غليان قِدر التغيير في البلاد الإسلامية يبعث الذعر في أوصال ماكرون رئيس فرنسا
October 07, 2020

غليان قِدر التغيير في البلاد الإسلامية يبعث الذعر في أوصال ماكرون رئيس فرنسا

غليان قِدر التغيير في البلاد الإسلامية يبعث الذعر في أوصال ماكرون رئيس فرنسا

لا يا ماكرون لا تُخفِ عنا ذعرك بمثل هذا الهراء...

فأنت في حالة من الذعر أفقدتك توازنك لما يبشرك به المستقبل من سقوط للغالب وصعودٍ للمغلوب فلم تجد ما تقوله لتخفي به هذا الذعر من صعود الإسلام إلا هذه الكلمات التي يكذبها الواقع وتكذبها الدراسات والتقارير التي تقول عكس ما تزعم، وتبين أن الإسلام في تصاعد مستمر وأن سرعة انتشاره في العالم مدهشة ومزعجة لأعدائه.

فالعملاق الإسلامي يا ماكرون في حالة تمدد ونشاط متواصل مما يوحي لكل متابع صاحب نظر أن المستقبل سيكون من حظ الحضارة الإسلامية، بعكس الحضارة الغربية التي يؤكد أتباعها أنها آيلة إلى زوال.

فحضارتك يا ماكرون هي التي تعيش اليوم الأزمات الحادة؛ وليس لها من حل ولا علاج؛ لأن الداء القاتل الذي يسري فيها هو من إفرازات بذور المبدأ الرأسمالي الذي تقوم عليه حضارتكم. فهي تتآكل وتتفتت يوما بعد يوم لتتحول إلى غبار تذروه عواصف رياح التغيير؛ فلا يبقى منها بعد ذلك من ذكر إلا ما ترويه كتب التاريخ كما تروي لك تاريخ آبائك الرومان.

أنت مذعور يا ماكرون لأنك ترى قِدر التغيير في البلاد الإسلامية يغلي، وأن الطبخة قاربت على النضج، لكنك غفلت عن الوقود الذي تحتها والذي يقوّي من غليانها، ولذلك جعلت من نفسك الوقود الذي يزيد في غليانها.

ففي القدر يا ماكرون مشروع التغيير الذي يفزعك؛ المشروع الإسلامي بجميع أركانه ومكوناته، المشروع الحضاري الذي سيغير طعم الحياة من طعمٍ مرّ المذاق بسبب الحضارة الغربية إلى طعم حلو المذاق بفضل الحضارة الإسلامية.

والوقود الذي تحت القدر هو الحطب والبنزين، أما الحطب فهم حكام المسلمين من العرب والعجم؛ أي أولئك الطواغيت الذين فرضتموهم علينا بالقوة ليكونوا خلفا لكم في استعبادنا بعد رحيلكم عن ديارنا، ويواصلون ما بدأتم به وينفذون ما تأمرونهم بتنفيذه، وتدفعونهم دفعا جنونيا ليقفوا في وجوهنا بالحديد والنار ليصدونا عن ديننا وشريعتنا، فهم الوقود الذي يلهب النار تحت قدر التغيير بسبب ظلمهم وجبروتهم وجرمهم واضطهادهم لنا.

وأما البنزين الذي يشعل الحطب فهو أنتم حكام الدول الاستعمارية وأحزابكم المعادية للإسلام والمسلمين وإعلامكم الفاسد الذي لا شغل له إلا الطعن في الإسلام وتنفير الناس منه. فأنتم كما هو حالكم، كلما رأيتم النار هدأت تحت القدر سكبتم عليها المزيد من البنزين لتلتهب أكثر فأكثر.

