصر الله وبتحقيق وعده سبحانه وبشرى رسوله ﷺ، فهو لا ييأس من رحمة الله ما دام يحسن عمله بإذن ربه، فالحزب يدرك أن وقت عودة الخلافة مسطور في الكتاب، وكلما مضى يوم اقتربنا من ذلك الوقت يوما، وحزب هذا شأنه لا يدخل اليأس إلى قلبه ولا تلين له عزيمة أو تضعف له قناة بإذن العزيز الحكيم، بل إن الشدائد تزيده قوة، فالشدائد محك الرجال وشباب الحزب هم الرجال الرجال الذين يدعون الله سبحانه أن يكونوا ممن قال الله فيهم: ﴿رِجَالٌ لَا تُلْهِيهِمْ تِجَارَةٌ وَلَا بَيْعٌ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَإِقَامِ الصَّلَاةِ وَإِيتَاءِ الزَّكَاةِ يَخَافُونَ يَوْماً تَتَقَلَّبُ فِيهِ الْقُلُوبُ وَالْأَبْصَارُ﴾... إنهم يحملون الدعوة بأيمانهم بفضل من الله، وسترتفع هذه الدعوة بأيديهم إن شاء الله، ومن ثم يتحقق وعد الله سبحانه وبشرى رسوله ﷺ...".


وفي الختام نقول للمسلمين: ألا تكفي مئة عام بلا خليفة لكم بلا حام وبلا راع؟! ألا تكفي الدماء التي سفكت وتسفك ليل نهار لتحرك فيكم مشاعر الأخوة في الإيمان والشوق للذود عن المستضعفين؟! فهبوا معنا لإقامة الدولة ومبايعة خليفة يقاتل من ورائه ويتقى به لتفوزوا في الدنيا والآخرة.


#أقيموا_الخلافة
#ReturnTheKhilafah
#YenidenHilafet
#خلافت_کو_قائم_کرو

كتبه للمكتب الإعلامي المركزي لحزب التحرير
المهندس حجري سعيد – ولاية اليمن

المزيد من القسم null

لا تنخدعوا بالأسماء فالعبرة بالمواقف لا بالأنساب

لا تنخدعوا بالأسماء فالعبرة بالمواقف لا بالأنساب

في كل مرة يُقدَّم لنا "رمز جديد" له جذور مسلمة أو ملامح شرقية، يهلل كثير من المسلمين، وتُبنى الآمال على وهمٍ اسمه "التمثيل السياسي" في نظامٍ كافر لا يعترف بالإسلام حكماً ولا عقيدةً ولا شريعةً.

نذكر جميعاً الفرح العارم الذي اجتاح مشاعر كثيرين عند فوز أوباما في 2008. فهو ابن كينيا، وله أب مسلم! وهنا توهم البعض أن الإسلام والمسلمين باتوا قريبين من النفوذ الأمريكي، لكن أوباما كان أحد أكثر الرؤساء إيذاءً للمسلمين فقد دمر ليبيا، وساهم في مأساة سوريا، وأشعل أفغانستان والعراق بطائراته وجنوده، بل كان سفاك الدماء في اليمن عبر أدواته وكان عهده استمراراً لعداء ممنهج ضد الأمة.

واليوم يتكرر المشهد، لكن بأسماء جديدة. فـزوهران ممداني يُحتفى به لأنه مسلم ومهاجر وشاب، وكأنه المنقذ! لكن قليلين فقط ينظرون إلى مواقفه السياسية والفكرية. هذا الرجل من الداعمين الأشداء للشواذ المثليين، ومشارك في فعالياتهم، ويعتبر انحرافهم حقوقاً إنسانية!

أي خزي هذا يُعلق عليه الناس آمالاً؟! ألم يكن تكراراً للخيبة السياسية والفكرية نفسها التي وقعت فيها الأمة مراراً وتكراراً؟! نعم لأنها تُفتن بالشكل لا بالجوهر! تُخدع بالابتسامات، وتتعامل بالعاطفة لا بالعقيدة، وبالأسماء لا بالمفاهيم، وبالرموز لا بالمبادئ!

إن هذا الانبهار بالأشكال والأسماء نتيجة غياب الوعي السياسي الشرعي، لأن الإسلام لا يقاس بالأصل أو الاسم أو العرق، بل بالالتزام بمبدأ الإسلام كاملاً؛ نظاماً وعقيدةً وشريعةً. ولا قيمة لمسلم لا يحكم بالإسلام ولا ينصره، بل يخضع للنظام الرأسمالي الكافر، ويبرر الكفر والانحرافات باسم "الحرية".

