هبّات الشعوب في البلاد الإسلامية  بمعزل عن قوى جيوشها وحزب مبدئي كماءٍ بقيعةٍ يحسَبه الظمآنُ ماءً
January 07, 2019

هبّات الشعوب في البلاد الإسلامية بمعزل عن قوى جيوشها وحزب مبدئي كماءٍ بقيعةٍ يحسَبه الظمآنُ ماءً

هبّات الشعوب في البلاد الإسلامية

بمعزل عن قوى جيوشها وحزب مبدئي كماءٍ بقيعةٍ يحسَبه الظمآنُ ماءً

إن الهبات الشعبية تعطي مؤشرا حقيقيا عند الأمة وهو أنها تريد التغيير، وتثبت امتعاض الأمة وعدم رضاها عن الواقع الذي تعيش بعد أن انكشفت سوءات حكامها عبر تلك العقود الماضية، وكان لحزب التحرير بفضل الله سهمٌ في رفع هذا الإحساس جراء عمله المضني طوال عقود مضت، وتصميمه على مبدئه وإصراره على كشف هؤلاء الحكام لأمته. ففي الوقت الذي كانت الجماهير تصفق لعبد الناصر كان الحزب يكشفه ويبين واقعه بأنه الخائن العميل، وفي الوقت الذي كانت الجماهير تتهافت على حركة فتح التي كانت تخوض الكفاح المسلح كان الحزب يكشف ياسر عرفات ويصفه أنه رأس العصابة الخائن. نعم هكذا هي حركة الجماهير فهي حركة تتملكها المشاعر وتنقاد لها.

ولقد استطاع حزب التحرير بفضل الله اجتياز تلك الفتن والرياح العاتية وهو محافظ على فكرته مستمر في كشف كل خائن وعميل ويبث أفكاره في الأمة دون التفات لتبعات ذلك عليه، فتقدمت الأمة في هبّاتها وباتت مقتنعة بسوء الواقع وخيانة حكامها فتوفرت لها إرادة التغيير، لكن هذه الحركة التي ظهرت على شكل هبات وانتفاضات تبقى مجرد إرادة حقيقية تتحرك بها الأمة يمنة ويسرة في قُطر أو أقطار من بلاد المسلمين، لكن هذه الإرادة التي ولّدت هذه الحركة المباركة لا تمكنها وحدها من الوصول إلى أهدافها لأنها حركة لولبية تنتهي في وقت معين.

إن تسليط الأضواء على دور الانتفاضات الشعبية وحدها على أنها القادرة بذاتها على تغيير الواقع تغييرا انقلابيا جذريا دون أن تحمل مشروعا واضحا هو أمر غاية في الخطورة والتضليل السياسي من عدسات القنوات الفضائية المحرضة كالجزيرة وأخواتها ومن ورائها المستعمر الكافر وأذنابه. إن هذه الهبات الشعبية بمكوناتها المتنوعة وفيها الغث والسمين لا يمكن أن تتصدى لعملية التغيير وحدها وإن حاولت، لأن عملية التغيير لها طريقة شرعية حددها الوحي وهي التي يسير عليها حزب التحرير منذ نشأته.

إن هذه الهبات الشعبية وحدها لا تغير لأنها مكونة من أطياف عديدة وأوساط سياسية عميقة وأخرى جديدة تتشكل ولها أهدافها الاستعمارية ومن الميسور عليها امتطاء هبّاتهم التي غالبا ما تكون نتيجة الشعور بالظلم.

فمثلاً عندما جاءت الأوامر من المستعمر لكبراء قادة الجيوش العملاء في البلاد التي شهدت هبات شعبية قبل عدة سنوات حتى هذه اللحظة رأينا تلك الجيوش قد اصطفت إلى جانب بعض تطلعات الشعوب واتخذت موقفا حياديا على أغلبه، وجاء الأمر إليهم من الغرب بتنحية شخوص الحكام وبعض وسطه السياسي بغية تنفيس ذلك الاحتقان. وهذا ما حدث في تونس ومصر تحديدا، فشعر الناس أنهم قادرون على التغيير وشعروا بسعادة عارمة ظنا منهم أنهم حققوا التغيير المنشود، ومع مضي الأيام أدركوا أن تحركهم لم يكن كافيا لتحقيق هدفهم المنشود وهو رفع الظلم واستعادة سلطانهم.

