غزة بين الحصار الخانق والتجويع الممنهج والواجب الشرعي على الأمة وجيوشها
غزة بين الحصار الخانق والتجويع الممنهج والواجب الشرعي على الأمة وجيوشها

منذ تشرين الأول/أكتوبر 2023، تعيش غزة واحدة من أشد الكوارث الإنسانية في العصر الحديث، حيث أُحكم الحصار على أكثر من مليوني إنسان، تُركوا فريسة للجوع والعطش والمرض والدمار. تقارير الأمم المتحدة ومنظمة أطباء بلا حدود وغيرها من المنظمات الإنسانية تؤكد أن سكان غزة يواجهون مجاعة جماعية، مع تسجيل وفيات لأطفال بسبب سوء التغذية والجفاف، ونفاد الدواء والغذاء.

0:00 0:00
السرعة:
August 04, 2025

غزة بين الحصار الخانق والتجويع الممنهج والواجب الشرعي على الأمة وجيوشها

غزة بين الحصار الخانق والتجويع الممنهج والواجب الشرعي على الأمة وجيوشها

منذ تشرين الأول/أكتوبر 2023، تعيش غزة واحدة من أشد الكوارث الإنسانية في العصر الحديث، حيث أُحكم الحصار على أكثر من مليوني إنسان، تُركوا فريسة للجوع والعطش والمرض والدمار. تقارير الأمم المتحدة ومنظمة أطباء بلا حدود وغيرها من المنظمات الإنسانية تؤكد أن سكان غزة يواجهون مجاعة جماعية، مع تسجيل وفيات لأطفال بسبب سوء التغذية والجفاف، ونفاد الدواء والغذاء.

وقد تراكمت آلاف الشاحنات على الجانب المصري في سيناء، تحمل مساعدات إنسانية وغذائية، دون السماح لها بالعبور، ما أدى إلى تعفن الطعام وفقدان الأدوية صلاحيتها، بسبب إغلاق معبر رفح من الجانب الفلسطيني الذي تحتله قوات الاحتلال منذ أيار/مايو 2024، وتواطؤ النظام المصري الذي أبقى على غلقه.

منذ عام 2007، تتحمل مصر مسؤولية شراكة مباشرة في حصار غزة عبر إغلاق معبر رفح أو التحكم المشروط بفتحه. وقد سيطرت دولة الاحتلال على الجانب الفلسطيني من المعبر، لكن الجانب المصري لا يزال تحت سيطرة النظام المصري الذي يرفض فتحه إلا بشروط سياسية تتعلق بالسلطة الفلسطينية وحركة حماس. وهذا ما يجعل النظام المصري، شرعاً وسياسة، شريكاً في الجريمة.

وقد صرّح مسؤولون مصريون بأنهم ينتظرون إذناً من الكيان الغاصب لإدخال الجرحى والمساعدات، ما يُظهر التبعية المهينة لعدو غاصب، ويكشف أن السيادة المصرية مفرّط فيها بإرادة النظام نفسه.

لم يقف المسلمون في مصر مكتوفي الأيدي، بل خرجت مسيرات ووقفات عند معبر رفح تندد بالحصار وتطالب بفتح المعبر، إلا أن النظام المصري واجهها بالقمع والاعتقال والترحيل، كما حدث مع نشطاء "المسيرة العالمية نحو غزة"، الذين منعهم من الوصول إلى العريش واحتجز بعضهم وتعرض آخرون للاعتداء والطرد. وقد أفادت وكالة رويترز في تقريرها المنشور بتاريخ 17 حزيران/يونيو 2025 أن نشطاء مشاركين في المسيرة أكدوا تعرضهم للضرب على يد رجال أمن بملابس مدنية في القاهرة، وأن بعضهم احتُجز لأيام دون تمكينهم من التواصل مع سفاراتهم، وتم ترحيلهم قسرياً، فيما تم منع العشرات من الوصول إلى سيناء وتمت إعادتهم إلى بلدانهم.

إن النظام الذي يغلق المعبر، ويتعاون مع الاحتلال، ويمنع الإغاثة، ويقمع المحتجين، هو نظام خائن لله ورسوله والمؤمنين. وهو نظام لا شرعية له، بل يجب على الأمة العمل لإزالته وإقامة الخلافة الراشدة على منهاج النبوة، التي تنصر المسلمين وترعى شؤونهم وتحمي أرضهم ومقدساتهم.