نعم أنتم يا ماكرون من يرفع في درجة غليان القدر بهجومكم المتواصل علينا، فأنتم تحتلون بلادنا وتقتلوننا وتشردوننا وتغتصبون بناتنا ونساءنا وتدمرون عمراننا وتسيئون لرسولنا وتحرقون قرآننا وتشوهون إسلامنا وتتهموننا بالإرهاب والتطرف والتعصب وتحاربوننا في كل شيء حتى في أبسط مظهر من مظاهر الإسلام. وها إنك اليوم تزيد النار التهاباً تحت القدر بكلماتك هذه التي ارتفع بها الغليان حتى فاحت رائحتها في أرجاء البلاد الإسلامية وجاءتك منه الردود المفحمة.

فقد رفعت في غليان القدر يا ماكرون من حيث لا تدري، وهكذا يفعل أشباهك قيصر روسيا بوتين وإمبراطور أمريكا ترامب وهم لا يدرون.

إن مرآتك يا ماكرون تعكس لنا ملامح الذعر على وجهك، فأنت مذعور لأنك تعيش أزمة سياسية واقتصادية واجتماعية رغم أن دولتك الاستعمارية ما زالت ليوم الناس هذا تهيمن على مستعمراتها القديمة وتنهب خيراتها وتستنزف ثرواتها دون انقطاع ومع ذلك شعبك يشكو الأوجاع السياسية والاقتصادية ويتلوى من صعوبة العيش فما بالك لو وقف العملاق الإسلامي على قدميه وافتك منكم قيادة العالم وقطع عنكم سبل نهب خيرات الشعوب المستضعفة وأعاد إليها ما أخذتموه منها بقوة البندقية والمدفع... كيف ستكون حياتكم عندئذ؟!

حتما إن كابوس القرون الوسطى زمن القحط والفقر والجهل والتخلف يحلق بصوره المفزعة فوق رأسك وتفكر في ما كشفه سلفك شيراك حينما قال بكل صراحة: "على الفرنسيين أن يعلموا أن ما في جيوبهم من أموال هو بفضل ما ننهبه من خيرات أفريقيا"؛ لهذا أنت مذعور إذ كيف ستكون حياتكم لو عادت بكم الأيام إلى تلك الحقبة الفارقة بيننا وبينكم حينما كانت الحضارة الإسلامية في أوج ازدهارها؛ وشعاع نورها يبدد ظلمات أوروبا في زمن القرون الوسطى. فقد كنا كما تعلم متقدمين في شتى ميادين العلم الذي ورثتموه عنا، وكنا مبدعين في جميع الفنون، بينما أنتم كنتم تسبحون في بحر من ظلمات الجهل والأمية ولا تعيشون إلا على الخرافات والأساطير؛ حتى إنكم بسبب جهلكم كنتم تحرقون مرضاكم لاعتقادكم أن الجن والشياطين قد تلبست بهم!

يا ماكرون إن كنت تظن أنكم قد انتصرتم على الإسلام وطويتم صفحته إلى الأبد فإنك واهم، ولعل انتصاركم المؤقت على جيل ضعيف من المسلمين هو الذي بعث فيك هذا الوهم.

فعليك أن تفرق بين الإسلام كحضارة ومبدأ حياة وبين المسلمين كأمة بشرية تصيب وتخطئ وتقوى وتضعف.

فالإسلام لم يهزم قط منذ أن خرج إلى الناس، فهو المبدأ الصحيح الذي ما استطاعت كل المذاهب الفكرية والفلسفية أن تتفوق عليه، وهو الدين القويم الذي يقنع العقل ويطمئن القلب، ولا دين ولا عقيدة في الدنيا تضاهيه وتنافسه في حججه المقنعة للعقل وبراهينه الدامغة للباطل. فهو الدين الذي يبعث الحياة في الناس، فإن من فشل عندكم في العثور على السعادة وتعس ووقف على عتبة اليأس وفكر في الانتحار - رغم المال والشهرة - إذا ما اكتشف الإسلام عادت إليه الحياة بربيعها وزهو ألوانها وعبق زهورها. ولك في ذلك أدلة كثيرة على ارتفاع نسبة المقبلين على الإسلام في شعوبكم وبخاصة في صفوف النساء رغم محاولاتكم اليائسة في إقناعهن أن الإسلام يضطهد المرأة. هذا من حيث الإسلام كعقيدة ونظام حياة، فإنكم لن تنتصرون عليه البتة.

