في فقد الخلافة لم يبارحنا الحزن والظلم
March 13, 2021

في فقد الخلافة لم يبارحنا الحزن والظلم

في فقد الخلافة لم يبارحنا الحزن والظلم


نحن نعيش مراحل مظلمة من التاريخ، تشبه مراحل الحياة الجاهلية في مكة المكرمة. مراحل ظلام بلغت حدا تجاوز فيه الانحلال الخلقي كل دركات الانحطاط، وهضم فيه القوي حق الضعيف، زمان عرف للظالم فيه الحق والامتياز، تماما كذلك الزمان الذي عاشته مكة قبل مجيء الإسلام، زمان حالك استمرأ الناس فيه الظلم واتخذوا من دون الله أربابا.


لكن استمرار الفتنة والظلم لا يلبثان يزولان بظهور الحق، كما يزول الظلام المخيم بانبلاج الصبح المستنير. وكذلك انتشر الشفق في مكة وتبدد الظلام وتعالى نور الصباح بحدوث النور الأول الذي وقع على غار حراء فبدد الظلام بنزول الوحي. لكن العقول التي اعتادت الظلام دائما ما تناصب النور والضياء العداء، وهو عين ما حدث في مكة، حيث إن الذين اعتادوا على التحكم بالناس عن طريق منظومة الفساد التي أسسوها في ظلام الجاهلية، لم يكونوا ليأذنوا بانهيار أنظمتهم ولا بزوال سلطانهم من بين أيديهم.


ولهذا السبب استمرأوا كل أنواع الظلم في حق الرسول ﷺ وصحبه حيث كان الرسول ﷺ يعمل على إعلاء حكم الإسلام في مكة. وحشد مشركو مكة في الهجوم جميع ما يمكنهم، ونظروا إلى الأمر باعتباره مسألة حياة أو موت.


لكن صاحب هذا النور وهو الله سبحانه وتعالى بدد ظلام الليل به، وأذن بأن يعم الضياء وجه الأرض، وما كان الله بعد هذا الإذن ليمكن تلك الزمرة التي اعتادت الظلمة من تغطية نوره، وما كان له أن يذر من نصر دينه بلا سند وظهير.


وهكذا كان، فقد تحولت مكة إلى مركز من مراكز الظلم، وجمدت على حالة الكفر، حتى أذن الله سبحانه وتعالى بفتح باب المدينة المنورة. فبينما صدت كثير من القبائل رسول الله ﷺ عندما راح يطلب النصرة لديها، جاءت طليعة الأنصار بنفسها من المدينة إلى رسول الله ﷺ. وكانت هذه اللقاءات بداية الحركة التي ستغير حال المسلمين خصوصا وتاريخ الإنسانية عموما. وهكذا ابتدأت رحلة الهجرة العظمى، وقام المسلمون بقيادة رسول الله ﷺ بإنشاء أول دولة أقاموا بها الحياة الإسلامية.


ومع إمكان تطبيق الإسلام في الحياة عن طريق هذه الدولة، أخذت الشعوب تنال شرف الاستضاءة بنور الإسلام أفواجا أفواجا بصورة سريعة، في البلاد التي انتشر فيها. وكما استمر هذا الحال طوال الحياة التي عاشها رسول الله ﷺ، فقد استمر بعد موته على الشكل نفسه خلال حكم خلفائه الراشدين.


وقد طبق الخلفاء الراشدون أحكام السياسة العامة التي أخذوها عن رسول الله ﷺ على وجه التمام، حتى إن عدالة الإسلام وعزته ورحمته وقدرته أخذت بالانتشار في القارات خلال فترة قصيرة من الزمن، وصار الإسلام أملا وخلاصا للشعوب التي رزحت تحت الظلم دهورا، ولم تكن ثمة قوة تستطيع الوقوف في وجه الجيوش التي لا تخاف شيئا سوى الله، ولا تنحني إلا له سبحانه، ولا ترجو أجرا من أحد سواه، وتقدم الرغبة في الحياة الأخرى عن الرغبة في هذه الدنيا. وكانت جميع الجيوش التي واجهت جيوش الإسلام تُهزم شر هزيمة. وبسبب معرفة الخلفاء التامة بالإدارة وقضية تطبيق الإسلام، كانت رسالة رسول الله ﷺ تنتشر انتشارا سريعا، حتى إنه لم يكد يمر يوم من غير أن تنضم قطعة جديدة من البلاد إلى دار الإسلام عن طريق الدعوة والجهاد.


