هل نقطف الورود من الثورة غير الواعية؟
February 07, 2020

هل نقطف الورود من الثورة غير الواعية؟

هل نقطف الورود من الثورة غير الواعية؟

تراكمت عشرات من سني الاستعباد والظلم الشديد على أهل السودان شأنهم شأن جميع شعوب العالم الإسلامي من حكامهم الجائرين الذين خانوا الله وبددوا ثروات الأمة وحافظوا على مصالح دول الاستعمار فكان أمراً حتميا أن يثور الناس... صحيح أن الأمة ثارت ولكن عدم الوعي السياسي الذي شاب الثورات بما فيها ثورة السودان جعلها لا تأتي بالنتائج المرجوة بل نستطيع أن نقول إن قبل الثورة ربما كان الأفضل بالمقاييس النسبية في معاش الناس والأمن والأمان، ولربما حال ثورة كانون الأول/ديسمبر المختطفة يحاكي حال جميع ما عرف بثورات الربيع العربي؛ ثورة غير واعية، والنتيجة التفاف الغرب عليها وإنتاج عملاء يؤدون أدوار العمالة والنذالة نفسها، ولنا في السودان أن نتساءل ماذا حققت الثورة بعد كل التضحيات؟ ولماذا انحرفت بوصلتها بكل هذا القدر؟ الحقيقة أننا نحتاج ثورة لنصحح أخطاء الثورة.

ثورة السودان تتراكم فيها الأخطاء منذ أن سمح للمتظاهرين بالتسرب إلى محيط القيادة العامة رغم الاحتياطات الأمنية، وذلك بتخطيط مدير جهاز الأمن السابق صلاح قوش، ثم من بعدُ بفض الاعتصام باتفاق العسكر وقوى الحرية والتغيير، وتكثر الانحرافات التي جميعها تفت في عضد الثورة حتى أجهزت عليها، ويمكن أن نناقش لاحقا أهم المشكلات التي قامت الثورة من أجل حلها فوجدنا الحلول نفسها التي انتهجتها الحكومة السابقة وأهمها الناحية الاقتصادية وملف السلام والأمن، فلماذا انطبق علينا المثل "كأنك يا أبا زيد ما غزيت"؟!

أما التأييد الكبير لحكومة حمدوك فما هو إلا ردة فعل على ما ذاقوه من ظلم رغم تصريحات المسؤولين التي تتغنى بالعلمانية وتعادي الإسلام وتتبنى الحل السياسي الغربي دون مواربة (المدنية هي الحل)، ويصبح هذا الحل الخبيث سقفاً للثورة وتضيع المطالب الأساسية للثورة وتختزل في (شكراً حمدوك)! عبارة تتكرر في كل مكان رغم المعاناة ليتضح أن هناك مرضا هو تبجيل الشخصيات الذي يجعل من الجمهور مجرد مصفقين مؤيدين رغم كل الشقاء.

عندما لا تدرك الجماهير الثائرة وجود مشروع واضح وهدف بَيّن وطريق للوصول إليه، وعندما لا نفكر كيف تسقط الأنظمة وكيف تقام الدول، فنسير وفق ما يرسمه لنا أعداؤنا، فلا نسأل لماذا لم يحدث تغيير؟ فمنذ اليوم الأول للاعتصام تكالبت دول الغرب تخطط وترسم وتغري إلى أن حققت مرادها بالمحاصصات بين من عرفوا بالمدنيين والعسكر وسلكوا سويا الطريق التي يظنون أنها الخلاص وهي الهلاك المبين الذي أهلك الأنظمة السابقة، وهكذا حولوا أنفسهم لأدوات لتحقيق أهداف ومصالح الاستعمار، ويكفي دليلا لقاء البرهان بنتنياهو في عنتبي في حرق للمراحل التي سيقطفون ثمارها المُرّة قريبا.

إن المطلوب هو معرفة المشروع أولا ثم التضحية في سبيله، لكن انعكس الوضع ثم أتى في سدة الحكم مسؤولون يتبنون العلمانية بشكلها الفج ليعلنوا مقاطعتهم لكل ما هو إسلامي بحجة أنه إرث الكيزان تجار الدين!!! دون تفريق بين النظام الساقط والإسلام الذي من حاربه حاربه الله، وهكذا أصبحت الحكومة ما بعد الثورة ناراً تأكل بعضها وتسارع لإهلاك نفسها.