أما بالنسبة إلى المسلمين فتلك سنة الله في البشر وفي تعاقب الأجيال بعضها وراء بعض. فكلما كان للإسلام جيل قوي يحفظ بيضته ويذود عن دياره ويتوسع في فتوحاته خنستم وانكفأتم وابتعدتم عن حياضه. وإذا ما خلفه جيل ضعيف تحركتم وتدافعتم وهاجمتموه وانتصرتم عليه إلى حين أن يبعث الله عليكم جيلا آخر ذا قوة وبأس ليعيدكم من حيث أتيتم ويطهر الديار من دنسكم وينسيكم وساوس الشيطان.

وفتش في تاريخ أجدادك الصليبيين وانظر متى انتصروا على المسلمين واقتحموا عليهم حصونهم واحتلوا بلادهم واستولوا على بيت المقدس؛ ثم انظر متى خرجوا منها أذلاء منتكسي الرؤوس يجرون وراءهم أذيال الهزيمة والخيبة، وانظر كذلك في تاريخ المغول مع المسلمين مع أي جيل استطاعوا السيطرة على العالم الإسلامي وقهر المسلمين؛ ومع أي جيل خرجوا مدحورين مقهورين؟ وهكذا هي الأجيال عبر التاريخ تتأرجح بين القوة والضعف، ولعل من نافلة القول تذكيرك بأيام العزة والقوة وما جاء فيها من أخباركم وقت استنجادكم بخليفة المسلمين ليفك أسر ملككم الذي وقع في قبضة أعدائكم ويعيده إلى عرشه، فلبى الخليفة طلبكم وزاد على ذلك فأعطاكم امتيازات لم يعطها لأي شعب أوروبي من قبلكم، وها أنتم اليوم تردون علينا هذا الجميل بالقنابل والصواريخ والغازات السامة!!

وعليه فإن انتصاركم علينا اليوم ليس هو إلا بسبب ضعف الجيل الذي سبقنا بالإضافة إلى مساعدة الخونة من الداخل الذين مكنوكم من إسقاط دولتنا (الخلافة العثمانية)، وها إنك ترى اليوم ميلاد جيل جديد يسعى لإقامة الخلافة مرة ثانية بعد ضياع الأولى.

فاعلم يا ماكرون أنه ما دام الإسلام موجودا - وإن لم تكن له دولة - فإنه كفيل ببعث أجيال وأجيال؛ فكلما سقط جيل خلفه جيل آخر لينهض بالأمة من بعد سقوطها، وسيستمر الأمر كذلك إلى نهاية الحياة. فلا يذهب بك الوهم بعيدا ولا تَغُصْ في أحلامك الزائفة التي تصور لك المستحيل.

فسنعيد يا ماكرون مجدنا وعزتنا وقيادتنا للعالم بإذن الله، وتلك الأيام نداولها بين الناس. والخلاصة بعد هذا كله أنت المذعور والمأزوم وليس نحن كما تزعم.

كتبه للمكتب الإعلامي المركزي لحزب التحرير

خالد العمراوي

المزيد من القسم null

لا تنخدعوا بالأسماء فالعبرة بالمواقف لا بالأنساب

لا تنخدعوا بالأسماء فالعبرة بالمواقف لا بالأنساب

في كل مرة يُقدَّم لنا "رمز جديد" له جذور مسلمة أو ملامح شرقية، يهلل كثير من المسلمين، وتُبنى الآمال على وهمٍ اسمه "التمثيل السياسي" في نظامٍ كافر لا يعترف بالإسلام حكماً ولا عقيدةً ولا شريعةً.