كان الكفاح يرفع شعار "حتى يكون الدين على هذه البسيطة لله"، وكان هذا الشعار يمكن أصحابه من كفاح العدو بلا توقف ولا خوف ولا تعب، كما كان - بسبب ما يضيفه الإسلام من بصيرة سياسية - يبدد جميع حيل الأعداء وخدعهم. ونحن اليوم نرى ونفهم بصورة أوضح كم كان الخلفاء واعين وهم يديرون شؤون الدولة بناء على هذا الأساس. وبينما كانت دولة الخلافة تمثل مصدر الرعب للكفار وهي تقدم إلى العالم نظامها دهورا طويلة، كانت كالقلعة المنتصبة في مواجهة ظلمهم. ومهما امتد عمرها فلن يرى أي نظام للكفر شكلا من أشكال الراحة.

نعم! لقد كان هؤلاء واعين على هذه الحقيقة، لذلك فقد تفننوا في استخدام أحط الأساليب على طول مئات السنين، حتى هدموا دولة الإسلام التي تأسست في السنة الأولى من الهجرة الموافقة لسنة 622 للميلاد، باستخدام العصابة التي استقطبوها في سنة 1342هـ - 1924م.


وبمثل ما ارتفع قدر المسلمين بإنشاء الدولة الإسلامية حين جعلت حفظ دمائهم وأنفسهم وأموالهم مقاصد لها، فقد فقدوا بمثل ذلك عزتهم وهيبتهم حين هدمت. وبينما كانت الأمة الإسلامية إلى وقت قريب مضى هي مصدر الأمن والأمان لجميع بني الإنسان، صارت اليوم عاجزة حتى عن حماية نفسها. وبينما كان الجهاد في الأمس يعلن إذا امتدت يد عديم رجولة إلى حجاب امرأة مسلمة، انحط فيها أناس إلى دركة صاروا يدافعون فيها اليوم عن سفورها وتحررها من الحجاب بحجة الحريات.


إنه من الطبيعي أن يكون أول وأكبر ما خسرناه بفقد الخلافة هو فقداننا تطبيق الإسلام في واقع الحياة، هذا الحال الذي أشرع جميع أبواب المصائب والبلايا على مصاريعها. وعندما حرم المسلمون الدولة التي تحميهم، خضعوا لجميع أنواع عقائد الكفر، ودنست أراضيهم ببساطير الكفار، وديس شرفهم بالأقدام، ومنعت رايتهم من أن تخفق فوق ربوع أرضهم، وعُدّ العمل لتحكيم الإسلام جرماً، ودفع المجتمع نحو الانحطاط الخلقي دفعا، وتعرضت قلعة العائلة وحصانة النسل إلى الانتهاك في كل يوم، وأخذت حمم القذائف تتساقط كالمطر كل يوم فوق رؤوس أبناء الأمة، وأخذ الموت والخراب مأخذ الأحداث المعتادة، كما أخذت كل أنواع الظلم والفتنة تحيط بالعالم من جوانبه.


وهكذا صار الذي يشكل وجهة حياة المسلمين ليس الإسلام، بل الأفكار المنحطة والعقائد الباطلة. كما أحاطت مشاعر الخجل من قيمنا، وأعمال تقليد الغرب أول ما أحاطت بالفئة المثقفة منا وأصحاب الرأي، حتى عمت أجيالنا بعد ذلك. بل صار حتى علماؤنا يخجلون من الصدع بالحق خشية التعارض مع المعاصرة والحداثة المزعومتين، ولم يعد السياسيون قادرين على أخذ قرارات سياسية واقتصادية ذاتية مبنية على أحكام الإسلام وقيم المسلمين، بل صاروا يفتخرون بتقليد وتطبيق قوانين الغرب ومخرجاتهم.


وبينما كنا في الأزمنة السابقة لا ننبس ببنت شفة أمام هجمات الغرب على مقدساتنا وقيمنا، صرنا نحن من يهاجم هذه المقدسات والقيم بمرور الزمان! وصارت الأجيال التي نشأت على عداوة قيمها سهاما موجهة إلى نحور المسلمين!! لقد بعثرت أنظمة الكفر التي شرعت المحرمات جميع مقاييسنا وخطوطنا الحمراء. والذين زعموا أنهم تصدروا المشهد لتنشئة جيل متدين مؤمن، تجردوا للدفاع عن شياطين الخلاعة والضلالة.


