حجج التخاذل عن نصرة غزة  هل قادة الجيوش والحكام اليوم محقون في حججهم؟!
December 09, 2023

حجج التخاذل عن نصرة غزة هل قادة الجيوش والحكام اليوم محقون في حججهم؟!

حجج التخاذل عن نصرة غزة

هل قادة الجيوش والحكام اليوم محقون في حججهم؟!

التخاذل عن نصرة قضايا المسلمين من قادة الجيوش والحكام عادة ما تكون له أسباب متعددة، منها:

أولا: الخوف؛ فقد يكونون جبناء ليسوا أهلا لقيادة الناس والجيش.

ثانيا: حب الدنيا وكراهية الموت؛ فيكونون غير مستعدين للتضحية لأنهم التفتوا إلى متع الدنيا وشهواتها ونسوا الآخرة.

ثالثا: أن يكونوا عملاء وخونة أصلا جاؤوا للحكم أو لقيادة الجيش عبر تأثير خارجي؛ رشاوى أو مستعمرين أو خداع أو اغتصاب للسلطة.

رابعا: أن يكونوا كفاراً أصلا وموالين للمستعمرين وحريصين على خذلان أمتهم وتركيعها لأعدائها لأن هذا واجبهم وهذا هو عملهم.

خامسا: هم حكام جيدون فعلا ويحكمون بالإسلام ولكنهم غير قادرين يخشون من أن تتحول البلاد إلى دمار إذا هم نصروا قضايا المسلمين الملحة، وبحاجة لوقت أطول للتجهيز والتحضير.

أما بالنسبة للحكام وقادة الجيوش في النقطة الخامسة وهم الحكام وقادة الجيوش المسلمون والشجعان والحريصون على أمتهم والذين يحكمون بالإسلام ولكن قدرتهم غير كافية على نصرة إخوتهم المضطهدين والمحتلين، فهؤلاء قد يعذرون لأن الكفاية لم تتحقق في بلادهم وجيشهم وعتادهم لنصرة إخوتهم المظلومين، وقد حدث هذا في التاريخ الإسلامي وتأخرت نصرة المظلومين بسبب ضعف المسلمين أمام تكالب الأعداء عليهم. ولكن قادة الجيوش والحكام هؤلاء غير موجودين الآن، لأنه لا يوجد اليوم حاكم مسلم يطبق أحكام الشرع وحريص على أمته، فواقع اليوم أنه لا توجد خلافة سواء أكانت قوية أو ضعيفة، فلا يوجد حكم بالإسلام ولا يوجد خليفة أصلا. ولذا فهذه النقطة ليست محل بحث الآن.

أما بالنسبة للحكام وقادة الجيوش في النقاط الأربع الأخرى، فهم الموجودون في واقعنا اليوم، أي واقع ما بعد هدم الخلافة العثمانية، أي واقع الحكم بغير ما أنزل الله من أحكام الكفر ودساتيرها. فالحكام جميعهم اليوم لا يحكمون بالإسلام وقادة الجيوش ليسوا معنيين أصلا بالإسلام كنظام شرعي سياسي يتحكم بالأمور. وهؤلاء على أحسن تقدير هم مسلمون علمانيون ليس لهم علاقة بالإسلام بصفته السياسية أو التشريعية، وإنما يتبعون الكفار ودساتير الكفر التي في بلادهم بصورة مباشرة أو غير مباشرة، ولذا ليست لهم روابط وعلاقة فكرية أو ثقافية بشعوبهم وأمتهم، فهم إما أعداء للأمة والشعوب أو هم بأحسن تقدير ليس لهم أي انتماء للأمة وشرعها وثقافتها وتاريخها.

وهؤلاء إما أنهم اغتصبوا السلطان في بلادنا بأنفسهم وتمردوا على دولة الخلافة العثمانية قبل هدمها أمثال العائلة الهاشمية في الأردن وآل سعود في بلاد الحرمين، وإما أنهم أُتي بهم للحكم بعد هدم دولة الخلافة وتمزيقها لكيانات صغيرة قطرية وطنية وعُينوا رؤساء وملوكاً عليها بعد حروب استقلال وهمية أخرج المستعمرون فيها جيوشهم من بلادنا وأبقوا حكاما وملوكا تابعين لهم يخدمون مصالحهم فيها ويرسخون تبعية شعوبها للمستعمرين ويرسخون الشرذمة والفرقة والتنافر بين شعوب المسلمين.