كما تداولت وسائل الإعلام أخباراً عن بيان صادر من الأزهر يندد بالحصار، لكنه حُذف لاحقاً من المواقع الرسمية، دون توضيح أو تعقيب، ما يدل على ضغوط سياسية مورست على الأزهر لإسكاته. ثم خرجت تصريحات صفيقة، تدعو للسلام ووقف العدوان دون توجيه اتهام واضح للنظام أو تحميله المسؤولية. وهذا يُظهر التخاذل المؤسسي والارتهان الكامل لإرادة النظام، وهم من يجب عليهم قيادة الناس وتوعيتهم حول ما يجب عليهم تجاه أهل الأرض المباركة وتحريض الجيوش على التحرك لنصرتهم وبيان ما أوجبه الله عليهم.

إن إنقاذ غزة من المجاعة ومن الحصار، لا يكون عبر المؤتمرات والبيانات، بل بالجهاد في سبيل الله لاقتلاع كيان يهود من جذوره.

إن فلسطين هي أرض إسلامية مباركة، وهي أرض خراجية ملك لكل الأمة لا يجوز التنازل عن شبر منها، وإن تحريرها واجب شرعي على كل مسلم. وأي حل لا يشمل تحريرها كاملة، وإزالة الكيان الغاصب، هو حل مرفوض شرعاً. وكل أرض إسلامية كأرض فلسطين إذا اعتدي عليها صار الجهاد فرض عين على أهل تلك الأرض حتى تحصل بهم الكفاية ويرد العدو عنها، فإن لم تحصل بهم الكفاية وتغلب العدو عليهم وصارت تلك الأرض تحت سلطانه وصارت رعاية شؤونها بيده وصار واقع أهل تلك الأرض واقع الأسرى سقط عنهم فرض الجهاد وقتال العدو وانتقل عنهم فرض العين هذا إلى من يلونهم ثم من يلونهم حتى تحصل الكفاية ويرد العدو الصائل وإن بلغ فرض العين الأرض كلها. يقول الكاساني في بدائع الصنائع: (وإن ضعف أهل ثغر عن مقاومة الكفرة، وخيف عليهم من العدو، فعلى من وراءهم من المسلمين الأقرب فالأقرب أن ينفروا إليهم، وأن يمدوهم بالسلاح والكراع والمال؛ لما ذكرنا أنه فرض على الناس كلهم ممن هو من أهل الجهاد، لكن الفرض يسقط عنهم بحصول الكفاية بالبعض، فما لم يحصل لا يسقط).

فالواجب الآن على جيوش مصر وتركيا وباكستان والأردن وسائر بلاد المسلمين أن تنطلق لتحرير فلسطين كلها، وليس فقط إدخال بعض الشاحنات! ففلسطين ليست ملفاً إنسانياً، بل قضية عقدية، أرض إسلامية مغتصبة، لا تحرر إلا بالجهاد. قال ﷺ: «إِذَا تَبَايَعْتُمْ بِالْعِينَةِ، وَأَخَذْتُمْ أَذْنَابَ الْبَقَرِ، وَرَضِيتُمْ بِالزَّرْعِ، وَتَرَكْتُمْ الْجِهَادَ، سَلَّطَ اللهُ عَلَيْكُمْ ذُلًّا لَا يَنْزِعُهُ حَتَّى تَرْجِعُوا إِلَى دِينِكُمْ» (رواه أبو داود).