إن لسان حال الشعوب تنتظر من يعلق لها الجرس في التغيير الشامل والكلي، وتحتاج إلى جهة سياسية موثوقة بالنسبة لها تقودها وتحقق تطلعاتها وطموحها في إحداث نقلة نوعية لها. طبعا هذا لا يكون بمجرد وجود الإرادة عند الشعوب والاعتماد عليها وحدها وإن كانت جزءاً من المعادلة، لأن الناحية العملية في الموضوع هي أن ينحاز أهل القوة والمنعة إلى تلك الجهة السياسية التي تثق بها الأمة والتي هي من جنسها لتتم عملية التغيير. وإن حزب التحرير هو الجهة المؤهلة القادرة بمعية أمته أن يقودها إلى بر الأمان.

وبما أن هذه الشعوب في عالمنا الإسلامي جلها من المسلمين، وظهر منهم حبهم للإسلام، فإنهم لا شك سيكونون في صف دولة الخلافة حال قيامها، لأنهم يطمئنون تماما لحكم ربهم فيما لو ظهر لهم بالحس أن شريعة الإسلام ستحل كافة مشاكلهم في جميع جوانب الحياة، وهذا بشكل عام أصبح ملموسا والحمد لله وكان ذلك نتيجة للجهد المضني الذي بذله الحزب في تغيير جزء لا يستهان به من القناعات والمقاييس عند الأمّة. وللحفاظ على هذه الحالة التي هي عرضة للتغيير والتبديل ولكي يكون حزب التحرير هو خيار الأمة فيما لو استجابت القوى لرد السلطان للأمة وإقامة الخلافة الراشدة، كان لا بد من المحافظة على هذا السير الملتزم بطريقة الرسول  r ليكون الهدف هو أخذ قيادة الأمة وبناء دولة إسلامية تقوم على أساس العقيدة الإسلامية، ولأجل هذه الغاية ألزم حزب التحرير نفسه أثناء مرحلة التفاعل بالتثقيف الفردي والتثقيف الجماعي وكشف المؤامرات وخيانة الحكام وعمالتهم وتبني مصالح الأمة، وهذا كان ولا يزال له ضريبة يدفعها شباب الحزب من أعمارهم لتحقيق هذه الغاية. فكم عانى شباب الحزب من السجن والتعذيب والتضييق في العيش وكم منهم من استشهد وعلق على أعواد المشانق...

وكانت هذه التضحيات ثمناً لمحاولة أخذ القيادة في الأمة، وها هو الشيخ سعيد رضوان القيسي أبو عماد أحد شباب حزب التحرير في الأردن وبعد خروجه من السجن الذي قضى فيه ثلاث سنوات ظلماً يقول: "لكل شيء زكاة ولأعمارنا زكاة يجب أن نؤديها ونحن لا نستكثر على الله التضحية، نقدمها رخيصة في سبيل تحقيق وعد الله وبشرى رسوله r ".

ونذكر في هذا المقام ما قال الشاعر:

أترجو أن تسود ولا تعنّى ... وهل يسود ذو الدّعة البخيل

وإن سياسة الأقوام فاعلم  ...   لها صعداء مطلبها طويل

نعم إن عملية التغيير تلقي على كاهل حملة الدعوة في حزب التحرير عبئا تفاعليا حقيقيا - لا حالة انفعالية أو ردة فعل - في أوساط الأمة الإسلامية في البلاد الإسلامية كي يظهروا بالمظهر السياسي اللائق بعظم المهمة والرسالة اللتين يضطلعون بهما، ويكونوا محط أنظار الأمة الإسلامية كقوة فكرية سياسية تهز كافة العلاقات بين الأمة وبين الفئات الحاكمة وأنظمة الكفر. حتى إن الحزب وصف ما يجب أن يكون عليه هذا التفاعل من شدة في ضرب علاقة الحكام بالأمة فقال في نشرة دخول المجتمع:

"ولا بد أن يكون السير في الكفاح بشكل تتعرض معه هذه السلطة القائمة نفسها لما يحطم أضلاعها، ويزيل هيبتها، ويطمع الناس فيها، ويكثر من الأيدي والأصابع التي تأخذ بحلاقيمها وتجهز عليها إجهاز قوي مقتدر، وبشكل يثير الشوق لحكم الإسلام ولدولة الإسلام ولراية الإسلام". انتهى

هذا هو واجب الحزب السياسي المبدئي الذي أخذ على عاتقه الأخذ بيد الأمة إلى واحة النجاة وإقامة الخلافة الراشدة على منهاج النبوة. وإلا فقد يقطف ثمرة هذا التفاعل تلك الأوساط الموجودة في الأمة والتي صنعها الكافر المستعمر منذ عقود فتضيع جهود حملة الدعوة وتخسر الأمة تضحياتها لا قدر الله. فقد قال الحزب في كتاب أفكار سياسية في موضوع الوسط السياسي:

"إن المسألة اليوم، بالنسبة للمخلصين الواعين، لم تعد مسألة أن يكونوا سياسيين، بل المسألة هي أن يحاولوا إيجاد الوسط السياسي الإسلامي، فإنه مهما طال الزمن أو قصر، فإن الدولة الإسلامية قائمة بكل يقين، فيخشى إذا قامت أن يسبقهم رجال الأوساط السياسية، وغير المخلصين على إيجاد الوسط السياسي الإسلامي، مع أنه يجب أن يوجد منهم وحدهم، ويجب أن يقوموا هم بإيجاده...". انتهى

إن حزب التحرير وهو رائد الأمة الذي لا يكذبها، يلزمه على الدوام أن يأخذ زمام المبادرة ليتقدم الأمة ويكون في طليعتها ويكشف لها خطط الغرب الكافر التي تحاك ضدها في كافة البلاد الإسلامية، وإن خوض الحزب الصراع الفكري والكفاح السياسي هو ما سيؤهله إلى استلام الحكم عن طريق إعادة السلطان للأمة من خلال جيوشها التي هي قوتها، لأن الأمة ومنها الجيوش لا تعطي قيادتها لجبان أو مجهول أو جاهل. فبالقدر الذي يثبت فيه شباب حزب التحرير وجودهم في الأمة يكون الالتفاف حولهم أشد وأكثر من قبل الأمة، الأمر الذي يسهل مهمة الجيوش في إعطاء النصرة للحزب بكل اطمئنان ويعاد السلطان للأمة.

وإن من ركائز تثبيت حزب التحرير أقدامه في المجتمع على الدوام هو أن يخوض شبابه غمار التفاعل بالأعمال السياسية والكفاح السياسي دون توقف أو إبطاء ويخوضها بصفته الكيانية أي بصفته حزب التحرير وليس بأي صفة أخرى. فالكفاح السياسي الذي يقوم به حزب التحرير هو لازم في سيره على الدوام ما دام أن الغرب الكافر المستعمر حتى اللحظة يحوك المؤامرات الضخمة بشكل مباشر تارة وعن طريق عملائه تارة أخرى. وإن الاكتفاء بالصراع الفكري أو الأعمال الفكرية فقط في ظل هذه المؤامرات الكبرى على الأمة، فإن الأمة بلا شك ستنظر إليه على أنه مفكر أو فقيه لا قائداً سياسياً، وليس مؤهلا أن يضطلع بالمسؤولية السياسية نيابة عنها؛ لأن الحزب المبدئي الذي يواصل الكفاح السياسي والأعمال السياسية من المؤكد أنه سيكون محل أنظار الأمة بقواها المختلفة الكامنة فيها على أنه المستحق للقيادة والريادة وسياستها. لذلك يقول حزب التحرير في نشرة الخطاب وهي نشرة واجبة الدراسة على كل من أراد التحزب، يقول الحزب: "ثانياً: حث الناس على العمل بهذه الأفكار. وذلك أن نشر الأفكار وحده علاوة على كونه لا يؤثر في الناس، ولا يوجد نهضة، ولا حركة فكرية، فإنه لا يجعل الأمة تنقاد لمن ينشرها، وها هم الأدباء والكتاب والعلماء والمؤلفون في كل بلد ينشرون الأفكار، ولكن لا يوجد أحد انقاد لهم في هذا النشر. فحتى ينقاد الناس للحزب لا بد أن تصدر هذه الأفكار عن قصد التأثير، فيحتم هذا القصد على حامل الدعوة تمكين من يناقشهم من لمس واقعها، ووضع الإصبع على هذا الواقع، ويتحتم عليه إلى جانب ذلك حثهم على العمل لإيجادها رأياً عاماً بين الناس، ولإيجادها فعلاً في العلاقات وفي الدولة. أي أن إعطاء الأفكار يجب أن يقترن بالحث على العمل لها حثاً مؤثراً يبعث التفكير فيهم جدياً في العمل لها، حتى يجدوا أنفسهم حين يريدون العمل لها أنه لا بد من أن يقودهم الحزب. وأن يكون هذا الحث مقصوداً بشكل متتابع، لا أن يكون عفوياً أو إذا خطر بالبال".