وبعد هذا التفصيل والسرد السريع لواقع حكامنا وقادة الجيوش يمكن فهم عدم تحركهم لنصرة غزة رغم ما مر عليها من ويلات وكوارث، ورغم ما حصل ويحصل من مجازر ومذابح تشيب من هولها الولدان، فهؤلاء لا يحكمون بالإسلام - وإن ادعى بعضهم ذلك زورا وبهتانا - وهم لا يشعرون بأنهم ملزمون بنصرة غزة أو تحرير فلسطين، فهذا الأمر ليس من اختصاصهم وليس من صلاحياتهم وليس في جدول أعمالهم، بل هم أصلا موجودون لأجل إبعاد المسلمين عن دينهم وترسيخ فرقتهم وشرذمتهم وتركيعهم للمستعمرين الحقيقيين الذين يقفون خلفهم منذ هدم الخلافة العثمانية عام 1924م.

وهذا السرد ليس هدفه بث اليأس في الشعوب بالنسبة لموضوع نصرة غزة، وإنما هو لبيان العدو الحقيقي الذي يقف كسد منيع بين المسلمين ونصرتهم لغزة؛ إنهم هؤلاء الحكام وتلك الأنظمة القائمة في بلادنا الإسلامية التي يدين فيها الحكام وقادة الجيوش لدول الغرب الاستعمارية أمريكا وبريطانيا وفرنسا. وهؤلاء يحمون كيان يهود ويحرصون على بقائها ويسعون للتطبيع معها بأمر من أسيادهم المستعمرين لبلادنا والناهبين لثرواتنا والمذلين لشعوبنا.

ولذا كان هناك فرق وتناقض وتضارب بين ما تريده الشعوب وما يريده الحكام وقادة الجيوش، فشعوبنا وأمتنا تريد تحرير فلسطين بينما هؤلاء يريدون حماية كيان يهود، شعوبنا تريد الحكم بالإسلام والوحدة وهؤلاء يريدون الحكم بدساتير المستعمرين وترسيخ الفرقة والتشرذم والذل لشعوبهم. إلا أن هؤلاء الحكام وقادة الجيوش لا يصرحون بهذه الأهداف، بل يصرحون بأهداف أخرى لتضليل الشعوب؛ وهي أنهم يريدون الوحدة ويريدون تطبيق الإسلام ويريدون عون غزة ولكن لا يستطيعون ويخشون تقسيم البلاد أكثر وأكثر، ويخشون بطش النظام الدولي ويخشون على الشعوب والأوطان، وغيرها من الأهداف المعلنة ضحكاً على الشعوب وتضليلا لها عن أهدافهم غير المعلنة.

وخلاصة القول: إن الشعوب الإسلامية هي أمة واحدة يبلغ تعدادها قرابة ملياري مسلم، وثرواتها عظيمة وقدراتها كبيرة لو اجتمعت، وهي قادرة على تحرير فلسطين وتغيير حالنا واقتصادنا لأفضل حال، ولكن الذي يمنعها من نصرة غزة وتحرير فلسطين وتغيير حالنا هم الحكام الذين يدينون بالولاء للغرب ويعملون لحماية كيان يهود. وما لم تتحرك شعوبنا لقلع هؤلاء الحكام وأنظمتهم ودساتيرهم فسيبقى كيان يهود يحتل فلسطين ويذيق أهلنا فيها الأمرين.

إن على الضباط المخلصين وأجناد المسلمين أن يعصوا حكامهم وقادة جيوشهم ويتحركوا لنصرة أهلنا في غزة، ولا يغتروا بتلك الحجج والمخاوف، فكلها حجج يعلنونها ليخفوا حقيقة دعمهم لكيان يهود والمستعمرين. ولا بد للشعوب المسلمة أن تتحرك بوعي وبصورة مركزة لتحرير البلاد وجيوشها من سيطرة هـؤلاء الحكام وقادة الجيوش والمستعمرين من خلفهم.

ولا بد أن يقوم العلماء والدعاة بدورهم بفتح أعين الشعوب وتوعيتها على الأهداف المبطنة للحكام، ولا بد من دعوتهم الشعوب للثورة على حكامها وأنظمتهم، ولا بد من أن يدعوا الضباط والأجناد لعصيان الحكام وقادة جيوشهم ليس فقط لنصرة غزة وإنما للخلاص من المستعمرين.