وليعلم جميع المسلمين الذين فرحوا بفوزه وظنّوا أنه بذرة خير أو بداية نهوض، أن النهوض لا يكون من داخل أنظمة الكفر، ولا بأدواتها، ولا عبر صناديق اقتراعها، ولا تحت سقف دساتيرها.

فمن يُقدّم نفسه عبر النظام الديمقراطي، ويقسم على احترام قوانينه، ثم يدافع عن الشذوذ الجنسي ويحتفل به، ويدعو إلى ما يغضب الله، فهو ليس نصيراً للإسلام ولا أملاً للأمة، بل هو أداة تلميع وتمييع، وتمثيل مزيّف لا يُقدّم ولا يؤخر.

إن ما تسمى النجاحات السياسية في الغرب لبعض الشخصيات ذات الأسماء الإسلامية، ما هي إلا فُتات يُقدَّم كمسكنات للأمة، ليقال لها: انظروا، التغيير ممكن عبر أنظمتنا.

 فما حقيقة هذا "التمثيل"؟

الغرب لا يفتح أبواب الحكم للإسلام، بل يفتحها فقط لمن يتماهى مع قيمه وأفكاره. وأي شخص يدخل نظامهم لا بد أن يقبل بدستورهم، وبقوانينهم الوضعية، وأن يتنكر لحكم الإسلام، فإن رضي بذلك، أصبح نموذجاً مقبولاً، أما المسلم الحق، فهو مرفوض عندهم من جذوره.

فمن هو زهران ممداني؟ ولماذا يُصنع هذا الوهم؟

هو شخص يحمل اسماً مسلماً لكنه متبنٍ لأجندة منحرفة مخالفة تماماً لفطرة الإسلام، من دعم المثليين، والترويج لما يُسمى بـ"حقوقهم"، وهو نموذج حي لكيف يصنع الغرب نماذجه: مسلم بالاسم، علماني بالفعل، خادم لأجندة الليبرالية الغربية لا أكثر. بل لإشغال الأمة عن طريقها الحقيقي، فبدل أن تطالب بدولة الإسلام والخلافة، تنشغل بالمقاعد النيابية والمناصب في أنظمة كفر! وبدل أن تتوجه لتحرير فلسطين، تنتظر مَن "يدافع عن غزة" من داخل الكونغرس الأمريكي أو البرلمان الأوروبي!

فحقيقة الأمر أن هذا تشويه لطريق التغيير الحقيقي، وهو إقامة الخلافة الراشدة على منهاج النبوة، التي تُعلي راية الإسلام، وتقيم شرع الله، وتوحد الأمة خلف خليفة واحد يُقاتل من ورائه ويُتقى به.

فلا تنخدعوا بالأسماء، ولا تفرحوا بمن ينتمي لكم شكلاً ويخالفكم مضموناً، فليس كل من حمل اسم سعيد أو علي أو زهران هو على طريق نبينا محمد ﷺ.

واعلموا أن التغيير لا يأتي من داخل برلمانات الكفر، بل من جيوش الأمة التي آن لها أن تتحرك، ومن شبابها الواعين الذين يعملون ليلا ونهارا لقلب الطاولة على رؤوس الغرب وأعوانه وأتباعه الخائنين في بلاد الإسلام والمسلمين.

فالمسلمون لن ينهضوا عبر انتخابات الديمقراطية ولا من خلال صناديق الغرب، بل بنهضة حقيقية على أساس العقيدة الإسلامية، بإقامة دولة الخلافة الراشدة التي تُعيد للإسلام مكانته، وللمسلمين عزّتهم، وتحطم أوهام الديمقراطية.

لا تنخدعوا بالأسماء، ولا تعلقوا آمالكم على أفراد في أنظمة كفر، بل ارجعوا إلى مشروعكم العظيم: استئناف الحياة الإسلامية، فهذا وحده طريق العزة والنصر والتمكين.

