في ساحة الصراع الفكري حزب التحرير يجدد فهم المسلمين للإسلام بوصفه نظام حياة تطبقه دولة الخلافة
March 03, 2021

في ساحة الصراع الفكري حزب التحرير يجدد فهم المسلمين للإسلام بوصفه نظام حياة تطبقه دولة الخلافة

في ساحة الصراع الفكري حزب التحرير يجدد فهم المسلمين للإسلام
بوصفه نظام حياة تطبقه دولة الخلافة


من الفكر السياسي المنطبق على الواقع، أن الدول إنما تنشأ بنشوء أفكار جديدة تقوم عليها، ويتحول السلطان في الدولة بتحول الأفكار، والدول المبدئية هي التي يكون أساس الأفكار التي تقوم عليها هو المبدأ، وهو بالنسبة للمسلمين مبدأ الإسلام العظيم في عقيدته وشريعته، لذلك كان الصراع الفكري حتمياً لإقامة الدول أو إسقاطها، وهو ما يفسر كيف أن رسول الله ﷺ أول من أقام دولة على أساس عقيدة الإسلام. كيف أنه سبق العمل لإقامة الدولة بفكر الإسلام العظيم، الذي نزل به الوحي على قلبه ﷺ، وكيف أنه أعد أصحابه الكرام في دار الأرقم بن أبي الأرقم في الحلقات؛ يعد عقلياتهم ونفسياتهم لمعركة ذات طبيعة فكرية وليست ذات طبيعة مادية، حتى إن أهل الباطل عندما حاولوا جره إلى ساحات الصراع المادي بتعذيب أصحابه حتى القتل أحياناً لم يستجب لهم، فعَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللهِ رضي الله عنهما قَالَ: مَرَّ رَسُولُ اللهِ ﷺ بِعَمَّارٍ وَأَهْلِهِ وَهُمْ يُعَذَّبُونَ فَقَالَ: «صَبْراً آلَ يَاسِرٍ، فَإِنَّ مَوْعِدَكُمُ الْجَنَّةُ».


والفكر حتى يصل إلى سدة الحكم، وتقوم الدولة لا بد أن يستجيب المخلصون من أهل القوة والمنعة لهذا الفكر، وعندما انحاز أهل القوة والمنعة من الأوس والخزرج في المدينة المنورة للفكر الحق، قامت أعظم دولة عرفها التاريخ الإنساني، بل واستمرت ثلاثة عشر قرنا من الزمان، وهي زهرة الدنيا وشمسها المشرقة، تنتصر على الباطل في ميادين الصراع الفكري والصراع المادي.


غير أنه مع بداية القرن الثاني الهجري دخلت عوامل التغشية على الفكرة الإسلامية في أذهان المسلمين جراء التأثر بالفلسفات الأجنبية كالهندية والفارسية واليونانية في البلاد التي فتحها المسلمون، ما جعل بعض المسلمين يحاولون التوفيق بين الإسلام وهذه الفلسفات المتناقضة معه، فبدأ الضعف الفكري يتسرب إلى المسلمين.


ثم كانت العقود الأخيرة للخلافة العباسية فاصلة في مسيرة الأمة، فمنذ أوائل القرن السابع الهجري أهمل أمر اللغة العربية في فهم الإسلام، أي فصلت الطاقة العربية عن الطاقة الإسلامية، فكان ذلك سبباً في بداية انحطاط الأمة الإسلامية، لأنه ترتب عليه الضعف الشديد في أذهان المسلمين للإسلام.


ثم كان الغزو التبشيري والثقافي، ثم الغزو السياسي من الغرب الكافر المستعمر منذ أواخر القرن الحادي عشر الهجري، حتى إذا كان القرن الثالث عشر الهجري (التاسع عشر الميلادي)، أدرك الكافر ضعف المسلمين، فخرج النظام الرأسمالي؛ وهو نظام كفر، باطل، يتحدى نظام الإسلام في أفكاره ومشاعره، وما هي إلا جولة قصيرة حتى هُزم المسلمون الضعفاء، أما مبدأ الإسلام العظيم فلم يهزم، لأنه وحده هو الحق، فأساسه يقنع العقل، وهو يوافق الفطرة، وهو صالح لكل عصر، ولكل شعب، إذ لديه القدرة على إعطاء رأي ومعالجة لأي مشكلة دون الابتعاد عن أساسه؛ أي دون تحريفه.