ولا بد للأحزاب والجماعات أن توحد الخطاب لتحرك جماعي رغم اختلافها وتنوع جداول أعمالها. لا بد لكل حزب وجماعة أن تشكل فريق أزمة يتصرف ويتحرك مع نظرائه في الأحزاب والنقابات للتحرك وتوحيد الخطاب والأعمال وقت الأزمات كأزمة غزة اليوم. لا بد أن نتحرك بوعي ونترك العشوائية والارتجالية.

فهناك هدفان يراد تحقيقهما؛ الأول مُلحّ وهو نصرة غزة وإجبار هؤلاء الحكام وقادة الجيوش على التحرك للضغط على أسيادهم المستعمرين لإيقاف مجازر كيان يهود. وأما الهدف الآخر فهو العمل لإزالة هؤلاء الحكام وقادة الجيوش وتحرير البلاد والعباد من ربقة المستعمرين. ولا بد أن يتفق الجميع الآن على الأقل على الهدف الملح والعاجل وهو نصرة غزة وإيقاف كيان يهود عند حده وإجبار المستعمرين على كبح جماحه.

وبعد الخلاص من هذا الهدف الملح لا بد للجميع من النظر والتدبر والتحرك لتحقيق الهدف المهم بالخلاص من استعباد المستعمرين لبلادنا بتخليصها من الحكام وقادة الجيوش التابعين لهم.

كتبه للمكتب الإعلامي المركزي لحزب التحرير

د. فرج ممدوح

المزيد من القسم null

لا تنخدعوا بالأسماء فالعبرة بالمواقف لا بالأنساب

لا تنخدعوا بالأسماء فالعبرة بالمواقف لا بالأنساب

في كل مرة يُقدَّم لنا "رمز جديد" له جذور مسلمة أو ملامح شرقية، يهلل كثير من المسلمين، وتُبنى الآمال على وهمٍ اسمه "التمثيل السياسي" في نظامٍ كافر لا يعترف بالإسلام حكماً ولا عقيدةً ولا شريعةً.

نذكر جميعاً الفرح العارم الذي اجتاح مشاعر كثيرين عند فوز أوباما في 2008. فهو ابن كينيا، وله أب مسلم! وهنا توهم البعض أن الإسلام والمسلمين باتوا قريبين من النفوذ الأمريكي، لكن أوباما كان أحد أكثر الرؤساء إيذاءً للمسلمين فقد دمر ليبيا، وساهم في مأساة سوريا، وأشعل أفغانستان والعراق بطائراته وجنوده، بل كان سفاك الدماء في اليمن عبر أدواته وكان عهده استمراراً لعداء ممنهج ضد الأمة.

واليوم يتكرر المشهد، لكن بأسماء جديدة. فـزوهران ممداني يُحتفى به لأنه مسلم ومهاجر وشاب، وكأنه المنقذ! لكن قليلين فقط ينظرون إلى مواقفه السياسية والفكرية. هذا الرجل من الداعمين الأشداء للشواذ المثليين، ومشارك في فعالياتهم، ويعتبر انحرافهم حقوقاً إنسانية!

أي خزي هذا يُعلق عليه الناس آمالاً؟! ألم يكن تكراراً للخيبة السياسية والفكرية نفسها التي وقعت فيها الأمة مراراً وتكراراً؟! نعم لأنها تُفتن بالشكل لا بالجوهر! تُخدع بالابتسامات، وتتعامل بالعاطفة لا بالعقيدة، وبالأسماء لا بالمفاهيم، وبالرموز لا بالمبادئ!

إن هذا الانبهار بالأشكال والأسماء نتيجة غياب الوعي السياسي الشرعي، لأن الإسلام لا يقاس بالأصل أو الاسم أو العرق، بل بالالتزام بمبدأ الإسلام كاملاً؛ نظاماً وعقيدةً وشريعةً. ولا قيمة لمسلم لا يحكم بالإسلام ولا ينصره، بل يخضع للنظام الرأسمالي الكافر، ويبرر الكفر والانحرافات باسم "الحرية".