فالمشهد تكرار مُهين لمآسٍ قديمة: رموز مزيفة، وولاء للأنظمة الغربية، وانحراف عن طريق الإسلام. وكل من يُصفّق لهذا المسار، إنما يضلل الأمة. فعودوا إلى مشروع الخلافة، ولا تجعلوا أعداء الإسلام يصنعون لكم قادتكم وممثليكم. فالعزة ليست في مقاعد الديمقراطية، بل في سدة الخلافة التي يعمل لها حزب التحرير ويُحذر الأمة من هذا الانحدار الفكري والسياسي. فلا خلاص لنا إلا بدولة الخلافة، التي لا تسمح بأن يحكم المسلمين من يدين بدين غير الإسلام، ولا بمن يبرر الشذوذ والانحراف، ولا بمن يُشرّع للناس غير ما أنزل الله.

كتبه لإذاعة المكتب الإعلامي المركزي لحزب التحرير

عبد المحمود العامري – ولاية اليمن

مصر بين الشعارات الحكومية والواقع المرّ  الحقيقة الكاملة عن الفقر، والسياسات الرأسمالية

مصر بين الشعارات الحكومية والواقع المرّ

الحقيقة الكاملة عن الفقر، والسياسات الرأسمالية

نقلت بوابة الأهرام الثلاثاء 4 تشرين الثاني/نوفمبر 2025م، أن رئيس الوزراء المصري، في كلمة ألقاها نيابةً عن الرئيس في القمة العالمية الثانية للتنمية الاجتماعية في العاصمة القطرية الدوحة، قال إنّ مصر تطبّق نهجاً شاملاً للقضاء على الفقر في جميع أشكاله وأبعاده، بما في ذلك "الفقر متعدد الأبعاد".

منذ سنوات، لا يكاد يخلو خطاب رسمي في مصر من عباراتٍ مثل "نهج شامل للقضاء على الفقر" و"الانطلاقة الحقيقية للاقتصاد المصري". يكرّر المسؤولون هذه الشعارات في المؤتمرات والمناسبات، مصحوبة بصور براقة لمشروعات استثمارية وفنادق ومنتجعات. لكن الواقع، كما تشهد عليه التقارير الدولية، مختلف تماماً. فالفقر في مصر ما زال ظاهرةً راسخة، بل متفاقمة، رغم الوعود الحكومية المتكرّرة بالتحسن والنهضة.

بحسب تقارير اليونيسف والإسكوا وبرنامج الغذاء العالمي لعامي 2024 و2025، يعيش نحو واحد من كل خمسة مصريين في فقرٍ متعدد الأبعاد، أي محروم من أكثر من جانب من جوانب الحياة الأساسية كالتعليم والصحة والسكن والعمل والخدمات. كما تؤكد البيانات أن أكثر من 49% من الأسر تعاني من صعوبات في الحصول على غذاء كافٍ، وهو رقم صادم يعكس عمق الأزمة المعيشية.

أما الفقر المالي، أي انخفاض الدخل مقارنة بتكاليف المعيشة، فقد ارتفع بصورة حادة، نتيجة موجات التضخم المتلاحقة التي أكلت أجور الناس وجهودهم ومدخراتهم، حتى أصبحت نسبة كبيرة من المصريين تحت خط الفقر المالي رغم عملهم الدائم.

وبينما تتحدث الحكومة عن مبادرات مثل "تكافل وكرامة" و"حياة كريمة"، تكشف الأرقام الدولية أن هذه البرامج لم تغيّر بنية الفقر جذرياً، بل اقتصرت على مسكّنات مؤقتة أشبه بالقطرة التي تُسكب في صحراء. فما زال الريف المصري الذي يقطنه أكثر من نصف السكان، يعاني من ضعف الخدمات وانعدام فرص العمل اللائق وتهالك البنية الأساسية. ويؤكد تقرير الإسكوا أن الحرمان في الريف يفوق نظيره في المدن بعدة أضعاف، ما يدل على سوء توزيع الثروة والإهمال المزمن للأطراف.

حين يشكر رئيسُ الوزراء ابنَ البلد "الذي تحمّل مع الحكومة إجراءات الإصلاح الاقتصادي"، فإنه في الواقع يُقرّ بوجود معاناة حقيقية ناتجة عن تلك السياسات. غير أن هذا الاعتراف لا يتبعه تغيير في المنهج، بل مزيد من السير في الطريق الرأسمالي نفسه الذي سبّب الأزمة.