أما خطة الغرب الكافر لإلحاق الهزيمة الفكرية بالمسلمين فكانت مبنية على ثلاث ركائز:


أولاً: مهاجمة أفكار الإسلام وأحكامه، يوسعونها نقداً وتزييفاً، فهاجم تعدد الزوجات فقال هذه همجية، واعتبرها غدراً بالمرأة وتقويضاً للبيت، وهاجم الخلافة وقال هذه ديكتاتورية، وهاجم الجهاد بوصفه عدواناً على الشعوب.


ثانياً: تحدى الإسلام بأن يوجد حلولاً للمشاكل المتجددة والمتعددة، فيبين حكمها وكيفية معالجتها، بل ويعرض حلوله لمشاكله ويتساءل ما هو رأي الإسلام فيها، فيسأل هل يقول الإسلام في التشريع بالنزعة المادية أم بالنزعة النفسية (النص أم روح النص)؟ وهل جاء الإسلام بالحريات العامة وماذا قال فيها...؟


ثالثاً: هاجم المشاعر الإسلامية، فقال عن التمسك بأحكام الإسلام بأنه عصبية مذهبية، وقال عن بغض المسلمين للكفر والكفار، وحبهم للإسلام والمسلمين، بأنه عصبية دينية، وهكذا...


لقد استطاع الغرب الكافر أن ينتصر فكرياً على المسلمين الضعفاء المنهزمين، الذين تخلوا عن السلاح الحاسم للمعركة، ألا وهو الإسلام العظيم، وبذلك مهّد الكافر لهدم الخلافة في 28 رجب 1342هـ، وبذلك دمِّرت الدولة الإسلامية تدميراً تاماً، وأُزيل الإسلام بوصفه نظاماً للحياة من الوجود، ولم يحرّك ذلك الأمة الإسلامية أدنى حركة، فكان ذلك دليلاً على الخلل الكبير في كيان الأمة.


ثم نشأ حزب التحرير في منتصف القرن الماضي، وهو يعي على هذه الحقائق، فبدأ بسد الثغرات التي تدفقت عبرها ثقافة الغرب الكافر، واقتلع الانهزام النفسي من المسلمين، وجدّد فهم المسلمين للإسلام بوصفه نظاماً للحياة، تطبقه دولة الخلافة على منهاج النبوة التي أظل زمانها، فاقتربت الأمة الإسلامية من روضة الحياة الإسلامية، وبدأت تتنسم عبيرها، فجن جنون الغرب الكافر، وهو يحس بنذر الهزيمة في ساحات الصراع الفكري، فبدأ ينقلب على أسس حضارته ينقض غزله من بعد قوة أنكاثاً، يشيع في مجتمعاته (الإسلاموفوبيا)، يبني جداراً أوهن من خيوط العنكبوت بين شعوبه والإسلام حتى لا يؤتى من الداخل.


ثم خرج يحارب أفكار الإسلام وأحكامه التي هزمه أصحابها في ساحات الصراع الفكري. خرج يحارب هذه الأفكار، ليس بالفكر، بل بدباباته وطائراته وأسلحته الفتاكة في حرب تستهدف عقول المسلمين.


لقد استطاع الكافر المستعمر أن يهدم الخلافة في عقول المسلمين قبل أن يهدمها في واقع حياتهم، لذلك كانت ردة فعل المسلمين ضعيفة، وبهدمها غاض الإسلام بوصفه نظام حياة تطبقه دولة الخلافة. والآن وبعد مضي مائة عام على هدم الخلافة والعيش في ظل أنظمة فصل الدين عن الحياة، كان الغرب الكافر يتوقع أن تموت هذه الأمة، وتمحى سيماها، وتصبح أثراً بعد عين، لولا فضل الله سبحانه وتعالى، وتوفيقه لحزب التحرير الذي قضى ما يقارب السبعة عقود، يجدد فهم الإسلام في أذهان المسلمين، ويعيد إفهام العلماء والمتعلمين، والعوام، ماذا يعني أن الإسلام نظام للحياة:


• مصدر الإسلام هو الوحي العظيم؛ الكتاب والسنة وما أرشدا إليه.


• الإسلام دين كامل تغطي أحكامه كافة نواحي الحياة، فالإنسان إنما يعيش في ثلاث علاقات، علاقته بربه تغطيها العقائد والعبادات، وعلاقته بنفسه تغطيها أحكام الأخلاق والمطعومات والملبوسات، وعلاقته بغيره أحكام المعاملات والعقوبات.


