هجوم كيان يهود على قطر  لا تجوز قراءته بمعزل عن سياسة أمريكا بالمنطقة
September 17, 2025

هجوم كيان يهود على قطر لا تجوز قراءته بمعزل عن سياسة أمريكا بالمنطقة

هجوم كيان يهود على قطر

لا تجوز قراءته بمعزل عن سياسة أمريكا بالمنطقة

هجوم الكيان على قطر لا تجوز قراءته بمعزل عن سياسة أمريكا واستراتيجياتها الاستعمارية بالمنطقة، فأمريكا هي من يحتل مركز الصدارة على مستوى الموقف الدولي، وعليه فهي صاحبة السطوة والهيمنة السياسية عالميا، فهي صاحبة النظام الدولي أنظمة ومؤسسات وأجهزة، فهي من صممته ووضعت أسسه بعد الحرب العالمية الثانية، والعالم اليوم يسير بحسب قانونها، فأمريكا حتى الساعة هي الدولة الأولى في رسم السياسة الدولية والموقف الدولي، وهي المسيطرة دوليا على الأحداث السياسية الكبرى، فلا تقع ولا تنفذ إلا وفق مشاريعها أو تُجَيِّرُها لمصلحتها.

ولتكريس سيطرتها على الموقف الدولي وتأمين استمرار هيمنتها الجيوستراتيجية تعتمد أمريكا بشكل رئيسي على القوة الصلبة؛ قوتها العسكرية، عبر قياداتها العسكرية التي تغطي جغرافية العالم (شمال أمريكا، جنوب أمريكا، أوروبا، أفريقيا، الشرق الأوسط "البلاد الإسلامية"، آسيا المحيط الهندي-المحيط الهادي). وغاية هذه القيادات العسكرية هي تأمين وتحقيق مصالح أمريكا وتنفيذ مشاريعها الجيوستراتيجية الاستعمارية عبر العالم.

ومن هذه القيادات القيادة العسكرية الأمريكية الوسطى، وتعرف أيضا باسم القيادة المركزية الأمريكية "سنتكوم"، وهي إحدى أهم القيادات العسكرية الموحدة التابعة لوزارة الدفاع الأمريكية (البنتاغون).

تأسست عام 1983 ويقع مقرها في قاعدة ماكديل الجوية بولاية فلوريدا، ومجال فعلها هي الجغرافية الإسلامية (من مصر غرباً إلى باكستان شرقاً، ومن كازاخستان شمالاً حتى اليمن جنوباً)، وتنتشر قواعدها ووحداتها في عدد من دول المنطقة. ووفقا للبنتاغون تغطي منطقة عمليات سنتكوم نحو 6.5 ملايين كيلومتر مربع، يسكنها أكثر من 560 مليون نسمة (من أبناء الإسلام)، وتغطي سنتكوم الجغرافية الإسلامية التي تتقاطع فيها 3 قارات وممرات بحرية تجارية حيوية عالمية، إضافة إلى ممرات طيران وخطوط أنابيب وطرق برية، وفيها أكثر من 70% من احتياطيات النفط في العالم. فالحديث هنا عن بلادنا الإسلامية كأخطر منطقة حيوية جيوستراتيجية بالنسبة لأمريكا الاستعمارية.

وتعد القواعد العسكرية الأمريكية الموجودة في دول الخليج من أهم القواعد التابعة لسنتكوم، أبرزها قاعدة العديد الجوية في قطر، التي تعد مقرا للمجموعة 319 الاستكشافية الجوية التي تضم قاذفات ومقاتلات وطائرات استطلاعية، إضافة لعدد من الدبابات ووحدات الدعم العسكري.