بالأمس أودع وزير العدل حزمة قوانين للتعديل منضدة مجلس الوزراء للإجازة، أهمها المواد الردة 152 و153 و154 وسماها القوانين المقيدة للحريات، وهي أحكام شرعية، ونتيجة لعدم الوعي السياسي للثورة أصبح العلمانيون نزلاء الفنادق ورواد السفارات ممثلين سياسيين للثورة وناطقين باسم أهل السودان وحكاما من بعض هؤلاء المنفصلين عن جسد الأمة لا بد أن تعي الأمة على واقعهم وحينها سيقذفون في هاوية سحيقة.

هؤلا المسؤولون بالغوا في إبداء حسن النوايا والوداعة والتبعية بالارتماء في أحضان الغرب، ووفود المسؤولين تحج إلى أمريكا وأوروبا في رحلات مكوكية لا تهدأ متوهمين أن حل مشاكلنا هو بأيدي أعدائنا من الدول الغربية وأممها المتحدة والدول الإقليمية والغربية لدرجة يفقد المسؤولون قرارهم، وتصبح قراراتهم آتية من وراء البحار في الناحية الاقتصادية والأمنية وكل مفاصل الحكم.

ولو عرضنا للمشاكل الأساسية التي قامت الثورة لحلها لوجدنا أن الأمور تسير في اتجاه التعقيد، والحلول نفسها التي انتهجتها حكومة الإنقاذ: منها الناحية الاقتصادية: أكّد وزير المالية والتخطيط الاقتصادي إبراهيم البدوي، مُضِي وزارته في سياسة رفع الدعم عن المحروقات تدريجياً على مدار 18 شهراً، تبدأ من آذار/مارس المقبل. وقال البدوي بحسب صحيفة "ديلي تلغراف" البريطانية، إنّ السودان يَمضِي قُدُماً بخُطة اقتصادية طموحة ستخفض الدعم وتستبدله بمدفوعات نقدية مُباشرة للفقراء، مع وضع جدول زمني من أجل إنفاذ الإصلاحات الاقتصادية التي يسعى إليها المقرضون الدوليون، وأشار إلى أنّ الخُطة الآن تَهدف لرفع دعم الوقود تَدريجياً، والذي يشغل 36% من ميزانية البلاد، وأوضح أنّه سيتم إزالة دعم البنزين أولاً بداية آذار/مارس، قبل مُعالجة الدعم المتعلِّق بالجازولين مُنتصف العام والاستمرار في النهج ذاته العام المقبل، وقال البدوي إن الدفع النقدي المباشر للأُسر الفقيرة من خلال البنوك أو تحويلات الهواتف النقّالة، يُمكن أن يُساعد في تَخفيف صَدمة الإصلاحات، وأضاف: بالرغم من أنّ الحكومة تحتاج إلى ستة أشهر لتحديد الأسر الفقيرة بالبلاد، إلا أن حوالي 4.5 مليون شخص سيبدأون تلقِّي الأموال قَريباً كجُزءٍ من مجموعة تجريبية، وقال: "نعتقد أنه إذا تمكّنا من القيام بذلك، فسيكون بديلاً قابلاً للتطبيق وذا مصداقية للغاية سوف يستهدف الفقراء، وسيعزِّز قضية السلام ويُغيِّر بالفعل العقد الاجتماعي"، ووصف الموقع، القيادة السودانية الجديدة بأنها تبحر في انتقالٍ عسيرٍ إلى الحكم المدني. (صحيفة الصيحة، 30 كانون الثاني/يناير 2020م).

إن هذه السياسة التي تسمى سياسة الإصلاح الاقتصادي، والتي تتمثل في رفع الدعم عن السلع، وتحرير سعر العملة، وخفض الإنفاق الحكومي (عدم إنفاق الدولة على الخدمات من صحة وتعليم وغيرهما)، ما هي إلا روشتة يقدمها صندوق النقد الدولي بشكل ثابت ودوري، فقد قدمها لمصر والأردن والجزائر وتونس... والقائمة تطول، وقد درج الصندوق أن يقدمها للسودان سنوياً، مستبقاً الميزانية السنوية، فقد ذكر بيان أصدره صندوق النقد الدولي في حزيران/يونيو 2011م "أن السودان أقام تعاوناً جيداً مع صندوق النقد على مدى أكثر من عقد من الزمان، كما يعمل موظفو الصندوق بشكل وثيق مع السلطات لرصد التقدم في تنفيذ برنامج اقتصادي، من خلال الأهداف والمعايير الهيكلية". (رماة الحدق الإلكترونية).