فالإصلاح المزعوم الذي بدأ عام 2016 ببرنامج "التعويم" ورفع الدعم وزيادة الضرائب، لم يكن إصلاحاً بل تحميلاً للفقراء كلفة الديون والعجز. وفي الوقت الذي يتحدث فيه المسؤولون عن "الانطلاقة"، تتجه الاستثمارات الضخمة إلى العقارات الفاخرة والمشروعات السياحية التي تخدم أصحاب رؤوس الأموال، بينما لا يجد ملايين الشباب فرصاً للعمل أو السكن. بل إن كثيراً من هذه المشاريع، كمنطقة علم الروم في مطروح التي تُقدّر استثماراتها بـ29 مليار دولار، هي شراكات رأسمالية أجنبية تستحوذ على الأراضي والثروات وتحوّلها إلى مصدر ربح للمستثمرين، لا مصدر رزق للناس.

النظام يفشل ليس لأنه فاسد فحسب، بل لأنه يسير على أساسٍ فكريٍّ باطلٍ هو النظام الرأسمالي، الذي يجعل المال محوراً لكل سياسات الدولة. فالرأسمالية تقوم على حرية التملك المطلقة، وتسمح بتكديس الثروة في يد القلة التي تملك أدوات الإنتاج، فيما تتحمل الكثرة عبء الضرائب والأسعار والدَّين العام.

ولهذا، فإن كل ما يُسمى "برامج حماية اجتماعية" ما هو إلا محاولة لتجميل وجه الرأسمالية الوحشي، وإطالة عمر نظامٍ جائرٍ يراعي الأغنياء ويجبي من الفقراء. فبدلاً من معالجة أصل الداء؛ أي احتكار الثروة وتبعية الاقتصاد للمؤسسات الدولية، يُكتفى بتوزيع فتات من الإعانات النقدية، لا ترفع فقراً ولا تحفظ كرامة.

إن الرعاية ليست منّةً من الحاكم على الرعية، بل واجب شرعي، ومسؤولية يحاسبه الله عليها في الدنيا والآخرة. وما يجري اليوم، هو إهمال متعمّد لشؤون الناس، وتخلٍّ عن واجب الرعاية لصالح قروضٍ مشروطة من صندوق النقد والبنك الدوليين.

لقد أصبحت الدولة وسيطاً بين الفقير والدائن الأجنبي، تفرض الضرائب وتقلّص الدعم وتبيع الممتلكات العامة لسدّ عجزٍ متضخم صنعه النظام الرأسمالي نفسه. وفي هذا كله تغيب المفاهيم الشرعية التي تضبط الاقتصاد، كتحريم الربا، ومنع تملك الثروات العامة للأفراد، ووجوب النفقة على الرعية من بيت مال المسلمين.

لقد قدم الإسلام نظاماً اقتصادياً متكاملاً يعالج الفقر من جذوره، لا بمجرد دعمٍ نقدي أو مشروعات تجميلية. هذا النظام يقوم على أسسٍ شرعيةٍ ثابتة أبرزها:

1- تحريم الربا والديون الربوية التي تُكبّل الدولة وتستنزف مواردها، فبزوال الربا تزول تبعية الاقتصاد للمؤسسات الدولية، وتُعاد السيادة المالية للأمة.

2- جعل الملكيات ثلاثة أنواع:

ملكية فردية: كالبيوت والمتاجر والمزارع الخاصة...

ملكية عامة: تشمل الثروات الكبرى كالنفط والغاز والمعادن والمياه...

ملكية دولة: كأراضي الفيء والركاز والخراج...

وبهذا التوزيع تتحقق العدالة، إذ تُمنع فئة قليلة من احتكار موارد الأمة.

3- ضمان الكفاية لكل فرد من الرعية: فالدولة تضمن لكل إنسان في رعايتها حاجاته الأساسية من مأكل وملبس ومسكن، فإن عجز عن العمل وجب على بيت المال أن ينفق عليه.

4- الزكاة والإنفاق الإلزامي: الزكاة ليست إحساناً بل فريضة، تجمعها الدولة وتصرفها في مصارفها الشرعية للفقراء والمساكين والغارمين. وهي أداة توزيع فعّالة تعيد الأموال إلى دورة الحياة في المجتمع.

مع التحفيز على العمل المنتج ومنع الاستغلال، والحثّ على استثمار الموارد في مشاريع نافعة حقيقية كالصناعات الثقيلة والحربية لا في المضاربات والعقارات الفاخرة والمشاريع الوهمية. إلى جانب ضبط الأسعار بالعرض والطلب الحقيقيين لا بالاحتكار ولا بالتعويم.