نذكر جميعاً الفرح العارم الذي اجتاح مشاعر كثيرين عند فوز أوباما في 2008. فهو ابن كينيا، وله أب مسلم! وهنا توهم البعض أن الإسلام والمسلمين باتوا قريبين من النفوذ الأمريكي، لكن أوباما كان أحد أكثر الرؤساء إيذاءً للمسلمين فقد دمر ليبيا، وساهم في مأساة سوريا، وأشعل أفغانستان والعراق بطائراته وجنوده، بل كان سفاك الدماء في اليمن عبر أدواته وكان عهده استمراراً لعداء ممنهج ضد الأمة.

واليوم يتكرر المشهد، لكن بأسماء جديدة. فـزوهران ممداني يُحتفى به لأنه مسلم ومهاجر وشاب، وكأنه المنقذ! لكن قليلين فقط ينظرون إلى مواقفه السياسية والفكرية. هذا الرجل من الداعمين الأشداء للشواذ المثليين، ومشارك في فعالياتهم، ويعتبر انحرافهم حقوقاً إنسانية!

أي خزي هذا يُعلق عليه الناس آمالاً؟! ألم يكن تكراراً للخيبة السياسية والفكرية نفسها التي وقعت فيها الأمة مراراً وتكراراً؟! نعم لأنها تُفتن بالشكل لا بالجوهر! تُخدع بالابتسامات، وتتعامل بالعاطفة لا بالعقيدة، وبالأسماء لا بالمفاهيم، وبالرموز لا بالمبادئ!

إن هذا الانبهار بالأشكال والأسماء نتيجة غياب الوعي السياسي الشرعي، لأن الإسلام لا يقاس بالأصل أو الاسم أو العرق، بل بالالتزام بمبدأ الإسلام كاملاً؛ نظاماً وعقيدةً وشريعةً. ولا قيمة لمسلم لا يحكم بالإسلام ولا ينصره، بل يخضع للنظام الرأسمالي الكافر، ويبرر الكفر والانحرافات باسم "الحرية".

وليعلم جميع المسلمين الذين فرحوا بفوزه وظنّوا أنه بذرة خير أو بداية نهوض، أن النهوض لا يكون من داخل أنظمة الكفر، ولا بأدواتها، ولا عبر صناديق اقتراعها، ولا تحت سقف دساتيرها.

فمن يُقدّم نفسه عبر النظام الديمقراطي، ويقسم على احترام قوانينه، ثم يدافع عن الشذوذ الجنسي ويحتفل به، ويدعو إلى ما يغضب الله، فهو ليس نصيراً للإسلام ولا أملاً للأمة، بل هو أداة تلميع وتمييع، وتمثيل مزيّف لا يُقدّم ولا يؤخر.

إن ما تسمى النجاحات السياسية في الغرب لبعض الشخصيات ذات الأسماء الإسلامية، ما هي إلا فُتات يُقدَّم كمسكنات للأمة، ليقال لها: انظروا، التغيير ممكن عبر أنظمتنا.

 فما حقيقة هذا "التمثيل"؟

الغرب لا يفتح أبواب الحكم للإسلام، بل يفتحها فقط لمن يتماهى مع قيمه وأفكاره. وأي شخص يدخل نظامهم لا بد أن يقبل بدستورهم، وبقوانينهم الوضعية، وأن يتنكر لحكم الإسلام، فإن رضي بذلك، أصبح نموذجاً مقبولاً، أما المسلم الحق، فهو مرفوض عندهم من جذوره.

