غزة وتمييز الخبيث من الطيب
غزة وتمييز الخبيث من الطيب

قال الله سبحانه: ﴿ما كَانَ اللهُ لِيَذَرَ الْمُؤْمِنِينَ عَلَى مَا أَنتُمْ عَلَيْهِ حَتَّى يَمِيزَ الْخَبِيثَ مِنَ الطَّيِّبِ﴾. لقد مضت أكثر من عشرة أشهر منذ بدأت الإبادة الجماعية في غزة التي يرتكبها كيان يهود، ومنذ ذلك الحين يراقب العالم كيف يخرق الكيان كل المعايير والأعراف التي يروج لها الغرب، في محاولته إبادة وتشريد المسلمين في غزة والاستيلاء على أرضهم.

0:00 0:00
السرعة:
August 31, 2024

غزة وتمييز الخبيث من الطيب

غزة وتمييز الخبيث من الطيب

(مترجم)

قال الله سبحانه: ﴿ما كَانَ اللهُ لِيَذَرَ الْمُؤْمِنِينَ عَلَى مَا أَنتُمْ عَلَيْهِ حَتَّى يَمِيزَ الْخَبِيثَ مِنَ الطَّيِّبِ﴾.

لقد مضت أكثر من عشرة أشهر منذ بدأت الإبادة الجماعية في غزة التي يرتكبها كيان يهود، ومنذ ذلك الحين يراقب العالم كيف يخرق الكيان كل المعايير والأعراف التي يروج لها الغرب، في محاولته إبادة وتشريد المسلمين في غزة والاستيلاء على أرضهم.

إن كيان يهود، الذي يشجعه الدعم الأساسي من القوى الأجنبية الرئيسية، يواصل مذابحه، ويحاول إخفاء جرائمه عن شعبه وعن العالم بحجاب رقيق من الخداع والأكاذيب، وهي سمة مألوفة جدا على مدى ما يقرب من ثمانية عقود.

بالنسبة لمليوني مسلم في غزة، فقد شهدت هذه الإبادة الجماعية قصفهم جماعياً، وتهجيرهم، واستهدافهم بالرصاص، واعتقالهم، وتعذيبهم بشكل فظيع، واغتصابهم، وتشويههم، وإحراقهم أحياء، وتجويعهم، وتعريضهم لكل أشكال القمع الشديد المعروف للبشر، بينما يحاولون يائسين الدفاع عن الأرض المباركة للأمة الإسلامية. وعبر هذه العمليات، تم تقسيم وتفكيك السكان إلى فئات مختلفة: لاجئون، سجناء، مقاتلون مقاومون، وشهداء...

في حين إن الأمة الإسلامية في عمومها تنظر بذهول وتشعر بألم شديد لما يعانيه إخوانهم في غزة وفلسطين، فإن هناك سببا أعظم يدعو الكثيرين منهم إلى الانفعال والاضطراب. قد ينظر المرء إلى المسلمين في فلسطين باعتبارهم وحدهم الذين يتعرضون للابتلاء، ولكن في الواقع، فإن المسلمين خارج غزة وفلسطين هم الذين يتعرضون للاختبار الحقيقي ويتم تصنيفهم إلى مجموعات مختلفة، مع استمرار الإبادة الجماعية.

فمنذ أن بدأ هجوم كيان يهود على غزة في تشرين الأول/أكتوبر 2023، استشهد كثيرون من الأمة في جميع أنحاء البلاد الإسلامية بحديث النبي ﷺ «تَرَى الْمُؤْمِنِينَ فِي تَرَاحُمِهِمْ وَتَوَادِّهِمْ وَتَعَاطُفِهِمْ كَمَثَلِ الْجَسَدِ إِذَا اشْتَكَى عُضْواً تَدَاعَى لَهُ سَائِرُ جَسَدِهِ بِالسَّهَرِ وَالْحُمَّى»، وكان تدفق للدعم من جميع أنواعه من جميع مستويات المجتمع في الدول ذات الأغلبية المسلمة، من المغرب إلى إندونيسيا، وكذلك من المسلمين الذين يعيشون في الغرب ودول أخرى.

