هل آن للأمة أن تستفيق؟!  بين غفلة المسلمين ونظام الإسلام المهجور
October 19, 2025

هل آن للأمة أن تستفيق؟! بين غفلة المسلمين ونظام الإسلام المهجور

هل آن للأمة أن تستفيق؟!

بين غفلة المسلمين ونظام الإسلام المهجور

منذ أن غابت الخلافة عن واقع المسلمين، وابتعد الإسلام عن مجريات الحكم، دخلت الأمة في دوامة من الغربة المؤلمة عن ذاتها ودينها وفطرتها. لم تحتل أرضها فقط، وإنما غاض الحكم بما أنزل الله، وغيبت مقوماتها الثقافية، ومعاييرها الأخلاقية. لم تكن المصيبة فقط في زوال الكيان الجامع، بل في أن تُبدَّل المفاهيم، ويُقلب الميزان، ويُحتل العقل قبل الأرض.

ما نراه بعيوننا: المعركة مع الغرب المستعمر ليست مجرد معركة دبابات وسلاح، بل هي معركة فكرية حضارية. إنهم يريدون أن يُعاد تشكيل المسلم ليس على هويته، بل على صورة المستعمر، أن يحيد عن دينه، أن يكفر بماضيه، أن يستسلم لواقعه. وللأسف أننا نعيش الزمان الذي اختلطت فيه المفاهيم:

أصبح الباطل يُجمّل، يُقدَّم على أنه "حرية"، والمعروف يُستهزأ به، والمنكر يروَّج له كأنه أسلوب حياة عصري. بات الحرام موضة، والانحلال يُباع على أنه تطوّر وانفتاح. وغاب عن كثيرين أن الحضارة ليست بترك مفاهيم الإسلام، وأن التقدّم ليس بانسلاخ الإنسان عن قيمه ودينه وفطرته. إنهم يريدون من المسلم أن يصير غريباً في بيته، غريباً في عقله، غريباً في هويته.

نعم لقد وصل الحال بالمسلم اليوم إلى أن يرى الحق غريباً في بلده، وأن يُتّهم بالتشدد لمجرد تمسكه بعقيدته. لم يعد الصراع في الأمة حول تفاصيل فقهية، بل حول معنى الوجود ذاته، حول الهوية والكرامة والانتماء. المسلم يُجرُّ جرجرةً ليقبل بالحياة كما رسمها له الغرب، حياةٌ ظاهرها التنظيم والرفاه، وباطنها التبعية والضياع.

فصار المسلم يتأمل في حال الغرب، فيراه يعيش حياة منظمة هادئة، فيُفتن بذلك، ويظن أن السر فيهم لا في دينه، في نظمهم لا في شريعته. نسي أو أنسي أن ما عندهم هو قشرة زائفة بلا روح، وأن ما عنده هو الرحمة للعالمين.

فالمشكلة ليست في الجهل فحسب، بل في الانخداع. فالمسلم اليوم لا يدري أنه ضحية مشروع تغريبي استعماري، استهدف عقله قبل أرضه، وزرع فيه اليأس من الإسلام بوصفه نظام حياة، ليظل متمسكاً به كعقيدة روحية فقط، دون أن يراه حلاً شاملاً لكل شؤون الحياة.

فحين يُربّى الإنسان في واقعٍ تحكمه الأنظمة الوضعية، التي تفصل الدين عن الحياة، يُعاد تشكيل وعيه بعيداً عن مقاييس الحق والباطل التي جاء بها الإسلام. فيصبح معيار النجاح ما يروّجه الإعلام، ومعيار القبول ما ترسمه الحضارة الغربية من مفاهيم منحرفة عن السعادة، والحرية، والتقدّم. فمن كان بالأمس يأنف من المنكر، بات يراه اليوم "حرية شخصية"، ومن كان يطمح لأن يعيش في ظل حكم الإسلام، بات مقتنعاً أن السياسة "لعبة قذرة"، وأن الإسلام لا شأن له بالحكم. وتلك هي الغربة الحقيقية التي نعيشها اليوم؛ غربة الفكرة، وغربة الفطرة، وغربة الهوية.

فنسينا وتناسينا قول الله سبحانه وتعالى ﴿فِطْرَتَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا لا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ


بل وتماشينا مع الجاهلية الحديثة التي تعمل ليل نهار لتبديل هذه الفطرة، ونحن لا نملك إلا أن نُجاهد لإعادتها إلى نصابها، فلتكن دعوتنا للناس: عودوا إلى ما فُطرتم عليه، وانهضوا بإسلامكم، فإنه وحده يحرركم من أسر الانحراف ويعيد إليكم إنسانيتكم المسلوبة.