أيها المخلصون في جيش الكنانة: إن حكامكم يشاركون فعليا وعمليا في إبقاء كيان يهود، وهذا ليس غريبا عليهم، فهم الذين ساعدوا في إيجاد هذا الكيان المسخ في قلب الأمة الإسلامية. أما الغريب حقا فهو موقفكم يا أبناء الجيوش! لماذا لا تزالون مصرين على ضبط النفس وإخوانكم يذبحون كما تذبح الشاة؟! لماذا لا تزالون متمسكين بحدود سايكس بيكو التي فرقت ومزقت أبناء الأمة الواحدة؟! يا أجناد الكنانة! أين مفاهيم الإسلام التي تجعل الحرب على أي مسلم حربا على كل المسلمين؟! فاعلموا أن حرب المسلمين واحدة وسلمهم واحد، وأن الله سبحانه يفرض عليكم أن تنفروا خفافا وثقالا لنصرة إخوانكم في غزة وغيرها، فإلى متى تتحركون في كل مكان إلا في سبيل الله ونصرة الإسلام والمسلمين؟! فاخلعوا عنكم طوق الحكام العملاء وكونوا مع المخلصين العاملين لتطبيق الإسلام من جديد أنصارا وعونا وسندا ليصل الإسلام بكم إلى الحكم كما أراد الله ويرضى لكم، وأعلنوها معهم خالصة من جديد خلافة راشدة على منهاج النبوة تكونون أنتم أنصارها كأنصار الأمس وتتحركون بها ومعها نحو تحرير كامل فلسطين وكل أرض الإسلام المحتلة وتحوزون فضل الأنصار وشرفهم، فاللهم هيئ للأمة وحزبها الرائد ومشروع دولتها الحضاري أنصارا يبايعون على اقتلاع تلك الأنظمة واستعادة سلطان الأمة ودولتها من جديد؛ خلافة راشدة على منهاج النبوة.

اللهم هيئ لهذه الأمة أمر رشد، يعز فيه أهل طاعتك، ويذل فيه أهل معصيتك، ويحكم فيه بكتابك وتقام فيه دولتك، ويُؤمر فيه بالمعروف ويُنهى فيه عن المنكر، وتُحرر فيه فلسطين وسائر بلاد المسلمين.

﴿وَيَقُولُونَ مَتَى هُوَ قُلْ عَسَى أَنْ يَكُونَ قَرِيباً﴾

كتبه لإذاعة المكتب الإعلامي المركزي لحزب التحرير

سعيد فضل

عضو المكتب الإعلامي لحزب التحرير في ولاية مصر

المزيد من القسم null

لا تنخدعوا بالأسماء فالعبرة بالمواقف لا بالأنساب

لا تنخدعوا بالأسماء فالعبرة بالمواقف لا بالأنساب

في كل مرة يُقدَّم لنا "رمز جديد" له جذور مسلمة أو ملامح شرقية، يهلل كثير من المسلمين، وتُبنى الآمال على وهمٍ اسمه "التمثيل السياسي" في نظامٍ كافر لا يعترف بالإسلام حكماً ولا عقيدةً ولا شريعةً.

نذكر جميعاً الفرح العارم الذي اجتاح مشاعر كثيرين عند فوز أوباما في 2008. فهو ابن كينيا، وله أب مسلم! وهنا توهم البعض أن الإسلام والمسلمين باتوا قريبين من النفوذ الأمريكي، لكن أوباما كان أحد أكثر الرؤساء إيذاءً للمسلمين فقد دمر ليبيا، وساهم في مأساة سوريا، وأشعل أفغانستان والعراق بطائراته وجنوده، بل كان سفاك الدماء في اليمن عبر أدواته وكان عهده استمراراً لعداء ممنهج ضد الأمة.

واليوم يتكرر المشهد، لكن بأسماء جديدة. فـزوهران ممداني يُحتفى به لأنه مسلم ومهاجر وشاب، وكأنه المنقذ! لكن قليلين فقط ينظرون إلى مواقفه السياسية والفكرية. هذا الرجل من الداعمين الأشداء للشواذ المثليين، ومشارك في فعالياتهم، ويعتبر انحرافهم حقوقاً إنسانية!

أي خزي هذا يُعلق عليه الناس آمالاً؟! ألم يكن تكراراً للخيبة السياسية والفكرية نفسها التي وقعت فيها الأمة مراراً وتكراراً؟! نعم لأنها تُفتن بالشكل لا بالجوهر! تُخدع بالابتسامات، وتتعامل بالعاطفة لا بالعقيدة، وبالأسماء لا بالمفاهيم، وبالرموز لا بالمبادئ!

إن هذا الانبهار بالأشكال والأسماء نتيجة غياب الوعي السياسي الشرعي، لأن الإسلام لا يقاس بالأصل أو الاسم أو العرق، بل بالالتزام بمبدأ الإسلام كاملاً؛ نظاماً وعقيدةً وشريعةً. ولا قيمة لمسلم لا يحكم بالإسلام ولا ينصره، بل يخضع للنظام الرأسمالي الكافر، ويبرر الكفر والانحرافات باسم "الحرية".