وليعلم جميع المسلمين الذين فرحوا بفوزه وظنّوا أنه بذرة خير أو بداية نهوض، أن النهوض لا يكون من داخل أنظمة الكفر، ولا بأدواتها، ولا عبر صناديق اقتراعها، ولا تحت سقف دساتيرها.

فمن يُقدّم نفسه عبر النظام الديمقراطي، ويقسم على احترام قوانينه، ثم يدافع عن الشذوذ الجنسي ويحتفل به، ويدعو إلى ما يغضب الله، فهو ليس نصيراً للإسلام ولا أملاً للأمة، بل هو أداة تلميع وتمييع، وتمثيل مزيّف لا يُقدّم ولا يؤخر.

إن ما تسمى النجاحات السياسية في الغرب لبعض الشخصيات ذات الأسماء الإسلامية، ما هي إلا فُتات يُقدَّم كمسكنات للأمة، ليقال لها: انظروا، التغيير ممكن عبر أنظمتنا.

 فما حقيقة هذا "التمثيل"؟

الغرب لا يفتح أبواب الحكم للإسلام، بل يفتحها فقط لمن يتماهى مع قيمه وأفكاره. وأي شخص يدخل نظامهم لا بد أن يقبل بدستورهم، وبقوانينهم الوضعية، وأن يتنكر لحكم الإسلام، فإن رضي بذلك، أصبح نموذجاً مقبولاً، أما المسلم الحق، فهو مرفوض عندهم من جذوره.

فمن هو زهران ممداني؟ ولماذا يُصنع هذا الوهم؟

هو شخص يحمل اسماً مسلماً لكنه متبنٍ لأجندة منحرفة مخالفة تماماً لفطرة الإسلام، من دعم المثليين، والترويج لما يُسمى بـ"حقوقهم"، وهو نموذج حي لكيف يصنع الغرب نماذجه: مسلم بالاسم، علماني بالفعل، خادم لأجندة الليبرالية الغربية لا أكثر. بل لإشغال الأمة عن طريقها الحقيقي، فبدل أن تطالب بدولة الإسلام والخلافة، تنشغل بالمقاعد النيابية والمناصب في أنظمة كفر! وبدل أن تتوجه لتحرير فلسطين، تنتظر مَن "يدافع عن غزة" من داخل الكونغرس الأمريكي أو البرلمان الأوروبي!

فحقيقة الأمر أن هذا تشويه لطريق التغيير الحقيقي، وهو إقامة الخلافة الراشدة على منهاج النبوة، التي تُعلي راية الإسلام، وتقيم شرع الله، وتوحد الأمة خلف خليفة واحد يُقاتل من ورائه ويُتقى به.

فلا تنخدعوا بالأسماء، ولا تفرحوا بمن ينتمي لكم شكلاً ويخالفكم مضموناً، فليس كل من حمل اسم سعيد أو علي أو زهران هو على طريق نبينا محمد ﷺ.

واعلموا أن التغيير لا يأتي من داخل برلمانات الكفر، بل من جيوش الأمة التي آن لها أن تتحرك، ومن شبابها الواعين الذين يعملون ليلا ونهارا لقلب الطاولة على رؤوس الغرب وأعوانه وأتباعه الخائنين في بلاد الإسلام والمسلمين.

فالمسلمون لن ينهضوا عبر انتخابات الديمقراطية ولا من خلال صناديق الغرب، بل بنهضة حقيقية على أساس العقيدة الإسلامية، بإقامة دولة الخلافة الراشدة التي تُعيد للإسلام مكانته، وللمسلمين عزّتهم، وتحطم أوهام الديمقراطية.

لا تنخدعوا بالأسماء، ولا تعلقوا آمالكم على أفراد في أنظمة كفر، بل ارجعوا إلى مشروعكم العظيم: استئناف الحياة الإسلامية، فهذا وحده طريق العزة والنصر والتمكين.

فالمشهد تكرار مُهين لمآسٍ قديمة: رموز مزيفة، وولاء للأنظمة الغربية، وانحراف عن طريق الإسلام. وكل من يُصفّق لهذا المسار، إنما يضلل الأمة. فعودوا إلى مشروع الخلافة، ولا تجعلوا أعداء الإسلام يصنعون لكم قادتكم وممثليكم. فالعزة ليست في مقاعد الديمقراطية، بل في سدة الخلافة التي يعمل لها حزب التحرير ويُحذر الأمة من هذا الانحدار الفكري والسياسي. فلا خلاص لنا إلا بدولة الخلافة، التي لا تسمح بأن يحكم المسلمين من يدين بدين غير الإسلام، ولا بمن يبرر الشذوذ والانحراف، ولا بمن يُشرّع للناس غير ما أنزل الله.