وبينما الخلافة تقدم نظاما للعالم أجمع، نكص القوم على أعقابهم يدافعون اليوم عن الأفكار والأنظمة الناتجة عن حضارة الغرب العفنة. وبينما كنا أمة تقتفي الأمم آثارها في الإبداع والتكنولوجيا وسائر فروع العلم، صرنا مثالا للتخلف والتبعية.


وفي النتيجة، لم يعد لنا شيء من القيم والمبادئ والقدوة والخطوط الحمراء، وبسبب غياب الإسلام اليوم عن تقويم جميع مناحي حياتنا، فلم يعد شيء من أعمالنا يسير بشكل صحيح ولا قامة من قاماتنا معتدلة. أحاط الظلم والمظالم بكل الأنحاء، صار العصر الذي فقدنا فيه الخلافة ليس سوى عصر حزن ومظالم على الأمة، ولن يزول هذا الحزن ولن تزول هذه المظالم إلا بعودة الخلافة.


#أقيموا_الخلافة
#ReturnTheKhilafah
#YenidenHilafet
#خلافت_کو_قائم_کرو

كتبه للمكتب الإعلامي المركزي لحزب التحرير
أحمد سابا

المزيد من القسم null

لا تنخدعوا بالأسماء فالعبرة بالمواقف لا بالأنساب

لا تنخدعوا بالأسماء فالعبرة بالمواقف لا بالأنساب

في كل مرة يُقدَّم لنا "رمز جديد" له جذور مسلمة أو ملامح شرقية، يهلل كثير من المسلمين، وتُبنى الآمال على وهمٍ اسمه "التمثيل السياسي" في نظامٍ كافر لا يعترف بالإسلام حكماً ولا عقيدةً ولا شريعةً.

نذكر جميعاً الفرح العارم الذي اجتاح مشاعر كثيرين عند فوز أوباما في 2008. فهو ابن كينيا، وله أب مسلم! وهنا توهم البعض أن الإسلام والمسلمين باتوا قريبين من النفوذ الأمريكي، لكن أوباما كان أحد أكثر الرؤساء إيذاءً للمسلمين فقد دمر ليبيا، وساهم في مأساة سوريا، وأشعل أفغانستان والعراق بطائراته وجنوده، بل كان سفاك الدماء في اليمن عبر أدواته وكان عهده استمراراً لعداء ممنهج ضد الأمة.

واليوم يتكرر المشهد، لكن بأسماء جديدة. فـزوهران ممداني يُحتفى به لأنه مسلم ومهاجر وشاب، وكأنه المنقذ! لكن قليلين فقط ينظرون إلى مواقفه السياسية والفكرية. هذا الرجل من الداعمين الأشداء للشواذ المثليين، ومشارك في فعالياتهم، ويعتبر انحرافهم حقوقاً إنسانية!

أي خزي هذا يُعلق عليه الناس آمالاً؟! ألم يكن تكراراً للخيبة السياسية والفكرية نفسها التي وقعت فيها الأمة مراراً وتكراراً؟! نعم لأنها تُفتن بالشكل لا بالجوهر! تُخدع بالابتسامات، وتتعامل بالعاطفة لا بالعقيدة، وبالأسماء لا بالمفاهيم، وبالرموز لا بالمبادئ!

إن هذا الانبهار بالأشكال والأسماء نتيجة غياب الوعي السياسي الشرعي، لأن الإسلام لا يقاس بالأصل أو الاسم أو العرق، بل بالالتزام بمبدأ الإسلام كاملاً؛ نظاماً وعقيدةً وشريعةً. ولا قيمة لمسلم لا يحكم بالإسلام ولا ينصره، بل يخضع للنظام الرأسمالي الكافر، ويبرر الكفر والانحرافات باسم "الحرية".

وليعلم جميع المسلمين الذين فرحوا بفوزه وظنّوا أنه بذرة خير أو بداية نهوض، أن النهوض لا يكون من داخل أنظمة الكفر، ولا بأدواتها، ولا عبر صناديق اقتراعها، ولا تحت سقف دساتيرها.