فالإنسان ابن بيئته، وإذا لم تُبدَّل هذه البيئة ببيئة إسلامية نقية، تستمد فكرها ونظامها من الوحي، سيظل أسير الانحراف، وإن ظنّ أنه على صواب.

فالذي أضاع الأمة ليس فقط تخلّفها المادي، بل ضياع منهج النبي ﷺ من حياتها. منهج يجمع بين الروح والعقل، بين العبادة والمعاملة، بين الفرد والمجتمع، بين الدولة والرعية، في نظام إلهي شامل عادل. ولن يُصلح هذا الاعوجاج إلا الإسلام. لا ترميم ولا ترقيع، بل انقلاب حضاري يعيد الإنسان إلى فطرته، ويعيد الإسلام إلى مركز القيادة والتوجيه في كل شؤون الحياة.

فالإنسان، كما خلقه الله، فُطر على إدراك الحق، وعلى التفاعل مع ما يُحيي روحه ويُنير دربه. لكن حين يُربّى في بيئة مشوّهة، في أنظمة لا تحكم بما أنزل الله، في تعليم مسموم، وإعلام موجه، واقتصاد ربوي، ومنظومة فكرية دخيلة، يُصبح عبداً لما ليس من فطرته، ويتشكّل وعيه بمعايير ليست من دينه.

وهكذا يبدأ الانكسار الداخلي...

فحين يغترب المسلم عن عقيدته وهو لا يشعر، ويتقبل الظلم السياسي والضياع الاجتماعي كأنه قدر محتوم، لا نتيجة لفقدان الإسلام كنظام حياة.

فالواقع الذي نعيشه اليوم لم ينشأ من فراغ، بل هو نتيجة مباشرة لإقصاء الإسلام عن الحكم، ولتبنّي أنظمة كفر جاءت من الغرب، دخلت بلاد المسلمين مع الاستعمار وامتدت جذورها بعده في شكل دول وطنية، بحدود مصطنعة، ودساتير بشرية، وحكومات وظيفية تحرس مصالح الكافر المستعمر وتُشرف على مشروعه في تفتيت الأمة وعلمنة الحياة.

نعم تحت هذه الأنظمة، تغيّرت المفاهيم، وتشوهت الفطرة: صار من يدعو لتحكيم شرع الله يوصف بالرجعية، ومن يلتزم بعفّته متخلفاً، ومن يدعو للجهاد مهدداً للسلم العالمي. فصار الانفتاح انحلالاً، والحريّة حرية كفر وشذوذ، والعقلانية خضوعاً لما تمليه المؤسسات الغربية.

وهذا لا يخفى على أحد، فالغرب لم يكتفِ بإسقاط الخلافة فقط، بل عمل على إعادة صياغة شخصيات تسمى إسلامية، عبر المناهج والإعلام والفن وعبر "دياناتهم الممسوخة" التي تُقدّم اليوم كما نراها على ألسنة دعاة السلاطين. فعلّمونا أن نحب الأوطان أكثر من حبنا لدين الله، وأن نُقدّس الرايات الملونة أكثر من راية رسول الله، وأن ننتمي للجغرافيا لا للعقيدة.

نعم لقد زُرعت في نفوس المسلمين عقدة النقص أمام الغرب الكافر. فصارت المقاييس غربية، والنماذج غربية، والمعايير غربية، فصار البعض يظن أن التنظيم والرفاه لا يكون إلا في ظل هذه الأنظمة الغربية وأن الإسلام لا يصلح لحياة العصر. ولا يدري أن ما يراه من "نظام" في الغرب، إنما قام على دماء المسلمين وثرواتهم، وعلى منظومة مادية بحتة، منفصلة عن الروح والغاية، بل مآلها الخراب مهما بلغت من تكنولوجيا أو رخاء.

نعم إن الغرب اليوم، وفي حربه على الأمة، لا يريد فقط إضعاف المسلمين، بل يريد إلغاء هويتهم، وتجريدهم من مشروعهم الحضاري الرباني، المتمثل بالخلافة الراشدة على منهاج النبوة.

وأصبح العالم اليوم يعيش على صفيحٍ ساخن من الأزمات المركبة، فلا تكاد تُحلّ أزمة حتى تنفجر أخرى. وقد أصبح واضحاً لكل ذي عقل أن النظام العالمي الذي تقوده الحضارة الغربية آيلٌ للسقوط، ليس فقط بسبب أزماته الاقتصادية المتعاقبة، بل أيضاً بسبب اهتزاز ثقة الشعوب به، وفشل معالجاته، وتفسخه الأخلاقي العميق.