وليعلم جميع المسلمين الذين فرحوا بفوزه وظنّوا أنه بذرة خير أو بداية نهوض، أن النهوض لا يكون من داخل أنظمة الكفر، ولا بأدواتها، ولا عبر صناديق اقتراعها، ولا تحت سقف دساتيرها.

فمن يُقدّم نفسه عبر النظام الديمقراطي، ويقسم على احترام قوانينه، ثم يدافع عن الشذوذ الجنسي ويحتفل به، ويدعو إلى ما يغضب الله، فهو ليس نصيراً للإسلام ولا أملاً للأمة، بل هو أداة تلميع وتمييع، وتمثيل مزيّف لا يُقدّم ولا يؤخر.

إن ما تسمى النجاحات السياسية في الغرب لبعض الشخصيات ذات الأسماء الإسلامية، ما هي إلا فُتات يُقدَّم كمسكنات للأمة، ليقال لها: انظروا، التغيير ممكن عبر أنظمتنا.

 فما حقيقة هذا "التمثيل"؟

الغرب لا يفتح أبواب الحكم للإسلام، بل يفتحها فقط لمن يتماهى مع قيمه وأفكاره. وأي شخص يدخل نظامهم لا بد أن يقبل بدستورهم، وبقوانينهم الوضعية، وأن يتنكر لحكم الإسلام، فإن رضي بذلك، أصبح نموذجاً مقبولاً، أما المسلم الحق، فهو مرفوض عندهم من جذوره.

فمن هو زهران ممداني؟ ولماذا يُصنع هذا الوهم؟

هو شخص يحمل اسماً مسلماً لكنه متبنٍ لأجندة منحرفة مخالفة تماماً لفطرة الإسلام، من دعم المثليين، والترويج لما يُسمى بـ"حقوقهم"، وهو نموذج حي لكيف يصنع الغرب نماذجه: مسلم بالاسم، علماني بالفعل، خادم لأجندة الليبرالية الغربية لا أكثر. بل لإشغال الأمة عن طريقها الحقيقي، فبدل أن تطالب بدولة الإسلام والخلافة، تنشغل بالمقاعد النيابية والمناصب في أنظمة كفر! وبدل أن تتوجه لتحرير فلسطين، تنتظر مَن "يدافع عن غزة" من داخل الكونغرس الأمريكي أو البرلمان الأوروبي!

فحقيقة الأمر أن هذا تشويه لطريق التغيير الحقيقي، وهو إقامة الخلافة الراشدة على منهاج النبوة، التي تُعلي راية الإسلام، وتقيم شرع الله، وتوحد الأمة خلف خليفة واحد يُقاتل من ورائه ويُتقى به.

فلا تنخدعوا بالأسماء، ولا تفرحوا بمن ينتمي لكم شكلاً ويخالفكم مضموناً، فليس كل من حمل اسم سعيد أو علي أو زهران هو على طريق نبينا محمد ﷺ.

واعلموا أن التغيير لا يأتي من داخل برلمانات الكفر، بل من جيوش الأمة التي آن لها أن تتحرك، ومن شبابها الواعين الذين يعملون ليلا ونهارا لقلب الطاولة على رؤوس الغرب وأعوانه وأتباعه الخائنين في بلاد الإسلام والمسلمين.

فالمسلمون لن ينهضوا عبر انتخابات الديمقراطية ولا من خلال صناديق الغرب، بل بنهضة حقيقية على أساس العقيدة الإسلامية، بإقامة دولة الخلافة الراشدة التي تُعيد للإسلام مكانته، وللمسلمين عزّتهم، وتحطم أوهام الديمقراطية.

لا تنخدعوا بالأسماء، ولا تعلقوا آمالكم على أفراد في أنظمة كفر، بل ارجعوا إلى مشروعكم العظيم: استئناف الحياة الإسلامية، فهذا وحده طريق العزة والنصر والتمكين.

فالمشهد تكرار مُهين لمآسٍ قديمة: رموز مزيفة، وولاء للأنظمة الغربية، وانحراف عن طريق الإسلام. وكل من يُصفّق لهذا المسار، إنما يضلل الأمة. فعودوا إلى مشروع الخلافة، ولا تجعلوا أعداء الإسلام يصنعون لكم قادتكم وممثليكم. فالعزة ليست في مقاعد الديمقراطية، بل في سدة الخلافة التي يعمل لها حزب التحرير ويُحذر الأمة من هذا الانحدار الفكري والسياسي. فلا خلاص لنا إلا بدولة الخلافة، التي لا تسمح بأن يحكم المسلمين من يدين بدين غير الإسلام، ولا بمن يبرر الشذوذ والانحراف، ولا بمن يُشرّع للناس غير ما أنزل الله.