إن دولة الخلافة على منهاج النبوة هي وحدها القادرة على تطبيق هذه الأحكام عملياً، لأنها تُبنى على أساس العقيدة الإسلامية، ويكون هدفها رعاية شؤون الناس لا جباية أموالهم. ففي ظل الخلافة، لا يوجد ربا ولا قروض مشروطة، ولا بيع للثروات العامة للأجانب، بل تُدار الموارد بما يحقق مصلحة الأمة، ويتولى بيت المال تمويل الرعاية الصحية والتعليم والمرافق العامة من موارد الدولة والخراج والأنفال والملكية العامة.

أما الفقراء، فتُكفل حاجاتهم الأساسية فرداً فرداً، لا عبر صدقات مؤقتة بل كحقٍّ شرعي مضمون. ولذا فإن محاربة الفقر في الإسلام ليست شعاراً سياسياً، بل نظام حياة متكامل يُقيم العدل ويمنع الظلم ويعيد الثروة إلى أهلها.

ما بين الخطاب الرسمي والواقع المعاش مسافةٌ هائلة لا تخفى على أحد. فبينما تتغنّى الحكومة بمشروعاتها "العملاقة" وبـ"الانطلاقة الحقيقية"، يعيش ملايين المصريين تحت خط الفقر، يعانون الغلاء والبطالة وانعدام الأمل. والحقيقة أن هذه المعاناة لن تزول ما دامت مصر تسير في طريق الرأسمالية، تُسلِّم اقتصادها للمرابين وتخضع لسياسات المؤسسات الدولية.

إن أزمات ومشكلات مصر هي مشكلات إنسانية وليست مادية، وتتعلق بها أحكام شرعية تبين كيفية التعامل معها وعلاجها على أساس الإسلام، وإن الحلول أسهل من غض الطرف لكنها تحتاج إدارة مخلصة تملك إرادة حرة تريد السير في الطريق الصحيح وتريد الخير لمصر وأهلها حقا، وحينها على هذه الإدارة أن تراجع كل العقود التي أبرمت سابقا والتي تبرم مع كل الشركات التي تحتكر أصول البلاد وما هو من ملكياتها العام وعلى رأسها شركات التنقيب عن الغاز والنفط والذهب وباقي المعادن والثروات، وتطرد كل تلك الشركات لأنها في الأصل شركات استعمارية ناهبة لثروات البلاد، ثم تصوغ عهدا جديدا يقوم على تمكين الناس من ثروات البلاد وإنشاء أو استئجار شركات تقوم هي على إنتاج الثروة من منابع النفط والغاز والذهب وغيرها من المعادن وتعيد توزيع هذه الثروات على الناس من جديد، حينها سيتمكن الناس من زراعة الأرض الموات التي ستمكنهم الدولة من استغلالها بحقهم فيها، وسيتمكنون أيضا من صناعة ما يجب أن يصنع ليرتفع باقتصاد مصر ويكفي أهلها، وستدعمهم الدولة في هذا السبيل، وإن كل هذا ليس ضربا من الخيال ولا مستحيل الحدوث ولا مشروعا نعرضه للتجربة قد ينجح أو يفشل، وإنما هي أحكام شرعية لازمة ملزمة للدولة والرعية، فلا يجوز للدولة أن تفرط في ثروات البلاد التي هي ملك للناس بدعوى عقود أقرتها وأيدتها وتحميها قوانين دولية جائرة، ولا يجوز لها أن تمنع الناس منها بل يجب أن تقطع كل يد تمتد ناهبة إلى ثروات الناس، هذا ما يقدمه الإسلام ويجب تنفيذه، إلا أنه لا يطبق بمعزل عن باقي أنظمة الإسلام بل إنه لا يطبق إلا من خلال دولة الخلافة الراشدة على منهاج النبوة، هذه الدولة التي يحمل همها والدعوة إليها حزب التحرير ويدعو مصر وأهلها شعبا وجيشا إلى العمل معه من أجلها، عسى الله أن يكتب الفتح من عنده فنراها واقعا يعز الإسلام وأهله، اللهم عاجلا غير آجل.

﴿وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرَىٰ آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَفَتَحْنَا عَلَيْهِم بَرَكَاتٍ مِّنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ﴾

كتبه للمكتب الإعلامي المركزي لحزب التحرير

سعيد فضل

عضو المكتب الإعلامي لحزب التحرير في ولاية مصر