هذه سياسة خبيثة تتحكم فيها الدول الكبرى لرسم سياسات الدول الضعيفة، كما اعترف بذلك كبار موظفي صندوق النقد الدولي والبنك الدولي، حيث اعترف كل من وزير خارجية أمريكا السابق، لورانس إيغل بيرجر، ورئيس صندوق النقد الدولي ميشيل كامديسوس، اعترفا بأنهما استخدما الصندوق للإطاحة بنظام سوهارتو عن طريق فرض سياسة تعويم العملة، وحرمانه من القروض إن لم يقبل بهذه السياسة، فخضع سوهارتو للطلب، وتم تعويم العملة فأطيح به. هل هذه الحكومة الجديدة تمتلك أدنى صفة من صفات الرشاد وهي تسير في اتجاه من سبقها نفسه؟؟ وتمعن في الضلالة، فقد تشكلت مجموعة ما يسمى "أصدقاء السودان" في العاصمة الألمانية برلين، في حزيران/يونيو 2019م، عقب الإطاحة بنظام البشير وقيل إن المجموعة تشكلت من أجل مساعدة السودان على تجاوز الأزمة الاقتصادية، وكان الاجتماع الأخير بالخرطوم يوم الأربعاء 2019/12/11م بقاعة الصداقة، بمشاركة 24 دولة على رأسها أمريكا وفرنسا، وبريطانيا، وألمانيا، والنرويج، وغيرها من الدول التابعة مثل السعودية والإمارات وإثيوبيا، وغيرها، بالإضافة لممثلين عن الأمم المتحدة والاتحاد الأفريقي، وقد خاطب رئيس الوزراء السوداني حمدوك الجلسة الافتتاحية، داعياً المجتمع الدولي للوقوف إلى جانب بلاده، ومعالجة الاحتياجات العاجلة للفترة الانتقالية، وقال "إن الأولويات تتمثل في معالجة الاقتصاد وإعادة هيكلة المؤسسات، واسترداد الأموال المنهوبة، وخلق فرص لتوظيف الشباب"، وتابع "أدعوكم أن نعمل سويا وأطلب من الشركاء أن يقفوا موحدين معنا لمعالجة المطلوبات العاجلة وطويلة الأجل للأزمات وخاصة الاقتصادية".

وللأسف فإن حمدوك الذي وقف أمام هذه المجموعة متسولاً طالباً منها العون، هو نفسه حمدوك مساء أدائه القسم رئيساً لوزراء السودان للفترة الانتقالية وفي أول مقابلة له مع فضائية سكاي نيوز العربية الأربعاء 2019/8/21م قال: "سنعمل على معالجة الأزمة الاقتصادية، وبناء اقتصاد وطني يقوم على الإنتاج وليس الهبات والمعونات"، مضيفاً "نحن بلد غني نستطيع الاعتماد على مواردنا الذاتية"، فعلا السلطة لها أثر في تغيير الثوابت في هذا الزمان.

أما الأمن والأمان وما يعرف بالسلام فحدث ولا حرج؛ يسيطر على طاقم التفاوض من لم تزل أيديهم ملطخة بدماء الأبرياء في السودان واليمن وليبيا، ورئيس الوفد محمد حمدان وأعضاء الوفد كباشي وياسر العطاء مطعمين الوفد بالتعايشي ناطق رسمي للوفد مما يدل على سيطرة العسكر الذين هم الحكام الفعليون للسودان لمصلحة أمريكا.

تم توقيع اتفاق مع عرمان وعقار تعنت الحلو وهو متمرد على عقار وعرمان وأخذ لجانبه قادة الحركة، مع ذلك شراء الذمم يعيد 70 منه إلى مالك عقار رغم تنازع هؤلاء وسهولة السيطرة عليهم لكن الحكومة تسترضيهم وتمنحهم مكانا ليسوا بأهله وهم في الحقيقة مكانهم أن يحاسبوا على جرائمهم لكونهم أدوات تمزق هذا البلد مدعومة من الدول الاستعمارية التي تسيطر على المفاوضات وترجح كفتهم، وتقوم الحكومة الانتقالية بالعقلية نفسها التي استخدمها البشير وهي تقديم تنازلات لجني ثمار مُرّة لما يعرف بالسلام الذي يخطط له الغرب لإيصال رجاله لسدة الحكم لا لحل مشكلة ولا معالجة أزمة، فماذا قدم سلام الجنوب؟؟

أما زيارة حمدوك لكاودا فقد أظهرت منتهى الذل والصغار؛ فقد أقلته طائرة برنامج الغذاء العالمي ولم يسمح له باصطحاب والي المنطقة، وفي كاودا ذات الجيش رفرف علم الحركة الشعبية ولم نر خرقة ترفع للسودان!