• التشريع الإسلامي هو خطوط عريضة، والاجتهاد المنضبط هو الأداة لاستنباط الأحكام والمعالجات من منطوق أو مفهوم أو معقول هذه الخطوط، دون الابتعاد عن هذه الخطوط العريضة بتأويل أو تحريف.


• الإسلام يقوم على العبودية لله سبحانه، والتي تتحقق بالتقيد بالحكم الشرعي، بمقياس الحلال والحرام، وليس بتبني فكرة الحريات العامة التي تتناقض مع الإسلام.


• السيادة للشرع وليست للشعب، فالأحكام، والتشريعات، وأنظمة الحياة مصدرها هو الوحي، وتؤخذ منه بقوة الدليل. وما أوردنا موارد الضنك والشقاء إلا التشريع البشري بالأغلبية.


ولإبراز تفرد أنظمة الإسلام عن غيرها، أتحدث عن نظام الحكم من خلال هذه الخطوط العريضة:


أولاً: إن نظام الحكم في الإسلام هو الخلافة


إن نظام الحكم في الإسلام هو الخلافة؛ وهي رئاسة عامة للمسلمين جميعاً في الدنيا لإقامة أحكام الشرع الإسلامي، وحمل الدعوة الإسلامية إلى العالم. وإقامة الخلافة فرض على المسلمين كافة في جميع أقطار العالم، والتقصير في القيام بهذا الفرض معصية من أكبر المعاصي يعذب الله عليها أشد العذاب، والدليل على وجوب إقامة الخلافة على المسلمين، من الكتاب، والسنة، والإجماع؛ فمن الكتاب قوله تعالى آمراً رسوله ﷺ أن يحكم بين المسلمين بما أنزل الله، وكان أمره له بشكل جازم، فقال تعالى: ﴿وَأَنِ احْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ وَاحْذَرْهُمْ أَنْ يَفْتِنُوكَ عَنْ بَعْضِ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ إِلَيْكَ﴾. ومن السنة ما رواه مسلم عن طريق نافع قال: قال لي ابن عمر سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ يَقُولُ: «مَنْ خَلَعَ يَداً مِنْ طَاعَةٍ، لَقِي اللهَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ لَا حُجَّةَ لَهُ، وَمَنْ مَاتَ وَلَيْسَ فِي عُنُقِهِ بَيْعَةٌ مَاتَ ميتة جاهلية». أما إجماع الصحابة فإنهم أجمعوا على لزوم إقامة خليفة لرسول الله ﷺ بعد موته، فكان أبو بكر، ثم عمر، ثم عثمان، ثم علي، ثم تتالت السلسلة رضوان الله عليهم أجمعين.

ثانياً: يتفرد نظام الحكم في الإسلام عن غيره من الأنظمة، وعن الواقع الذي نحياه، فمثلاً:


- في قمة الدولة لا تجد مجلس سيادة، ولا مؤسسة رئاسة الجمهورية، ولا الديوان الملكي، ولا الديوان الأميري، بل نجد الخليفة ومعاون التفويض، ومعاون التنفيذ، فالخليفة يأخذ الحكم ذاتياً بمجرد عقد البيعة له، أما المعاونون فإنهم يأخذون الحكم بتفويض الخليفة لهم. فقد كان رسول الله ﷺ رئيساً للدولة، وكان أبو بكر وعمر رضي الله عنهما وزيريه؛ أي معاوني التفويض، وكان علي بن أبي طالب، وشرحبيل بن حسنة معاوني التنفيذ، فكان علي كاتب العهود إذا عاهد، والصلح إذا صالح، وكان شرحبيل كاتب التوقيعات إلى الملوك.


- لا يدير مصالح الناس في الصحة والتعليم والكهرباء، والمياه، وغيرها مجلس وزراء من السياسيين، بل يديرها مدراء أكفاء، وهي ليست دوائر منفصلة، بل دائرة واحدة على رأس كل فرع منها موظف.


- الحكم في الولايات مركزي، والإدارة ليست مركزية، بمعنى أن الوالي يعينه الخليفة، ولا يستمد سلطته ذاتياً بالانتخاب.