والذي طرأ واستجد جيوستراتيجيا هو ضم أمريكا لكيان يهود للدول التابعة للقيادة العسكرية الوسطى الأمريكية، ففي عام 2021 أعلنت وزارة الدفاع الأمريكية نقل الكيان من نطاق القيادة الأوروبية إلى القيادة الوسطى وأعلنت وزارة الدفاع الأمريكية دخول الكيان رسميا ضمن نطاق سنتكوم، وأكدت أن "إسرائيل شريك استراتيجي رائد بالنسبة للولايات المتحدة"، وقالت وزارة الدفاع الأمريكية إن "الانفراج بين إسرائيل وجيرانها العرب في أعقاب اتفاقيات أبراهام وفّر فرصة استراتيجية للبلاد لتوحيد الشركاء الأساسيين في مواجهة الأخطار المشتركة في الشرق الأوسط". وهذا التغيير جاء بعد اتفاقيات أبراهام والتطبيع بين الكيان وعدد من دويلات المنطقة لدمجه في المنطقة.

هذه هي الساحة الجيوستراتيجية وهذا هو الوضع الاستراتيجي الذي يتحرك ضمنه كيان يهود، وهذه الساحة والوضع رهن وقيد لمشاريع ومصالح أمريكا، فالكيان كان وما زال خاضعا للقيادة العسكرية الأمريكية، بالأمس كانت قيادتها الموجهة لأوروبا واليوم هي القيادة الوسطى الموجهة للجغرافية الإسلامية.

ما يعني أن كل حركة يهود سواء في غزة أو لبنان أو إيران أو اليمن أو البحر الأحمر أو سوريا أو قطر هي تحت الإشراف الفعلي للقيادة الوسطى الأمريكية خدمة لمشاريع أمريكا ومصالحها، ومن تلك المصالح تأمين الكيان القاعدة أداة أمريكا الجيوستراتيجية في قلب الجغرافية الإسلامية، وإعادة تأهيله بعد أن زلزلته عملية طوفان الأقصى.

فانتفى جيوستراتيجيا وعمليا أن يكون الكيان الحقير خاضعا للقيادة الوسطى الأمريكية، عطفا على كون شريان حياته اقتصاديا وعسكريا وأمنيا بيد أمريكا، ثم يتحرك كذئب منفرد، بل هو حقيقة جرذ من قطيع جرذان الإقليم مع أنظمة الوظيفة الاستعمارية رهن لإشارة من أمريكا.

فترامب هو من يريد اقتطاع غزة وجعلها ريفيرا لمصلحة الرأسمالية الأمريكية الموالية له، يكون هو المستثمر الأكبر في عقاراتها ومشاريعها، ولم يطرح ترامب ضم غزة لكيان يهود الحقير علما أنه هو من صرح سابقا أن مساحة الكيان صغيرة. فحرب غزة وإبادة أهلها الهدف الذي ما انفك ترامب يكرره هو طرد أو قتل أهلها وامتلاكها كغنيمة حرب أمريكية وليست كغنيمة ليهود، بمعنى أن كيان يهود أداة عسكرية في مشاريع أمريكا لتحقيق مصالحها الاستراتيجية. فحرب غزة هدفها النهائي من تصميم أمريكي وأداة تحقيقها كيان يهود وكيانات الوظيفة الاستعمارية.

وكذلك ضرب دويلة قطر، تلاها مباشرة إرسال ترامب لمبعوثه الخاص ستيف ويتكوف إلى قطر، ومن أهداف الزيارة تعزيز التعاون الأمني بين قطر وأمريكا، أي توظيف الضربة لمزيد من النفوذ الاستعماري الأمريكي بقطر والإقليم. عطفا على خلط الأوراق للتعمية على إبادة غزة الدائرة وتشتيت الأنظار، وكذلك تمديد عمر فخ المفاوضات التي لا تنتهي (تعثرت، توقفت، استؤنفت...) لشراء الوقت لاستمرار إبادة غزة، فهدن أمريكا السامة ومفاوضاتها التي لا تنتهي هي سياسة أمريكا في تدوير إبادة غزة وشراء الوقت لاستمرارها، فأمريكا هي من قوضت كل المشاريع لوقف إبادة غزة واستخدمت الفيتو مرارا في مجلس أمنها الدولي للاعتراض على وقفها.

