هل ستواصل الإنقاذ مسلسل تفتيت السودان بتضمين اتفاق الدوحة في الدستور؟!    
January 10, 2015

  هل ستواصل الإنقاذ مسلسل تفتيت السودان بتضمين اتفاق الدوحة في الدستور؟!  

تحرص الدول في العالم عند نشوئها ووضع دساتيرها، على الحفاظ على وحدة الدولة، باعتبارها خطّاً أحمر لا يجوز تخطيه، وعلى حماية الحقوق من ضياعها، والحرص على أداء الواجبات الواردة في دستور البلاد، لا التآمر عليها وتفكيك وحدتها ونسيجها الاجتماعي. إلا أن حكومة الإنقاذ قد درجت منذ استيلائها على السلطة بانقلاب عسكري، في الثلاثين من يونيو/حزيران 1989م، على تقوية شوكتها وتركيز نفوذها، لتصل بنا إلى ما نحن عليه اليوم، فألغت دستور السودان (الوضعي) الانتقالي لسنة 1985م ودستور 1988 (الوضعي)، وباتت القوانين القائمة آنذاك في (خبر كان)، وطفقت تصدر المراسيم والأوامر الجمهورية والدستورية، مرسوما تلو الآخر، فكلما خشيت أن يصيبها مكروه في كرسيها أو تعقدت مشاكلها، تحشد القوانين والمراسيم، تغيّرها حيناً، وتعدل فيها حيناً آخر، وتلغيها لتستبدل بها غيرها أحيانا، فكان المرسوم الدستوري الأول الذي جعل ثورة الإنقاذ الوطني هي التعبير عن الشرعية السياسية والدستورية الممثلة للإدارة العامة للشعب في جمهورية السودان، ثم المرسوم الدستوري الثاني - قانون الإجراءات والسلطات الانتقالية لسنة 1989، والمرسوم الدستوري الثالث - تنظيم أعمال أجهزة الحكم لسنة 1989م والمرسوم الدستوري الرابع - تأسيس الحكم الاتحادي لسنة 1991م. المرسوم الدستوري الخامس - المجلس الوطني الانتقالي لسنة 1991... ولانفراد الإنقاذ بحكم السودان، جاء في المرسوم الدستوري الثاني (قانون الإجراءات والسلطات الانتقالية لسنة 1989 (1989/6/30) ما يلي: (باسم الله وباسم الشعب وبأمر مجلس الثورة يصدر القانون التالي: 1- تحل جميع الأحزاب والتشكيلات السياسية، ويحظر تكوينها ونشاطاتها، وتصادر ممتلكاتها لصالح الدولة...)


وهكذا كانت جميع المراسيم الدستورية في عهد الإنقاذ، لتركيز النفوذ وتحكيم القبضة الحديدية في الحكم. وبقي السودان المجني عليه على هذه الحال تسع سنين. فلما دنا عام 1998م، دُبّر أمرٌ بليل فاهتدى الإنقاذ بعد (تمكينها) إلى إلغاء تلك المراسيم، والإتيان بمشروع دستور وضعي آخر لحكم البلاد، فأجاز المجلس الوطني بتاريخ 28 مارس/آذار برئاسة د. الترابي مشروع دستور جمهورية السودان للعام 1998م، ضمنت فيه بنود اتفاق الخرطوم للسلام 1997م، وأضفت عليه الصبغة الإسلامية لضمان التأييد والقبول من جماهير الأمة المتعطشة للحياة الإسلامية.


ثم وقعت الطامة الكبرى بالتوقيع على اتفاقية نيفاشا في التاسع من يناير 2005م، التي أصبحت دستوراً انتقالياً مستورداً من أحراش كينيا برعاية أمريكية مكشوفة، وبمعاونة وتواطؤ أصدقاء الإيقاد (مجموعة أوروبا)، هذا الدستور الذي صُمم خصيصاً لفصل جنوب السودان، فقد أُفرد لهذه المؤامرة بابٌ كاملٌ في الدستور تحت عنوان: (الباب السادس عشر: حق تقرير المصير لجنوب السودان)، لتصبح جريمة الانفصال حقاً دستورياً وقد كان! بل إن هذا الدستور الشؤم يحوي في فقراته موادَّ تهيئ بقية أقاليم السودان للانفصال، فمثلاً في المبادئ الأساسية للدستور ورد في المادة (4): (يُؤسس هذا الدستور على المبادئ التالية ويسترشد بها: (أ) تُؤسس وحدة السودان على الإرادة الحُرة لشعبه)، مثل هذه البنود تعطي الحق لشعب جنوب كردفان مثلاً أو دارفور أن يختاروا بإرادتهم الوحدة مع بقية الأقاليم أو الانفصال... إنها شراك وُضِعت وتم تمريرها، لوضع السودان على حافة التفتيت إلى دويلات.