بالنسبة للبعض، قد يكون رفع الصوت عبر الوسائل المتاحة هو الخيار الوحيد الممكن لمعالجة القضية. ومع ذلك، فمن الضروري أن يفعلوا ذلك من خلال الدعوة إلى الحل الصحيح. فمجرد الدعوة إلى إرسال الصدقات إلى غزة، أو الدعاء، أو الإصلاح الفردي، أو مقاطعة الشركات التي تدعم كيان يهود، على الرغم من أنها أفعال مجزية في حد ذاتها، فإنها لن تنهي الإبادة الجماعية، من خلال وقف الجيش الهائج.

وينطبق الأمر نفسه على أولئك الذين يضغطون بحماس على الساسة والمؤسسات لإحداث تأثير، من خلال الأنظمة السياسية القائمة والنظام العالمي الحالي. إن القيام بذلك يتجاهل حقيقة مفادها أن القوى العالمية الكبرى تسيطر على ساستها ومؤسساتها ومنظماتها المحلية، فضلاً عن البلدان شبه المتقدمة والنامية في جميع أنحاء العالم، وكل ذلك لتحقيق مصالحها الاستراتيجية والمادية. وهذا يشمل إعطاء كيان يهود حرية التصرف الفعلية في الشرق الأوسط الآن لمواصلة سياسات الإبادة الجماعية. هذا بالإضافة إلى تزويد جيش يهود بالأسلحة والتمويل.

إن الحل الحقيقي للأمة الإسلامية، من جميع الزوايا، هو إعادة إقامة نظامها السياسي الخاص الذي يمنح السيادة لحكم الله سبحانه في جميع الشؤون، ويربط الأمة معاً في دولة واحدة متماسكة بدون انقسامات داخلية، تحت سلطان حاكم واحد. حيث سيكون هذا الحاكم الواحد، الخليفة، هو من يقوم بتحريك الموارد الهائلة للأمة، وخصوصاً جيوشها والمجاهدين فيها، لتحرير أرض فلسطين، وهي رغبة تتردد بين الجنود والمجاهدين في بلاد المسلمين.

ولكن في ظل النظام الحالي القائم على الدولة القومية، تظل جيوش المسلمين حبيسة ثكناتها، مقيدة بأمر كبار قادتها. ولا بد أن يدرك هؤلاء القادة أنفسهم أنهم هم الذين يمتحنهم الله سبحانه وتعالى، الذي يقيم ويسجل ردود أفعالهم إزاء الإبادة الجماعية التي يتعرض لها إخوانهم. وبالنسبة لهم، فإن حصر أفعالهم في مجرد التحدث علناً أمر غير مقبول على الإطلاق.

وكما كان الحال في عهد الرسول ﷺ فقد تم اختبار الصحابة رضي الله عنهم ومن حول الرسول ﷺ في استجابتهم لدعوته ﷺ للجهاد ضد أعداء الدولة الإسلامية الأولى.

ولقد وضحت غزوة أحد ذلك، عندما انقلبت الأمور ضد المسلمين في خضم المعركة، بسبب عصيان بعض الرماة، وهو ما استغله فرسان قريش بمناورة ماهرة. ووجد الصحابة رضي الله عنهم أنفسهم فجأة أمام احتمال الهزيمة الكاملة. ورداً على ذلك، كسر بعض المسلمين التشكيل العسكري. ومع ذلك، كان هناك من ظل ثابتاً في ساحة المعركة للدفاع عن الرسول ﷺ والقضية الإسلامية، وضحى بحياته من أجل الشهادة. وبهذه الطريقة، صنف الله سبحانه وتعالى المسلمين إلى مجموعات مختلفة.

ولقد حدث موقف مماثل في وقت لاحق خلال الفترة المبكرة من عمر الدولة الإسلامية في عهد الرسول ﷺ، في مواجهة الإمبراطورية الرومانية البيزنطية وتنامي القوة الإسلامية أثناء غزوة مؤتة وغزوة تبوك. ففي الحالتين خرج المسلمون الأوائل لمواجهة خصم متمرس، ومجهز بتدريب احترافي في الحرب، وكبير الأعداد. وفي إطار الاستعداد لهذه الغزوات تم اختبار المسلمين وتصنيفهم حسب شخصياتهم. وخلال غزوة تبوك، وعلى الرغم من الإحسان الكبير الذي قدمه الصحابة رضي الله عنهم للإعداد، إلا أن الجيش الإسلامي كان يفتقر إلى الموارد بشكل كبير. وفي الوقت نفسه، تخلف بعض المسلمين عن الركب. ومع ذلك، فقد أثارت غزوة مؤتة وغزوة تبوك الرعب في قلوب الرومان، ومهدت الطريق لغزوهم من قبل المسلمين.