فالنظام الرأسمالي، القائم على جعل المنفعة أساساً لكل شيء، لم يُنتج إلا وحشاً استهلاكياً شرهاً يفتك بالإنسان والأرض والقيم. وهذا النظام لم يعُد قادراً على تقديم حلول حقيقية، بل يصدر الأزمات من بلد إلى آخر، ويغطي فشله بحروب وصراعات وفتن، ويختنق بتناقضاته في كل الميادين، أزمات الثقة تتعاظم بين الحاكم والمحكوم، والمؤسسات السياسية تتآكل، والأسرة تنهار، والمجتمع يعيش انحطاطاً أخلاقياً غير مسبوق. وكلما حاول الغرب أن يتشدق بالحرية والعدالة، سقطت أقنعته أمام الواقع البائس الذي يعيشه الناس في عقر داره، فضلاً عما يصدّره من فساد وظلم إلى باقي شعوب الأرض.

نعم إن سقوط الغرب ليس نهاية التاريخ، بل هو بداية مرحلة جديدة ستنبت من رحم المعاناة، ومن بين أنقاض هذه الحضارة المتعفنة. وهذا يفتح باباً عظيماً أمام الأمة الإسلامية لتنهض برسالتها من جديد، وتقود العالم بنظام رباني عادل، مستمد من الوحي، وهو الإسلام. وهذا لا يكون إلا بإقامة الخلافة الراشدة على منهاج النبوة، التي تربي الفرد على وعي الإسلام، وتنشئ المجتمع على أساس التقوى، وتقيم الدولة على أساس الشرع، لا على مقاييس الغرب. لذا، فالحل لا يكون إلا بتغيير النظام كاملاً، لا بتجميل وجهه القبيح.

وهنا لا بد أن يكون المسلمون على وعي تام بأن العالم اليوم يبحث عن بديل. والبديل الحقيقي ليس في الصين أو روسيا أو أي نظام وضعي آخر، بل في الخلافة الراشدة على منهاج النبوة، التي تطبق الإسلام كما أنزله الله، وتقيم العدل الحقيقي، وترعى شؤون البشر وفق شريعة رب العالمين. فعلى الأمة أن تتجاوز أوهام الإصلاح ضمن أنظمة الكفر، وأن تدرك أن التغيير الحقيقي لا يكون إلا باجتثاث النظام الرأسمالي من جذوره، فكما سقطت الشيوعية، ستسقط الرأسمالية، وما ذلك على الله بعزيز.

فالإسلام ليس طقوساً، بل نظام حياة ولم يعرف المسلمون العزة إلا حين حكموا به، ولم يعرفوا الذل إلا حين فُرضت عليهم الأنظمة الوضعية؛ جمهورية أو ملكية، كلها أنظمة بشرية لا تمت للإسلام بصلة. بل أراد الغرب للإسلام أن يبقى حبيس المسجد، وأراد الله له أن يكون ديناً شاملاً، ينظم الحياة السياسية والاقتصادية والاجتماعية، ويحمل رسالته إلى العالم.

ولنعلم جميعا أنه لا نهوض حقيقياً بدون نظام الإسلام، فما الذي يمنعنا من أن نعيد للأمة عزّها ومجدها؟ ما الذي يحول بيننا وبين حياة الصحابة والتابعين، الذين مزجوا بين الإيمان والكرامة، وبين الطهر والريادة؟ ما الذي يقف بيننا وبين اتباع أوامر الله ورسوله ﷺ؟ هل حقاً فقدنا القدرة، أم زُرع فينا العجز حتى أصبح يقيناً كاذباً؟ لا شيء يمنعنا سوى الوهم؛ وهم أن الإسلام لا يصلح لهذا الزمان، وهم أن التقدّم مرهون بتقليد الغرب، وهم أن الرزق بيد أعدائنا، وأن السيادة قدر لهم لا يتغيّر.

وفي الحقيقة أن الله تعالى هيّأ لنا كل شيء، وأرسل لنا نبياً محمداً ﷺ بهذا الدين المكتمل وجعل شريعته رحمة وهداية لكل زمان ومكان، ثم وعدنا بالنصر والتمكين إن نحن اتبعنا أمره. فلماذا لا نصدّق الوعد؟ ولماذا لا نعمل له؟

تخيّل لو أن الأمة اليوم عادت إلى نهج نبيها ﷺ، في زمن التطورات والقدرات العلمية والتقنية الهائلة. لو اجتمعت القوة الإيمانية مع التقدّم المادي. لو أُديرت ثروات الأمة بشرع الله، لو وُحّدت جيوشها، لو رُبيت الأجيال على عقيدة لا تهتز، كيف سيكون حال العالم؟ بل كيف سيكون حال الكافر المستعمر الذي يتغذى على ضعفنا وتفرّقنا؟

فالعدو لم ينتصر علينا بسلاحه فقط، بل بعقله وخبثه، حين جعلنا نرضى بالواقع، وننشغل بالملذات التافهة، ونسعى خلف رغيف الخبز تاركين قضايا الأمة، فغابت الرؤية وسقط الهمّ، وأصبح أقصى طموح الشاب هو "سفر"، وغاية الفتاة "مشروع صغير"، وكأننا لم نكن يوماً أمة قادت الدنيا!

