هل باتت المنظمات الدولية والحكومية مهددة بالتفكك؟
June 14, 2020

هل باتت المنظمات الدولية والحكومية مهددة بالتفكك؟

هل باتت المنظمات الدولية والحكومية مهددة بالتفكك؟


تضع الدول المبدئية أفكارها وتصوراتها ومفاهيمها حتى تصبح قوانين وأنظمة، فلا تكتفي بكون هذا المبدأ وما ينبثق عنه من قوانين وقواعد أساسية بأن يكون في داخل الدولة، بل ربما تعدى ذلك من الداخل إلى الخارج بحسب قوة الدولة المبدئية تلك، فالدول بحسب ما تملك من قوة تفرض قوانينها وأفكارها بما يحقق مصلحتها، وهذا السير طبيعي في حركة الدول والشعوب والأمم المبدئية، فمثلاً، دولة الخلافة لأزيد من عشرة قرون كانت الدولة الأولى في العالم ولم يكن لها منافس حقيقي يستطيع أن يكون نداً لها، وحتى في بعض أوقات تعثرها كانت هذه الأوقات لا تطول، فربما انتصر عليها عدوها في معركة ولكن الانتصار في الحرب في النهاية يكون لها، وكانت تفرض قوانينها في البر والبحر.


وبقي حال النظام العالمي تتفوق فيه دولة الخلافة حتى تمكن الكفار المستعمرون من وضع يدهم على الدولة الإسلامية، فقطعوها وبسطوا عليها قوانينهم وأنظمتهم، وكان النظام الدولي قُبيل هدم الخلافة بيد فرنسا وبريطانيا، أو إننا نستطيع أن نقول كانت هما الدولتين البارزتين في الموقف الدولي وإن كان لا يمنع وجود دول قوية مثل روسيا وأمريكا.


وبقي الحال هكذا حتى بدا لأمريكا بعد الحرب العالمية الثانية أن تعيد رسم النظام الدولي برمته، وأن تتوسل في سبيل ذلك بمنظمات وهيئات دولية، وهي في حقيقتها مؤسسات أمريكية ولا حظ لوصفها دولية في تغيير المعنى الحقيقي لها فهي مؤسسات تكاد تكون أمريكية بامتياز، فتم تأسيس البنك وصندوق النقد الدوليين بُعيد الحرب العالمية الثانية وبروز أمريكا قوة عظمى وحيدة في العالم سيما بعد معاهدة "بريتون وودز" التي كانت مقدمة لصياغة نظام دولي تقوده أمريكا.


ثم بعد سنتين أخذت أمريكا على عاتقها إعادة بناء ما دمرته الحرب في أوروبا بما يسمى "مشروع مارشال" والذي هو في حقيقته تغول للشركات الأمريكية في القارة الأوروبية، وإعطاؤها الامتيازات الخاصة في إعادة الإعمار، ثم بعد ذلك بسنتين أيضاً تم تأسيس منظمة الناتو.


فكانت هذه السنوات الخمس بحق هي بداية انطلاق أمريكا في العالم مالياً واقتصادياً وعسكرياً، وكان النظام الدولي بعد منتصف الخمسينات من القرن الماضي قد تشكل بحلته الجديدة، وليس مصادفة أن أمريكا بعد هذا التأسيس انطلقت في العالم انطلاق الثور في الحلبة الإسبانية، ففي سوريا انقلاب عسكري يقوده حسني الزعيم، وفي مصر انقلاب يقوده عبد الناصر، ثم في العراق انقلاب على عملاء الإنجليز ثم في إيران تتخلص من شاه الإنجليز وتأتي بخمينيها وبعدها تحتل أفغانستان والعراق. وكانت تستعين في أعمالها بالمنظمات التي سبق أنها ساهمت في تأسيسها ورعايتها الاقتصادية، ممثلة بالصندوق والبنك الدوليين ذراعها الاقتصادي، وفي المجال العسكري تمتطي الناتو والأمم المتحدة ومجلس الأمن لتحقيق مآربها العسكرية، وإلا فإنها تذهب منفردة ليتحقق لها ما تريد. فكانت كل المنظمات والهيئات الدولية والعسكرية والمالية هيئات ومنظمات أمريكية، أو للدقة كانت لأمريكا اليد الطولى في قراراتها وأنظمتها.