إن أهل القوة والمنعة المتمثلة بقواها العسكرية ومن مجموع المسلمين الذين هم المدد الحقيقي لتلك القوى العسكرية، ينظرون إلى الساحة السياسية ويرتقبون القادر على ملء الفراغ في الحكم والسياسة ليكون محل ثقة لهم خاصة إذا كان المشروع هو الإسلام الذي هو أصلا من جنس عقيدة الأمة وهي العقيدة الإسلامية، وأن القائم على مهمة التغيير هو حزب سياسي عريق في المنشأ واضح الأعمال في ميدان الصراع الفكري والكفاح السياسي وهو من رحم الأمة معلوم الهوية باسمه وصفته ومعلوم الفكرة والطريقة وهو حزب التحرير بلا أدنى شك.

لذلك لا بد من أن يواصل حزب التحرير العمل في الأمة وقواها العسكرية في آن واحد لتغيير المفاهيم والمقاييس والقناعات لديهم حتى ينجح في إتمام عملية التغيير، وحتى يظهر حزب التحرير بالمظهر الذي يجب عليه بلوغه خاصة في هذه الحقبة التي تمر فيها الأمة من هزات عنيفة وما يعتري الفئات الحاكمة من هشاشة وضعف.

إن أي فكرة تسعى لإيجاد فصل بين قوى الأمة الطبيعية ومنها حركة الهبات الشعبية وبين جيوشها وقواها العسكرية هي فكرة خبيثة تدعو إلى حركة لولبية في الأمة كي تبقى تائهة تعود إلى حيث بدأت لتيأس وتحبط.

إن دور طلب النصرة من أهل القوة والمنعة في بحث واقع التغيير هو دور أساسي فضلا عن كونه حكما شرعيا نزل به الوحي، فلا تغيير بلا طلب نصرة ولا طلب نصرة بدون حزب مبدئي يمثل ثقة الأمة والالتفاف حوله كحزب التحرير.

إن جهد النبي  r الذي بذله في سنوات مع المشقة في طلب النصرة لهو دلالة واضحة على أمر بدهي وهو ضرورة ووجوب انحياز الجيوش والقوى العسكرية الموجودة إلى مشروع الإسلام وإلى أمتهم سواء بسواء. وكل من يحاول تحييد دور طلب النصرة التي أقام بها النبي  r دولة الإسلام الأولى، والتي يسير بها حزب التحرير في عملية التغيير لإقامة الخلافة على منهاج النبوة لا شك أنه أحد صنفين: إما أنه أداة وأجير للغرب الكافر المستعمر هدفه إبقاء جيوش الأمة رهن القرار السياسي الغربي، أو جاهل لا يحيط بطبيعة أحكام وطريقة بناء الدول وكيفية قوام المجتمعات على أساس فكرة كلية شاملة ووجهة نظر خاصة في الحياة مثل عقيدة الإسلام التي انبثق عنها نظام يعالج كافة المشاكل في جميع نواحي الحياة.

كتبه للمكتب الإعلامي المركزي لحزب التحرير

أحمد عبد الرحمن

المزيد من القسم null

لا تنخدعوا بالأسماء فالعبرة بالمواقف لا بالأنساب

لا تنخدعوا بالأسماء فالعبرة بالمواقف لا بالأنساب

في كل مرة يُقدَّم لنا "رمز جديد" له جذور مسلمة أو ملامح شرقية، يهلل كثير من المسلمين، وتُبنى الآمال على وهمٍ اسمه "التمثيل السياسي" في نظامٍ كافر لا يعترف بالإسلام حكماً ولا عقيدةً ولا شريعةً.

نذكر جميعاً الفرح العارم الذي اجتاح مشاعر كثيرين عند فوز أوباما في 2008. فهو ابن كينيا، وله أب مسلم! وهنا توهم البعض أن الإسلام والمسلمين باتوا قريبين من النفوذ الأمريكي، لكن أوباما كان أحد أكثر الرؤساء إيذاءً للمسلمين فقد دمر ليبيا، وساهم في مأساة سوريا، وأشعل أفغانستان والعراق بطائراته وجنوده، بل كان سفاك الدماء في اليمن عبر أدواته وكان عهده استمراراً لعداء ممنهج ضد الأمة.

واليوم يتكرر المشهد، لكن بأسماء جديدة. فـزوهران ممداني يُحتفى به لأنه مسلم ومهاجر وشاب، وكأنه المنقذ! لكن قليلين فقط ينظرون إلى مواقفه السياسية والفكرية. هذا الرجل من الداعمين الأشداء للشواذ المثليين، ومشارك في فعالياتهم، ويعتبر انحرافهم حقوقاً إنسانية!