فمن هو زهران ممداني؟ ولماذا يُصنع هذا الوهم؟

هو شخص يحمل اسماً مسلماً لكنه متبنٍ لأجندة منحرفة مخالفة تماماً لفطرة الإسلام، من دعم المثليين، والترويج لما يُسمى بـ"حقوقهم"، وهو نموذج حي لكيف يصنع الغرب نماذجه: مسلم بالاسم، علماني بالفعل، خادم لأجندة الليبرالية الغربية لا أكثر. بل لإشغال الأمة عن طريقها الحقيقي، فبدل أن تطالب بدولة الإسلام والخلافة، تنشغل بالمقاعد النيابية والمناصب في أنظمة كفر! وبدل أن تتوجه لتحرير فلسطين، تنتظر مَن "يدافع عن غزة" من داخل الكونغرس الأمريكي أو البرلمان الأوروبي!

فحقيقة الأمر أن هذا تشويه لطريق التغيير الحقيقي، وهو إقامة الخلافة الراشدة على منهاج النبوة، التي تُعلي راية الإسلام، وتقيم شرع الله، وتوحد الأمة خلف خليفة واحد يُقاتل من ورائه ويُتقى به.

فلا تنخدعوا بالأسماء، ولا تفرحوا بمن ينتمي لكم شكلاً ويخالفكم مضموناً، فليس كل من حمل اسم سعيد أو علي أو زهران هو على طريق نبينا محمد ﷺ.

واعلموا أن التغيير لا يأتي من داخل برلمانات الكفر، بل من جيوش الأمة التي آن لها أن تتحرك، ومن شبابها الواعين الذين يعملون ليلا ونهارا لقلب الطاولة على رؤوس الغرب وأعوانه وأتباعه الخائنين في بلاد الإسلام والمسلمين.

فالمسلمون لن ينهضوا عبر انتخابات الديمقراطية ولا من خلال صناديق الغرب، بل بنهضة حقيقية على أساس العقيدة الإسلامية، بإقامة دولة الخلافة الراشدة التي تُعيد للإسلام مكانته، وللمسلمين عزّتهم، وتحطم أوهام الديمقراطية.

لا تنخدعوا بالأسماء، ولا تعلقوا آمالكم على أفراد في أنظمة كفر، بل ارجعوا إلى مشروعكم العظيم: استئناف الحياة الإسلامية، فهذا وحده طريق العزة والنصر والتمكين.

فالمشهد تكرار مُهين لمآسٍ قديمة: رموز مزيفة، وولاء للأنظمة الغربية، وانحراف عن طريق الإسلام. وكل من يُصفّق لهذا المسار، إنما يضلل الأمة. فعودوا إلى مشروع الخلافة، ولا تجعلوا أعداء الإسلام يصنعون لكم قادتكم وممثليكم. فالعزة ليست في مقاعد الديمقراطية، بل في سدة الخلافة التي يعمل لها حزب التحرير ويُحذر الأمة من هذا الانحدار الفكري والسياسي. فلا خلاص لنا إلا بدولة الخلافة، التي لا تسمح بأن يحكم المسلمين من يدين بدين غير الإسلام، ولا بمن يبرر الشذوذ والانحراف، ولا بمن يُشرّع للناس غير ما أنزل الله.

كتبه لإذاعة المكتب الإعلامي المركزي لحزب التحرير

عبد المحمود العامري – ولاية اليمن

مصر بين الشعارات الحكومية والواقع المرّ  الحقيقة الكاملة عن الفقر، والسياسات الرأسمالية

مصر بين الشعارات الحكومية والواقع المرّ

الحقيقة الكاملة عن الفقر، والسياسات الرأسمالية

نقلت بوابة الأهرام الثلاثاء 4 تشرين الثاني/نوفمبر 2025م، أن رئيس الوزراء المصري، في كلمة ألقاها نيابةً عن الرئيس في القمة العالمية الثانية للتنمية الاجتماعية في العاصمة القطرية الدوحة، قال إنّ مصر تطبّق نهجاً شاملاً للقضاء على الفقر في جميع أشكاله وأبعاده، بما في ذلك "الفقر متعدد الأبعاد".