ولكن أمريكا قد بدأت تتراجع بعد ضربات كبيرة تلقتها، ففي الأمر العسكري خسرت التريليونات جراء حروب خاسرة في العراق وأفغانستان ولم ترجع منهما إلا بخفي حُنين وكان إخفاقها فيهما واضحاً، وفي المجال المالي والاقتصادي أصبح اقتصادها مترنحاً بعد أزمة الرهن العقاري، والتي ما زالت آثارها للآن.


وأمام هذه الضربات المتلاحقة أصبحت تلقي باللائمة على أيٍّ كان، فتارة تتحدث بالخلل في الميزان التجاري بينها وبين الصين وأوروبا، وبالتالي تهدد بالانسحاب من منظمة التجارة العالمية التي أسستها هي قبل عقدين ونصف العقد ووضعت قوانينها وفصلتها على مقاسها وأشركت بها ما يزيد على 150 دولة، بل تتهم المنظمة بأنها تحابي الصين في قوانينها، وتارة تهدد بتقليص الأموال التي تدفعها لحلف شمال الأطلسي بحجة أن أوروبا لا تدفع من ناتجها المحلي للناتو إلا القليل، وبالرغم من أن دولاً في غرب أوروبا زادت من النسبة التي تدفعها للمساهمة في ميزانية الناتو إلا أن أمريكا ما زالت غير راضية عن الطريقة التي يدار بها حلف الأطلسي.


ثم قبل أيام قلائل فتحت النار على منظمة الصحة العالمية فاتهمتها بتهمتها نفسها لمنظمة التجارة بأنها أي (الصحة العالمية) تُحابي الصين في قوانينها وأعلنت انسحابها منها، وأخيراً وربما ليس آخراً فإن ترامب تحدث باستهزاء عن كبار الدول المصنعة السبع (G7)، حيث قال بأنها دول عفا عليها الزمان، وهو يرغب بإشراك دول كانت تصنف ضمن الدول صاحبة الاقتصادات الناشئة، مثل: الهند وكوريا الجنوبية، وأيضاً يرغب بإشراك روسيا التي يعلم أن الدول الأوروبية لا تقبل بروسيا في مجموعة الـG7 وبخاصة بعد احتلال روسيا لشبه جزيرة القرم.


إن انقلاب أمريكا على الهيئات والمنظمات الدولية التي كانت تدير العالم بل تجبره على الالتزام بقوانينها من مثل منظمة الصحة العالمية التي انسحبت منها أو منظمة التجارة العالمية التي تتهمها أمريكا بمحاباة الصين وحتى الناتو الذي أسسته بيدها، إن كل ذلك مؤذن بتفكك هذه المؤسسات والهيئات التي جثمت على الصدور واستعمرت الشعوب لعقود خلت، وإن هذا التفكيك الذي بدأت بوادره تلوح في الأفق ويقوده الأحمق ترامب ربما يكون مقدمة لصياغة عالم جديد وبعلاقات دولية جديدة، وإن ما يحصل في أمريكا الآن من اضطرابات أفقدها صوابها فلم تعد تدري ما تفعل وترامبها الأحمق مرة يلقي باللائمة على منافسيه من الديمقراطيين ومرة يريد تعديل القوانين الداخلية ومرات يلقي باللوم على المنظمات والهيئات الدولية ويريد تعديل قوانين العالم ويخبط هو وحزبه خبط عشواء، ولا أظن أن تفلح أمريكا في إعادة صياغته ووضع قوانينه كما سبق لها وفعلت، فالاتحاد الأوروبي كان اتحاداً نصرانياً بامتياز وكانت أمريكا تقف وراءه بل وتدافع عنه بصفته اتحاداً وكانت بريطانيا جزءاً منه، ثم خرج علينا الأحمق ترامب ليعلن خلال استفتاء بريطانيا على الخروج من الاتحاد بأنه يفضل التعامل مع الدول الأوروبية بصفتها الفردية، فهو يعلن وبصراحة أنه مع تفكيك الاتحاد ويدعو الدول الأوروبية للخروج منه على غرار ما فعلت بريطانيا.