كتبه لإذاعة المكتب الإعلامي المركزي لحزب التحرير

عبد المحمود العامري – ولاية اليمن

مصر بين الشعارات الحكومية والواقع المرّ  الحقيقة الكاملة عن الفقر، والسياسات الرأسمالية

مصر بين الشعارات الحكومية والواقع المرّ

الحقيقة الكاملة عن الفقر، والسياسات الرأسمالية

نقلت بوابة الأهرام الثلاثاء 4 تشرين الثاني/نوفمبر 2025م، أن رئيس الوزراء المصري، في كلمة ألقاها نيابةً عن الرئيس في القمة العالمية الثانية للتنمية الاجتماعية في العاصمة القطرية الدوحة، قال إنّ مصر تطبّق نهجاً شاملاً للقضاء على الفقر في جميع أشكاله وأبعاده، بما في ذلك "الفقر متعدد الأبعاد".

منذ سنوات، لا يكاد يخلو خطاب رسمي في مصر من عباراتٍ مثل "نهج شامل للقضاء على الفقر" و"الانطلاقة الحقيقية للاقتصاد المصري". يكرّر المسؤولون هذه الشعارات في المؤتمرات والمناسبات، مصحوبة بصور براقة لمشروعات استثمارية وفنادق ومنتجعات. لكن الواقع، كما تشهد عليه التقارير الدولية، مختلف تماماً. فالفقر في مصر ما زال ظاهرةً راسخة، بل متفاقمة، رغم الوعود الحكومية المتكرّرة بالتحسن والنهضة.

بحسب تقارير اليونيسف والإسكوا وبرنامج الغذاء العالمي لعامي 2024 و2025، يعيش نحو واحد من كل خمسة مصريين في فقرٍ متعدد الأبعاد، أي محروم من أكثر من جانب من جوانب الحياة الأساسية كالتعليم والصحة والسكن والعمل والخدمات. كما تؤكد البيانات أن أكثر من 49% من الأسر تعاني من صعوبات في الحصول على غذاء كافٍ، وهو رقم صادم يعكس عمق الأزمة المعيشية.

أما الفقر المالي، أي انخفاض الدخل مقارنة بتكاليف المعيشة، فقد ارتفع بصورة حادة، نتيجة موجات التضخم المتلاحقة التي أكلت أجور الناس وجهودهم ومدخراتهم، حتى أصبحت نسبة كبيرة من المصريين تحت خط الفقر المالي رغم عملهم الدائم.

وبينما تتحدث الحكومة عن مبادرات مثل "تكافل وكرامة" و"حياة كريمة"، تكشف الأرقام الدولية أن هذه البرامج لم تغيّر بنية الفقر جذرياً، بل اقتصرت على مسكّنات مؤقتة أشبه بالقطرة التي تُسكب في صحراء. فما زال الريف المصري الذي يقطنه أكثر من نصف السكان، يعاني من ضعف الخدمات وانعدام فرص العمل اللائق وتهالك البنية الأساسية. ويؤكد تقرير الإسكوا أن الحرمان في الريف يفوق نظيره في المدن بعدة أضعاف، ما يدل على سوء توزيع الثروة والإهمال المزمن للأطراف.

حين يشكر رئيسُ الوزراء ابنَ البلد "الذي تحمّل مع الحكومة إجراءات الإصلاح الاقتصادي"، فإنه في الواقع يُقرّ بوجود معاناة حقيقية ناتجة عن تلك السياسات. غير أن هذا الاعتراف لا يتبعه تغيير في المنهج، بل مزيد من السير في الطريق الرأسمالي نفسه الذي سبّب الأزمة.