منذ سنوات، لا يكاد يخلو خطاب رسمي في مصر من عباراتٍ مثل "نهج شامل للقضاء على الفقر" و"الانطلاقة الحقيقية للاقتصاد المصري". يكرّر المسؤولون هذه الشعارات في المؤتمرات والمناسبات، مصحوبة بصور براقة لمشروعات استثمارية وفنادق ومنتجعات. لكن الواقع، كما تشهد عليه التقارير الدولية، مختلف تماماً. فالفقر في مصر ما زال ظاهرةً راسخة، بل متفاقمة، رغم الوعود الحكومية المتكرّرة بالتحسن والنهضة.

بحسب تقارير اليونيسف والإسكوا وبرنامج الغذاء العالمي لعامي 2024 و2025، يعيش نحو واحد من كل خمسة مصريين في فقرٍ متعدد الأبعاد، أي محروم من أكثر من جانب من جوانب الحياة الأساسية كالتعليم والصحة والسكن والعمل والخدمات. كما تؤكد البيانات أن أكثر من 49% من الأسر تعاني من صعوبات في الحصول على غذاء كافٍ، وهو رقم صادم يعكس عمق الأزمة المعيشية.

أما الفقر المالي، أي انخفاض الدخل مقارنة بتكاليف المعيشة، فقد ارتفع بصورة حادة، نتيجة موجات التضخم المتلاحقة التي أكلت أجور الناس وجهودهم ومدخراتهم، حتى أصبحت نسبة كبيرة من المصريين تحت خط الفقر المالي رغم عملهم الدائم.

وبينما تتحدث الحكومة عن مبادرات مثل "تكافل وكرامة" و"حياة كريمة"، تكشف الأرقام الدولية أن هذه البرامج لم تغيّر بنية الفقر جذرياً، بل اقتصرت على مسكّنات مؤقتة أشبه بالقطرة التي تُسكب في صحراء. فما زال الريف المصري الذي يقطنه أكثر من نصف السكان، يعاني من ضعف الخدمات وانعدام فرص العمل اللائق وتهالك البنية الأساسية. ويؤكد تقرير الإسكوا أن الحرمان في الريف يفوق نظيره في المدن بعدة أضعاف، ما يدل على سوء توزيع الثروة والإهمال المزمن للأطراف.

حين يشكر رئيسُ الوزراء ابنَ البلد "الذي تحمّل مع الحكومة إجراءات الإصلاح الاقتصادي"، فإنه في الواقع يُقرّ بوجود معاناة حقيقية ناتجة عن تلك السياسات. غير أن هذا الاعتراف لا يتبعه تغيير في المنهج، بل مزيد من السير في الطريق الرأسمالي نفسه الذي سبّب الأزمة.

فالإصلاح المزعوم الذي بدأ عام 2016 ببرنامج "التعويم" ورفع الدعم وزيادة الضرائب، لم يكن إصلاحاً بل تحميلاً للفقراء كلفة الديون والعجز. وفي الوقت الذي يتحدث فيه المسؤولون عن "الانطلاقة"، تتجه الاستثمارات الضخمة إلى العقارات الفاخرة والمشروعات السياحية التي تخدم أصحاب رؤوس الأموال، بينما لا يجد ملايين الشباب فرصاً للعمل أو السكن. بل إن كثيراً من هذه المشاريع، كمنطقة علم الروم في مطروح التي تُقدّر استثماراتها بـ29 مليار دولار، هي شراكات رأسمالية أجنبية تستحوذ على الأراضي والثروات وتحوّلها إلى مصدر ربح للمستثمرين، لا مصدر رزق للناس.

النظام يفشل ليس لأنه فاسد فحسب، بل لأنه يسير على أساسٍ فكريٍّ باطلٍ هو النظام الرأسمالي، الذي يجعل المال محوراً لكل سياسات الدولة. فالرأسمالية تقوم على حرية التملك المطلقة، وتسمح بتكديس الثروة في يد القلة التي تملك أدوات الإنتاج، فيما تتحمل الكثرة عبء الضرائب والأسعار والدَّين العام.