إن أي فراغ تُحدثه أمريكا أو يحدث طبيعياً، لن تملأه إلا دولة ليست من جنس قوانين وأنظمة الرأسمالية، فالنظام المالي والاقتصادي الذي صاغ الدنيا على مقاسه لعقود وعقود أصبح مستهلكاً.


فالحرية الاقتصادية التي عمادها (اتركه يمشي، دعه يمر) والتي هي عماد الحرية في نظام رأس المال قد ثبت إخفاقها، فالدول وعلى رأسها أمريكا تتدخل في الأسواق وتُسيرها، وإن النظرية التي تتوق (مدرسة شيكاغو) العمل على تطبيقها أو ما يسمى نظرية (النيو ليبرالية) التي جاءت انقلاباً على مدرسة كِنز بل على النقيض منها التي تمنع التدخل في الأسواق، قد ثبت إخفاقها وأصبحت نظرية من الماضي على الأقل من الناحية العملية، فإن الدولة لا بد لها من التدخل في سير الاقتصاد وضبط إيقاعاته وإلا فإن الدول ستتحول إلى دول فاشلة بعد أن يأكل الغني فيها الفقير.


وخلاصة القول، إن المبدأ الرأسمالي الذي تقف أمريكا على قمة هرمه لم يعد بالإمكان تعاهده والذود عنه، فقد أكل عليه الدهر وشرب، وإن نظاماً جديداً، وحصراً هو الإسلام ونظامه، هو القادر على حل كل المشاكل، الإسلام الذي يعترف بالملكيات الثلاث؛ ملكية للفرد وملكية للدولة وملكية توزع على كل من يحمل تابعية الدولة أو ما يُسمى بالملكية العامة، وبغير هذه الثلاث سيبقى الاقتصاد ونظريات توزيع المال بل والنظام الرأسمالي برمته عرضة للهزات التي لا فكاك منها، وإن نظريات السوق القديمة منها والحديثة لم تعد تفلح في ترميم الاقتصاد الرأسمالي، ولا يكون علاج مشكلة العالم إلا بدولة جديدة تحمل مبدأ جديداً، وليست إلا دولة الخلافة، هي القادرة على وضع القوانين التي تسعد البشرية وتنقذ ما يمكن إنقاذه من فساد القوانين والأنظمة الرأسمالية وتعيد صياغة العالم بعد أن تُري الدنيا عدل الإسلام ورقي أنظمته، فتفتح ذراعيها لاستقباله مشعل نور ومنارة خير.

كتبه للمكتب الإعلامي المركزي لحزب التحرير
الأستاذ خالد الأشقر (أبو المعتز بالله)

المزيد من القسم null

لا تنخدعوا بالأسماء فالعبرة بالمواقف لا بالأنساب

لا تنخدعوا بالأسماء فالعبرة بالمواقف لا بالأنساب

في كل مرة يُقدَّم لنا "رمز جديد" له جذور مسلمة أو ملامح شرقية، يهلل كثير من المسلمين، وتُبنى الآمال على وهمٍ اسمه "التمثيل السياسي" في نظامٍ كافر لا يعترف بالإسلام حكماً ولا عقيدةً ولا شريعةً.