وكذلك ينظر للهجمات التي يقوم بها كيان يهود على الشام، فهدفها توفير الغطاء لتحريك مفاوضات إدارة أحمد الشرع للانخراط في اتفاقيات أبراهام الأمريكية الرامية لدمج الكيان في المنطقة عبر التطبيع الشامل، ثم تحطيم قوة الشام العسكرية مغبة أن تسقط في أيدٍ أمينة، ثم ارتماء إدارة الشرع في أحضان أمريكا طلبا لحل أزمتها مع يهود وفي ذلك إبقاء الشام تحت الاستعمار الأمريكي. فما يجري في الشام هو سياسة أمريكية يديرها المبعوث الخاص الأمريكي توم باراك، وكيان يهود هو أداة من أدوات التنفيذ المتعددة.

وكذلك اليمن والضربات والضربات المضادة، هي جزء من الفوضى الخلاقة الأمريكية في البحر الأحمر الممر المائي الجيوستراتيجي للتجارة العالمية، فالحوثيون وكيان يهود أدوات لإيجاد تلك الحالة من التوتر الحرج التي تضمن لأمريكا تكثيف وجودها العسكري للتحكم في هذا الممر، كجزء من الاستراتيجية الكبرى في مواجهة الصين (التحكم في الطرق الجيوستراتيجية للتجارة العالمية ومنها الممرات المائية)، وكيان يهود هنا كذلك مجرد أداة تنفيذ في المشروع والاستراتيجية الأمريكية.

وما جرى ويجري في لبنان من تصفية لحزب إيران هو كذلك هدف أمريكي، بعدما قضت أمريكا حاجتها منه، بعدما أصبحت الرئاسة والحكومة والعساكر في لبنان في قبضتها، فأمريكا هي من تملي على لبنان اليوم نزع ما تبقى من سلاح في يد حزب إيران بعدما تمت تصفية قيادته السياسية والعسكرية، وكيان يهود كذلك في هذه هو أداة تنفيذ لمشروع وسياسة أمريكية خاصة بلبنان.

فكيان يهود الحقير انتفى وامتنع أن يتحرك بمعزل عن الاستراتيجية الأمريكية وأهدافها ومصالحها في المنطقة، فهو قاعدة أمريكا في قلب الجغرافية الإسلامية، تُقَوِيه وتُنَمِّيه كقاعدة لخدمة مشاريعها ومصالحها، وتفرض اتفاقيات أبراهام للتطبيع على المجموع لدمج الكيان الحقير دمجا تاما في الإقليم، خدمة للاستراتيجية الأمريكية الكبرى في حربها الحضارية الصليبية الوجودية ضد الإسلام وأمته، كجبهة عسكرية متقدمة في الحرب الصليبية الدامية الدائرة وغزة اليوم ساحتها عطفا على سوريا ولبنان واليمن...، وفي حربها الباردة ضد الصين بوصف الكيان معبرها الرئيسي لتجارتها من الهند (معمل أمريكا البديل) صوب أوروبا وباقي العالم.

فكيان يهود حاجة، وسياسة، وقاعدة، وأداة لأمريكا لخدمة مشاريعها وتحقيق أهدافها واستراتيجيتها.

فكيان يهود وكيانات الوظيفة الاستعمارية المستباحة صنوان في خدمة المستعمر الأمريكي، في حربه للإسلام وأمته، فشغل أنظمة الاستعمار هو حماية وتأمين كيان الاستعمار كيان يهود لتحقيق الغلبة للاستعمار.

يا أبناء الإسلام: لا تلفتنكم الأداة "كيان يهود" عن حقيق الفاعل صاحب الأداة "أمريكا" وأهدافها الاستعمارية الخبيثة السامة! ﴿وَلَا تَهِنُوا وَلَا تَحْزَنُوا وَأَنتُمُ الْأَعْلَوْنَ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ﴾.