أوهمونا أن الرزق بأيديهم وأن من أراد الراحة فعليه أن يترك بلده، ولغته، ودينه، ويلتحق بقطارهم، ليكون تابعاً ذليلاً تحت نظامهم. لكن من يتدبّر الواقع يرى الحقيقة:

فالذي يمنعنا من استعادة مجدنا ليس الغرب، بل نحن، حين نخشى، ونتكاسل، ونصدّق كذبهم أكثر مما نصدق وعد الله. فالله وعد بالنصر، لكنه جعله مشروطاً بالنصرة ﴿وَلَيَنصُرَنَّ اللَّهُ مَن يَنصُرُهُ﴾.

وليعلم الجميع أن حزب التحرير الرائد الذي لا يكذب أهله، يضع يده على أصل الداء: غياب الإسلام كنظام حياة، ووجود أنظمة عميلة تحكم بغير ما أنزل الله، وتجر الأمة إلى التبعية الحضارية والتشريعية للغرب الكافر المستعمر.

ولذلك ندعو الأمة إلى:

1- الوعي على الواقع: أن ما نعيشه اليوم من ذل وتخلف هو نتيجة حتمية للحكم بغير الإسلام.

2- إحياء الهوية الإسلامية: بفهم الإسلام فهماً سياسياً واقعياً لا روحانياً مفرغاً.

3- العمل الجاد لإقامة الخلافة الراشدة الثانية على منهاج النبوة، التي توحد المسلمين تحت راية واحدة، وتعيد السيادة للشرع، وتقود الأمة لتحمل الإسلام رسالة نور وهداية.

أما آن للمسلم أن يُدرك أنه يعيش في وهم؟ أما آن للأمة أن تستفيق من غفلتها؟ فإذا كانت الأمة تعرف أنها مستغفَلة، فستنهض لا محالة، فكيف إذا أفاقت وتجمعت تحت راية الإسلام؟

إنه وعد الله بالاستخلاف، وشرط الله هو العمل ﴿وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الْأَرْضِ﴾، فلنعمل مع العاملين لإقامة دولة الخلافة، فهي الأمل الحقيقي والسبيل الأوحد لعودة العزّة والكرامة للأمة الإسلامية. ﴿وَنُرِيدُ أَنْ نَمُنَّ عَلَى الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا فِي الْأَرْضِ وَنَجْعَلَهُمْ أَئِمَّةً وَنَجْعَلَهُمُ الْوَارِثِينَ﴾.

كتبته للمكتب الإعلامي المركزي لحزب التحرير

نسيبة الفلاحي (أم وعد) – ولاية اليمن

المزيد من القسم null

لا تنخدعوا بالأسماء فالعبرة بالمواقف لا بالأنساب

لا تنخدعوا بالأسماء فالعبرة بالمواقف لا بالأنساب

في كل مرة يُقدَّم لنا "رمز جديد" له جذور مسلمة أو ملامح شرقية، يهلل كثير من المسلمين، وتُبنى الآمال على وهمٍ اسمه "التمثيل السياسي" في نظامٍ كافر لا يعترف بالإسلام حكماً ولا عقيدةً ولا شريعةً.

نذكر جميعاً الفرح العارم الذي اجتاح مشاعر كثيرين عند فوز أوباما في 2008. فهو ابن كينيا، وله أب مسلم! وهنا توهم البعض أن الإسلام والمسلمين باتوا قريبين من النفوذ الأمريكي، لكن أوباما كان أحد أكثر الرؤساء إيذاءً للمسلمين فقد دمر ليبيا، وساهم في مأساة سوريا، وأشعل أفغانستان والعراق بطائراته وجنوده، بل كان سفاك الدماء في اليمن عبر أدواته وكان عهده استمراراً لعداء ممنهج ضد الأمة.

واليوم يتكرر المشهد، لكن بأسماء جديدة. فـزوهران ممداني يُحتفى به لأنه مسلم ومهاجر وشاب، وكأنه المنقذ! لكن قليلين فقط ينظرون إلى مواقفه السياسية والفكرية. هذا الرجل من الداعمين الأشداء للشواذ المثليين، ومشارك في فعالياتهم، ويعتبر انحرافهم حقوقاً إنسانية!