حمدوك الذي قال من أول يوم نحن ليس لنا سقف في المفاوضات لتحقيق السلام، وهذا ما جعل الحلو يفرض وجهة نظره بفصل الدين عن الحياة وهو يعلم أن رئيس الوزراء موافق عليها مسبقا وهم جميعا مسيرون بأمر الغرب الذي أشرف على اللقاء بوجود كثيف.

أما التفلتات الأمنية في رأس السنة والقتل والعصابات المنتشرة فكأنما الشرطة أصبحت في دور المتفرج، والأخطر من ذلك هو تمرد هيئة العمليات الذي كاد أن يفضي إلى إشعال الخرطوم نارا لولا لطف الله، أحداث إطلاق النار الذي قامت به قوات هيئة العمليات بجهاز المخابرات السوداني، يوم 2020/1/14م، والفوضى التي أدخلت الرعب والهلع في نفوس أهل الخرطوم، وبخاصة مناطق كافوري ببحري، والرياض، وسوبا، حيث بدأت الفوضى بإطلاق أعيرة نارية في الهواء بكثافة، أجبرت الجيش على التدخل، فقاموا بإغلاق بعض الطرق المؤدية إلى أماكن الأحداث.

قام البشير بدعم هيئة العمليات التي وصل عدد قواتها إلى 14 ألف عنصر، بتسليح حديث، وتدريب عالي المستوى، حتى أصبحت قوة توازي الجيش، عدة وعتاداً، كما صرح بذلك البرهان قائلاً: "إن الهيئة تمتلك أسلحة لا يمتلكها الجيش"، هذه القوات المتعددة القيادات جيش ودعم سريع وهيئة عمليات وغيرها لم توجد عبثا لكنها في أي لحظة ستكون وبالاً على بعضها والنتيجة هي الفوضى والتقاتل، وما يحدث باختصار هو صراع دولي تغيب فيه الأمة تماما يستخدم كل الأدوات العملاء والعسكريين حتى علماء ومثقفين على أرضنا أرض المسلمين والغرب يدير هذا الصراع ليبقي جذوته تحرق كل ما ينفع الأمة ويرفعها، والأمة تقع بين مطرقة عدم الوعي السياسي وسندان ضغط الواقع الذي يفقدها مجرد التفكر.

إن الثورة الحقيقية المنتجة ليست مجرد عمل عسكري أو مجرد مسيرات ومظاهرات واحتجاجات، بل هي ثورة مفاهيم قبل أنْ تكون عملية تغيير للأوضاع والهياكل والأنظمة، وهي ثورة سياسية فكرية تستند على مبدأ صحيح صالح لإحداث التغيير ولنا في رسول الله أسوة؛ فقد كانت ثورته أنجح ثورة على الباطل حمل فيها وصحابته مشروع الإسلام حتى تحقق لهم إقامة دولة الإسلام في المدينة؛ دولة مبدئية تقوم على أساس لا إله إلا الله، محمد رسول الله، مبدأ يقوم على عقيدة تنبثق عنها أنظمة تحدد شكل الدولة، وأجهزتها باعتبارها أحكاماً شرعية تنظم حياة الناس، ما أوجد الأمن والاستقرار والنهوض والتقدم، ولمثل هذا فليعمل العاملون.

كتبته للمكتب الإعلامي المركزي لحزب التحرير

غادة عبد الجبار (أم أواب)

المزيد من القسم null

لا تنخدعوا بالأسماء فالعبرة بالمواقف لا بالأنساب

لا تنخدعوا بالأسماء فالعبرة بالمواقف لا بالأنساب

في كل مرة يُقدَّم لنا "رمز جديد" له جذور مسلمة أو ملامح شرقية، يهلل كثير من المسلمين، وتُبنى الآمال على وهمٍ اسمه "التمثيل السياسي" في نظامٍ كافر لا يعترف بالإسلام حكماً ولا عقيدةً ولا شريعةً.

نذكر جميعاً الفرح العارم الذي اجتاح مشاعر كثيرين عند فوز أوباما في 2008. فهو ابن كينيا، وله أب مسلم! وهنا توهم البعض أن الإسلام والمسلمين باتوا قريبين من النفوذ الأمريكي، لكن أوباما كان أحد أكثر الرؤساء إيذاءً للمسلمين فقد دمر ليبيا، وساهم في مأساة سوريا، وأشعل أفغانستان والعراق بطائراته وجنوده، بل كان سفاك الدماء في اليمن عبر أدواته وكان عهده استمراراً لعداء ممنهج ضد الأمة.

واليوم يتكرر المشهد، لكن بأسماء جديدة. فـزوهران ممداني يُحتفى به لأنه مسلم ومهاجر وشاب، وكأنه المنقذ! لكن قليلين فقط ينظرون إلى مواقفه السياسية والفكرية. هذا الرجل من الداعمين الأشداء للشواذ المثليين، ومشارك في فعالياتهم، ويعتبر انحرافهم حقوقاً إنسانية!