- لا توجد في الإسلام حصانات لأي مسئول، ولا حتى للخليفة، فالجميع يخضعون لقضاء الدولة؛ الذي هو ثلاثة أنواع: قضاء المحاكم لفصل الخصومات بين الناس، وقضاء الحسبة لإزالة ما يقع على مرافق الجماعة من تعديات وأضرار، وقضاء المظالم لإزالة ما يقع من الدولة من ظلم على الرعية، وللفصل بين الرعية والدولة. فالخليفة يخضع لقاضي المظالم، وللحكم الشرعي الذي يحكم به. هذا النظام أرقى من النظام الرئاسي الأمريكي حيث يحاكم الرئيس بواسطة الكونغرس وليس القضاء، فنواب الكونغرس ليسوا محايدين، بل هم من حزب الرئيس ومنحازون له، وقد رأينا كيف فشل الكونغرس في إدانة ترامب مرتين بالرغم من أنه انتهك الدستور.


- مجلس الأمة للشورى والمحاسبة، لا لتشريع الأحكام بالأغلبية كما في النظام الديمقراطي، ويجوز أن يكون في عضويته غير المسلمين للشكوى من ظلم الحكام لهم، أو إساءة تطبيق الإسلام عليهم، أو عدم توفر الخدمات ونحو ذلك، وينتخب أعضاؤه من الأمة لأنهم وكلاء في الرأي عن الناس.


اليوم، وبعد مضي مائة عام على هدم الخلافة، أصبحت أمتنا تعي أنها أمة إسلامية واحدة، وتدرك عدوها وأدواته، وتتطلع للعيش في كنف الإسلام العظيم تطبقه الخلافة الراشدة على منهاج النبوة، وللاستزادة، ولأجل إكمال تصور الحياة الإسلامية، والمخطط الهندسي لاستئنافها، ندعوكم لدراسة الثقافة الإسلامية مفصلة ومركزة في حلقات حزب التحرير.


#أقيموا_الخلافة
#ReturnTheKhilafah
#YenidenHilafet
#خلافت_کو_قائم_کرو

كتبه للمكتب الإعلامي المركزي لحزب التحرير
حاتم جعفر إبراهيم (المحامي)
عضو مجلس الولاية لحزب التحرير في ولاية السودان

المزيد من القسم null

لا تنخدعوا بالأسماء فالعبرة بالمواقف لا بالأنساب

لا تنخدعوا بالأسماء فالعبرة بالمواقف لا بالأنساب

في كل مرة يُقدَّم لنا "رمز جديد" له جذور مسلمة أو ملامح شرقية، يهلل كثير من المسلمين، وتُبنى الآمال على وهمٍ اسمه "التمثيل السياسي" في نظامٍ كافر لا يعترف بالإسلام حكماً ولا عقيدةً ولا شريعةً.

نذكر جميعاً الفرح العارم الذي اجتاح مشاعر كثيرين عند فوز أوباما في 2008. فهو ابن كينيا، وله أب مسلم! وهنا توهم البعض أن الإسلام والمسلمين باتوا قريبين من النفوذ الأمريكي، لكن أوباما كان أحد أكثر الرؤساء إيذاءً للمسلمين فقد دمر ليبيا، وساهم في مأساة سوريا، وأشعل أفغانستان والعراق بطائراته وجنوده، بل كان سفاك الدماء في اليمن عبر أدواته وكان عهده استمراراً لعداء ممنهج ضد الأمة.

واليوم يتكرر المشهد، لكن بأسماء جديدة. فـزوهران ممداني يُحتفى به لأنه مسلم ومهاجر وشاب، وكأنه المنقذ! لكن قليلين فقط ينظرون إلى مواقفه السياسية والفكرية. هذا الرجل من الداعمين الأشداء للشواذ المثليين، ومشارك في فعالياتهم، ويعتبر انحرافهم حقوقاً إنسانية!

أي خزي هذا يُعلق عليه الناس آمالاً؟! ألم يكن تكراراً للخيبة السياسية والفكرية نفسها التي وقعت فيها الأمة مراراً وتكراراً؟! نعم لأنها تُفتن بالشكل لا بالجوهر! تُخدع بالابتسامات، وتتعامل بالعاطفة لا بالعقيدة، وبالأسماء لا بالمفاهيم، وبالرموز لا بالمبادئ!

إن هذا الانبهار بالأشكال والأسماء نتيجة غياب الوعي السياسي الشرعي، لأن الإسلام لا يقاس بالأصل أو الاسم أو العرق، بل بالالتزام بمبدأ الإسلام كاملاً؛ نظاماً وعقيدةً وشريعةً. ولا قيمة لمسلم لا يحكم بالإسلام ولا ينصره، بل يخضع للنظام الرأسمالي الكافر، ويبرر الكفر والانحرافات باسم "الحرية".