اليوم، يجب على قادة جيوش المسلمين أن يدركوا أنهم بينما يجلسون بلا حراك في ثكناتهم، فإن الله سبحانه وتعالى يصنفهم في الواقع إلى فئتين: المنافقين والمؤمنين المخلصين، الذين يظلون مقيدين فقط لأن المنافقين يقيدونهم. ومع ذلك، في كلتا الحالتين، فإن التقيد يكون حجة عليهم عند الله سبحانه وتعالى يوم القيامة.

يجب أن يتخذ قادة جيوش المسلمين المخلصون، خاصة أولئك المترددون بين الحق والباطل، موقفا حاسما، وأن ينحازوا بقوة إلى قضية الإسلام، قضية إعادة الخلافة الراشدة الثانية على منهاج النبوة، قضية تحرير المسلمين في فلسطين، وكل الأراضي المحتلة، من الظلم الوحشي الذي يواجهونه. ومن خلال القيام بذلك، فإن هؤلاء القادة لن ينقذوا المظلومين من الطغيان الوحشي فحسب، بل سينقذون أنفسهم أيضاً من العقاب في الآخرة، وينالون بدلاً من ذلك ثوابا عظيما من الله سبحانه وتعالى في جناته، وذلك هو الفوز العظيم.

كتبه لإذاعة المكتب الإعلامي المركزي لحزب التحرير

عبد الحكيم أسد

المزيد من القسم null

لا تنخدعوا بالأسماء فالعبرة بالمواقف لا بالأنساب

لا تنخدعوا بالأسماء فالعبرة بالمواقف لا بالأنساب

في كل مرة يُقدَّم لنا "رمز جديد" له جذور مسلمة أو ملامح شرقية، يهلل كثير من المسلمين، وتُبنى الآمال على وهمٍ اسمه "التمثيل السياسي" في نظامٍ كافر لا يعترف بالإسلام حكماً ولا عقيدةً ولا شريعةً.

نذكر جميعاً الفرح العارم الذي اجتاح مشاعر كثيرين عند فوز أوباما في 2008. فهو ابن كينيا، وله أب مسلم! وهنا توهم البعض أن الإسلام والمسلمين باتوا قريبين من النفوذ الأمريكي، لكن أوباما كان أحد أكثر الرؤساء إيذاءً للمسلمين فقد دمر ليبيا، وساهم في مأساة سوريا، وأشعل أفغانستان والعراق بطائراته وجنوده، بل كان سفاك الدماء في اليمن عبر أدواته وكان عهده استمراراً لعداء ممنهج ضد الأمة.

واليوم يتكرر المشهد، لكن بأسماء جديدة. فـزوهران ممداني يُحتفى به لأنه مسلم ومهاجر وشاب، وكأنه المنقذ! لكن قليلين فقط ينظرون إلى مواقفه السياسية والفكرية. هذا الرجل من الداعمين الأشداء للشواذ المثليين، ومشارك في فعالياتهم، ويعتبر انحرافهم حقوقاً إنسانية!

أي خزي هذا يُعلق عليه الناس آمالاً؟! ألم يكن تكراراً للخيبة السياسية والفكرية نفسها التي وقعت فيها الأمة مراراً وتكراراً؟! نعم لأنها تُفتن بالشكل لا بالجوهر! تُخدع بالابتسامات، وتتعامل بالعاطفة لا بالعقيدة، وبالأسماء لا بالمفاهيم، وبالرموز لا بالمبادئ!

إن هذا الانبهار بالأشكال والأسماء نتيجة غياب الوعي السياسي الشرعي، لأن الإسلام لا يقاس بالأصل أو الاسم أو العرق، بل بالالتزام بمبدأ الإسلام كاملاً؛ نظاماً وعقيدةً وشريعةً. ولا قيمة لمسلم لا يحكم بالإسلام ولا ينصره، بل يخضع للنظام الرأسمالي الكافر، ويبرر الكفر والانحرافات باسم "الحرية".