أي خزي هذا يُعلق عليه الناس آمالاً؟! ألم يكن تكراراً للخيبة السياسية والفكرية نفسها التي وقعت فيها الأمة مراراً وتكراراً؟! نعم لأنها تُفتن بالشكل لا بالجوهر! تُخدع بالابتسامات، وتتعامل بالعاطفة لا بالعقيدة، وبالأسماء لا بالمفاهيم، وبالرموز لا بالمبادئ!

إن هذا الانبهار بالأشكال والأسماء نتيجة غياب الوعي السياسي الشرعي، لأن الإسلام لا يقاس بالأصل أو الاسم أو العرق، بل بالالتزام بمبدأ الإسلام كاملاً؛ نظاماً وعقيدةً وشريعةً. ولا قيمة لمسلم لا يحكم بالإسلام ولا ينصره، بل يخضع للنظام الرأسمالي الكافر، ويبرر الكفر والانحرافات باسم "الحرية".

وليعلم جميع المسلمين الذين فرحوا بفوزه وظنّوا أنه بذرة خير أو بداية نهوض، أن النهوض لا يكون من داخل أنظمة الكفر، ولا بأدواتها، ولا عبر صناديق اقتراعها، ولا تحت سقف دساتيرها.

فمن يُقدّم نفسه عبر النظام الديمقراطي، ويقسم على احترام قوانينه، ثم يدافع عن الشذوذ الجنسي ويحتفل به، ويدعو إلى ما يغضب الله، فهو ليس نصيراً للإسلام ولا أملاً للأمة، بل هو أداة تلميع وتمييع، وتمثيل مزيّف لا يُقدّم ولا يؤخر.

إن ما تسمى النجاحات السياسية في الغرب لبعض الشخصيات ذات الأسماء الإسلامية، ما هي إلا فُتات يُقدَّم كمسكنات للأمة، ليقال لها: انظروا، التغيير ممكن عبر أنظمتنا.

 فما حقيقة هذا "التمثيل"؟

الغرب لا يفتح أبواب الحكم للإسلام، بل يفتحها فقط لمن يتماهى مع قيمه وأفكاره. وأي شخص يدخل نظامهم لا بد أن يقبل بدستورهم، وبقوانينهم الوضعية، وأن يتنكر لحكم الإسلام، فإن رضي بذلك، أصبح نموذجاً مقبولاً، أما المسلم الحق، فهو مرفوض عندهم من جذوره.

فمن هو زهران ممداني؟ ولماذا يُصنع هذا الوهم؟

هو شخص يحمل اسماً مسلماً لكنه متبنٍ لأجندة منحرفة مخالفة تماماً لفطرة الإسلام، من دعم المثليين، والترويج لما يُسمى بـ"حقوقهم"، وهو نموذج حي لكيف يصنع الغرب نماذجه: مسلم بالاسم، علماني بالفعل، خادم لأجندة الليبرالية الغربية لا أكثر. بل لإشغال الأمة عن طريقها الحقيقي، فبدل أن تطالب بدولة الإسلام والخلافة، تنشغل بالمقاعد النيابية والمناصب في أنظمة كفر! وبدل أن تتوجه لتحرير فلسطين، تنتظر مَن "يدافع عن غزة" من داخل الكونغرس الأمريكي أو البرلمان الأوروبي!

فحقيقة الأمر أن هذا تشويه لطريق التغيير الحقيقي، وهو إقامة الخلافة الراشدة على منهاج النبوة، التي تُعلي راية الإسلام، وتقيم شرع الله، وتوحد الأمة خلف خليفة واحد يُقاتل من ورائه ويُتقى به.

فلا تنخدعوا بالأسماء، ولا تفرحوا بمن ينتمي لكم شكلاً ويخالفكم مضموناً، فليس كل من حمل اسم سعيد أو علي أو زهران هو على طريق نبينا محمد ﷺ.

واعلموا أن التغيير لا يأتي من داخل برلمانات الكفر، بل من جيوش الأمة التي آن لها أن تتحرك، ومن شبابها الواعين الذين يعملون ليلا ونهارا لقلب الطاولة على رؤوس الغرب وأعوانه وأتباعه الخائنين في بلاد الإسلام والمسلمين.

فالمسلمون لن ينهضوا عبر انتخابات الديمقراطية ولا من خلال صناديق الغرب، بل بنهضة حقيقية على أساس العقيدة الإسلامية، بإقامة دولة الخلافة الراشدة التي تُعيد للإسلام مكانته، وللمسلمين عزّتهم، وتحطم أوهام الديمقراطية.