نذكر جميعاً الفرح العارم الذي اجتاح مشاعر كثيرين عند فوز أوباما في 2008. فهو ابن كينيا، وله أب مسلم! وهنا توهم البعض أن الإسلام والمسلمين باتوا قريبين من النفوذ الأمريكي، لكن أوباما كان أحد أكثر الرؤساء إيذاءً للمسلمين فقد دمر ليبيا، وساهم في مأساة سوريا، وأشعل أفغانستان والعراق بطائراته وجنوده، بل كان سفاك الدماء في اليمن عبر أدواته وكان عهده استمراراً لعداء ممنهج ضد الأمة.

واليوم يتكرر المشهد، لكن بأسماء جديدة. فـزوهران ممداني يُحتفى به لأنه مسلم ومهاجر وشاب، وكأنه المنقذ! لكن قليلين فقط ينظرون إلى مواقفه السياسية والفكرية. هذا الرجل من الداعمين الأشداء للشواذ المثليين، ومشارك في فعالياتهم، ويعتبر انحرافهم حقوقاً إنسانية!

أي خزي هذا يُعلق عليه الناس آمالاً؟! ألم يكن تكراراً للخيبة السياسية والفكرية نفسها التي وقعت فيها الأمة مراراً وتكراراً؟! نعم لأنها تُفتن بالشكل لا بالجوهر! تُخدع بالابتسامات، وتتعامل بالعاطفة لا بالعقيدة، وبالأسماء لا بالمفاهيم، وبالرموز لا بالمبادئ!

إن هذا الانبهار بالأشكال والأسماء نتيجة غياب الوعي السياسي الشرعي، لأن الإسلام لا يقاس بالأصل أو الاسم أو العرق، بل بالالتزام بمبدأ الإسلام كاملاً؛ نظاماً وعقيدةً وشريعةً. ولا قيمة لمسلم لا يحكم بالإسلام ولا ينصره، بل يخضع للنظام الرأسمالي الكافر، ويبرر الكفر والانحرافات باسم "الحرية".

وليعلم جميع المسلمين الذين فرحوا بفوزه وظنّوا أنه بذرة خير أو بداية نهوض، أن النهوض لا يكون من داخل أنظمة الكفر، ولا بأدواتها، ولا عبر صناديق اقتراعها، ولا تحت سقف دساتيرها.

فمن يُقدّم نفسه عبر النظام الديمقراطي، ويقسم على احترام قوانينه، ثم يدافع عن الشذوذ الجنسي ويحتفل به، ويدعو إلى ما يغضب الله، فهو ليس نصيراً للإسلام ولا أملاً للأمة، بل هو أداة تلميع وتمييع، وتمثيل مزيّف لا يُقدّم ولا يؤخر.

إن ما تسمى النجاحات السياسية في الغرب لبعض الشخصيات ذات الأسماء الإسلامية، ما هي إلا فُتات يُقدَّم كمسكنات للأمة، ليقال لها: انظروا، التغيير ممكن عبر أنظمتنا.

 فما حقيقة هذا "التمثيل"؟

الغرب لا يفتح أبواب الحكم للإسلام، بل يفتحها فقط لمن يتماهى مع قيمه وأفكاره. وأي شخص يدخل نظامهم لا بد أن يقبل بدستورهم، وبقوانينهم الوضعية، وأن يتنكر لحكم الإسلام، فإن رضي بذلك، أصبح نموذجاً مقبولاً، أما المسلم الحق، فهو مرفوض عندهم من جذوره.