وليعلم جميع المسلمين الذين فرحوا بفوزه وظنّوا أنه بذرة خير أو بداية نهوض، أن النهوض لا يكون من داخل أنظمة الكفر، ولا بأدواتها، ولا عبر صناديق اقتراعها، ولا تحت سقف دساتيرها.

فمن يُقدّم نفسه عبر النظام الديمقراطي، ويقسم على احترام قوانينه، ثم يدافع عن الشذوذ الجنسي ويحتفل به، ويدعو إلى ما يغضب الله، فهو ليس نصيراً للإسلام ولا أملاً للأمة، بل هو أداة تلميع وتمييع، وتمثيل مزيّف لا يُقدّم ولا يؤخر.

إن ما تسمى النجاحات السياسية في الغرب لبعض الشخصيات ذات الأسماء الإسلامية، ما هي إلا فُتات يُقدَّم كمسكنات للأمة، ليقال لها: انظروا، التغيير ممكن عبر أنظمتنا.

 فما حقيقة هذا "التمثيل"؟

الغرب لا يفتح أبواب الحكم للإسلام، بل يفتحها فقط لمن يتماهى مع قيمه وأفكاره. وأي شخص يدخل نظامهم لا بد أن يقبل بدستورهم، وبقوانينهم الوضعية، وأن يتنكر لحكم الإسلام، فإن رضي بذلك، أصبح نموذجاً مقبولاً، أما المسلم الحق، فهو مرفوض عندهم من جذوره.

فمن هو زهران ممداني؟ ولماذا يُصنع هذا الوهم؟

هو شخص يحمل اسماً مسلماً لكنه متبنٍ لأجندة منحرفة مخالفة تماماً لفطرة الإسلام، من دعم المثليين، والترويج لما يُسمى بـ"حقوقهم"، وهو نموذج حي لكيف يصنع الغرب نماذجه: مسلم بالاسم، علماني بالفعل، خادم لأجندة الليبرالية الغربية لا أكثر. بل لإشغال الأمة عن طريقها الحقيقي، فبدل أن تطالب بدولة الإسلام والخلافة، تنشغل بالمقاعد النيابية والمناصب في أنظمة كفر! وبدل أن تتوجه لتحرير فلسطين، تنتظر مَن "يدافع عن غزة" من داخل الكونغرس الأمريكي أو البرلمان الأوروبي!

فحقيقة الأمر أن هذا تشويه لطريق التغيير الحقيقي، وهو إقامة الخلافة الراشدة على منهاج النبوة، التي تُعلي راية الإسلام، وتقيم شرع الله، وتوحد الأمة خلف خليفة واحد يُقاتل من ورائه ويُتقى به.

فلا تنخدعوا بالأسماء، ولا تفرحوا بمن ينتمي لكم شكلاً ويخالفكم مضموناً، فليس كل من حمل اسم سعيد أو علي أو زهران هو على طريق نبينا محمد ﷺ.

واعلموا أن التغيير لا يأتي من داخل برلمانات الكفر، بل من جيوش الأمة التي آن لها أن تتحرك، ومن شبابها الواعين الذين يعملون ليلا ونهارا لقلب الطاولة على رؤوس الغرب وأعوانه وأتباعه الخائنين في بلاد الإسلام والمسلمين.

فالمسلمون لن ينهضوا عبر انتخابات الديمقراطية ولا من خلال صناديق الغرب، بل بنهضة حقيقية على أساس العقيدة الإسلامية، بإقامة دولة الخلافة الراشدة التي تُعيد للإسلام مكانته، وللمسلمين عزّتهم، وتحطم أوهام الديمقراطية.

لا تنخدعوا بالأسماء، ولا تعلقوا آمالكم على أفراد في أنظمة كفر، بل ارجعوا إلى مشروعكم العظيم: استئناف الحياة الإسلامية، فهذا وحده طريق العزة والنصر والتمكين.

فالمشهد تكرار مُهين لمآسٍ قديمة: رموز مزيفة، وولاء للأنظمة الغربية، وانحراف عن طريق الإسلام. وكل من يُصفّق لهذا المسار، إنما يضلل الأمة. فعودوا إلى مشروع الخلافة، ولا تجعلوا أعداء الإسلام يصنعون لكم قادتكم وممثليكم. فالعزة ليست في مقاعد الديمقراطية، بل في سدة الخلافة التي يعمل لها حزب التحرير ويُحذر الأمة من هذا الانحدار الفكري والسياسي. فلا خلاص لنا إلا بدولة الخلافة، التي لا تسمح بأن يحكم المسلمين من يدين بدين غير الإسلام، ولا بمن يبرر الشذوذ والانحراف، ولا بمن يُشرّع للناس غير ما أنزل الله.