كتبه لإذاعة المكتب الإعلامي المركزي لحزب التحرير

عبد المحمود العامري – ولاية اليمن

مصر بين الشعارات الحكومية والواقع المرّ  الحقيقة الكاملة عن الفقر، والسياسات الرأسمالية

مصر بين الشعارات الحكومية والواقع المرّ

الحقيقة الكاملة عن الفقر، والسياسات الرأسمالية

نقلت بوابة الأهرام الثلاثاء 4 تشرين الثاني/نوفمبر 2025م، أن رئيس الوزراء المصري، في كلمة ألقاها نيابةً عن الرئيس في القمة العالمية الثانية للتنمية الاجتماعية في العاصمة القطرية الدوحة، قال إنّ مصر تطبّق نهجاً شاملاً للقضاء على الفقر في جميع أشكاله وأبعاده، بما في ذلك "الفقر متعدد الأبعاد".

منذ سنوات، لا يكاد يخلو خطاب رسمي في مصر من عباراتٍ مثل "نهج شامل للقضاء على الفقر" و"الانطلاقة الحقيقية للاقتصاد المصري". يكرّر المسؤولون هذه الشعارات في المؤتمرات والمناسبات، مصحوبة بصور براقة لمشروعات استثمارية وفنادق ومنتجعات. لكن الواقع، كما تشهد عليه التقارير الدولية، مختلف تماماً. فالفقر في مصر ما زال ظاهرةً راسخة، بل متفاقمة، رغم الوعود الحكومية المتكرّرة بالتحسن والنهضة.

بحسب تقارير اليونيسف والإسكوا وبرنامج الغذاء العالمي لعامي 2024 و2025، يعيش نحو واحد من كل خمسة مصريين في فقرٍ متعدد الأبعاد، أي محروم من أكثر من جانب من جوانب الحياة الأساسية كالتعليم والصحة والسكن والعمل والخدمات. كما تؤكد البيانات أن أكثر من 49% من الأسر تعاني من صعوبات في الحصول على غذاء كافٍ، وهو رقم صادم يعكس عمق الأزمة المعيشية.

أما الفقر المالي، أي انخفاض الدخل مقارنة بتكاليف المعيشة، فقد ارتفع بصورة حادة، نتيجة موجات التضخم المتلاحقة التي أكلت أجور الناس وجهودهم ومدخراتهم، حتى أصبحت نسبة كبيرة من المصريين تحت خط الفقر المالي رغم عملهم الدائم.

وبينما تتحدث الحكومة عن مبادرات مثل "تكافل وكرامة" و"حياة كريمة"، تكشف الأرقام الدولية أن هذه البرامج لم تغيّر بنية الفقر جذرياً، بل اقتصرت على مسكّنات مؤقتة أشبه بالقطرة التي تُسكب في صحراء. فما زال الريف المصري الذي يقطنه أكثر من نصف السكان، يعاني من ضعف الخدمات وانعدام فرص العمل اللائق وتهالك البنية الأساسية. ويؤكد تقرير الإسكوا أن الحرمان في الريف يفوق نظيره في المدن بعدة أضعاف، ما يدل على سوء توزيع الثروة والإهمال المزمن للأطراف.

حين يشكر رئيسُ الوزراء ابنَ البلد "الذي تحمّل مع الحكومة إجراءات الإصلاح الاقتصادي"، فإنه في الواقع يُقرّ بوجود معاناة حقيقية ناتجة عن تلك السياسات. غير أن هذا الاعتراف لا يتبعه تغيير في المنهج، بل مزيد من السير في الطريق الرأسمالي نفسه الذي سبّب الأزمة.