كتبه للمكتب الإعلامي المركزي لحزب التحرير

مناجي محمد

المزيد من القسم null

لا تنخدعوا بالأسماء فالعبرة بالمواقف لا بالأنساب

لا تنخدعوا بالأسماء فالعبرة بالمواقف لا بالأنساب

في كل مرة يُقدَّم لنا "رمز جديد" له جذور مسلمة أو ملامح شرقية، يهلل كثير من المسلمين، وتُبنى الآمال على وهمٍ اسمه "التمثيل السياسي" في نظامٍ كافر لا يعترف بالإسلام حكماً ولا عقيدةً ولا شريعةً.

نذكر جميعاً الفرح العارم الذي اجتاح مشاعر كثيرين عند فوز أوباما في 2008. فهو ابن كينيا، وله أب مسلم! وهنا توهم البعض أن الإسلام والمسلمين باتوا قريبين من النفوذ الأمريكي، لكن أوباما كان أحد أكثر الرؤساء إيذاءً للمسلمين فقد دمر ليبيا، وساهم في مأساة سوريا، وأشعل أفغانستان والعراق بطائراته وجنوده، بل كان سفاك الدماء في اليمن عبر أدواته وكان عهده استمراراً لعداء ممنهج ضد الأمة.

واليوم يتكرر المشهد، لكن بأسماء جديدة. فـزوهران ممداني يُحتفى به لأنه مسلم ومهاجر وشاب، وكأنه المنقذ! لكن قليلين فقط ينظرون إلى مواقفه السياسية والفكرية. هذا الرجل من الداعمين الأشداء للشواذ المثليين، ومشارك في فعالياتهم، ويعتبر انحرافهم حقوقاً إنسانية!

أي خزي هذا يُعلق عليه الناس آمالاً؟! ألم يكن تكراراً للخيبة السياسية والفكرية نفسها التي وقعت فيها الأمة مراراً وتكراراً؟! نعم لأنها تُفتن بالشكل لا بالجوهر! تُخدع بالابتسامات، وتتعامل بالعاطفة لا بالعقيدة، وبالأسماء لا بالمفاهيم، وبالرموز لا بالمبادئ!

إن هذا الانبهار بالأشكال والأسماء نتيجة غياب الوعي السياسي الشرعي، لأن الإسلام لا يقاس بالأصل أو الاسم أو العرق، بل بالالتزام بمبدأ الإسلام كاملاً؛ نظاماً وعقيدةً وشريعةً. ولا قيمة لمسلم لا يحكم بالإسلام ولا ينصره، بل يخضع للنظام الرأسمالي الكافر، ويبرر الكفر والانحرافات باسم "الحرية".

وليعلم جميع المسلمين الذين فرحوا بفوزه وظنّوا أنه بذرة خير أو بداية نهوض، أن النهوض لا يكون من داخل أنظمة الكفر، ولا بأدواتها، ولا عبر صناديق اقتراعها، ولا تحت سقف دساتيرها.

فمن يُقدّم نفسه عبر النظام الديمقراطي، ويقسم على احترام قوانينه، ثم يدافع عن الشذوذ الجنسي ويحتفل به، ويدعو إلى ما يغضب الله، فهو ليس نصيراً للإسلام ولا أملاً للأمة، بل هو أداة تلميع وتمييع، وتمثيل مزيّف لا يُقدّم ولا يؤخر.

إن ما تسمى النجاحات السياسية في الغرب لبعض الشخصيات ذات الأسماء الإسلامية، ما هي إلا فُتات يُقدَّم كمسكنات للأمة، ليقال لها: انظروا، التغيير ممكن عبر أنظمتنا.

 فما حقيقة هذا "التمثيل"؟

الغرب لا يفتح أبواب الحكم للإسلام، بل يفتحها فقط لمن يتماهى مع قيمه وأفكاره. وأي شخص يدخل نظامهم لا بد أن يقبل بدستورهم، وبقوانينهم الوضعية، وأن يتنكر لحكم الإسلام، فإن رضي بذلك، أصبح نموذجاً مقبولاً، أما المسلم الحق، فهو مرفوض عندهم من جذوره.