فمن يُقدّم نفسه عبر النظام الديمقراطي، ويقسم على احترام قوانينه، ثم يدافع عن الشذوذ الجنسي ويحتفل به، ويدعو إلى ما يغضب الله، فهو ليس نصيراً للإسلام ولا أملاً للأمة، بل هو أداة تلميع وتمييع، وتمثيل مزيّف لا يُقدّم ولا يؤخر.

إن ما تسمى النجاحات السياسية في الغرب لبعض الشخصيات ذات الأسماء الإسلامية، ما هي إلا فُتات يُقدَّم كمسكنات للأمة، ليقال لها: انظروا، التغيير ممكن عبر أنظمتنا.

 فما حقيقة هذا "التمثيل"؟

الغرب لا يفتح أبواب الحكم للإسلام، بل يفتحها فقط لمن يتماهى مع قيمه وأفكاره. وأي شخص يدخل نظامهم لا بد أن يقبل بدستورهم، وبقوانينهم الوضعية، وأن يتنكر لحكم الإسلام، فإن رضي بذلك، أصبح نموذجاً مقبولاً، أما المسلم الحق، فهو مرفوض عندهم من جذوره.

فمن هو زهران ممداني؟ ولماذا يُصنع هذا الوهم؟

هو شخص يحمل اسماً مسلماً لكنه متبنٍ لأجندة منحرفة مخالفة تماماً لفطرة الإسلام، من دعم المثليين، والترويج لما يُسمى بـ"حقوقهم"، وهو نموذج حي لكيف يصنع الغرب نماذجه: مسلم بالاسم، علماني بالفعل، خادم لأجندة الليبرالية الغربية لا أكثر. بل لإشغال الأمة عن طريقها الحقيقي، فبدل أن تطالب بدولة الإسلام والخلافة، تنشغل بالمقاعد النيابية والمناصب في أنظمة كفر! وبدل أن تتوجه لتحرير فلسطين، تنتظر مَن "يدافع عن غزة" من داخل الكونغرس الأمريكي أو البرلمان الأوروبي!

فحقيقة الأمر أن هذا تشويه لطريق التغيير الحقيقي، وهو إقامة الخلافة الراشدة على منهاج النبوة، التي تُعلي راية الإسلام، وتقيم شرع الله، وتوحد الأمة خلف خليفة واحد يُقاتل من ورائه ويُتقى به.

فلا تنخدعوا بالأسماء، ولا تفرحوا بمن ينتمي لكم شكلاً ويخالفكم مضموناً، فليس كل من حمل اسم سعيد أو علي أو زهران هو على طريق نبينا محمد ﷺ.

واعلموا أن التغيير لا يأتي من داخل برلمانات الكفر، بل من جيوش الأمة التي آن لها أن تتحرك، ومن شبابها الواعين الذين يعملون ليلا ونهارا لقلب الطاولة على رؤوس الغرب وأعوانه وأتباعه الخائنين في بلاد الإسلام والمسلمين.

فالمسلمون لن ينهضوا عبر انتخابات الديمقراطية ولا من خلال صناديق الغرب، بل بنهضة حقيقية على أساس العقيدة الإسلامية، بإقامة دولة الخلافة الراشدة التي تُعيد للإسلام مكانته، وللمسلمين عزّتهم، وتحطم أوهام الديمقراطية.

لا تنخدعوا بالأسماء، ولا تعلقوا آمالكم على أفراد في أنظمة كفر، بل ارجعوا إلى مشروعكم العظيم: استئناف الحياة الإسلامية، فهذا وحده طريق العزة والنصر والتمكين.

فالمشهد تكرار مُهين لمآسٍ قديمة: رموز مزيفة، وولاء للأنظمة الغربية، وانحراف عن طريق الإسلام. وكل من يُصفّق لهذا المسار، إنما يضلل الأمة. فعودوا إلى مشروع الخلافة، ولا تجعلوا أعداء الإسلام يصنعون لكم قادتكم وممثليكم. فالعزة ليست في مقاعد الديمقراطية، بل في سدة الخلافة التي يعمل لها حزب التحرير ويُحذر الأمة من هذا الانحدار الفكري والسياسي. فلا خلاص لنا إلا بدولة الخلافة، التي لا تسمح بأن يحكم المسلمين من يدين بدين غير الإسلام، ولا بمن يبرر الشذوذ والانحراف، ولا بمن يُشرّع للناس غير ما أنزل الله.