فالإصلاح المزعوم الذي بدأ عام 2016 ببرنامج "التعويم" ورفع الدعم وزيادة الضرائب، لم يكن إصلاحاً بل تحميلاً للفقراء كلفة الديون والعجز. وفي الوقت الذي يتحدث فيه المسؤولون عن "الانطلاقة"، تتجه الاستثمارات الضخمة إلى العقارات الفاخرة والمشروعات السياحية التي تخدم أصحاب رؤوس الأموال، بينما لا يجد ملايين الشباب فرصاً للعمل أو السكن. بل إن كثيراً من هذه المشاريع، كمنطقة علم الروم في مطروح التي تُقدّر استثماراتها بـ29 مليار دولار، هي شراكات رأسمالية أجنبية تستحوذ على الأراضي والثروات وتحوّلها إلى مصدر ربح للمستثمرين، لا مصدر رزق للناس.

النظام يفشل ليس لأنه فاسد فحسب، بل لأنه يسير على أساسٍ فكريٍّ باطلٍ هو النظام الرأسمالي، الذي يجعل المال محوراً لكل سياسات الدولة. فالرأسمالية تقوم على حرية التملك المطلقة، وتسمح بتكديس الثروة في يد القلة التي تملك أدوات الإنتاج، فيما تتحمل الكثرة عبء الضرائب والأسعار والدَّين العام.

ولهذا، فإن كل ما يُسمى "برامج حماية اجتماعية" ما هو إلا محاولة لتجميل وجه الرأسمالية الوحشي، وإطالة عمر نظامٍ جائرٍ يراعي الأغنياء ويجبي من الفقراء. فبدلاً من معالجة أصل الداء؛ أي احتكار الثروة وتبعية الاقتصاد للمؤسسات الدولية، يُكتفى بتوزيع فتات من الإعانات النقدية، لا ترفع فقراً ولا تحفظ كرامة.

إن الرعاية ليست منّةً من الحاكم على الرعية، بل واجب شرعي، ومسؤولية يحاسبه الله عليها في الدنيا والآخرة. وما يجري اليوم، هو إهمال متعمّد لشؤون الناس، وتخلٍّ عن واجب الرعاية لصالح قروضٍ مشروطة من صندوق النقد والبنك الدوليين.

لقد أصبحت الدولة وسيطاً بين الفقير والدائن الأجنبي، تفرض الضرائب وتقلّص الدعم وتبيع الممتلكات العامة لسدّ عجزٍ متضخم صنعه النظام الرأسمالي نفسه. وفي هذا كله تغيب المفاهيم الشرعية التي تضبط الاقتصاد، كتحريم الربا، ومنع تملك الثروات العامة للأفراد، ووجوب النفقة على الرعية من بيت مال المسلمين.

لقد قدم الإسلام نظاماً اقتصادياً متكاملاً يعالج الفقر من جذوره، لا بمجرد دعمٍ نقدي أو مشروعات تجميلية. هذا النظام يقوم على أسسٍ شرعيةٍ ثابتة أبرزها:

1- تحريم الربا والديون الربوية التي تُكبّل الدولة وتستنزف مواردها، فبزوال الربا تزول تبعية الاقتصاد للمؤسسات الدولية، وتُعاد السيادة المالية للأمة.

2- جعل الملكيات ثلاثة أنواع:

ملكية فردية: كالبيوت والمتاجر والمزارع الخاصة...

ملكية عامة: تشمل الثروات الكبرى كالنفط والغاز والمعادن والمياه...

ملكية دولة: كأراضي الفيء والركاز والخراج...

وبهذا التوزيع تتحقق العدالة، إذ تُمنع فئة قليلة من احتكار موارد الأمة.

3- ضمان الكفاية لكل فرد من الرعية: فالدولة تضمن لكل إنسان في رعايتها حاجاته الأساسية من مأكل وملبس ومسكن، فإن عجز عن العمل وجب على بيت المال أن ينفق عليه.

4- الزكاة والإنفاق الإلزامي: الزكاة ليست إحساناً بل فريضة، تجمعها الدولة وتصرفها في مصارفها الشرعية للفقراء والمساكين والغارمين. وهي أداة توزيع فعّالة تعيد الأموال إلى دورة الحياة في المجتمع.

مع التحفيز على العمل المنتج ومنع الاستغلال، والحثّ على استثمار الموارد في مشاريع نافعة حقيقية كالصناعات الثقيلة والحربية لا في المضاربات والعقارات الفاخرة والمشاريع الوهمية. إلى جانب ضبط الأسعار بالعرض والطلب الحقيقيين لا بالاحتكار ولا بالتعويم.