فمن هو زهران ممداني؟ ولماذا يُصنع هذا الوهم؟

هو شخص يحمل اسماً مسلماً لكنه متبنٍ لأجندة منحرفة مخالفة تماماً لفطرة الإسلام، من دعم المثليين، والترويج لما يُسمى بـ"حقوقهم"، وهو نموذج حي لكيف يصنع الغرب نماذجه: مسلم بالاسم، علماني بالفعل، خادم لأجندة الليبرالية الغربية لا أكثر. بل لإشغال الأمة عن طريقها الحقيقي، فبدل أن تطالب بدولة الإسلام والخلافة، تنشغل بالمقاعد النيابية والمناصب في أنظمة كفر! وبدل أن تتوجه لتحرير فلسطين، تنتظر مَن "يدافع عن غزة" من داخل الكونغرس الأمريكي أو البرلمان الأوروبي!

فحقيقة الأمر أن هذا تشويه لطريق التغيير الحقيقي، وهو إقامة الخلافة الراشدة على منهاج النبوة، التي تُعلي راية الإسلام، وتقيم شرع الله، وتوحد الأمة خلف خليفة واحد يُقاتل من ورائه ويُتقى به.

فلا تنخدعوا بالأسماء، ولا تفرحوا بمن ينتمي لكم شكلاً ويخالفكم مضموناً، فليس كل من حمل اسم سعيد أو علي أو زهران هو على طريق نبينا محمد ﷺ.

واعلموا أن التغيير لا يأتي من داخل برلمانات الكفر، بل من جيوش الأمة التي آن لها أن تتحرك، ومن شبابها الواعين الذين يعملون ليلا ونهارا لقلب الطاولة على رؤوس الغرب وأعوانه وأتباعه الخائنين في بلاد الإسلام والمسلمين.

فالمسلمون لن ينهضوا عبر انتخابات الديمقراطية ولا من خلال صناديق الغرب، بل بنهضة حقيقية على أساس العقيدة الإسلامية، بإقامة دولة الخلافة الراشدة التي تُعيد للإسلام مكانته، وللمسلمين عزّتهم، وتحطم أوهام الديمقراطية.

لا تنخدعوا بالأسماء، ولا تعلقوا آمالكم على أفراد في أنظمة كفر، بل ارجعوا إلى مشروعكم العظيم: استئناف الحياة الإسلامية، فهذا وحده طريق العزة والنصر والتمكين.

فالمشهد تكرار مُهين لمآسٍ قديمة: رموز مزيفة، وولاء للأنظمة الغربية، وانحراف عن طريق الإسلام. وكل من يُصفّق لهذا المسار، إنما يضلل الأمة. فعودوا إلى مشروع الخلافة، ولا تجعلوا أعداء الإسلام يصنعون لكم قادتكم وممثليكم. فالعزة ليست في مقاعد الديمقراطية، بل في سدة الخلافة التي يعمل لها حزب التحرير ويُحذر الأمة من هذا الانحدار الفكري والسياسي. فلا خلاص لنا إلا بدولة الخلافة، التي لا تسمح بأن يحكم المسلمين من يدين بدين غير الإسلام، ولا بمن يبرر الشذوذ والانحراف، ولا بمن يُشرّع للناس غير ما أنزل الله.

كتبه لإذاعة المكتب الإعلامي المركزي لحزب التحرير

عبد المحمود العامري – ولاية اليمن

مصر بين الشعارات الحكومية والواقع المرّ  الحقيقة الكاملة عن الفقر، والسياسات الرأسمالية

مصر بين الشعارات الحكومية والواقع المرّ

الحقيقة الكاملة عن الفقر، والسياسات الرأسمالية

نقلت بوابة الأهرام الثلاثاء 4 تشرين الثاني/نوفمبر 2025م، أن رئيس الوزراء المصري، في كلمة ألقاها نيابةً عن الرئيس في القمة العالمية الثانية للتنمية الاجتماعية في العاصمة القطرية الدوحة، قال إنّ مصر تطبّق نهجاً شاملاً للقضاء على الفقر في جميع أشكاله وأبعاده، بما في ذلك "الفقر متعدد الأبعاد".