فمن هو زهران ممداني؟ ولماذا يُصنع هذا الوهم؟

هو شخص يحمل اسماً مسلماً لكنه متبنٍ لأجندة منحرفة مخالفة تماماً لفطرة الإسلام، من دعم المثليين، والترويج لما يُسمى بـ"حقوقهم"، وهو نموذج حي لكيف يصنع الغرب نماذجه: مسلم بالاسم، علماني بالفعل، خادم لأجندة الليبرالية الغربية لا أكثر. بل لإشغال الأمة عن طريقها الحقيقي، فبدل أن تطالب بدولة الإسلام والخلافة، تنشغل بالمقاعد النيابية والمناصب في أنظمة كفر! وبدل أن تتوجه لتحرير فلسطين، تنتظر مَن "يدافع عن غزة" من داخل الكونغرس الأمريكي أو البرلمان الأوروبي!

فحقيقة الأمر أن هذا تشويه لطريق التغيير الحقيقي، وهو إقامة الخلافة الراشدة على منهاج النبوة، التي تُعلي راية الإسلام، وتقيم شرع الله، وتوحد الأمة خلف خليفة واحد يُقاتل من ورائه ويُتقى به.

فلا تنخدعوا بالأسماء، ولا تفرحوا بمن ينتمي لكم شكلاً ويخالفكم مضموناً، فليس كل من حمل اسم سعيد أو علي أو زهران هو على طريق نبينا محمد ﷺ.

واعلموا أن التغيير لا يأتي من داخل برلمانات الكفر، بل من جيوش الأمة التي آن لها أن تتحرك، ومن شبابها الواعين الذين يعملون ليلا ونهارا لقلب الطاولة على رؤوس الغرب وأعوانه وأتباعه الخائنين في بلاد الإسلام والمسلمين.

فالمسلمون لن ينهضوا عبر انتخابات الديمقراطية ولا من خلال صناديق الغرب، بل بنهضة حقيقية على أساس العقيدة الإسلامية، بإقامة دولة الخلافة الراشدة التي تُعيد للإسلام مكانته، وللمسلمين عزّتهم، وتحطم أوهام الديمقراطية.

لا تنخدعوا بالأسماء، ولا تعلقوا آمالكم على أفراد في أنظمة كفر، بل ارجعوا إلى مشروعكم العظيم: استئناف الحياة الإسلامية، فهذا وحده طريق العزة والنصر والتمكين.

فالمشهد تكرار مُهين لمآسٍ قديمة: رموز مزيفة، وولاء للأنظمة الغربية، وانحراف عن طريق الإسلام. وكل من يُصفّق لهذا المسار، إنما يضلل الأمة. فعودوا إلى مشروع الخلافة، ولا تجعلوا أعداء الإسلام يصنعون لكم قادتكم وممثليكم. فالعزة ليست في مقاعد الديمقراطية، بل في سدة الخلافة التي يعمل لها حزب التحرير ويُحذر الأمة من هذا الانحدار الفكري والسياسي. فلا خلاص لنا إلا بدولة الخلافة، التي لا تسمح بأن يحكم المسلمين من يدين بدين غير الإسلام، ولا بمن يبرر الشذوذ والانحراف، ولا بمن يُشرّع للناس غير ما أنزل الله.

كتبه لإذاعة المكتب الإعلامي المركزي لحزب التحرير

عبد المحمود العامري – ولاية اليمن

مصر بين الشعارات الحكومية والواقع المرّ  الحقيقة الكاملة عن الفقر، والسياسات الرأسمالية

مصر بين الشعارات الحكومية والواقع المرّ

الحقيقة الكاملة عن الفقر، والسياسات الرأسمالية

نقلت بوابة الأهرام الثلاثاء 4 تشرين الثاني/نوفمبر 2025م، أن رئيس الوزراء المصري، في كلمة ألقاها نيابةً عن الرئيس في القمة العالمية الثانية للتنمية الاجتماعية في العاصمة القطرية الدوحة، قال إنّ مصر تطبّق نهجاً شاملاً للقضاء على الفقر في جميع أشكاله وأبعاده، بما في ذلك "الفقر متعدد الأبعاد".