كتبه لإذاعة المكتب الإعلامي المركزي لحزب التحرير

عبد المحمود العامري – ولاية اليمن

مصر بين الشعارات الحكومية والواقع المرّ  الحقيقة الكاملة عن الفقر، والسياسات الرأسمالية

مصر بين الشعارات الحكومية والواقع المرّ

الحقيقة الكاملة عن الفقر، والسياسات الرأسمالية

نقلت بوابة الأهرام الثلاثاء 4 تشرين الثاني/نوفمبر 2025م، أن رئيس الوزراء المصري، في كلمة ألقاها نيابةً عن الرئيس في القمة العالمية الثانية للتنمية الاجتماعية في العاصمة القطرية الدوحة، قال إنّ مصر تطبّق نهجاً شاملاً للقضاء على الفقر في جميع أشكاله وأبعاده، بما في ذلك "الفقر متعدد الأبعاد".

منذ سنوات، لا يكاد يخلو خطاب رسمي في مصر من عباراتٍ مثل "نهج شامل للقضاء على الفقر" و"الانطلاقة الحقيقية للاقتصاد المصري". يكرّر المسؤولون هذه الشعارات في المؤتمرات والمناسبات، مصحوبة بصور براقة لمشروعات استثمارية وفنادق ومنتجعات. لكن الواقع، كما تشهد عليه التقارير الدولية، مختلف تماماً. فالفقر في مصر ما زال ظاهرةً راسخة، بل متفاقمة، رغم الوعود الحكومية المتكرّرة بالتحسن والنهضة.

بحسب تقارير اليونيسف والإسكوا وبرنامج الغذاء العالمي لعامي 2024 و2025، يعيش نحو واحد من كل خمسة مصريين في فقرٍ متعدد الأبعاد، أي محروم من أكثر من جانب من جوانب الحياة الأساسية كالتعليم والصحة والسكن والعمل والخدمات. كما تؤكد البيانات أن أكثر من 49% من الأسر تعاني من صعوبات في الحصول على غذاء كافٍ، وهو رقم صادم يعكس عمق الأزمة المعيشية.

أما الفقر المالي، أي انخفاض الدخل مقارنة بتكاليف المعيشة، فقد ارتفع بصورة حادة، نتيجة موجات التضخم المتلاحقة التي أكلت أجور الناس وجهودهم ومدخراتهم، حتى أصبحت نسبة كبيرة من المصريين تحت خط الفقر المالي رغم عملهم الدائم.

وبينما تتحدث الحكومة عن مبادرات مثل "تكافل وكرامة" و"حياة كريمة"، تكشف الأرقام الدولية أن هذه البرامج لم تغيّر بنية الفقر جذرياً، بل اقتصرت على مسكّنات مؤقتة أشبه بالقطرة التي تُسكب في صحراء. فما زال الريف المصري الذي يقطنه أكثر من نصف السكان، يعاني من ضعف الخدمات وانعدام فرص العمل اللائق وتهالك البنية الأساسية. ويؤكد تقرير الإسكوا أن الحرمان في الريف يفوق نظيره في المدن بعدة أضعاف، ما يدل على سوء توزيع الثروة والإهمال المزمن للأطراف.

حين يشكر رئيسُ الوزراء ابنَ البلد "الذي تحمّل مع الحكومة إجراءات الإصلاح الاقتصادي"، فإنه في الواقع يُقرّ بوجود معاناة حقيقية ناتجة عن تلك السياسات. غير أن هذا الاعتراف لا يتبعه تغيير في المنهج، بل مزيد من السير في الطريق الرأسمالي نفسه الذي سبّب الأزمة.

فالإصلاح المزعوم الذي بدأ عام 2016 ببرنامج "التعويم" ورفع الدعم وزيادة الضرائب، لم يكن إصلاحاً بل تحميلاً للفقراء كلفة الديون والعجز. وفي الوقت الذي يتحدث فيه المسؤولون عن "الانطلاقة"، تتجه الاستثمارات الضخمة إلى العقارات الفاخرة والمشروعات السياحية التي تخدم أصحاب رؤوس الأموال، بينما لا يجد ملايين الشباب فرصاً للعمل أو السكن. بل إن كثيراً من هذه المشاريع، كمنطقة علم الروم في مطروح التي تُقدّر استثماراتها بـ29 مليار دولار، هي شراكات رأسمالية أجنبية تستحوذ على الأراضي والثروات وتحوّلها إلى مصدر ربح للمستثمرين، لا مصدر رزق للناس.