منذ سنوات، لا يكاد يخلو خطاب رسمي في مصر من عباراتٍ مثل "نهج شامل للقضاء على الفقر" و"الانطلاقة الحقيقية للاقتصاد المصري". يكرّر المسؤولون هذه الشعارات في المؤتمرات والمناسبات، مصحوبة بصور براقة لمشروعات استثمارية وفنادق ومنتجعات. لكن الواقع، كما تشهد عليه التقارير الدولية، مختلف تماماً. فالفقر في مصر ما زال ظاهرةً راسخة، بل متفاقمة، رغم الوعود الحكومية المتكرّرة بالتحسن والنهضة.

بحسب تقارير اليونيسف والإسكوا وبرنامج الغذاء العالمي لعامي 2024 و2025، يعيش نحو واحد من كل خمسة مصريين في فقرٍ متعدد الأبعاد، أي محروم من أكثر من جانب من جوانب الحياة الأساسية كالتعليم والصحة والسكن والعمل والخدمات. كما تؤكد البيانات أن أكثر من 49% من الأسر تعاني من صعوبات في الحصول على غذاء كافٍ، وهو رقم صادم يعكس عمق الأزمة المعيشية.

أما الفقر المالي، أي انخفاض الدخل مقارنة بتكاليف المعيشة، فقد ارتفع بصورة حادة، نتيجة موجات التضخم المتلاحقة التي أكلت أجور الناس وجهودهم ومدخراتهم، حتى أصبحت نسبة كبيرة من المصريين تحت خط الفقر المالي رغم عملهم الدائم.

وبينما تتحدث الحكومة عن مبادرات مثل "تكافل وكرامة" و"حياة كريمة"، تكشف الأرقام الدولية أن هذه البرامج لم تغيّر بنية الفقر جذرياً، بل اقتصرت على مسكّنات مؤقتة أشبه بالقطرة التي تُسكب في صحراء. فما زال الريف المصري الذي يقطنه أكثر من نصف السكان، يعاني من ضعف الخدمات وانعدام فرص العمل اللائق وتهالك البنية الأساسية. ويؤكد تقرير الإسكوا أن الحرمان في الريف يفوق نظيره في المدن بعدة أضعاف، ما يدل على سوء توزيع الثروة والإهمال المزمن للأطراف.

حين يشكر رئيسُ الوزراء ابنَ البلد "الذي تحمّل مع الحكومة إجراءات الإصلاح الاقتصادي"، فإنه في الواقع يُقرّ بوجود معاناة حقيقية ناتجة عن تلك السياسات. غير أن هذا الاعتراف لا يتبعه تغيير في المنهج، بل مزيد من السير في الطريق الرأسمالي نفسه الذي سبّب الأزمة.

فالإصلاح المزعوم الذي بدأ عام 2016 ببرنامج "التعويم" ورفع الدعم وزيادة الضرائب، لم يكن إصلاحاً بل تحميلاً للفقراء كلفة الديون والعجز. وفي الوقت الذي يتحدث فيه المسؤولون عن "الانطلاقة"، تتجه الاستثمارات الضخمة إلى العقارات الفاخرة والمشروعات السياحية التي تخدم أصحاب رؤوس الأموال، بينما لا يجد ملايين الشباب فرصاً للعمل أو السكن. بل إن كثيراً من هذه المشاريع، كمنطقة علم الروم في مطروح التي تُقدّر استثماراتها بـ29 مليار دولار، هي شراكات رأسمالية أجنبية تستحوذ على الأراضي والثروات وتحوّلها إلى مصدر ربح للمستثمرين، لا مصدر رزق للناس.