منذ سنوات، لا يكاد يخلو خطاب رسمي في مصر من عباراتٍ مثل "نهج شامل للقضاء على الفقر" و"الانطلاقة الحقيقية للاقتصاد المصري". يكرّر المسؤولون هذه الشعارات في المؤتمرات والمناسبات، مصحوبة بصور براقة لمشروعات استثمارية وفنادق ومنتجعات. لكن الواقع، كما تشهد عليه التقارير الدولية، مختلف تماماً. فالفقر في مصر ما زال ظاهرةً راسخة، بل متفاقمة، رغم الوعود الحكومية المتكرّرة بالتحسن والنهضة.

بحسب تقارير اليونيسف والإسكوا وبرنامج الغذاء العالمي لعامي 2024 و2025، يعيش نحو واحد من كل خمسة مصريين في فقرٍ متعدد الأبعاد، أي محروم من أكثر من جانب من جوانب الحياة الأساسية كالتعليم والصحة والسكن والعمل والخدمات. كما تؤكد البيانات أن أكثر من 49% من الأسر تعاني من صعوبات في الحصول على غذاء كافٍ، وهو رقم صادم يعكس عمق الأزمة المعيشية.

أما الفقر المالي، أي انخفاض الدخل مقارنة بتكاليف المعيشة، فقد ارتفع بصورة حادة، نتيجة موجات التضخم المتلاحقة التي أكلت أجور الناس وجهودهم ومدخراتهم، حتى أصبحت نسبة كبيرة من المصريين تحت خط الفقر المالي رغم عملهم الدائم.

وبينما تتحدث الحكومة عن مبادرات مثل "تكافل وكرامة" و"حياة كريمة"، تكشف الأرقام الدولية أن هذه البرامج لم تغيّر بنية الفقر جذرياً، بل اقتصرت على مسكّنات مؤقتة أشبه بالقطرة التي تُسكب في صحراء. فما زال الريف المصري الذي يقطنه أكثر من نصف السكان، يعاني من ضعف الخدمات وانعدام فرص العمل اللائق وتهالك البنية الأساسية. ويؤكد تقرير الإسكوا أن الحرمان في الريف يفوق نظيره في المدن بعدة أضعاف، ما يدل على سوء توزيع الثروة والإهمال المزمن للأطراف.

حين يشكر رئيسُ الوزراء ابنَ البلد "الذي تحمّل مع الحكومة إجراءات الإصلاح الاقتصادي"، فإنه في الواقع يُقرّ بوجود معاناة حقيقية ناتجة عن تلك السياسات. غير أن هذا الاعتراف لا يتبعه تغيير في المنهج، بل مزيد من السير في الطريق الرأسمالي نفسه الذي سبّب الأزمة.

فالإصلاح المزعوم الذي بدأ عام 2016 ببرنامج "التعويم" ورفع الدعم وزيادة الضرائب، لم يكن إصلاحاً بل تحميلاً للفقراء كلفة الديون والعجز. وفي الوقت الذي يتحدث فيه المسؤولون عن "الانطلاقة"، تتجه الاستثمارات الضخمة إلى العقارات الفاخرة والمشروعات السياحية التي تخدم أصحاب رؤوس الأموال، بينما لا يجد ملايين الشباب فرصاً للعمل أو السكن. بل إن كثيراً من هذه المشاريع، كمنطقة علم الروم في مطروح التي تُقدّر استثماراتها بـ29 مليار دولار، هي شراكات رأسمالية أجنبية تستحوذ على الأراضي والثروات وتحوّلها إلى مصدر ربح للمستثمرين، لا مصدر رزق للناس.

النظام يفشل ليس لأنه فاسد فحسب، بل لأنه يسير على أساسٍ فكريٍّ باطلٍ هو النظام الرأسمالي، الذي يجعل المال محوراً لكل سياسات الدولة. فالرأسمالية تقوم على حرية التملك المطلقة، وتسمح بتكديس الثروة في يد القلة التي تملك أدوات الإنتاج، فيما تتحمل الكثرة عبء الضرائب والأسعار والدَّين العام.