وليعلم جميع المسلمين الذين فرحوا بفوزه وظنّوا أنه بذرة خير أو بداية نهوض، أن النهوض لا يكون من داخل أنظمة الكفر، ولا بأدواتها، ولا عبر صناديق اقتراعها، ولا تحت سقف دساتيرها.

فمن يُقدّم نفسه عبر النظام الديمقراطي، ويقسم على احترام قوانينه، ثم يدافع عن الشذوذ الجنسي ويحتفل به، ويدعو إلى ما يغضب الله، فهو ليس نصيراً للإسلام ولا أملاً للأمة، بل هو أداة تلميع وتمييع، وتمثيل مزيّف لا يُقدّم ولا يؤخر.

إن ما تسمى النجاحات السياسية في الغرب لبعض الشخصيات ذات الأسماء الإسلامية، ما هي إلا فُتات يُقدَّم كمسكنات للأمة، ليقال لها: انظروا، التغيير ممكن عبر أنظمتنا.

 فما حقيقة هذا "التمثيل"؟

الغرب لا يفتح أبواب الحكم للإسلام، بل يفتحها فقط لمن يتماهى مع قيمه وأفكاره. وأي شخص يدخل نظامهم لا بد أن يقبل بدستورهم، وبقوانينهم الوضعية، وأن يتنكر لحكم الإسلام، فإن رضي بذلك، أصبح نموذجاً مقبولاً، أما المسلم الحق، فهو مرفوض عندهم من جذوره.

فمن هو زهران ممداني؟ ولماذا يُصنع هذا الوهم؟

هو شخص يحمل اسماً مسلماً لكنه متبنٍ لأجندة منحرفة مخالفة تماماً لفطرة الإسلام، من دعم المثليين، والترويج لما يُسمى بـ"حقوقهم"، وهو نموذج حي لكيف يصنع الغرب نماذجه: مسلم بالاسم، علماني بالفعل، خادم لأجندة الليبرالية الغربية لا أكثر. بل لإشغال الأمة عن طريقها الحقيقي، فبدل أن تطالب بدولة الإسلام والخلافة، تنشغل بالمقاعد النيابية والمناصب في أنظمة كفر! وبدل أن تتوجه لتحرير فلسطين، تنتظر مَن "يدافع عن غزة" من داخل الكونغرس الأمريكي أو البرلمان الأوروبي!

فحقيقة الأمر أن هذا تشويه لطريق التغيير الحقيقي، وهو إقامة الخلافة الراشدة على منهاج النبوة، التي تُعلي راية الإسلام، وتقيم شرع الله، وتوحد الأمة خلف خليفة واحد يُقاتل من ورائه ويُتقى به.

فلا تنخدعوا بالأسماء، ولا تفرحوا بمن ينتمي لكم شكلاً ويخالفكم مضموناً، فليس كل من حمل اسم سعيد أو علي أو زهران هو على طريق نبينا محمد ﷺ.

واعلموا أن التغيير لا يأتي من داخل برلمانات الكفر، بل من جيوش الأمة التي آن لها أن تتحرك، ومن شبابها الواعين الذين يعملون ليلا ونهارا لقلب الطاولة على رؤوس الغرب وأعوانه وأتباعه الخائنين في بلاد الإسلام والمسلمين.

فالمسلمون لن ينهضوا عبر انتخابات الديمقراطية ولا من خلال صناديق الغرب، بل بنهضة حقيقية على أساس العقيدة الإسلامية، بإقامة دولة الخلافة الراشدة التي تُعيد للإسلام مكانته، وللمسلمين عزّتهم، وتحطم أوهام الديمقراطية.

لا تنخدعوا بالأسماء، ولا تعلقوا آمالكم على أفراد في أنظمة كفر، بل ارجعوا إلى مشروعكم العظيم: استئناف الحياة الإسلامية، فهذا وحده طريق العزة والنصر والتمكين.