إن دولة الخلافة على منهاج النبوة هي وحدها القادرة على تطبيق هذه الأحكام عملياً، لأنها تُبنى على أساس العقيدة الإسلامية، ويكون هدفها رعاية شؤون الناس لا جباية أموالهم. ففي ظل الخلافة، لا يوجد ربا ولا قروض مشروطة، ولا بيع للثروات العامة للأجانب، بل تُدار الموارد بما يحقق مصلحة الأمة، ويتولى بيت المال تمويل الرعاية الصحية والتعليم والمرافق العامة من موارد الدولة والخراج والأنفال والملكية العامة.

أما الفقراء، فتُكفل حاجاتهم الأساسية فرداً فرداً، لا عبر صدقات مؤقتة بل كحقٍّ شرعي مضمون. ولذا فإن محاربة الفقر في الإسلام ليست شعاراً سياسياً، بل نظام حياة متكامل يُقيم العدل ويمنع الظلم ويعيد الثروة إلى أهلها.

ما بين الخطاب الرسمي والواقع المعاش مسافةٌ هائلة لا تخفى على أحد. فبينما تتغنّى الحكومة بمشروعاتها "العملاقة" وبـ"الانطلاقة الحقيقية"، يعيش ملايين المصريين تحت خط الفقر، يعانون الغلاء والبطالة وانعدام الأمل. والحقيقة أن هذه المعاناة لن تزول ما دامت مصر تسير في طريق الرأسمالية، تُسلِّم اقتصادها للمرابين وتخضع لسياسات المؤسسات الدولية.

إن أزمات ومشكلات مصر هي مشكلات إنسانية وليست مادية، وتتعلق بها أحكام شرعية تبين كيفية التعامل معها وعلاجها على أساس الإسلام، وإن الحلول أسهل من غض الطرف لكنها تحتاج إدارة مخلصة تملك إرادة حرة تريد السير في الطريق الصحيح وتريد الخير لمصر وأهلها حقا، وحينها على هذه الإدارة أن تراجع كل العقود التي أبرمت سابقا والتي تبرم مع كل الشركات التي تحتكر أصول البلاد وما هو من ملكياتها العام وعلى رأسها شركات التنقيب عن الغاز والنفط والذهب وباقي المعادن والثروات، وتطرد كل تلك الشركات لأنها في الأصل شركات استعمارية ناهبة لثروات البلاد، ثم تصوغ عهدا جديدا يقوم على تمكين الناس من ثروات البلاد وإنشاء أو استئجار شركات تقوم هي على إنتاج الثروة من منابع النفط والغاز والذهب وغيرها من المعادن وتعيد توزيع هذه الثروات على الناس من جديد، حينها سيتمكن الناس من زراعة الأرض الموات التي ستمكنهم الدولة من استغلالها بحقهم فيها، وسيتمكنون أيضا من صناعة ما يجب أن يصنع ليرتفع باقتصاد مصر ويكفي أهلها، وستدعمهم الدولة في هذا السبيل، وإن كل هذا ليس ضربا من الخيال ولا مستحيل الحدوث ولا مشروعا نعرضه للتجربة قد ينجح أو يفشل، وإنما هي أحكام شرعية لازمة ملزمة للدولة والرعية، فلا يجوز للدولة أن تفرط في ثروات البلاد التي هي ملك للناس بدعوى عقود أقرتها وأيدتها وتحميها قوانين دولية جائرة، ولا يجوز لها أن تمنع الناس منها بل يجب أن تقطع كل يد تمتد ناهبة إلى ثروات الناس، هذا ما يقدمه الإسلام ويجب تنفيذه، إلا أنه لا يطبق بمعزل عن باقي أنظمة الإسلام بل إنه لا يطبق إلا من خلال دولة الخلافة الراشدة على منهاج النبوة، هذه الدولة التي يحمل همها والدعوة إليها حزب التحرير ويدعو مصر وأهلها شعبا وجيشا إلى العمل معه من أجلها، عسى الله أن يكتب الفتح من عنده فنراها واقعا يعز الإسلام وأهله، اللهم عاجلا غير آجل.

﴿وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرَىٰ آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَفَتَحْنَا عَلَيْهِم بَرَكَاتٍ مِّنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ﴾

كتبه للمكتب الإعلامي المركزي لحزب التحرير

سعيد فضل

عضو المكتب الإعلامي لحزب التحرير في ولاية مصر