كتبه لإذاعة المكتب الإعلامي المركزي لحزب التحرير

عبد المحمود العامري – ولاية اليمن

مصر بين الشعارات الحكومية والواقع المرّ  الحقيقة الكاملة عن الفقر، والسياسات الرأسمالية

مصر بين الشعارات الحكومية والواقع المرّ

الحقيقة الكاملة عن الفقر، والسياسات الرأسمالية

نقلت بوابة الأهرام الثلاثاء 4 تشرين الثاني/نوفمبر 2025م، أن رئيس الوزراء المصري، في كلمة ألقاها نيابةً عن الرئيس في القمة العالمية الثانية للتنمية الاجتماعية في العاصمة القطرية الدوحة، قال إنّ مصر تطبّق نهجاً شاملاً للقضاء على الفقر في جميع أشكاله وأبعاده، بما في ذلك "الفقر متعدد الأبعاد".

منذ سنوات، لا يكاد يخلو خطاب رسمي في مصر من عباراتٍ مثل "نهج شامل للقضاء على الفقر" و"الانطلاقة الحقيقية للاقتصاد المصري". يكرّر المسؤولون هذه الشعارات في المؤتمرات والمناسبات، مصحوبة بصور براقة لمشروعات استثمارية وفنادق ومنتجعات. لكن الواقع، كما تشهد عليه التقارير الدولية، مختلف تماماً. فالفقر في مصر ما زال ظاهرةً راسخة، بل متفاقمة، رغم الوعود الحكومية المتكرّرة بالتحسن والنهضة.

بحسب تقارير اليونيسف والإسكوا وبرنامج الغذاء العالمي لعامي 2024 و2025، يعيش نحو واحد من كل خمسة مصريين في فقرٍ متعدد الأبعاد، أي محروم من أكثر من جانب من جوانب الحياة الأساسية كالتعليم والصحة والسكن والعمل والخدمات. كما تؤكد البيانات أن أكثر من 49% من الأسر تعاني من صعوبات في الحصول على غذاء كافٍ، وهو رقم صادم يعكس عمق الأزمة المعيشية.

أما الفقر المالي، أي انخفاض الدخل مقارنة بتكاليف المعيشة، فقد ارتفع بصورة حادة، نتيجة موجات التضخم المتلاحقة التي أكلت أجور الناس وجهودهم ومدخراتهم، حتى أصبحت نسبة كبيرة من المصريين تحت خط الفقر المالي رغم عملهم الدائم.

وبينما تتحدث الحكومة عن مبادرات مثل "تكافل وكرامة" و"حياة كريمة"، تكشف الأرقام الدولية أن هذه البرامج لم تغيّر بنية الفقر جذرياً، بل اقتصرت على مسكّنات مؤقتة أشبه بالقطرة التي تُسكب في صحراء. فما زال الريف المصري الذي يقطنه أكثر من نصف السكان، يعاني من ضعف الخدمات وانعدام فرص العمل اللائق وتهالك البنية الأساسية. ويؤكد تقرير الإسكوا أن الحرمان في الريف يفوق نظيره في المدن بعدة أضعاف، ما يدل على سوء توزيع الثروة والإهمال المزمن للأطراف.

حين يشكر رئيسُ الوزراء ابنَ البلد "الذي تحمّل مع الحكومة إجراءات الإصلاح الاقتصادي"، فإنه في الواقع يُقرّ بوجود معاناة حقيقية ناتجة عن تلك السياسات. غير أن هذا الاعتراف لا يتبعه تغيير في المنهج، بل مزيد من السير في الطريق الرأسمالي نفسه الذي سبّب الأزمة.