أي خزي هذا يُعلق عليه الناس آمالاً؟! ألم يكن تكراراً للخيبة السياسية والفكرية نفسها التي وقعت فيها الأمة مراراً وتكراراً؟! نعم لأنها تُفتن بالشكل لا بالجوهر! تُخدع بالابتسامات، وتتعامل بالعاطفة لا بالعقيدة، وبالأسماء لا بالمفاهيم، وبالرموز لا بالمبادئ!

إن هذا الانبهار بالأشكال والأسماء نتيجة غياب الوعي السياسي الشرعي، لأن الإسلام لا يقاس بالأصل أو الاسم أو العرق، بل بالالتزام بمبدأ الإسلام كاملاً؛ نظاماً وعقيدةً وشريعةً. ولا قيمة لمسلم لا يحكم بالإسلام ولا ينصره، بل يخضع للنظام الرأسمالي الكافر، ويبرر الكفر والانحرافات باسم "الحرية".

وليعلم جميع المسلمين الذين فرحوا بفوزه وظنّوا أنه بذرة خير أو بداية نهوض، أن النهوض لا يكون من داخل أنظمة الكفر، ولا بأدواتها، ولا عبر صناديق اقتراعها، ولا تحت سقف دساتيرها.

فمن يُقدّم نفسه عبر النظام الديمقراطي، ويقسم على احترام قوانينه، ثم يدافع عن الشذوذ الجنسي ويحتفل به، ويدعو إلى ما يغضب الله، فهو ليس نصيراً للإسلام ولا أملاً للأمة، بل هو أداة تلميع وتمييع، وتمثيل مزيّف لا يُقدّم ولا يؤخر.

إن ما تسمى النجاحات السياسية في الغرب لبعض الشخصيات ذات الأسماء الإسلامية، ما هي إلا فُتات يُقدَّم كمسكنات للأمة، ليقال لها: انظروا، التغيير ممكن عبر أنظمتنا.

 فما حقيقة هذا "التمثيل"؟

الغرب لا يفتح أبواب الحكم للإسلام، بل يفتحها فقط لمن يتماهى مع قيمه وأفكاره. وأي شخص يدخل نظامهم لا بد أن يقبل بدستورهم، وبقوانينهم الوضعية، وأن يتنكر لحكم الإسلام، فإن رضي بذلك، أصبح نموذجاً مقبولاً، أما المسلم الحق، فهو مرفوض عندهم من جذوره.

فمن هو زهران ممداني؟ ولماذا يُصنع هذا الوهم؟

هو شخص يحمل اسماً مسلماً لكنه متبنٍ لأجندة منحرفة مخالفة تماماً لفطرة الإسلام، من دعم المثليين، والترويج لما يُسمى بـ"حقوقهم"، وهو نموذج حي لكيف يصنع الغرب نماذجه: مسلم بالاسم، علماني بالفعل، خادم لأجندة الليبرالية الغربية لا أكثر. بل لإشغال الأمة عن طريقها الحقيقي، فبدل أن تطالب بدولة الإسلام والخلافة، تنشغل بالمقاعد النيابية والمناصب في أنظمة كفر! وبدل أن تتوجه لتحرير فلسطين، تنتظر مَن "يدافع عن غزة" من داخل الكونغرس الأمريكي أو البرلمان الأوروبي!

فحقيقة الأمر أن هذا تشويه لطريق التغيير الحقيقي، وهو إقامة الخلافة الراشدة على منهاج النبوة، التي تُعلي راية الإسلام، وتقيم شرع الله، وتوحد الأمة خلف خليفة واحد يُقاتل من ورائه ويُتقى به.

فلا تنخدعوا بالأسماء، ولا تفرحوا بمن ينتمي لكم شكلاً ويخالفكم مضموناً، فليس كل من حمل اسم سعيد أو علي أو زهران هو على طريق نبينا محمد ﷺ.

واعلموا أن التغيير لا يأتي من داخل برلمانات الكفر، بل من جيوش الأمة التي آن لها أن تتحرك، ومن شبابها الواعين الذين يعملون ليلا ونهارا لقلب الطاولة على رؤوس الغرب وأعوانه وأتباعه الخائنين في بلاد الإسلام والمسلمين.

فالمسلمون لن ينهضوا عبر انتخابات الديمقراطية ولا من خلال صناديق الغرب، بل بنهضة حقيقية على أساس العقيدة الإسلامية، بإقامة دولة الخلافة الراشدة التي تُعيد للإسلام مكانته، وللمسلمين عزّتهم، وتحطم أوهام الديمقراطية.