أي خزي هذا يُعلق عليه الناس آمالاً؟! ألم يكن تكراراً للخيبة السياسية والفكرية نفسها التي وقعت فيها الأمة مراراً وتكراراً؟! نعم لأنها تُفتن بالشكل لا بالجوهر! تُخدع بالابتسامات، وتتعامل بالعاطفة لا بالعقيدة، وبالأسماء لا بالمفاهيم، وبالرموز لا بالمبادئ!

إن هذا الانبهار بالأشكال والأسماء نتيجة غياب الوعي السياسي الشرعي، لأن الإسلام لا يقاس بالأصل أو الاسم أو العرق، بل بالالتزام بمبدأ الإسلام كاملاً؛ نظاماً وعقيدةً وشريعةً. ولا قيمة لمسلم لا يحكم بالإسلام ولا ينصره، بل يخضع للنظام الرأسمالي الكافر، ويبرر الكفر والانحرافات باسم "الحرية".

وليعلم جميع المسلمين الذين فرحوا بفوزه وظنّوا أنه بذرة خير أو بداية نهوض، أن النهوض لا يكون من داخل أنظمة الكفر، ولا بأدواتها، ولا عبر صناديق اقتراعها، ولا تحت سقف دساتيرها.

فمن يُقدّم نفسه عبر النظام الديمقراطي، ويقسم على احترام قوانينه، ثم يدافع عن الشذوذ الجنسي ويحتفل به، ويدعو إلى ما يغضب الله، فهو ليس نصيراً للإسلام ولا أملاً للأمة، بل هو أداة تلميع وتمييع، وتمثيل مزيّف لا يُقدّم ولا يؤخر.

إن ما تسمى النجاحات السياسية في الغرب لبعض الشخصيات ذات الأسماء الإسلامية، ما هي إلا فُتات يُقدَّم كمسكنات للأمة، ليقال لها: انظروا، التغيير ممكن عبر أنظمتنا.

 فما حقيقة هذا "التمثيل"؟

الغرب لا يفتح أبواب الحكم للإسلام، بل يفتحها فقط لمن يتماهى مع قيمه وأفكاره. وأي شخص يدخل نظامهم لا بد أن يقبل بدستورهم، وبقوانينهم الوضعية، وأن يتنكر لحكم الإسلام، فإن رضي بذلك، أصبح نموذجاً مقبولاً، أما المسلم الحق، فهو مرفوض عندهم من جذوره.

فمن هو زهران ممداني؟ ولماذا يُصنع هذا الوهم؟

هو شخص يحمل اسماً مسلماً لكنه متبنٍ لأجندة منحرفة مخالفة تماماً لفطرة الإسلام، من دعم المثليين، والترويج لما يُسمى بـ"حقوقهم"، وهو نموذج حي لكيف يصنع الغرب نماذجه: مسلم بالاسم، علماني بالفعل، خادم لأجندة الليبرالية الغربية لا أكثر. بل لإشغال الأمة عن طريقها الحقيقي، فبدل أن تطالب بدولة الإسلام والخلافة، تنشغل بالمقاعد النيابية والمناصب في أنظمة كفر! وبدل أن تتوجه لتحرير فلسطين، تنتظر مَن "يدافع عن غزة" من داخل الكونغرس الأمريكي أو البرلمان الأوروبي!

فحقيقة الأمر أن هذا تشويه لطريق التغيير الحقيقي، وهو إقامة الخلافة الراشدة على منهاج النبوة، التي تُعلي راية الإسلام، وتقيم شرع الله، وتوحد الأمة خلف خليفة واحد يُقاتل من ورائه ويُتقى به.

فلا تنخدعوا بالأسماء، ولا تفرحوا بمن ينتمي لكم شكلاً ويخالفكم مضموناً، فليس كل من حمل اسم سعيد أو علي أو زهران هو على طريق نبينا محمد ﷺ.

واعلموا أن التغيير لا يأتي من داخل برلمانات الكفر، بل من جيوش الأمة التي آن لها أن تتحرك، ومن شبابها الواعين الذين يعملون ليلا ونهارا لقلب الطاولة على رؤوس الغرب وأعوانه وأتباعه الخائنين في بلاد الإسلام والمسلمين.

فالمسلمون لن ينهضوا عبر انتخابات الديمقراطية ولا من خلال صناديق الغرب، بل بنهضة حقيقية على أساس العقيدة الإسلامية، بإقامة دولة الخلافة الراشدة التي تُعيد للإسلام مكانته، وللمسلمين عزّتهم، وتحطم أوهام الديمقراطية.