النظام يفشل ليس لأنه فاسد فحسب، بل لأنه يسير على أساسٍ فكريٍّ باطلٍ هو النظام الرأسمالي، الذي يجعل المال محوراً لكل سياسات الدولة. فالرأسمالية تقوم على حرية التملك المطلقة، وتسمح بتكديس الثروة في يد القلة التي تملك أدوات الإنتاج، فيما تتحمل الكثرة عبء الضرائب والأسعار والدَّين العام.

ولهذا، فإن كل ما يُسمى "برامج حماية اجتماعية" ما هو إلا محاولة لتجميل وجه الرأسمالية الوحشي، وإطالة عمر نظامٍ جائرٍ يراعي الأغنياء ويجبي من الفقراء. فبدلاً من معالجة أصل الداء؛ أي احتكار الثروة وتبعية الاقتصاد للمؤسسات الدولية، يُكتفى بتوزيع فتات من الإعانات النقدية، لا ترفع فقراً ولا تحفظ كرامة.

إن الرعاية ليست منّةً من الحاكم على الرعية، بل واجب شرعي، ومسؤولية يحاسبه الله عليها في الدنيا والآخرة. وما يجري اليوم، هو إهمال متعمّد لشؤون الناس، وتخلٍّ عن واجب الرعاية لصالح قروضٍ مشروطة من صندوق النقد والبنك الدوليين.

لقد أصبحت الدولة وسيطاً بين الفقير والدائن الأجنبي، تفرض الضرائب وتقلّص الدعم وتبيع الممتلكات العامة لسدّ عجزٍ متضخم صنعه النظام الرأسمالي نفسه. وفي هذا كله تغيب المفاهيم الشرعية التي تضبط الاقتصاد، كتحريم الربا، ومنع تملك الثروات العامة للأفراد، ووجوب النفقة على الرعية من بيت مال المسلمين.

لقد قدم الإسلام نظاماً اقتصادياً متكاملاً يعالج الفقر من جذوره، لا بمجرد دعمٍ نقدي أو مشروعات تجميلية. هذا النظام يقوم على أسسٍ شرعيةٍ ثابتة أبرزها:

1- تحريم الربا والديون الربوية التي تُكبّل الدولة وتستنزف مواردها، فبزوال الربا تزول تبعية الاقتصاد للمؤسسات الدولية، وتُعاد السيادة المالية للأمة.

2- جعل الملكيات ثلاثة أنواع:

ملكية فردية: كالبيوت والمتاجر والمزارع الخاصة...

ملكية عامة: تشمل الثروات الكبرى كالنفط والغاز والمعادن والمياه...

ملكية دولة: كأراضي الفيء والركاز والخراج...

وبهذا التوزيع تتحقق العدالة، إذ تُمنع فئة قليلة من احتكار موارد الأمة.

3- ضمان الكفاية لكل فرد من الرعية: فالدولة تضمن لكل إنسان في رعايتها حاجاته الأساسية من مأكل وملبس ومسكن، فإن عجز عن العمل وجب على بيت المال أن ينفق عليه.

4- الزكاة والإنفاق الإلزامي: الزكاة ليست إحساناً بل فريضة، تجمعها الدولة وتصرفها في مصارفها الشرعية للفقراء والمساكين والغارمين. وهي أداة توزيع فعّالة تعيد الأموال إلى دورة الحياة في المجتمع.

مع التحفيز على العمل المنتج ومنع الاستغلال، والحثّ على استثمار الموارد في مشاريع نافعة حقيقية كالصناعات الثقيلة والحربية لا في المضاربات والعقارات الفاخرة والمشاريع الوهمية. إلى جانب ضبط الأسعار بالعرض والطلب الحقيقيين لا بالاحتكار ولا بالتعويم.