ولهذا، فإن كل ما يُسمى "برامج حماية اجتماعية" ما هو إلا محاولة لتجميل وجه الرأسمالية الوحشي، وإطالة عمر نظامٍ جائرٍ يراعي الأغنياء ويجبي من الفقراء. فبدلاً من معالجة أصل الداء؛ أي احتكار الثروة وتبعية الاقتصاد للمؤسسات الدولية، يُكتفى بتوزيع فتات من الإعانات النقدية، لا ترفع فقراً ولا تحفظ كرامة.

إن الرعاية ليست منّةً من الحاكم على الرعية، بل واجب شرعي، ومسؤولية يحاسبه الله عليها في الدنيا والآخرة. وما يجري اليوم، هو إهمال متعمّد لشؤون الناس، وتخلٍّ عن واجب الرعاية لصالح قروضٍ مشروطة من صندوق النقد والبنك الدوليين.

لقد أصبحت الدولة وسيطاً بين الفقير والدائن الأجنبي، تفرض الضرائب وتقلّص الدعم وتبيع الممتلكات العامة لسدّ عجزٍ متضخم صنعه النظام الرأسمالي نفسه. وفي هذا كله تغيب المفاهيم الشرعية التي تضبط الاقتصاد، كتحريم الربا، ومنع تملك الثروات العامة للأفراد، ووجوب النفقة على الرعية من بيت مال المسلمين.

لقد قدم الإسلام نظاماً اقتصادياً متكاملاً يعالج الفقر من جذوره، لا بمجرد دعمٍ نقدي أو مشروعات تجميلية. هذا النظام يقوم على أسسٍ شرعيةٍ ثابتة أبرزها:

1- تحريم الربا والديون الربوية التي تُكبّل الدولة وتستنزف مواردها، فبزوال الربا تزول تبعية الاقتصاد للمؤسسات الدولية، وتُعاد السيادة المالية للأمة.

2- جعل الملكيات ثلاثة أنواع:

ملكية فردية: كالبيوت والمتاجر والمزارع الخاصة...

ملكية عامة: تشمل الثروات الكبرى كالنفط والغاز والمعادن والمياه...

ملكية دولة: كأراضي الفيء والركاز والخراج...

وبهذا التوزيع تتحقق العدالة، إذ تُمنع فئة قليلة من احتكار موارد الأمة.

3- ضمان الكفاية لكل فرد من الرعية: فالدولة تضمن لكل إنسان في رعايتها حاجاته الأساسية من مأكل وملبس ومسكن، فإن عجز عن العمل وجب على بيت المال أن ينفق عليه.

4- الزكاة والإنفاق الإلزامي: الزكاة ليست إحساناً بل فريضة، تجمعها الدولة وتصرفها في مصارفها الشرعية للفقراء والمساكين والغارمين. وهي أداة توزيع فعّالة تعيد الأموال إلى دورة الحياة في المجتمع.

مع التحفيز على العمل المنتج ومنع الاستغلال، والحثّ على استثمار الموارد في مشاريع نافعة حقيقية كالصناعات الثقيلة والحربية لا في المضاربات والعقارات الفاخرة والمشاريع الوهمية. إلى جانب ضبط الأسعار بالعرض والطلب الحقيقيين لا بالاحتكار ولا بالتعويم.

إن دولة الخلافة على منهاج النبوة هي وحدها القادرة على تطبيق هذه الأحكام عملياً، لأنها تُبنى على أساس العقيدة الإسلامية، ويكون هدفها رعاية شؤون الناس لا جباية أموالهم. ففي ظل الخلافة، لا يوجد ربا ولا قروض مشروطة، ولا بيع للثروات العامة للأجانب، بل تُدار الموارد بما يحقق مصلحة الأمة، ويتولى بيت المال تمويل الرعاية الصحية والتعليم والمرافق العامة من موارد الدولة والخراج والأنفال والملكية العامة.