لا تنخدعوا بالأسماء، ولا تعلقوا آمالكم على أفراد في أنظمة كفر، بل ارجعوا إلى مشروعكم العظيم: استئناف الحياة الإسلامية، فهذا وحده طريق العزة والنصر والتمكين.

فالمشهد تكرار مُهين لمآسٍ قديمة: رموز مزيفة، وولاء للأنظمة الغربية، وانحراف عن طريق الإسلام. وكل من يُصفّق لهذا المسار، إنما يضلل الأمة. فعودوا إلى مشروع الخلافة، ولا تجعلوا أعداء الإسلام يصنعون لكم قادتكم وممثليكم. فالعزة ليست في مقاعد الديمقراطية، بل في سدة الخلافة التي يعمل لها حزب التحرير ويُحذر الأمة من هذا الانحدار الفكري والسياسي. فلا خلاص لنا إلا بدولة الخلافة، التي لا تسمح بأن يحكم المسلمين من يدين بدين غير الإسلام، ولا بمن يبرر الشذوذ والانحراف، ولا بمن يُشرّع للناس غير ما أنزل الله.

كتبه لإذاعة المكتب الإعلامي المركزي لحزب التحرير

عبد المحمود العامري – ولاية اليمن

مصر بين الشعارات الحكومية والواقع المرّ  الحقيقة الكاملة عن الفقر، والسياسات الرأسمالية

مصر بين الشعارات الحكومية والواقع المرّ

الحقيقة الكاملة عن الفقر، والسياسات الرأسمالية

نقلت بوابة الأهرام الثلاثاء 4 تشرين الثاني/نوفمبر 2025م، أن رئيس الوزراء المصري، في كلمة ألقاها نيابةً عن الرئيس في القمة العالمية الثانية للتنمية الاجتماعية في العاصمة القطرية الدوحة، قال إنّ مصر تطبّق نهجاً شاملاً للقضاء على الفقر في جميع أشكاله وأبعاده، بما في ذلك "الفقر متعدد الأبعاد".

منذ سنوات، لا يكاد يخلو خطاب رسمي في مصر من عباراتٍ مثل "نهج شامل للقضاء على الفقر" و"الانطلاقة الحقيقية للاقتصاد المصري". يكرّر المسؤولون هذه الشعارات في المؤتمرات والمناسبات، مصحوبة بصور براقة لمشروعات استثمارية وفنادق ومنتجعات. لكن الواقع، كما تشهد عليه التقارير الدولية، مختلف تماماً. فالفقر في مصر ما زال ظاهرةً راسخة، بل متفاقمة، رغم الوعود الحكومية المتكرّرة بالتحسن والنهضة.

بحسب تقارير اليونيسف والإسكوا وبرنامج الغذاء العالمي لعامي 2024 و2025، يعيش نحو واحد من كل خمسة مصريين في فقرٍ متعدد الأبعاد، أي محروم من أكثر من جانب من جوانب الحياة الأساسية كالتعليم والصحة والسكن والعمل والخدمات. كما تؤكد البيانات أن أكثر من 49% من الأسر تعاني من صعوبات في الحصول على غذاء كافٍ، وهو رقم صادم يعكس عمق الأزمة المعيشية.

أما الفقر المالي، أي انخفاض الدخل مقارنة بتكاليف المعيشة، فقد ارتفع بصورة حادة، نتيجة موجات التضخم المتلاحقة التي أكلت أجور الناس وجهودهم ومدخراتهم، حتى أصبحت نسبة كبيرة من المصريين تحت خط الفقر المالي رغم عملهم الدائم.

وبينما تتحدث الحكومة عن مبادرات مثل "تكافل وكرامة" و"حياة كريمة"، تكشف الأرقام الدولية أن هذه البرامج لم تغيّر بنية الفقر جذرياً، بل اقتصرت على مسكّنات مؤقتة أشبه بالقطرة التي تُسكب في صحراء. فما زال الريف المصري الذي يقطنه أكثر من نصف السكان، يعاني من ضعف الخدمات وانعدام فرص العمل اللائق وتهالك البنية الأساسية. ويؤكد تقرير الإسكوا أن الحرمان في الريف يفوق نظيره في المدن بعدة أضعاف، ما يدل على سوء توزيع الثروة والإهمال المزمن للأطراف.