فالإصلاح المزعوم الذي بدأ عام 2016 ببرنامج "التعويم" ورفع الدعم وزيادة الضرائب، لم يكن إصلاحاً بل تحميلاً للفقراء كلفة الديون والعجز. وفي الوقت الذي يتحدث فيه المسؤولون عن "الانطلاقة"، تتجه الاستثمارات الضخمة إلى العقارات الفاخرة والمشروعات السياحية التي تخدم أصحاب رؤوس الأموال، بينما لا يجد ملايين الشباب فرصاً للعمل أو السكن. بل إن كثيراً من هذه المشاريع، كمنطقة علم الروم في مطروح التي تُقدّر استثماراتها بـ29 مليار دولار، هي شراكات رأسمالية أجنبية تستحوذ على الأراضي والثروات وتحوّلها إلى مصدر ربح للمستثمرين، لا مصدر رزق للناس.

النظام يفشل ليس لأنه فاسد فحسب، بل لأنه يسير على أساسٍ فكريٍّ باطلٍ هو النظام الرأسمالي، الذي يجعل المال محوراً لكل سياسات الدولة. فالرأسمالية تقوم على حرية التملك المطلقة، وتسمح بتكديس الثروة في يد القلة التي تملك أدوات الإنتاج، فيما تتحمل الكثرة عبء الضرائب والأسعار والدَّين العام.

ولهذا، فإن كل ما يُسمى "برامج حماية اجتماعية" ما هو إلا محاولة لتجميل وجه الرأسمالية الوحشي، وإطالة عمر نظامٍ جائرٍ يراعي الأغنياء ويجبي من الفقراء. فبدلاً من معالجة أصل الداء؛ أي احتكار الثروة وتبعية الاقتصاد للمؤسسات الدولية، يُكتفى بتوزيع فتات من الإعانات النقدية، لا ترفع فقراً ولا تحفظ كرامة.

إن الرعاية ليست منّةً من الحاكم على الرعية، بل واجب شرعي، ومسؤولية يحاسبه الله عليها في الدنيا والآخرة. وما يجري اليوم، هو إهمال متعمّد لشؤون الناس، وتخلٍّ عن واجب الرعاية لصالح قروضٍ مشروطة من صندوق النقد والبنك الدوليين.

لقد أصبحت الدولة وسيطاً بين الفقير والدائن الأجنبي، تفرض الضرائب وتقلّص الدعم وتبيع الممتلكات العامة لسدّ عجزٍ متضخم صنعه النظام الرأسمالي نفسه. وفي هذا كله تغيب المفاهيم الشرعية التي تضبط الاقتصاد، كتحريم الربا، ومنع تملك الثروات العامة للأفراد، ووجوب النفقة على الرعية من بيت مال المسلمين.

لقد قدم الإسلام نظاماً اقتصادياً متكاملاً يعالج الفقر من جذوره، لا بمجرد دعمٍ نقدي أو مشروعات تجميلية. هذا النظام يقوم على أسسٍ شرعيةٍ ثابتة أبرزها:

1- تحريم الربا والديون الربوية التي تُكبّل الدولة وتستنزف مواردها، فبزوال الربا تزول تبعية الاقتصاد للمؤسسات الدولية، وتُعاد السيادة المالية للأمة.

2- جعل الملكيات ثلاثة أنواع:

ملكية فردية: كالبيوت والمتاجر والمزارع الخاصة...

ملكية عامة: تشمل الثروات الكبرى كالنفط والغاز والمعادن والمياه...

ملكية دولة: كأراضي الفيء والركاز والخراج...

وبهذا التوزيع تتحقق العدالة، إذ تُمنع فئة قليلة من احتكار موارد الأمة.

3- ضمان الكفاية لكل فرد من الرعية: فالدولة تضمن لكل إنسان في رعايتها حاجاته الأساسية من مأكل وملبس ومسكن، فإن عجز عن العمل وجب على بيت المال أن ينفق عليه.

4- الزكاة والإنفاق الإلزامي: الزكاة ليست إحساناً بل فريضة، تجمعها الدولة وتصرفها في مصارفها الشرعية للفقراء والمساكين والغارمين. وهي أداة توزيع فعّالة تعيد الأموال إلى دورة الحياة في المجتمع.

مع التحفيز على العمل المنتج ومنع الاستغلال، والحثّ على استثمار الموارد في مشاريع نافعة حقيقية كالصناعات الثقيلة والحربية لا في المضاربات والعقارات الفاخرة والمشاريع الوهمية. إلى جانب ضبط الأسعار بالعرض والطلب الحقيقيين لا بالاحتكار ولا بالتعويم.