فالإصلاح المزعوم الذي بدأ عام 2016 ببرنامج "التعويم" ورفع الدعم وزيادة الضرائب، لم يكن إصلاحاً بل تحميلاً للفقراء كلفة الديون والعجز. وفي الوقت الذي يتحدث فيه المسؤولون عن "الانطلاقة"، تتجه الاستثمارات الضخمة إلى العقارات الفاخرة والمشروعات السياحية التي تخدم أصحاب رؤوس الأموال، بينما لا يجد ملايين الشباب فرصاً للعمل أو السكن. بل إن كثيراً من هذه المشاريع، كمنطقة علم الروم في مطروح التي تُقدّر استثماراتها بـ29 مليار دولار، هي شراكات رأسمالية أجنبية تستحوذ على الأراضي والثروات وتحوّلها إلى مصدر ربح للمستثمرين، لا مصدر رزق للناس.

النظام يفشل ليس لأنه فاسد فحسب، بل لأنه يسير على أساسٍ فكريٍّ باطلٍ هو النظام الرأسمالي، الذي يجعل المال محوراً لكل سياسات الدولة. فالرأسمالية تقوم على حرية التملك المطلقة، وتسمح بتكديس الثروة في يد القلة التي تملك أدوات الإنتاج، فيما تتحمل الكثرة عبء الضرائب والأسعار والدَّين العام.

ولهذا، فإن كل ما يُسمى "برامج حماية اجتماعية" ما هو إلا محاولة لتجميل وجه الرأسمالية الوحشي، وإطالة عمر نظامٍ جائرٍ يراعي الأغنياء ويجبي من الفقراء. فبدلاً من معالجة أصل الداء؛ أي احتكار الثروة وتبعية الاقتصاد للمؤسسات الدولية، يُكتفى بتوزيع فتات من الإعانات النقدية، لا ترفع فقراً ولا تحفظ كرامة.

إن الرعاية ليست منّةً من الحاكم على الرعية، بل واجب شرعي، ومسؤولية يحاسبه الله عليها في الدنيا والآخرة. وما يجري اليوم، هو إهمال متعمّد لشؤون الناس، وتخلٍّ عن واجب الرعاية لصالح قروضٍ مشروطة من صندوق النقد والبنك الدوليين.

لقد أصبحت الدولة وسيطاً بين الفقير والدائن الأجنبي، تفرض الضرائب وتقلّص الدعم وتبيع الممتلكات العامة لسدّ عجزٍ متضخم صنعه النظام الرأسمالي نفسه. وفي هذا كله تغيب المفاهيم الشرعية التي تضبط الاقتصاد، كتحريم الربا، ومنع تملك الثروات العامة للأفراد، ووجوب النفقة على الرعية من بيت مال المسلمين.

لقد قدم الإسلام نظاماً اقتصادياً متكاملاً يعالج الفقر من جذوره، لا بمجرد دعمٍ نقدي أو مشروعات تجميلية. هذا النظام يقوم على أسسٍ شرعيةٍ ثابتة أبرزها:

1- تحريم الربا والديون الربوية التي تُكبّل الدولة وتستنزف مواردها، فبزوال الربا تزول تبعية الاقتصاد للمؤسسات الدولية، وتُعاد السيادة المالية للأمة.

2- جعل الملكيات ثلاثة أنواع:

ملكية فردية: كالبيوت والمتاجر والمزارع الخاصة...

ملكية عامة: تشمل الثروات الكبرى كالنفط والغاز والمعادن والمياه...

ملكية دولة: كأراضي الفيء والركاز والخراج...

وبهذا التوزيع تتحقق العدالة، إذ تُمنع فئة قليلة من احتكار موارد الأمة.

3- ضمان الكفاية لكل فرد من الرعية: فالدولة تضمن لكل إنسان في رعايتها حاجاته الأساسية من مأكل وملبس ومسكن، فإن عجز عن العمل وجب على بيت المال أن ينفق عليه.

4- الزكاة والإنفاق الإلزامي: الزكاة ليست إحساناً بل فريضة، تجمعها الدولة وتصرفها في مصارفها الشرعية للفقراء والمساكين والغارمين. وهي أداة توزيع فعّالة تعيد الأموال إلى دورة الحياة في المجتمع.

مع التحفيز على العمل المنتج ومنع الاستغلال، والحثّ على استثمار الموارد في مشاريع نافعة حقيقية كالصناعات الثقيلة والحربية لا في المضاربات والعقارات الفاخرة والمشاريع الوهمية. إلى جانب ضبط الأسعار بالعرض والطلب الحقيقيين لا بالاحتكار ولا بالتعويم.