أما الفقراء، فتُكفل حاجاتهم الأساسية فرداً فرداً، لا عبر صدقات مؤقتة بل كحقٍّ شرعي مضمون. ولذا فإن محاربة الفقر في الإسلام ليست شعاراً سياسياً، بل نظام حياة متكامل يُقيم العدل ويمنع الظلم ويعيد الثروة إلى أهلها.

ما بين الخطاب الرسمي والواقع المعاش مسافةٌ هائلة لا تخفى على أحد. فبينما تتغنّى الحكومة بمشروعاتها "العملاقة" وبـ"الانطلاقة الحقيقية"، يعيش ملايين المصريين تحت خط الفقر، يعانون الغلاء والبطالة وانعدام الأمل. والحقيقة أن هذه المعاناة لن تزول ما دامت مصر تسير في طريق الرأسمالية، تُسلِّم اقتصادها للمرابين وتخضع لسياسات المؤسسات الدولية.

إن أزمات ومشكلات مصر هي مشكلات إنسانية وليست مادية، وتتعلق بها أحكام شرعية تبين كيفية التعامل معها وعلاجها على أساس الإسلام، وإن الحلول أسهل من غض الطرف لكنها تحتاج إدارة مخلصة تملك إرادة حرة تريد السير في الطريق الصحيح وتريد الخير لمصر وأهلها حقا، وحينها على هذه الإدارة أن تراجع كل العقود التي أبرمت سابقا والتي تبرم مع كل الشركات التي تحتكر أصول البلاد وما هو من ملكياتها العام وعلى رأسها شركات التنقيب عن الغاز والنفط والذهب وباقي المعادن والثروات، وتطرد كل تلك الشركات لأنها في الأصل شركات استعمارية ناهبة لثروات البلاد، ثم تصوغ عهدا جديدا يقوم على تمكين الناس من ثروات البلاد وإنشاء أو استئجار شركات تقوم هي على إنتاج الثروة من منابع النفط والغاز والذهب وغيرها من المعادن وتعيد توزيع هذه الثروات على الناس من جديد، حينها سيتمكن الناس من زراعة الأرض الموات التي ستمكنهم الدولة من استغلالها بحقهم فيها، وسيتمكنون أيضا من صناعة ما يجب أن يصنع ليرتفع باقتصاد مصر ويكفي أهلها، وستدعمهم الدولة في هذا السبيل، وإن كل هذا ليس ضربا من الخيال ولا مستحيل الحدوث ولا مشروعا نعرضه للتجربة قد ينجح أو يفشل، وإنما هي أحكام شرعية لازمة ملزمة للدولة والرعية، فلا يجوز للدولة أن تفرط في ثروات البلاد التي هي ملك للناس بدعوى عقود أقرتها وأيدتها وتحميها قوانين دولية جائرة، ولا يجوز لها أن تمنع الناس منها بل يجب أن تقطع كل يد تمتد ناهبة إلى ثروات الناس، هذا ما يقدمه الإسلام ويجب تنفيذه، إلا أنه لا يطبق بمعزل عن باقي أنظمة الإسلام بل إنه لا يطبق إلا من خلال دولة الخلافة الراشدة على منهاج النبوة، هذه الدولة التي يحمل همها والدعوة إليها حزب التحرير ويدعو مصر وأهلها شعبا وجيشا إلى العمل معه من أجلها، عسى الله أن يكتب الفتح من عنده فنراها واقعا يعز الإسلام وأهله، اللهم عاجلا غير آجل.

﴿وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرَىٰ آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَفَتَحْنَا عَلَيْهِم بَرَكَاتٍ مِّنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ﴾

كتبه للمكتب الإعلامي المركزي لحزب التحرير

سعيد فضل

عضو المكتب الإعلامي لحزب التحرير في ولاية مصر