إن دولة الخلافة على منهاج النبوة هي وحدها القادرة على تطبيق هذه الأحكام عملياً، لأنها تُبنى على أساس العقيدة الإسلامية، ويكون هدفها رعاية شؤون الناس لا جباية أموالهم. ففي ظل الخلافة، لا يوجد ربا ولا قروض مشروطة، ولا بيع للثروات العامة للأجانب، بل تُدار الموارد بما يحقق مصلحة الأمة، ويتولى بيت المال تمويل الرعاية الصحية والتعليم والمرافق العامة من موارد الدولة والخراج والأنفال والملكية العامة.

أما الفقراء، فتُكفل حاجاتهم الأساسية فرداً فرداً، لا عبر صدقات مؤقتة بل كحقٍّ شرعي مضمون. ولذا فإن محاربة الفقر في الإسلام ليست شعاراً سياسياً، بل نظام حياة متكامل يُقيم العدل ويمنع الظلم ويعيد الثروة إلى أهلها.

ما بين الخطاب الرسمي والواقع المعاش مسافةٌ هائلة لا تخفى على أحد. فبينما تتغنّى الحكومة بمشروعاتها "العملاقة" وبـ"الانطلاقة الحقيقية"، يعيش ملايين المصريين تحت خط الفقر، يعانون الغلاء والبطالة وانعدام الأمل. والحقيقة أن هذه المعاناة لن تزول ما دامت مصر تسير في طريق الرأسمالية، تُسلِّم اقتصادها للمرابين وتخضع لسياسات المؤسسات الدولية.

إن أزمات ومشكلات مصر هي مشكلات إنسانية وليست مادية، وتتعلق بها أحكام شرعية تبين كيفية التعامل معها وعلاجها على أساس الإسلام، وإن الحلول أسهل من غض الطرف لكنها تحتاج إدارة مخلصة تملك إرادة حرة تريد السير في الطريق الصحيح وتريد الخير لمصر وأهلها حقا، وحينها على هذه الإدارة أن تراجع كل العقود التي أبرمت سابقا والتي تبرم مع كل الشركات التي تحتكر أصول البلاد وما هو من ملكياتها العام وعلى رأسها شركات التنقيب عن الغاز والنفط والذهب وباقي المعادن والثروات، وتطرد كل تلك الشركات لأنها في الأصل شركات استعمارية ناهبة لثروات البلاد، ثم تصوغ عهدا جديدا يقوم على تمكين الناس من ثروات البلاد وإنشاء أو استئجار شركات تقوم هي على إنتاج الثروة من منابع النفط والغاز والذهب وغيرها من المعادن وتعيد توزيع هذه الثروات على الناس من جديد، حينها سيتمكن الناس من زراعة الأرض الموات التي ستمكنهم الدولة من استغلالها بحقهم فيها، وسيتمكنون أيضا من صناعة ما يجب أن يصنع ليرتفع باقتصاد مصر ويكفي أهلها، وستدعمهم الدولة في هذا السبيل، وإن كل هذا ليس ضربا من الخيال ولا مستحيل الحدوث ولا مشروعا نعرضه للتجربة قد ينجح أو يفشل، وإنما هي أحكام شرعية لازمة ملزمة للدولة والرعية، فلا يجوز للدولة أن تفرط في ثروات البلاد التي هي ملك للناس بدعوى عقود أقرتها وأيدتها وتحميها قوانين دولية جائرة، ولا يجوز لها أن تمنع الناس منها بل يجب أن تقطع كل يد تمتد ناهبة إلى ثروات الناس، هذا ما يقدمه الإسلام ويجب تنفيذه، إلا أنه لا يطبق بمعزل عن باقي أنظمة الإسلام بل إنه لا يطبق إلا من خلال دولة الخلافة الراشدة على منهاج النبوة، هذه الدولة التي يحمل همها والدعوة إليها حزب التحرير ويدعو مصر وأهلها شعبا وجيشا إلى العمل معه من أجلها، عسى الله أن يكتب الفتح من عنده فنراها واقعا يعز الإسلام وأهله، اللهم عاجلا غير آجل.

﴿وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرَىٰ آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَفَتَحْنَا عَلَيْهِم بَرَكَاتٍ مِّنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ﴾

كتبه للمكتب الإعلامي المركزي لحزب التحرير

سعيد فضل

عضو المكتب الإعلامي لحزب التحرير في ولاية مصر