النظام يفشل ليس لأنه فاسد فحسب، بل لأنه يسير على أساسٍ فكريٍّ باطلٍ هو النظام الرأسمالي، الذي يجعل المال محوراً لكل سياسات الدولة. فالرأسمالية تقوم على حرية التملك المطلقة، وتسمح بتكديس الثروة في يد القلة التي تملك أدوات الإنتاج، فيما تتحمل الكثرة عبء الضرائب والأسعار والدَّين العام.

ولهذا، فإن كل ما يُسمى "برامج حماية اجتماعية" ما هو إلا محاولة لتجميل وجه الرأسمالية الوحشي، وإطالة عمر نظامٍ جائرٍ يراعي الأغنياء ويجبي من الفقراء. فبدلاً من معالجة أصل الداء؛ أي احتكار الثروة وتبعية الاقتصاد للمؤسسات الدولية، يُكتفى بتوزيع فتات من الإعانات النقدية، لا ترفع فقراً ولا تحفظ كرامة.

إن الرعاية ليست منّةً من الحاكم على الرعية، بل واجب شرعي، ومسؤولية يحاسبه الله عليها في الدنيا والآخرة. وما يجري اليوم، هو إهمال متعمّد لشؤون الناس، وتخلٍّ عن واجب الرعاية لصالح قروضٍ مشروطة من صندوق النقد والبنك الدوليين.

لقد أصبحت الدولة وسيطاً بين الفقير والدائن الأجنبي، تفرض الضرائب وتقلّص الدعم وتبيع الممتلكات العامة لسدّ عجزٍ متضخم صنعه النظام الرأسمالي نفسه. وفي هذا كله تغيب المفاهيم الشرعية التي تضبط الاقتصاد، كتحريم الربا، ومنع تملك الثروات العامة للأفراد، ووجوب النفقة على الرعية من بيت مال المسلمين.

لقد قدم الإسلام نظاماً اقتصادياً متكاملاً يعالج الفقر من جذوره، لا بمجرد دعمٍ نقدي أو مشروعات تجميلية. هذا النظام يقوم على أسسٍ شرعيةٍ ثابتة أبرزها:

1- تحريم الربا والديون الربوية التي تُكبّل الدولة وتستنزف مواردها، فبزوال الربا تزول تبعية الاقتصاد للمؤسسات الدولية، وتُعاد السيادة المالية للأمة.

2- جعل الملكيات ثلاثة أنواع:

ملكية فردية: كالبيوت والمتاجر والمزارع الخاصة...

ملكية عامة: تشمل الثروات الكبرى كالنفط والغاز والمعادن والمياه...

ملكية دولة: كأراضي الفيء والركاز والخراج...

وبهذا التوزيع تتحقق العدالة، إذ تُمنع فئة قليلة من احتكار موارد الأمة.

3- ضمان الكفاية لكل فرد من الرعية: فالدولة تضمن لكل إنسان في رعايتها حاجاته الأساسية من مأكل وملبس ومسكن، فإن عجز عن العمل وجب على بيت المال أن ينفق عليه.

4- الزكاة والإنفاق الإلزامي: الزكاة ليست إحساناً بل فريضة، تجمعها الدولة وتصرفها في مصارفها الشرعية للفقراء والمساكين والغارمين. وهي أداة توزيع فعّالة تعيد الأموال إلى دورة الحياة في المجتمع.

مع التحفيز على العمل المنتج ومنع الاستغلال، والحثّ على استثمار الموارد في مشاريع نافعة حقيقية كالصناعات الثقيلة والحربية لا في المضاربات والعقارات الفاخرة والمشاريع الوهمية. إلى جانب ضبط الأسعار بالعرض والطلب الحقيقيين لا بالاحتكار ولا بالتعويم.

إن دولة الخلافة على منهاج النبوة هي وحدها القادرة على تطبيق هذه الأحكام عملياً، لأنها تُبنى على أساس العقيدة الإسلامية، ويكون هدفها رعاية شؤون الناس لا جباية أموالهم. ففي ظل الخلافة، لا يوجد ربا ولا قروض مشروطة، ولا بيع للثروات العامة للأجانب، بل تُدار الموارد بما يحقق مصلحة الأمة، ويتولى بيت المال تمويل الرعاية الصحية والتعليم والمرافق العامة من موارد الدولة والخراج والأنفال والملكية العامة.