وبعد انفصال جنوب السودان - نسأل الله أن يعاد إلى حضن السودان - جاء الاتفاق الموقع في 2011/7/14 بشأن دارفور في الدوحة بقطر، والتي كانت أمريكا أيضاً هي وراء توقيعه، وقد بذلت الوسع في ذلك، ووضعت ثقلها، فبعث الرئيس الأمريكي مبعوثه الخاص للسودان آنذاك برينسون ليمان مع كبير مستشاريه حول دارفور داين سميث، ووفد رفيع المستوى، ليشاركوا في مفاوضات الدوحة إلى أن تم التوقيع على الاتفاق. فكما نجحت أمريكا في الإمساك وحدها بخيوط جنوب السودان، فإنها نجحت كذلك في الإمساك وحدها بخيوط دارفور. وهذا الاتفاق يشمل نقاطاً وتفصيلات كثيرة، حيث جاء في الفصل الثاني منه إنشاء سلطة دارفور الإقليمية.. وغيرها من مواد تسوق دارفور نحو الانفصال، فقد وصف التيجاني السيسي توقيع الاتفاق بـ"الإنجاز العظيم الذي يهدف إلى تحقيق الأمن والاستقرار في الإقليم لافتا النظر إلى أن "هذه اللحظة التاريخية تتزامن مع انفصال جنوب البلاد وإعلان دولته المستقلة وأنه لا شك أن للحدثين علاقة بالكيفية التي تتم فيه معالجة القضايا في السودان".

(أفريقيا اليوم 2011/7/15) فهو، أي التيجاني السيسي يبرز العلاقة بين توقيع الاتفاقية المتعلقة بدارفور بما حدث في جنوب السودان من انفصاله وإعلان دولته، ويشير إلى كيفية معالجة القضايا في السودان، وهي قابلية انفصال الأقاليم السودانية وقبول النظام السوداني بذلك طوعاً وكرهاً.


إن الاتفاقيات التي تصاغ في أوكار التآمر بدءاً من نيفاشا والدوحة وأديس أبابا، تصبح فيما بعد، ورغماً عن رغبة أهل السودان، دستوراً واجب التنفيذ والتأييد، وهي إحدى آفات هذه الحكومة، فإن اتفاقية الدوحة هذه، قد وضعت برمتها ضمن التعديلات الدستورية التي مررها برلمان الإنقاذ بأغلبية ساحقة يوم السبت 03 يناير/ كانون الثاني 2015م، وأشاد بها التابعون، والعاملون لتنفيذها. فقد أوردت وكالة الأنباء القطرية يوم 6 يناير/ كانون الثاني 2015م خبراً على لسان الناطق الرسمي للسلطة الإقليمية: (أشادت السلطة الإقليمية لدارفور بالخطوة التي اتخذها البرلمان السوداني بالمصادقة علي تضمين اتفاقية سلام الدوحة في دستور السودان الدائم ووصفت هذه الخطوة بأنها أكدت جدية الحكومة السودانية في إحلال السلام الدائم في دارفور والمضي قدما في تنفيذ كافة استحقاقاته). ألا ترون أنها خطوة مهمة في طريق استحقاق الانفصال بعد توقيع الاتفاق النهائي بشأن دارفور؟!


والغريب أن عضو اللجنة الطارئة لتعديل الدستور محمد أحمد الفضل، (رجح أن يكون دستور 2005 مصمماً بهدف تفتيت السودان) سودان تربيون 2015/1/6م. لم أكن أعلم أنهم يعلمون ذلك ويسكتون ويمررون، أما النائب الأول السابق علي عثمان محمد طه في مرافعة طويلة عن هذه التعديلات التي أدخلت في الدستور، لفت إلى أن التعديلات الدستورية تعزز (الوحدة الوطنية)! "سودان تربيون 2015/1/05م" سبحان ربي، ألم يكن الرجل نفسه هو الذي وقّّع، بل بصم (بالعشرة) على فاتورة تمزيق السودان إلى شطرين كسيحين؛ شمال وجنوب، بعد أن حشد الموالين وزعماء العشائر وشيوخ الطرق الصوفية، ورؤساء الأحزاب الموالية قبل التوقيع النهائي على اتفاق نيفاشا، ثم ها هو اليوم يحشد أعضاء البرلمان و(ينفخ) فيهم لتمرير فاتورة تمزيق دارفور بحشر اتفاقية الدوحة التي تقود حتماً إلى انفصال دارفور كما انفصل جنوب السودان؟!!