لا تنخدعوا بالأسماء، ولا تعلقوا آمالكم على أفراد في أنظمة كفر، بل ارجعوا إلى مشروعكم العظيم: استئناف الحياة الإسلامية، فهذا وحده طريق العزة والنصر والتمكين.

فالمشهد تكرار مُهين لمآسٍ قديمة: رموز مزيفة، وولاء للأنظمة الغربية، وانحراف عن طريق الإسلام. وكل من يُصفّق لهذا المسار، إنما يضلل الأمة. فعودوا إلى مشروع الخلافة، ولا تجعلوا أعداء الإسلام يصنعون لكم قادتكم وممثليكم. فالعزة ليست في مقاعد الديمقراطية، بل في سدة الخلافة التي يعمل لها حزب التحرير ويُحذر الأمة من هذا الانحدار الفكري والسياسي. فلا خلاص لنا إلا بدولة الخلافة، التي لا تسمح بأن يحكم المسلمين من يدين بدين غير الإسلام، ولا بمن يبرر الشذوذ والانحراف، ولا بمن يُشرّع للناس غير ما أنزل الله.

كتبه لإذاعة المكتب الإعلامي المركزي لحزب التحرير

عبد المحمود العامري – ولاية اليمن

مصر بين الشعارات الحكومية والواقع المرّ  الحقيقة الكاملة عن الفقر، والسياسات الرأسمالية

مصر بين الشعارات الحكومية والواقع المرّ

الحقيقة الكاملة عن الفقر، والسياسات الرأسمالية

نقلت بوابة الأهرام الثلاثاء 4 تشرين الثاني/نوفمبر 2025م، أن رئيس الوزراء المصري، في كلمة ألقاها نيابةً عن الرئيس في القمة العالمية الثانية للتنمية الاجتماعية في العاصمة القطرية الدوحة، قال إنّ مصر تطبّق نهجاً شاملاً للقضاء على الفقر في جميع أشكاله وأبعاده، بما في ذلك "الفقر متعدد الأبعاد".

منذ سنوات، لا يكاد يخلو خطاب رسمي في مصر من عباراتٍ مثل "نهج شامل للقضاء على الفقر" و"الانطلاقة الحقيقية للاقتصاد المصري". يكرّر المسؤولون هذه الشعارات في المؤتمرات والمناسبات، مصحوبة بصور براقة لمشروعات استثمارية وفنادق ومنتجعات. لكن الواقع، كما تشهد عليه التقارير الدولية، مختلف تماماً. فالفقر في مصر ما زال ظاهرةً راسخة، بل متفاقمة، رغم الوعود الحكومية المتكرّرة بالتحسن والنهضة.

بحسب تقارير اليونيسف والإسكوا وبرنامج الغذاء العالمي لعامي 2024 و2025، يعيش نحو واحد من كل خمسة مصريين في فقرٍ متعدد الأبعاد، أي محروم من أكثر من جانب من جوانب الحياة الأساسية كالتعليم والصحة والسكن والعمل والخدمات. كما تؤكد البيانات أن أكثر من 49% من الأسر تعاني من صعوبات في الحصول على غذاء كافٍ، وهو رقم صادم يعكس عمق الأزمة المعيشية.

أما الفقر المالي، أي انخفاض الدخل مقارنة بتكاليف المعيشة، فقد ارتفع بصورة حادة، نتيجة موجات التضخم المتلاحقة التي أكلت أجور الناس وجهودهم ومدخراتهم، حتى أصبحت نسبة كبيرة من المصريين تحت خط الفقر المالي رغم عملهم الدائم.

وبينما تتحدث الحكومة عن مبادرات مثل "تكافل وكرامة" و"حياة كريمة"، تكشف الأرقام الدولية أن هذه البرامج لم تغيّر بنية الفقر جذرياً، بل اقتصرت على مسكّنات مؤقتة أشبه بالقطرة التي تُسكب في صحراء. فما زال الريف المصري الذي يقطنه أكثر من نصف السكان، يعاني من ضعف الخدمات وانعدام فرص العمل اللائق وتهالك البنية الأساسية. ويؤكد تقرير الإسكوا أن الحرمان في الريف يفوق نظيره في المدن بعدة أضعاف، ما يدل على سوء توزيع الثروة والإهمال المزمن للأطراف.

حين يشكر رئيسُ الوزراء ابنَ البلد "الذي تحمّل مع الحكومة إجراءات الإصلاح الاقتصادي"، فإنه في الواقع يُقرّ بوجود معاناة حقيقية ناتجة عن تلك السياسات. غير أن هذا الاعتراف لا يتبعه تغيير في المنهج، بل مزيد من السير في الطريق الرأسمالي نفسه الذي سبّب الأزمة.