إن دولة الخلافة على منهاج النبوة هي وحدها القادرة على تطبيق هذه الأحكام عملياً، لأنها تُبنى على أساس العقيدة الإسلامية، ويكون هدفها رعاية شؤون الناس لا جباية أموالهم. ففي ظل الخلافة، لا يوجد ربا ولا قروض مشروطة، ولا بيع للثروات العامة للأجانب، بل تُدار الموارد بما يحقق مصلحة الأمة، ويتولى بيت المال تمويل الرعاية الصحية والتعليم والمرافق العامة من موارد الدولة والخراج والأنفال والملكية العامة.

أما الفقراء، فتُكفل حاجاتهم الأساسية فرداً فرداً، لا عبر صدقات مؤقتة بل كحقٍّ شرعي مضمون. ولذا فإن محاربة الفقر في الإسلام ليست شعاراً سياسياً، بل نظام حياة متكامل يُقيم العدل ويمنع الظلم ويعيد الثروة إلى أهلها.

ما بين الخطاب الرسمي والواقع المعاش مسافةٌ هائلة لا تخفى على أحد. فبينما تتغنّى الحكومة بمشروعاتها "العملاقة" وبـ"الانطلاقة الحقيقية"، يعيش ملايين المصريين تحت خط الفقر، يعانون الغلاء والبطالة وانعدام الأمل. والحقيقة أن هذه المعاناة لن تزول ما دامت مصر تسير في طريق الرأسمالية، تُسلِّم اقتصادها للمرابين وتخضع لسياسات المؤسسات الدولية.

إن أزمات ومشكلات مصر هي مشكلات إنسانية وليست مادية، وتتعلق بها أحكام شرعية تبين كيفية التعامل معها وعلاجها على أساس الإسلام، وإن الحلول أسهل من غض الطرف لكنها تحتاج إدارة مخلصة تملك إرادة حرة تريد السير في الطريق الصحيح وتريد الخير لمصر وأهلها حقا، وحينها على هذه الإدارة أن تراجع كل العقود التي أبرمت سابقا والتي تبرم مع كل الشركات التي تحتكر أصول البلاد وما هو من ملكياتها العام وعلى رأسها شركات التنقيب عن الغاز والنفط والذهب وباقي المعادن والثروات، وتطرد كل تلك الشركات لأنها في الأصل شركات استعمارية ناهبة لثروات البلاد، ثم تصوغ عهدا جديدا يقوم على تمكين الناس من ثروات البلاد وإنشاء أو استئجار شركات تقوم هي على إنتاج الثروة من منابع النفط والغاز والذهب وغيرها من المعادن وتعيد توزيع هذه الثروات على الناس من جديد، حينها سيتمكن الناس من زراعة الأرض الموات التي ستمكنهم الدولة من استغلالها بحقهم فيها، وسيتمكنون أيضا من صناعة ما يجب أن يصنع ليرتفع باقتصاد مصر ويكفي أهلها، وستدعمهم الدولة في هذا السبيل، وإن كل هذا ليس ضربا من الخيال ولا مستحيل الحدوث ولا مشروعا نعرضه للتجربة قد ينجح أو يفشل، وإنما هي أحكام شرعية لازمة ملزمة للدولة والرعية، فلا يجوز للدولة أن تفرط في ثروات البلاد التي هي ملك للناس بدعوى عقود أقرتها وأيدتها وتحميها قوانين دولية جائرة، ولا يجوز لها أن تمنع الناس منها بل يجب أن تقطع كل يد تمتد ناهبة إلى ثروات الناس، هذا ما يقدمه الإسلام ويجب تنفيذه، إلا أنه لا يطبق بمعزل عن باقي أنظمة الإسلام بل إنه لا يطبق إلا من خلال دولة الخلافة الراشدة على منهاج النبوة، هذه الدولة التي يحمل همها والدعوة إليها حزب التحرير ويدعو مصر وأهلها شعبا وجيشا إلى العمل معه من أجلها، عسى الله أن يكتب الفتح من عنده فنراها واقعا يعز الإسلام وأهله، اللهم عاجلا غير آجل.

﴿وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرَىٰ آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَفَتَحْنَا عَلَيْهِم بَرَكَاتٍ مِّنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ﴾

كتبه للمكتب الإعلامي المركزي لحزب التحرير

سعيد فضل

عضو المكتب الإعلامي لحزب التحرير في ولاية مصر