لا تنخدعوا بالأسماء، ولا تعلقوا آمالكم على أفراد في أنظمة كفر، بل ارجعوا إلى مشروعكم العظيم: استئناف الحياة الإسلامية، فهذا وحده طريق العزة والنصر والتمكين.

فالمشهد تكرار مُهين لمآسٍ قديمة: رموز مزيفة، وولاء للأنظمة الغربية، وانحراف عن طريق الإسلام. وكل من يُصفّق لهذا المسار، إنما يضلل الأمة. فعودوا إلى مشروع الخلافة، ولا تجعلوا أعداء الإسلام يصنعون لكم قادتكم وممثليكم. فالعزة ليست في مقاعد الديمقراطية، بل في سدة الخلافة التي يعمل لها حزب التحرير ويُحذر الأمة من هذا الانحدار الفكري والسياسي. فلا خلاص لنا إلا بدولة الخلافة، التي لا تسمح بأن يحكم المسلمين من يدين بدين غير الإسلام، ولا بمن يبرر الشذوذ والانحراف، ولا بمن يُشرّع للناس غير ما أنزل الله.

كتبه لإذاعة المكتب الإعلامي المركزي لحزب التحرير

عبد المحمود العامري – ولاية اليمن

مصر بين الشعارات الحكومية والواقع المرّ  الحقيقة الكاملة عن الفقر، والسياسات الرأسمالية

مصر بين الشعارات الحكومية والواقع المرّ

الحقيقة الكاملة عن الفقر، والسياسات الرأسمالية

نقلت بوابة الأهرام الثلاثاء 4 تشرين الثاني/نوفمبر 2025م، أن رئيس الوزراء المصري، في كلمة ألقاها نيابةً عن الرئيس في القمة العالمية الثانية للتنمية الاجتماعية في العاصمة القطرية الدوحة، قال إنّ مصر تطبّق نهجاً شاملاً للقضاء على الفقر في جميع أشكاله وأبعاده، بما في ذلك "الفقر متعدد الأبعاد".

منذ سنوات، لا يكاد يخلو خطاب رسمي في مصر من عباراتٍ مثل "نهج شامل للقضاء على الفقر" و"الانطلاقة الحقيقية للاقتصاد المصري". يكرّر المسؤولون هذه الشعارات في المؤتمرات والمناسبات، مصحوبة بصور براقة لمشروعات استثمارية وفنادق ومنتجعات. لكن الواقع، كما تشهد عليه التقارير الدولية، مختلف تماماً. فالفقر في مصر ما زال ظاهرةً راسخة، بل متفاقمة، رغم الوعود الحكومية المتكرّرة بالتحسن والنهضة.

بحسب تقارير اليونيسف والإسكوا وبرنامج الغذاء العالمي لعامي 2024 و2025، يعيش نحو واحد من كل خمسة مصريين في فقرٍ متعدد الأبعاد، أي محروم من أكثر من جانب من جوانب الحياة الأساسية كالتعليم والصحة والسكن والعمل والخدمات. كما تؤكد البيانات أن أكثر من 49% من الأسر تعاني من صعوبات في الحصول على غذاء كافٍ، وهو رقم صادم يعكس عمق الأزمة المعيشية.

أما الفقر المالي، أي انخفاض الدخل مقارنة بتكاليف المعيشة، فقد ارتفع بصورة حادة، نتيجة موجات التضخم المتلاحقة التي أكلت أجور الناس وجهودهم ومدخراتهم، حتى أصبحت نسبة كبيرة من المصريين تحت خط الفقر المالي رغم عملهم الدائم.

وبينما تتحدث الحكومة عن مبادرات مثل "تكافل وكرامة" و"حياة كريمة"، تكشف الأرقام الدولية أن هذه البرامج لم تغيّر بنية الفقر جذرياً، بل اقتصرت على مسكّنات مؤقتة أشبه بالقطرة التي تُسكب في صحراء. فما زال الريف المصري الذي يقطنه أكثر من نصف السكان، يعاني من ضعف الخدمات وانعدام فرص العمل اللائق وتهالك البنية الأساسية. ويؤكد تقرير الإسكوا أن الحرمان في الريف يفوق نظيره في المدن بعدة أضعاف، ما يدل على سوء توزيع الثروة والإهمال المزمن للأطراف.