حين يشكر رئيسُ الوزراء ابنَ البلد "الذي تحمّل مع الحكومة إجراءات الإصلاح الاقتصادي"، فإنه في الواقع يُقرّ بوجود معاناة حقيقية ناتجة عن تلك السياسات. غير أن هذا الاعتراف لا يتبعه تغيير في المنهج، بل مزيد من السير في الطريق الرأسمالي نفسه الذي سبّب الأزمة.

فالإصلاح المزعوم الذي بدأ عام 2016 ببرنامج "التعويم" ورفع الدعم وزيادة الضرائب، لم يكن إصلاحاً بل تحميلاً للفقراء كلفة الديون والعجز. وفي الوقت الذي يتحدث فيه المسؤولون عن "الانطلاقة"، تتجه الاستثمارات الضخمة إلى العقارات الفاخرة والمشروعات السياحية التي تخدم أصحاب رؤوس الأموال، بينما لا يجد ملايين الشباب فرصاً للعمل أو السكن. بل إن كثيراً من هذه المشاريع، كمنطقة علم الروم في مطروح التي تُقدّر استثماراتها بـ29 مليار دولار، هي شراكات رأسمالية أجنبية تستحوذ على الأراضي والثروات وتحوّلها إلى مصدر ربح للمستثمرين، لا مصدر رزق للناس.

النظام يفشل ليس لأنه فاسد فحسب، بل لأنه يسير على أساسٍ فكريٍّ باطلٍ هو النظام الرأسمالي، الذي يجعل المال محوراً لكل سياسات الدولة. فالرأسمالية تقوم على حرية التملك المطلقة، وتسمح بتكديس الثروة في يد القلة التي تملك أدوات الإنتاج، فيما تتحمل الكثرة عبء الضرائب والأسعار والدَّين العام.

ولهذا، فإن كل ما يُسمى "برامج حماية اجتماعية" ما هو إلا محاولة لتجميل وجه الرأسمالية الوحشي، وإطالة عمر نظامٍ جائرٍ يراعي الأغنياء ويجبي من الفقراء. فبدلاً من معالجة أصل الداء؛ أي احتكار الثروة وتبعية الاقتصاد للمؤسسات الدولية، يُكتفى بتوزيع فتات من الإعانات النقدية، لا ترفع فقراً ولا تحفظ كرامة.

إن الرعاية ليست منّةً من الحاكم على الرعية، بل واجب شرعي، ومسؤولية يحاسبه الله عليها في الدنيا والآخرة. وما يجري اليوم، هو إهمال متعمّد لشؤون الناس، وتخلٍّ عن واجب الرعاية لصالح قروضٍ مشروطة من صندوق النقد والبنك الدوليين.

لقد أصبحت الدولة وسيطاً بين الفقير والدائن الأجنبي، تفرض الضرائب وتقلّص الدعم وتبيع الممتلكات العامة لسدّ عجزٍ متضخم صنعه النظام الرأسمالي نفسه. وفي هذا كله تغيب المفاهيم الشرعية التي تضبط الاقتصاد، كتحريم الربا، ومنع تملك الثروات العامة للأفراد، ووجوب النفقة على الرعية من بيت مال المسلمين.

لقد قدم الإسلام نظاماً اقتصادياً متكاملاً يعالج الفقر من جذوره، لا بمجرد دعمٍ نقدي أو مشروعات تجميلية. هذا النظام يقوم على أسسٍ شرعيةٍ ثابتة أبرزها:

1- تحريم الربا والديون الربوية التي تُكبّل الدولة وتستنزف مواردها، فبزوال الربا تزول تبعية الاقتصاد للمؤسسات الدولية، وتُعاد السيادة المالية للأمة.

2- جعل الملكيات ثلاثة أنواع:

ملكية فردية: كالبيوت والمتاجر والمزارع الخاصة...

ملكية عامة: تشمل الثروات الكبرى كالنفط والغاز والمعادن والمياه...

ملكية دولة: كأراضي الفيء والركاز والخراج...

وبهذا التوزيع تتحقق العدالة، إذ تُمنع فئة قليلة من احتكار موارد الأمة.

3- ضمان الكفاية لكل فرد من الرعية: فالدولة تضمن لكل إنسان في رعايتها حاجاته الأساسية من مأكل وملبس ومسكن، فإن عجز عن العمل وجب على بيت المال أن ينفق عليه.

4- الزكاة والإنفاق الإلزامي: الزكاة ليست إحساناً بل فريضة، تجمعها الدولة وتصرفها في مصارفها الشرعية للفقراء والمساكين والغارمين. وهي أداة توزيع فعّالة تعيد الأموال إلى دورة الحياة في المجتمع.