فالمشهد تكرار مُهين لمآسٍ قديمة: رموز مزيفة، وولاء للأنظمة الغربية، وانحراف عن طريق الإسلام. وكل من يُصفّق لهذا المسار، إنما يضلل الأمة. فعودوا إلى مشروع الخلافة، ولا تجعلوا أعداء الإسلام يصنعون لكم قادتكم وممثليكم. فالعزة ليست في مقاعد الديمقراطية، بل في سدة الخلافة التي يعمل لها حزب التحرير ويُحذر الأمة من هذا الانحدار الفكري والسياسي. فلا خلاص لنا إلا بدولة الخلافة، التي لا تسمح بأن يحكم المسلمين من يدين بدين غير الإسلام، ولا بمن يبرر الشذوذ والانحراف، ولا بمن يُشرّع للناس غير ما أنزل الله.

كتبه لإذاعة المكتب الإعلامي المركزي لحزب التحرير

عبد المحمود العامري – ولاية اليمن

مصر بين الشعارات الحكومية والواقع المرّ  الحقيقة الكاملة عن الفقر، والسياسات الرأسمالية

مصر بين الشعارات الحكومية والواقع المرّ

الحقيقة الكاملة عن الفقر، والسياسات الرأسمالية

نقلت بوابة الأهرام الثلاثاء 4 تشرين الثاني/نوفمبر 2025م، أن رئيس الوزراء المصري، في كلمة ألقاها نيابةً عن الرئيس في القمة العالمية الثانية للتنمية الاجتماعية في العاصمة القطرية الدوحة، قال إنّ مصر تطبّق نهجاً شاملاً للقضاء على الفقر في جميع أشكاله وأبعاده، بما في ذلك "الفقر متعدد الأبعاد".

منذ سنوات، لا يكاد يخلو خطاب رسمي في مصر من عباراتٍ مثل "نهج شامل للقضاء على الفقر" و"الانطلاقة الحقيقية للاقتصاد المصري". يكرّر المسؤولون هذه الشعارات في المؤتمرات والمناسبات، مصحوبة بصور براقة لمشروعات استثمارية وفنادق ومنتجعات. لكن الواقع، كما تشهد عليه التقارير الدولية، مختلف تماماً. فالفقر في مصر ما زال ظاهرةً راسخة، بل متفاقمة، رغم الوعود الحكومية المتكرّرة بالتحسن والنهضة.

بحسب تقارير اليونيسف والإسكوا وبرنامج الغذاء العالمي لعامي 2024 و2025، يعيش نحو واحد من كل خمسة مصريين في فقرٍ متعدد الأبعاد، أي محروم من أكثر من جانب من جوانب الحياة الأساسية كالتعليم والصحة والسكن والعمل والخدمات. كما تؤكد البيانات أن أكثر من 49% من الأسر تعاني من صعوبات في الحصول على غذاء كافٍ، وهو رقم صادم يعكس عمق الأزمة المعيشية.

أما الفقر المالي، أي انخفاض الدخل مقارنة بتكاليف المعيشة، فقد ارتفع بصورة حادة، نتيجة موجات التضخم المتلاحقة التي أكلت أجور الناس وجهودهم ومدخراتهم، حتى أصبحت نسبة كبيرة من المصريين تحت خط الفقر المالي رغم عملهم الدائم.

وبينما تتحدث الحكومة عن مبادرات مثل "تكافل وكرامة" و"حياة كريمة"، تكشف الأرقام الدولية أن هذه البرامج لم تغيّر بنية الفقر جذرياً، بل اقتصرت على مسكّنات مؤقتة أشبه بالقطرة التي تُسكب في صحراء. فما زال الريف المصري الذي يقطنه أكثر من نصف السكان، يعاني من ضعف الخدمات وانعدام فرص العمل اللائق وتهالك البنية الأساسية. ويؤكد تقرير الإسكوا أن الحرمان في الريف يفوق نظيره في المدن بعدة أضعاف، ما يدل على سوء توزيع الثروة والإهمال المزمن للأطراف.

حين يشكر رئيسُ الوزراء ابنَ البلد "الذي تحمّل مع الحكومة إجراءات الإصلاح الاقتصادي"، فإنه في الواقع يُقرّ بوجود معاناة حقيقية ناتجة عن تلك السياسات. غير أن هذا الاعتراف لا يتبعه تغيير في المنهج، بل مزيد من السير في الطريق الرأسمالي نفسه الذي سبّب الأزمة.