حين يشكر رئيسُ الوزراء ابنَ البلد "الذي تحمّل مع الحكومة إجراءات الإصلاح الاقتصادي"، فإنه في الواقع يُقرّ بوجود معاناة حقيقية ناتجة عن تلك السياسات. غير أن هذا الاعتراف لا يتبعه تغيير في المنهج، بل مزيد من السير في الطريق الرأسمالي نفسه الذي سبّب الأزمة.

فالإصلاح المزعوم الذي بدأ عام 2016 ببرنامج "التعويم" ورفع الدعم وزيادة الضرائب، لم يكن إصلاحاً بل تحميلاً للفقراء كلفة الديون والعجز. وفي الوقت الذي يتحدث فيه المسؤولون عن "الانطلاقة"، تتجه الاستثمارات الضخمة إلى العقارات الفاخرة والمشروعات السياحية التي تخدم أصحاب رؤوس الأموال، بينما لا يجد ملايين الشباب فرصاً للعمل أو السكن. بل إن كثيراً من هذه المشاريع، كمنطقة علم الروم في مطروح التي تُقدّر استثماراتها بـ29 مليار دولار، هي شراكات رأسمالية أجنبية تستحوذ على الأراضي والثروات وتحوّلها إلى مصدر ربح للمستثمرين، لا مصدر رزق للناس.

النظام يفشل ليس لأنه فاسد فحسب، بل لأنه يسير على أساسٍ فكريٍّ باطلٍ هو النظام الرأسمالي، الذي يجعل المال محوراً لكل سياسات الدولة. فالرأسمالية تقوم على حرية التملك المطلقة، وتسمح بتكديس الثروة في يد القلة التي تملك أدوات الإنتاج، فيما تتحمل الكثرة عبء الضرائب والأسعار والدَّين العام.

ولهذا، فإن كل ما يُسمى "برامج حماية اجتماعية" ما هو إلا محاولة لتجميل وجه الرأسمالية الوحشي، وإطالة عمر نظامٍ جائرٍ يراعي الأغنياء ويجبي من الفقراء. فبدلاً من معالجة أصل الداء؛ أي احتكار الثروة وتبعية الاقتصاد للمؤسسات الدولية، يُكتفى بتوزيع فتات من الإعانات النقدية، لا ترفع فقراً ولا تحفظ كرامة.

إن الرعاية ليست منّةً من الحاكم على الرعية، بل واجب شرعي، ومسؤولية يحاسبه الله عليها في الدنيا والآخرة. وما يجري اليوم، هو إهمال متعمّد لشؤون الناس، وتخلٍّ عن واجب الرعاية لصالح قروضٍ مشروطة من صندوق النقد والبنك الدوليين.

لقد أصبحت الدولة وسيطاً بين الفقير والدائن الأجنبي، تفرض الضرائب وتقلّص الدعم وتبيع الممتلكات العامة لسدّ عجزٍ متضخم صنعه النظام الرأسمالي نفسه. وفي هذا كله تغيب المفاهيم الشرعية التي تضبط الاقتصاد، كتحريم الربا، ومنع تملك الثروات العامة للأفراد، ووجوب النفقة على الرعية من بيت مال المسلمين.

لقد قدم الإسلام نظاماً اقتصادياً متكاملاً يعالج الفقر من جذوره، لا بمجرد دعمٍ نقدي أو مشروعات تجميلية. هذا النظام يقوم على أسسٍ شرعيةٍ ثابتة أبرزها:

1- تحريم الربا والديون الربوية التي تُكبّل الدولة وتستنزف مواردها، فبزوال الربا تزول تبعية الاقتصاد للمؤسسات الدولية، وتُعاد السيادة المالية للأمة.

2- جعل الملكيات ثلاثة أنواع:

ملكية فردية: كالبيوت والمتاجر والمزارع الخاصة...

ملكية عامة: تشمل الثروات الكبرى كالنفط والغاز والمعادن والمياه...

ملكية دولة: كأراضي الفيء والركاز والخراج...

وبهذا التوزيع تتحقق العدالة، إذ تُمنع فئة قليلة من احتكار موارد الأمة.

3- ضمان الكفاية لكل فرد من الرعية: فالدولة تضمن لكل إنسان في رعايتها حاجاته الأساسية من مأكل وملبس ومسكن، فإن عجز عن العمل وجب على بيت المال أن ينفق عليه.

4- الزكاة والإنفاق الإلزامي: الزكاة ليست إحساناً بل فريضة، تجمعها الدولة وتصرفها في مصارفها الشرعية للفقراء والمساكين والغارمين. وهي أداة توزيع فعّالة تعيد الأموال إلى دورة الحياة في المجتمع.