أما رئيسة لجنة تعديل الدستور بدرية سليمان في دفاعها المستميت عن هذه التعديلات (أوضحت أن التعصب القَبَليَّ والحروب، ظهرا جليَّاً عقب انتخابات 2010 في تعيينات الخدمة المدنية، وتعيين المعتمدين، مما هدَّد بتفكك النسيج الاجتماعي و"الوحدة الوطنية"). ألم تدرِ رئيسة اللجنة أن اتفاق الدوحة المتضمن في الدستور هو أكبر مهدد لوحدة البلاد؟ وإليكم نبأه: أما واقع الاتفاق فقد نص على صلاحيات كبيرة، حيث جاء في الفصل الثاني منه: إنشاء سلطة دارفور الإقليمية ويكون لهذه السلطة الإقليمية مجلس مكون من 22 عضوا له سلطات وصلاحيات وصفت بأنها واسعة، ومهمته تنفيذ ما جاء في الاتفاق بالتعاون مع السلطة في الخرطوم، وأن يعين الرئيس السوداني نائبا له من دارفور ليس خاصا بدارفور وإنما كنائب للرئيس في عموم السودان المتبقي على غرار ما كان الانفصالي سيلفا كير ومن قبله جون قرنق كنائب للرئيس من جنوب السودان ولكن على عموم السودان.

ونص الاتفاق على إنشاء مجلس تشريعي للسلطة الإقليمية مكون من 67 عضوا وإقامة محاكم خاصة بمشاركة مراقبين من الاتحاد الأفريقي والأمم المتحدة. وجرى الاتفاق على إجراء استفتاء على جعل دارفور إقليماً واحداً أو عدة ولايات تحت سلطة دارفور الإقليمية. ووضعت آلية لتنفيذ الاتفاق مكونة من الولايات المتحدة وبريطانيا وفرنسا وروسيا والصين واليابان وكندا والجامعة العربية والاتحاد الأفريقي والأمم المتحدة وقطر والحكومة السودانية والحركات الدارفورية وتشاد.

أما تصريحات مسئولي الإدارة الأمريكية فقد صرح المتحدث باسم وزارتها الخارجية مارك تونر قائلا: "هذا الاتفاق خطوة إلى الأمام نحو حل دائم للأزمة في دارفور" وقال: "سوف نمارس الضغط على الفصائل المسلحة الأخرى التي ترفض المشاركة في المفاوضات كي تلتزم كليا بعملية السلام". وحث المتحدث الأمريكي الخرطوم على "التعبير بوضوح عن رغبتها في مواصلة المفاوضات من أجل التوصل إلى سلام كامل في دارفور". (الجزيرة 2011/7/15)، فأمريكا لم تعتبر هذا الاتفاق نهائيا بل اعتبرته خطوة إلى الأمام نحو حل دائم للأزمة في دارفور، ما يعني أن أمريكا تقول أنه سيليه خطوات أخرى تجبر النظام في السودان على تقديم تنازلات متوالية حتى تصل إلى حل دائم، وهو الذي لم تعلن أمريكا عن ماهيته بكل صراحة. فإذا كان كل ذلك خطوة! فإن الخطوات الأخرى تعني أكثر من أن يكون إقليم دارفور يتمتع بحكم ذاتي بصلاحيات موسعة... ولا يعني ذلك إلا أن يصل الأمر إلى فصل دارفور نهائيا عن السودان بإيجاد اتفاقية أخرى على غرار اتفاقية نيفاشا بإعطاء حق تقرير المصير لأهالي دارفور إلى أن يتحقق الاستفتاء على ذلك، ومن ثم الانفصال كما حدث في جنوب السودان. وهذا ما دفع هذا البرلمان إلى ضم اتفاق الدوحة في الدستور المعدل تمهيداً لتنفيذ هذه الجريمة الكبرى.