فالإصلاح المزعوم الذي بدأ عام 2016 ببرنامج "التعويم" ورفع الدعم وزيادة الضرائب، لم يكن إصلاحاً بل تحميلاً للفقراء كلفة الديون والعجز. وفي الوقت الذي يتحدث فيه المسؤولون عن "الانطلاقة"، تتجه الاستثمارات الضخمة إلى العقارات الفاخرة والمشروعات السياحية التي تخدم أصحاب رؤوس الأموال، بينما لا يجد ملايين الشباب فرصاً للعمل أو السكن. بل إن كثيراً من هذه المشاريع، كمنطقة علم الروم في مطروح التي تُقدّر استثماراتها بـ29 مليار دولار، هي شراكات رأسمالية أجنبية تستحوذ على الأراضي والثروات وتحوّلها إلى مصدر ربح للمستثمرين، لا مصدر رزق للناس.

النظام يفشل ليس لأنه فاسد فحسب، بل لأنه يسير على أساسٍ فكريٍّ باطلٍ هو النظام الرأسمالي، الذي يجعل المال محوراً لكل سياسات الدولة. فالرأسمالية تقوم على حرية التملك المطلقة، وتسمح بتكديس الثروة في يد القلة التي تملك أدوات الإنتاج، فيما تتحمل الكثرة عبء الضرائب والأسعار والدَّين العام.

ولهذا، فإن كل ما يُسمى "برامج حماية اجتماعية" ما هو إلا محاولة لتجميل وجه الرأسمالية الوحشي، وإطالة عمر نظامٍ جائرٍ يراعي الأغنياء ويجبي من الفقراء. فبدلاً من معالجة أصل الداء؛ أي احتكار الثروة وتبعية الاقتصاد للمؤسسات الدولية، يُكتفى بتوزيع فتات من الإعانات النقدية، لا ترفع فقراً ولا تحفظ كرامة.

إن الرعاية ليست منّةً من الحاكم على الرعية، بل واجب شرعي، ومسؤولية يحاسبه الله عليها في الدنيا والآخرة. وما يجري اليوم، هو إهمال متعمّد لشؤون الناس، وتخلٍّ عن واجب الرعاية لصالح قروضٍ مشروطة من صندوق النقد والبنك الدوليين.

لقد أصبحت الدولة وسيطاً بين الفقير والدائن الأجنبي، تفرض الضرائب وتقلّص الدعم وتبيع الممتلكات العامة لسدّ عجزٍ متضخم صنعه النظام الرأسمالي نفسه. وفي هذا كله تغيب المفاهيم الشرعية التي تضبط الاقتصاد، كتحريم الربا، ومنع تملك الثروات العامة للأفراد، ووجوب النفقة على الرعية من بيت مال المسلمين.

لقد قدم الإسلام نظاماً اقتصادياً متكاملاً يعالج الفقر من جذوره، لا بمجرد دعمٍ نقدي أو مشروعات تجميلية. هذا النظام يقوم على أسسٍ شرعيةٍ ثابتة أبرزها:

1- تحريم الربا والديون الربوية التي تُكبّل الدولة وتستنزف مواردها، فبزوال الربا تزول تبعية الاقتصاد للمؤسسات الدولية، وتُعاد السيادة المالية للأمة.

2- جعل الملكيات ثلاثة أنواع:

ملكية فردية: كالبيوت والمتاجر والمزارع الخاصة...

ملكية عامة: تشمل الثروات الكبرى كالنفط والغاز والمعادن والمياه...

ملكية دولة: كأراضي الفيء والركاز والخراج...

وبهذا التوزيع تتحقق العدالة، إذ تُمنع فئة قليلة من احتكار موارد الأمة.

3- ضمان الكفاية لكل فرد من الرعية: فالدولة تضمن لكل إنسان في رعايتها حاجاته الأساسية من مأكل وملبس ومسكن، فإن عجز عن العمل وجب على بيت المال أن ينفق عليه.

4- الزكاة والإنفاق الإلزامي: الزكاة ليست إحساناً بل فريضة، تجمعها الدولة وتصرفها في مصارفها الشرعية للفقراء والمساكين والغارمين. وهي أداة توزيع فعّالة تعيد الأموال إلى دورة الحياة في المجتمع.

مع التحفيز على العمل المنتج ومنع الاستغلال، والحثّ على استثمار الموارد في مشاريع نافعة حقيقية كالصناعات الثقيلة والحربية لا في المضاربات والعقارات الفاخرة والمشاريع الوهمية. إلى جانب ضبط الأسعار بالعرض والطلب الحقيقيين لا بالاحتكار ولا بالتعويم.