مع التحفيز على العمل المنتج ومنع الاستغلال، والحثّ على استثمار الموارد في مشاريع نافعة حقيقية كالصناعات الثقيلة والحربية لا في المضاربات والعقارات الفاخرة والمشاريع الوهمية. إلى جانب ضبط الأسعار بالعرض والطلب الحقيقيين لا بالاحتكار ولا بالتعويم.

إن دولة الخلافة على منهاج النبوة هي وحدها القادرة على تطبيق هذه الأحكام عملياً، لأنها تُبنى على أساس العقيدة الإسلامية، ويكون هدفها رعاية شؤون الناس لا جباية أموالهم. ففي ظل الخلافة، لا يوجد ربا ولا قروض مشروطة، ولا بيع للثروات العامة للأجانب، بل تُدار الموارد بما يحقق مصلحة الأمة، ويتولى بيت المال تمويل الرعاية الصحية والتعليم والمرافق العامة من موارد الدولة والخراج والأنفال والملكية العامة.

أما الفقراء، فتُكفل حاجاتهم الأساسية فرداً فرداً، لا عبر صدقات مؤقتة بل كحقٍّ شرعي مضمون. ولذا فإن محاربة الفقر في الإسلام ليست شعاراً سياسياً، بل نظام حياة متكامل يُقيم العدل ويمنع الظلم ويعيد الثروة إلى أهلها.

ما بين الخطاب الرسمي والواقع المعاش مسافةٌ هائلة لا تخفى على أحد. فبينما تتغنّى الحكومة بمشروعاتها "العملاقة" وبـ"الانطلاقة الحقيقية"، يعيش ملايين المصريين تحت خط الفقر، يعانون الغلاء والبطالة وانعدام الأمل. والحقيقة أن هذه المعاناة لن تزول ما دامت مصر تسير في طريق الرأسمالية، تُسلِّم اقتصادها للمرابين وتخضع لسياسات المؤسسات الدولية.

إن أزمات ومشكلات مصر هي مشكلات إنسانية وليست مادية، وتتعلق بها أحكام شرعية تبين كيفية التعامل معها وعلاجها على أساس الإسلام، وإن الحلول أسهل من غض الطرف لكنها تحتاج إدارة مخلصة تملك إرادة حرة تريد السير في الطريق الصحيح وتريد الخير لمصر وأهلها حقا، وحينها على هذه الإدارة أن تراجع كل العقود التي أبرمت سابقا والتي تبرم مع كل الشركات التي تحتكر أصول البلاد وما هو من ملكياتها العام وعلى رأسها شركات التنقيب عن الغاز والنفط والذهب وباقي المعادن والثروات، وتطرد كل تلك الشركات لأنها في الأصل شركات استعمارية ناهبة لثروات البلاد، ثم تصوغ عهدا جديدا يقوم على تمكين الناس من ثروات البلاد وإنشاء أو استئجار شركات تقوم هي على إنتاج الثروة من منابع النفط والغاز والذهب وغيرها من المعادن وتعيد توزيع هذه الثروات على الناس من جديد، حينها سيتمكن الناس من زراعة الأرض الموات التي ستمكنهم الدولة من استغلالها بحقهم فيها، وسيتمكنون أيضا من صناعة ما يجب أن يصنع ليرتفع باقتصاد مصر ويكفي أهلها، وستدعمهم الدولة في هذا السبيل، وإن كل هذا ليس ضربا من الخيال ولا مستحيل الحدوث ولا مشروعا نعرضه للتجربة قد ينجح أو يفشل، وإنما هي أحكام شرعية لازمة ملزمة للدولة والرعية، فلا يجوز للدولة أن تفرط في ثروات البلاد التي هي ملك للناس بدعوى عقود أقرتها وأيدتها وتحميها قوانين دولية جائرة، ولا يجوز لها أن تمنع الناس منها بل يجب أن تقطع كل يد تمتد ناهبة إلى ثروات الناس، هذا ما يقدمه الإسلام ويجب تنفيذه، إلا أنه لا يطبق بمعزل عن باقي أنظمة الإسلام بل إنه لا يطبق إلا من خلال دولة الخلافة الراشدة على منهاج النبوة، هذه الدولة التي يحمل همها والدعوة إليها حزب التحرير ويدعو مصر وأهلها شعبا وجيشا إلى العمل معه من أجلها، عسى الله أن يكتب الفتح من عنده فنراها واقعا يعز الإسلام وأهله، اللهم عاجلا غير آجل.

﴿وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرَىٰ آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَفَتَحْنَا عَلَيْهِم بَرَكَاتٍ مِّنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ﴾

كتبه للمكتب الإعلامي المركزي لحزب التحرير

سعيد فضل

عضو المكتب الإعلامي لحزب التحرير في ولاية مصر