أما الفقراء، فتُكفل حاجاتهم الأساسية فرداً فرداً، لا عبر صدقات مؤقتة بل كحقٍّ شرعي مضمون. ولذا فإن محاربة الفقر في الإسلام ليست شعاراً سياسياً، بل نظام حياة متكامل يُقيم العدل ويمنع الظلم ويعيد الثروة إلى أهلها.

ما بين الخطاب الرسمي والواقع المعاش مسافةٌ هائلة لا تخفى على أحد. فبينما تتغنّى الحكومة بمشروعاتها "العملاقة" وبـ"الانطلاقة الحقيقية"، يعيش ملايين المصريين تحت خط الفقر، يعانون الغلاء والبطالة وانعدام الأمل. والحقيقة أن هذه المعاناة لن تزول ما دامت مصر تسير في طريق الرأسمالية، تُسلِّم اقتصادها للمرابين وتخضع لسياسات المؤسسات الدولية.

إن أزمات ومشكلات مصر هي مشكلات إنسانية وليست مادية، وتتعلق بها أحكام شرعية تبين كيفية التعامل معها وعلاجها على أساس الإسلام، وإن الحلول أسهل من غض الطرف لكنها تحتاج إدارة مخلصة تملك إرادة حرة تريد السير في الطريق الصحيح وتريد الخير لمصر وأهلها حقا، وحينها على هذه الإدارة أن تراجع كل العقود التي أبرمت سابقا والتي تبرم مع كل الشركات التي تحتكر أصول البلاد وما هو من ملكياتها العام وعلى رأسها شركات التنقيب عن الغاز والنفط والذهب وباقي المعادن والثروات، وتطرد كل تلك الشركات لأنها في الأصل شركات استعمارية ناهبة لثروات البلاد، ثم تصوغ عهدا جديدا يقوم على تمكين الناس من ثروات البلاد وإنشاء أو استئجار شركات تقوم هي على إنتاج الثروة من منابع النفط والغاز والذهب وغيرها من المعادن وتعيد توزيع هذه الثروات على الناس من جديد، حينها سيتمكن الناس من زراعة الأرض الموات التي ستمكنهم الدولة من استغلالها بحقهم فيها، وسيتمكنون أيضا من صناعة ما يجب أن يصنع ليرتفع باقتصاد مصر ويكفي أهلها، وستدعمهم الدولة في هذا السبيل، وإن كل هذا ليس ضربا من الخيال ولا مستحيل الحدوث ولا مشروعا نعرضه للتجربة قد ينجح أو يفشل، وإنما هي أحكام شرعية لازمة ملزمة للدولة والرعية، فلا يجوز للدولة أن تفرط في ثروات البلاد التي هي ملك للناس بدعوى عقود أقرتها وأيدتها وتحميها قوانين دولية جائرة، ولا يجوز لها أن تمنع الناس منها بل يجب أن تقطع كل يد تمتد ناهبة إلى ثروات الناس، هذا ما يقدمه الإسلام ويجب تنفيذه، إلا أنه لا يطبق بمعزل عن باقي أنظمة الإسلام بل إنه لا يطبق إلا من خلال دولة الخلافة الراشدة على منهاج النبوة، هذه الدولة التي يحمل همها والدعوة إليها حزب التحرير ويدعو مصر وأهلها شعبا وجيشا إلى العمل معه من أجلها، عسى الله أن يكتب الفتح من عنده فنراها واقعا يعز الإسلام وأهله، اللهم عاجلا غير آجل.

﴿وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرَىٰ آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَفَتَحْنَا عَلَيْهِم بَرَكَاتٍ مِّنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ﴾

كتبه للمكتب الإعلامي المركزي لحزب التحرير

سعيد فضل

عضو المكتب الإعلامي لحزب التحرير في ولاية مصر