إن دولة الخلافة على منهاج النبوة هي وحدها القادرة على تطبيق هذه الأحكام عملياً، لأنها تُبنى على أساس العقيدة الإسلامية، ويكون هدفها رعاية شؤون الناس لا جباية أموالهم. ففي ظل الخلافة، لا يوجد ربا ولا قروض مشروطة، ولا بيع للثروات العامة للأجانب، بل تُدار الموارد بما يحقق مصلحة الأمة، ويتولى بيت المال تمويل الرعاية الصحية والتعليم والمرافق العامة من موارد الدولة والخراج والأنفال والملكية العامة.

أما الفقراء، فتُكفل حاجاتهم الأساسية فرداً فرداً، لا عبر صدقات مؤقتة بل كحقٍّ شرعي مضمون. ولذا فإن محاربة الفقر في الإسلام ليست شعاراً سياسياً، بل نظام حياة متكامل يُقيم العدل ويمنع الظلم ويعيد الثروة إلى أهلها.

ما بين الخطاب الرسمي والواقع المعاش مسافةٌ هائلة لا تخفى على أحد. فبينما تتغنّى الحكومة بمشروعاتها "العملاقة" وبـ"الانطلاقة الحقيقية"، يعيش ملايين المصريين تحت خط الفقر، يعانون الغلاء والبطالة وانعدام الأمل. والحقيقة أن هذه المعاناة لن تزول ما دامت مصر تسير في طريق الرأسمالية، تُسلِّم اقتصادها للمرابين وتخضع لسياسات المؤسسات الدولية.

إن أزمات ومشكلات مصر هي مشكلات إنسانية وليست مادية، وتتعلق بها أحكام شرعية تبين كيفية التعامل معها وعلاجها على أساس الإسلام، وإن الحلول أسهل من غض الطرف لكنها تحتاج إدارة مخلصة تملك إرادة حرة تريد السير في الطريق الصحيح وتريد الخير لمصر وأهلها حقا، وحينها على هذه الإدارة أن تراجع كل العقود التي أبرمت سابقا والتي تبرم مع كل الشركات التي تحتكر أصول البلاد وما هو من ملكياتها العام وعلى رأسها شركات التنقيب عن الغاز والنفط والذهب وباقي المعادن والثروات، وتطرد كل تلك الشركات لأنها في الأصل شركات استعمارية ناهبة لثروات البلاد، ثم تصوغ عهدا جديدا يقوم على تمكين الناس من ثروات البلاد وإنشاء أو استئجار شركات تقوم هي على إنتاج الثروة من منابع النفط والغاز والذهب وغيرها من المعادن وتعيد توزيع هذه الثروات على الناس من جديد، حينها سيتمكن الناس من زراعة الأرض الموات التي ستمكنهم الدولة من استغلالها بحقهم فيها، وسيتمكنون أيضا من صناعة ما يجب أن يصنع ليرتفع باقتصاد مصر ويكفي أهلها، وستدعمهم الدولة في هذا السبيل، وإن كل هذا ليس ضربا من الخيال ولا مستحيل الحدوث ولا مشروعا نعرضه للتجربة قد ينجح أو يفشل، وإنما هي أحكام شرعية لازمة ملزمة للدولة والرعية، فلا يجوز للدولة أن تفرط في ثروات البلاد التي هي ملك للناس بدعوى عقود أقرتها وأيدتها وتحميها قوانين دولية جائرة، ولا يجوز لها أن تمنع الناس منها بل يجب أن تقطع كل يد تمتد ناهبة إلى ثروات الناس، هذا ما يقدمه الإسلام ويجب تنفيذه، إلا أنه لا يطبق بمعزل عن باقي أنظمة الإسلام بل إنه لا يطبق إلا من خلال دولة الخلافة الراشدة على منهاج النبوة، هذه الدولة التي يحمل همها والدعوة إليها حزب التحرير ويدعو مصر وأهلها شعبا وجيشا إلى العمل معه من أجلها، عسى الله أن يكتب الفتح من عنده فنراها واقعا يعز الإسلام وأهله، اللهم عاجلا غير آجل.

﴿وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرَىٰ آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَفَتَحْنَا عَلَيْهِم بَرَكَاتٍ مِّنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ﴾

كتبه للمكتب الإعلامي المركزي لحزب التحرير

سعيد فضل

عضو المكتب الإعلامي لحزب التحرير في ولاية مصر