إن دولة الخلافة على منهاج النبوة هي وحدها القادرة على تطبيق هذه الأحكام عملياً، لأنها تُبنى على أساس العقيدة الإسلامية، ويكون هدفها رعاية شؤون الناس لا جباية أموالهم. ففي ظل الخلافة، لا يوجد ربا ولا قروض مشروطة، ولا بيع للثروات العامة للأجانب، بل تُدار الموارد بما يحقق مصلحة الأمة، ويتولى بيت المال تمويل الرعاية الصحية والتعليم والمرافق العامة من موارد الدولة والخراج والأنفال والملكية العامة.

أما الفقراء، فتُكفل حاجاتهم الأساسية فرداً فرداً، لا عبر صدقات مؤقتة بل كحقٍّ شرعي مضمون. ولذا فإن محاربة الفقر في الإسلام ليست شعاراً سياسياً، بل نظام حياة متكامل يُقيم العدل ويمنع الظلم ويعيد الثروة إلى أهلها.

ما بين الخطاب الرسمي والواقع المعاش مسافةٌ هائلة لا تخفى على أحد. فبينما تتغنّى الحكومة بمشروعاتها "العملاقة" وبـ"الانطلاقة الحقيقية"، يعيش ملايين المصريين تحت خط الفقر، يعانون الغلاء والبطالة وانعدام الأمل. والحقيقة أن هذه المعاناة لن تزول ما دامت مصر تسير في طريق الرأسمالية، تُسلِّم اقتصادها للمرابين وتخضع لسياسات المؤسسات الدولية.

إن أزمات ومشكلات مصر هي مشكلات إنسانية وليست مادية، وتتعلق بها أحكام شرعية تبين كيفية التعامل معها وعلاجها على أساس الإسلام، وإن الحلول أسهل من غض الطرف لكنها تحتاج إدارة مخلصة تملك إرادة حرة تريد السير في الطريق الصحيح وتريد الخير لمصر وأهلها حقا، وحينها على هذه الإدارة أن تراجع كل العقود التي أبرمت سابقا والتي تبرم مع كل الشركات التي تحتكر أصول البلاد وما هو من ملكياتها العام وعلى رأسها شركات التنقيب عن الغاز والنفط والذهب وباقي المعادن والثروات، وتطرد كل تلك الشركات لأنها في الأصل شركات استعمارية ناهبة لثروات البلاد، ثم تصوغ عهدا جديدا يقوم على تمكين الناس من ثروات البلاد وإنشاء أو استئجار شركات تقوم هي على إنتاج الثروة من منابع النفط والغاز والذهب وغيرها من المعادن وتعيد توزيع هذه الثروات على الناس من جديد، حينها سيتمكن الناس من زراعة الأرض الموات التي ستمكنهم الدولة من استغلالها بحقهم فيها، وسيتمكنون أيضا من صناعة ما يجب أن يصنع ليرتفع باقتصاد مصر ويكفي أهلها، وستدعمهم الدولة في هذا السبيل، وإن كل هذا ليس ضربا من الخيال ولا مستحيل الحدوث ولا مشروعا نعرضه للتجربة قد ينجح أو يفشل، وإنما هي أحكام شرعية لازمة ملزمة للدولة والرعية، فلا يجوز للدولة أن تفرط في ثروات البلاد التي هي ملك للناس بدعوى عقود أقرتها وأيدتها وتحميها قوانين دولية جائرة، ولا يجوز لها أن تمنع الناس منها بل يجب أن تقطع كل يد تمتد ناهبة إلى ثروات الناس، هذا ما يقدمه الإسلام ويجب تنفيذه، إلا أنه لا يطبق بمعزل عن باقي أنظمة الإسلام بل إنه لا يطبق إلا من خلال دولة الخلافة الراشدة على منهاج النبوة، هذه الدولة التي يحمل همها والدعوة إليها حزب التحرير ويدعو مصر وأهلها شعبا وجيشا إلى العمل معه من أجلها، عسى الله أن يكتب الفتح من عنده فنراها واقعا يعز الإسلام وأهله، اللهم عاجلا غير آجل.

﴿وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرَىٰ آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَفَتَحْنَا عَلَيْهِم بَرَكَاتٍ مِّنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ﴾

كتبه للمكتب الإعلامي المركزي لحزب التحرير

سعيد فضل

عضو المكتب الإعلامي لحزب التحرير في ولاية مصر