ولهذا، فإن كل ما يُسمى "برامج حماية اجتماعية" ما هو إلا محاولة لتجميل وجه الرأسمالية الوحشي، وإطالة عمر نظامٍ جائرٍ يراعي الأغنياء ويجبي من الفقراء. فبدلاً من معالجة أصل الداء؛ أي احتكار الثروة وتبعية الاقتصاد للمؤسسات الدولية، يُكتفى بتوزيع فتات من الإعانات النقدية، لا ترفع فقراً ولا تحفظ كرامة.

إن الرعاية ليست منّةً من الحاكم على الرعية، بل واجب شرعي، ومسؤولية يحاسبه الله عليها في الدنيا والآخرة. وما يجري اليوم، هو إهمال متعمّد لشؤون الناس، وتخلٍّ عن واجب الرعاية لصالح قروضٍ مشروطة من صندوق النقد والبنك الدوليين.

لقد أصبحت الدولة وسيطاً بين الفقير والدائن الأجنبي، تفرض الضرائب وتقلّص الدعم وتبيع الممتلكات العامة لسدّ عجزٍ متضخم صنعه النظام الرأسمالي نفسه. وفي هذا كله تغيب المفاهيم الشرعية التي تضبط الاقتصاد، كتحريم الربا، ومنع تملك الثروات العامة للأفراد، ووجوب النفقة على الرعية من بيت مال المسلمين.

لقد قدم الإسلام نظاماً اقتصادياً متكاملاً يعالج الفقر من جذوره، لا بمجرد دعمٍ نقدي أو مشروعات تجميلية. هذا النظام يقوم على أسسٍ شرعيةٍ ثابتة أبرزها:

1- تحريم الربا والديون الربوية التي تُكبّل الدولة وتستنزف مواردها، فبزوال الربا تزول تبعية الاقتصاد للمؤسسات الدولية، وتُعاد السيادة المالية للأمة.

2- جعل الملكيات ثلاثة أنواع:

ملكية فردية: كالبيوت والمتاجر والمزارع الخاصة...

ملكية عامة: تشمل الثروات الكبرى كالنفط والغاز والمعادن والمياه...

ملكية دولة: كأراضي الفيء والركاز والخراج...

وبهذا التوزيع تتحقق العدالة، إذ تُمنع فئة قليلة من احتكار موارد الأمة.

3- ضمان الكفاية لكل فرد من الرعية: فالدولة تضمن لكل إنسان في رعايتها حاجاته الأساسية من مأكل وملبس ومسكن، فإن عجز عن العمل وجب على بيت المال أن ينفق عليه.

4- الزكاة والإنفاق الإلزامي: الزكاة ليست إحساناً بل فريضة، تجمعها الدولة وتصرفها في مصارفها الشرعية للفقراء والمساكين والغارمين. وهي أداة توزيع فعّالة تعيد الأموال إلى دورة الحياة في المجتمع.

مع التحفيز على العمل المنتج ومنع الاستغلال، والحثّ على استثمار الموارد في مشاريع نافعة حقيقية كالصناعات الثقيلة والحربية لا في المضاربات والعقارات الفاخرة والمشاريع الوهمية. إلى جانب ضبط الأسعار بالعرض والطلب الحقيقيين لا بالاحتكار ولا بالتعويم.

إن دولة الخلافة على منهاج النبوة هي وحدها القادرة على تطبيق هذه الأحكام عملياً، لأنها تُبنى على أساس العقيدة الإسلامية، ويكون هدفها رعاية شؤون الناس لا جباية أموالهم. ففي ظل الخلافة، لا يوجد ربا ولا قروض مشروطة، ولا بيع للثروات العامة للأجانب، بل تُدار الموارد بما يحقق مصلحة الأمة، ويتولى بيت المال تمويل الرعاية الصحية والتعليم والمرافق العامة من موارد الدولة والخراج والأنفال والملكية العامة.