فالإصلاح المزعوم الذي بدأ عام 2016 ببرنامج "التعويم" ورفع الدعم وزيادة الضرائب، لم يكن إصلاحاً بل تحميلاً للفقراء كلفة الديون والعجز. وفي الوقت الذي يتحدث فيه المسؤولون عن "الانطلاقة"، تتجه الاستثمارات الضخمة إلى العقارات الفاخرة والمشروعات السياحية التي تخدم أصحاب رؤوس الأموال، بينما لا يجد ملايين الشباب فرصاً للعمل أو السكن. بل إن كثيراً من هذه المشاريع، كمنطقة علم الروم في مطروح التي تُقدّر استثماراتها بـ29 مليار دولار، هي شراكات رأسمالية أجنبية تستحوذ على الأراضي والثروات وتحوّلها إلى مصدر ربح للمستثمرين، لا مصدر رزق للناس.

النظام يفشل ليس لأنه فاسد فحسب، بل لأنه يسير على أساسٍ فكريٍّ باطلٍ هو النظام الرأسمالي، الذي يجعل المال محوراً لكل سياسات الدولة. فالرأسمالية تقوم على حرية التملك المطلقة، وتسمح بتكديس الثروة في يد القلة التي تملك أدوات الإنتاج، فيما تتحمل الكثرة عبء الضرائب والأسعار والدَّين العام.

ولهذا، فإن كل ما يُسمى "برامج حماية اجتماعية" ما هو إلا محاولة لتجميل وجه الرأسمالية الوحشي، وإطالة عمر نظامٍ جائرٍ يراعي الأغنياء ويجبي من الفقراء. فبدلاً من معالجة أصل الداء؛ أي احتكار الثروة وتبعية الاقتصاد للمؤسسات الدولية، يُكتفى بتوزيع فتات من الإعانات النقدية، لا ترفع فقراً ولا تحفظ كرامة.

إن الرعاية ليست منّةً من الحاكم على الرعية، بل واجب شرعي، ومسؤولية يحاسبه الله عليها في الدنيا والآخرة. وما يجري اليوم، هو إهمال متعمّد لشؤون الناس، وتخلٍّ عن واجب الرعاية لصالح قروضٍ مشروطة من صندوق النقد والبنك الدوليين.

لقد أصبحت الدولة وسيطاً بين الفقير والدائن الأجنبي، تفرض الضرائب وتقلّص الدعم وتبيع الممتلكات العامة لسدّ عجزٍ متضخم صنعه النظام الرأسمالي نفسه. وفي هذا كله تغيب المفاهيم الشرعية التي تضبط الاقتصاد، كتحريم الربا، ومنع تملك الثروات العامة للأفراد، ووجوب النفقة على الرعية من بيت مال المسلمين.

لقد قدم الإسلام نظاماً اقتصادياً متكاملاً يعالج الفقر من جذوره، لا بمجرد دعمٍ نقدي أو مشروعات تجميلية. هذا النظام يقوم على أسسٍ شرعيةٍ ثابتة أبرزها:

1- تحريم الربا والديون الربوية التي تُكبّل الدولة وتستنزف مواردها، فبزوال الربا تزول تبعية الاقتصاد للمؤسسات الدولية، وتُعاد السيادة المالية للأمة.

2- جعل الملكيات ثلاثة أنواع:

ملكية فردية: كالبيوت والمتاجر والمزارع الخاصة...

ملكية عامة: تشمل الثروات الكبرى كالنفط والغاز والمعادن والمياه...

ملكية دولة: كأراضي الفيء والركاز والخراج...

وبهذا التوزيع تتحقق العدالة، إذ تُمنع فئة قليلة من احتكار موارد الأمة.

3- ضمان الكفاية لكل فرد من الرعية: فالدولة تضمن لكل إنسان في رعايتها حاجاته الأساسية من مأكل وملبس ومسكن، فإن عجز عن العمل وجب على بيت المال أن ينفق عليه.

4- الزكاة والإنفاق الإلزامي: الزكاة ليست إحساناً بل فريضة، تجمعها الدولة وتصرفها في مصارفها الشرعية للفقراء والمساكين والغارمين. وهي أداة توزيع فعّالة تعيد الأموال إلى دورة الحياة في المجتمع.

مع التحفيز على العمل المنتج ومنع الاستغلال، والحثّ على استثمار الموارد في مشاريع نافعة حقيقية كالصناعات الثقيلة والحربية لا في المضاربات والعقارات الفاخرة والمشاريع الوهمية. إلى جانب ضبط الأسعار بالعرض والطلب الحقيقيين لا بالاحتكار ولا بالتعويم.