مع التحفيز على العمل المنتج ومنع الاستغلال، والحثّ على استثمار الموارد في مشاريع نافعة حقيقية كالصناعات الثقيلة والحربية لا في المضاربات والعقارات الفاخرة والمشاريع الوهمية. إلى جانب ضبط الأسعار بالعرض والطلب الحقيقيين لا بالاحتكار ولا بالتعويم.

إن دولة الخلافة على منهاج النبوة هي وحدها القادرة على تطبيق هذه الأحكام عملياً، لأنها تُبنى على أساس العقيدة الإسلامية، ويكون هدفها رعاية شؤون الناس لا جباية أموالهم. ففي ظل الخلافة، لا يوجد ربا ولا قروض مشروطة، ولا بيع للثروات العامة للأجانب، بل تُدار الموارد بما يحقق مصلحة الأمة، ويتولى بيت المال تمويل الرعاية الصحية والتعليم والمرافق العامة من موارد الدولة والخراج والأنفال والملكية العامة.

أما الفقراء، فتُكفل حاجاتهم الأساسية فرداً فرداً، لا عبر صدقات مؤقتة بل كحقٍّ شرعي مضمون. ولذا فإن محاربة الفقر في الإسلام ليست شعاراً سياسياً، بل نظام حياة متكامل يُقيم العدل ويمنع الظلم ويعيد الثروة إلى أهلها.

ما بين الخطاب الرسمي والواقع المعاش مسافةٌ هائلة لا تخفى على أحد. فبينما تتغنّى الحكومة بمشروعاتها "العملاقة" وبـ"الانطلاقة الحقيقية"، يعيش ملايين المصريين تحت خط الفقر، يعانون الغلاء والبطالة وانعدام الأمل. والحقيقة أن هذه المعاناة لن تزول ما دامت مصر تسير في طريق الرأسمالية، تُسلِّم اقتصادها للمرابين وتخضع لسياسات المؤسسات الدولية.

إن أزمات ومشكلات مصر هي مشكلات إنسانية وليست مادية، وتتعلق بها أحكام شرعية تبين كيفية التعامل معها وعلاجها على أساس الإسلام، وإن الحلول أسهل من غض الطرف لكنها تحتاج إدارة مخلصة تملك إرادة حرة تريد السير في الطريق الصحيح وتريد الخير لمصر وأهلها حقا، وحينها على هذه الإدارة أن تراجع كل العقود التي أبرمت سابقا والتي تبرم مع كل الشركات التي تحتكر أصول البلاد وما هو من ملكياتها العام وعلى رأسها شركات التنقيب عن الغاز والنفط والذهب وباقي المعادن والثروات، وتطرد كل تلك الشركات لأنها في الأصل شركات استعمارية ناهبة لثروات البلاد، ثم تصوغ عهدا جديدا يقوم على تمكين الناس من ثروات البلاد وإنشاء أو استئجار شركات تقوم هي على إنتاج الثروة من منابع النفط والغاز والذهب وغيرها من المعادن وتعيد توزيع هذه الثروات على الناس من جديد، حينها سيتمكن الناس من زراعة الأرض الموات التي ستمكنهم الدولة من استغلالها بحقهم فيها، وسيتمكنون أيضا من صناعة ما يجب أن يصنع ليرتفع باقتصاد مصر ويكفي أهلها، وستدعمهم الدولة في هذا السبيل، وإن كل هذا ليس ضربا من الخيال ولا مستحيل الحدوث ولا مشروعا نعرضه للتجربة قد ينجح أو يفشل، وإنما هي أحكام شرعية لازمة ملزمة للدولة والرعية، فلا يجوز للدولة أن تفرط في ثروات البلاد التي هي ملك للناس بدعوى عقود أقرتها وأيدتها وتحميها قوانين دولية جائرة، ولا يجوز لها أن تمنع الناس منها بل يجب أن تقطع كل يد تمتد ناهبة إلى ثروات الناس، هذا ما يقدمه الإسلام ويجب تنفيذه، إلا أنه لا يطبق بمعزل عن باقي أنظمة الإسلام بل إنه لا يطبق إلا من خلال دولة الخلافة الراشدة على منهاج النبوة، هذه الدولة التي يحمل همها والدعوة إليها حزب التحرير ويدعو مصر وأهلها شعبا وجيشا إلى العمل معه من أجلها، عسى الله أن يكتب الفتح من عنده فنراها واقعا يعز الإسلام وأهله، اللهم عاجلا غير آجل.

﴿وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرَىٰ آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَفَتَحْنَا عَلَيْهِم بَرَكَاتٍ مِّنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ﴾

كتبه للمكتب الإعلامي المركزي لحزب التحرير

سعيد فضل

عضو المكتب الإعلامي لحزب التحرير في ولاية مصر