أما الفقراء، فتُكفل حاجاتهم الأساسية فرداً فرداً، لا عبر صدقات مؤقتة بل كحقٍّ شرعي مضمون. ولذا فإن محاربة الفقر في الإسلام ليست شعاراً سياسياً، بل نظام حياة متكامل يُقيم العدل ويمنع الظلم ويعيد الثروة إلى أهلها.

ما بين الخطاب الرسمي والواقع المعاش مسافةٌ هائلة لا تخفى على أحد. فبينما تتغنّى الحكومة بمشروعاتها "العملاقة" وبـ"الانطلاقة الحقيقية"، يعيش ملايين المصريين تحت خط الفقر، يعانون الغلاء والبطالة وانعدام الأمل. والحقيقة أن هذه المعاناة لن تزول ما دامت مصر تسير في طريق الرأسمالية، تُسلِّم اقتصادها للمرابين وتخضع لسياسات المؤسسات الدولية.

إن أزمات ومشكلات مصر هي مشكلات إنسانية وليست مادية، وتتعلق بها أحكام شرعية تبين كيفية التعامل معها وعلاجها على أساس الإسلام، وإن الحلول أسهل من غض الطرف لكنها تحتاج إدارة مخلصة تملك إرادة حرة تريد السير في الطريق الصحيح وتريد الخير لمصر وأهلها حقا، وحينها على هذه الإدارة أن تراجع كل العقود التي أبرمت سابقا والتي تبرم مع كل الشركات التي تحتكر أصول البلاد وما هو من ملكياتها العام وعلى رأسها شركات التنقيب عن الغاز والنفط والذهب وباقي المعادن والثروات، وتطرد كل تلك الشركات لأنها في الأصل شركات استعمارية ناهبة لثروات البلاد، ثم تصوغ عهدا جديدا يقوم على تمكين الناس من ثروات البلاد وإنشاء أو استئجار شركات تقوم هي على إنتاج الثروة من منابع النفط والغاز والذهب وغيرها من المعادن وتعيد توزيع هذه الثروات على الناس من جديد، حينها سيتمكن الناس من زراعة الأرض الموات التي ستمكنهم الدولة من استغلالها بحقهم فيها، وسيتمكنون أيضا من صناعة ما يجب أن يصنع ليرتفع باقتصاد مصر ويكفي أهلها، وستدعمهم الدولة في هذا السبيل، وإن كل هذا ليس ضربا من الخيال ولا مستحيل الحدوث ولا مشروعا نعرضه للتجربة قد ينجح أو يفشل، وإنما هي أحكام شرعية لازمة ملزمة للدولة والرعية، فلا يجوز للدولة أن تفرط في ثروات البلاد التي هي ملك للناس بدعوى عقود أقرتها وأيدتها وتحميها قوانين دولية جائرة، ولا يجوز لها أن تمنع الناس منها بل يجب أن تقطع كل يد تمتد ناهبة إلى ثروات الناس، هذا ما يقدمه الإسلام ويجب تنفيذه، إلا أنه لا يطبق بمعزل عن باقي أنظمة الإسلام بل إنه لا يطبق إلا من خلال دولة الخلافة الراشدة على منهاج النبوة، هذه الدولة التي يحمل همها والدعوة إليها حزب التحرير ويدعو مصر وأهلها شعبا وجيشا إلى العمل معه من أجلها، عسى الله أن يكتب الفتح من عنده فنراها واقعا يعز الإسلام وأهله، اللهم عاجلا غير آجل.

﴿وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرَىٰ آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَفَتَحْنَا عَلَيْهِم بَرَكَاتٍ مِّنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ﴾

كتبه للمكتب الإعلامي المركزي لحزب التحرير

سعيد فضل

عضو المكتب الإعلامي لحزب التحرير في ولاية مصر