إن دولة الخلافة على منهاج النبوة هي وحدها القادرة على تطبيق هذه الأحكام عملياً، لأنها تُبنى على أساس العقيدة الإسلامية، ويكون هدفها رعاية شؤون الناس لا جباية أموالهم. ففي ظل الخلافة، لا يوجد ربا ولا قروض مشروطة، ولا بيع للثروات العامة للأجانب، بل تُدار الموارد بما يحقق مصلحة الأمة، ويتولى بيت المال تمويل الرعاية الصحية والتعليم والمرافق العامة من موارد الدولة والخراج والأنفال والملكية العامة.

أما الفقراء، فتُكفل حاجاتهم الأساسية فرداً فرداً، لا عبر صدقات مؤقتة بل كحقٍّ شرعي مضمون. ولذا فإن محاربة الفقر في الإسلام ليست شعاراً سياسياً، بل نظام حياة متكامل يُقيم العدل ويمنع الظلم ويعيد الثروة إلى أهلها.

ما بين الخطاب الرسمي والواقع المعاش مسافةٌ هائلة لا تخفى على أحد. فبينما تتغنّى الحكومة بمشروعاتها "العملاقة" وبـ"الانطلاقة الحقيقية"، يعيش ملايين المصريين تحت خط الفقر، يعانون الغلاء والبطالة وانعدام الأمل. والحقيقة أن هذه المعاناة لن تزول ما دامت مصر تسير في طريق الرأسمالية، تُسلِّم اقتصادها للمرابين وتخضع لسياسات المؤسسات الدولية.

إن أزمات ومشكلات مصر هي مشكلات إنسانية وليست مادية، وتتعلق بها أحكام شرعية تبين كيفية التعامل معها وعلاجها على أساس الإسلام، وإن الحلول أسهل من غض الطرف لكنها تحتاج إدارة مخلصة تملك إرادة حرة تريد السير في الطريق الصحيح وتريد الخير لمصر وأهلها حقا، وحينها على هذه الإدارة أن تراجع كل العقود التي أبرمت سابقا والتي تبرم مع كل الشركات التي تحتكر أصول البلاد وما هو من ملكياتها العام وعلى رأسها شركات التنقيب عن الغاز والنفط والذهب وباقي المعادن والثروات، وتطرد كل تلك الشركات لأنها في الأصل شركات استعمارية ناهبة لثروات البلاد، ثم تصوغ عهدا جديدا يقوم على تمكين الناس من ثروات البلاد وإنشاء أو استئجار شركات تقوم هي على إنتاج الثروة من منابع النفط والغاز والذهب وغيرها من المعادن وتعيد توزيع هذه الثروات على الناس من جديد، حينها سيتمكن الناس من زراعة الأرض الموات التي ستمكنهم الدولة من استغلالها بحقهم فيها، وسيتمكنون أيضا من صناعة ما يجب أن يصنع ليرتفع باقتصاد مصر ويكفي أهلها، وستدعمهم الدولة في هذا السبيل، وإن كل هذا ليس ضربا من الخيال ولا مستحيل الحدوث ولا مشروعا نعرضه للتجربة قد ينجح أو يفشل، وإنما هي أحكام شرعية لازمة ملزمة للدولة والرعية، فلا يجوز للدولة أن تفرط في ثروات البلاد التي هي ملك للناس بدعوى عقود أقرتها وأيدتها وتحميها قوانين دولية جائرة، ولا يجوز لها أن تمنع الناس منها بل يجب أن تقطع كل يد تمتد ناهبة إلى ثروات الناس، هذا ما يقدمه الإسلام ويجب تنفيذه، إلا أنه لا يطبق بمعزل عن باقي أنظمة الإسلام بل إنه لا يطبق إلا من خلال دولة الخلافة الراشدة على منهاج النبوة، هذه الدولة التي يحمل همها والدعوة إليها حزب التحرير ويدعو مصر وأهلها شعبا وجيشا إلى العمل معه من أجلها، عسى الله أن يكتب الفتح من عنده فنراها واقعا يعز الإسلام وأهله، اللهم عاجلا غير آجل.

﴿وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرَىٰ آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَفَتَحْنَا عَلَيْهِم بَرَكَاتٍ مِّنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ﴾

كتبه للمكتب الإعلامي المركزي لحزب التحرير

سعيد فضل

عضو المكتب الإعلامي لحزب التحرير في ولاية مصر