وخلاصة الأمر، فإن تضمين اتفاقية الدوحة في الدستور؛ وهي الاتفاقية التي أعطت إقليم دارفور حكماً ذاتياً موسعاً، تمهيداً لانفصالها، الآن يُراد لفكرة الحكم الذاتي أن تصبح حقاً دستورياً. ليس هناك أصرح من هذا في تهديد وحدة البلاد، وما فصل الجنوب بذات الدستور الوضعي عنا ببعيد. فمثل هذه الدساتير الوضعية هي أدوات لتركيز سلطة الحكام، وقهر الأمة وإفقارها وتفتيت وحدتها. فهل ستواصل الإنقاذ مسلسل تفتيت السودان بتضمين اتفاق الدوحة في الدستور؟!


نسأل الله تعالى أن يتغير هذا الواقع بدستور إسلامي مأخوذ من الكتاب والسنة بقوة الدليل، دستور يضمن وحدة الأمة وعيشها بالإسلام، في ظل خلافة راشدة على منهاج النبوة، حياة في طاعة الله، ترضيه سبحانه وتعالى، ليرفع عنا بفضله البلاء والغلاء، فنعود خير أمة أخرجت للناس.

كتبه للمكتب الإعلامي المركزي لحزب التحرير
أبو إبراهيم/ يعقوب إبراهيم

المزيد من القسم null

لا تنخدعوا بالأسماء فالعبرة بالمواقف لا بالأنساب

لا تنخدعوا بالأسماء فالعبرة بالمواقف لا بالأنساب

في كل مرة يُقدَّم لنا "رمز جديد" له جذور مسلمة أو ملامح شرقية، يهلل كثير من المسلمين، وتُبنى الآمال على وهمٍ اسمه "التمثيل السياسي" في نظامٍ كافر لا يعترف بالإسلام حكماً ولا عقيدةً ولا شريعةً.

نذكر جميعاً الفرح العارم الذي اجتاح مشاعر كثيرين عند فوز أوباما في 2008. فهو ابن كينيا، وله أب مسلم! وهنا توهم البعض أن الإسلام والمسلمين باتوا قريبين من النفوذ الأمريكي، لكن أوباما كان أحد أكثر الرؤساء إيذاءً للمسلمين فقد دمر ليبيا، وساهم في مأساة سوريا، وأشعل أفغانستان والعراق بطائراته وجنوده، بل كان سفاك الدماء في اليمن عبر أدواته وكان عهده استمراراً لعداء ممنهج ضد الأمة.

واليوم يتكرر المشهد، لكن بأسماء جديدة. فـزوهران ممداني يُحتفى به لأنه مسلم ومهاجر وشاب، وكأنه المنقذ! لكن قليلين فقط ينظرون إلى مواقفه السياسية والفكرية. هذا الرجل من الداعمين الأشداء للشواذ المثليين، ومشارك في فعالياتهم، ويعتبر انحرافهم حقوقاً إنسانية!

أي خزي هذا يُعلق عليه الناس آمالاً؟! ألم يكن تكراراً للخيبة السياسية والفكرية نفسها التي وقعت فيها الأمة مراراً وتكراراً؟! نعم لأنها تُفتن بالشكل لا بالجوهر! تُخدع بالابتسامات، وتتعامل بالعاطفة لا بالعقيدة، وبالأسماء لا بالمفاهيم، وبالرموز لا بالمبادئ!

إن هذا الانبهار بالأشكال والأسماء نتيجة غياب الوعي السياسي الشرعي، لأن الإسلام لا يقاس بالأصل أو الاسم أو العرق، بل بالالتزام بمبدأ الإسلام كاملاً؛ نظاماً وعقيدةً وشريعةً. ولا قيمة لمسلم لا يحكم بالإسلام ولا ينصره، بل يخضع للنظام الرأسمالي الكافر، ويبرر الكفر والانحرافات باسم "الحرية".

وليعلم جميع المسلمين الذين فرحوا بفوزه وظنّوا أنه بذرة خير أو بداية نهوض، أن النهوض لا يكون من داخل أنظمة الكفر، ولا بأدواتها، ولا عبر صناديق اقتراعها، ولا تحت سقف دساتيرها.

فمن يُقدّم نفسه عبر النظام الديمقراطي، ويقسم على احترام قوانينه، ثم يدافع عن الشذوذ الجنسي ويحتفل به، ويدعو إلى ما يغضب الله، فهو ليس نصيراً للإسلام ولا أملاً للأمة، بل هو أداة تلميع وتمييع، وتمثيل مزيّف لا يُقدّم ولا يؤخر.

إن ما تسمى النجاحات السياسية في الغرب لبعض الشخصيات ذات الأسماء الإسلامية، ما هي إلا فُتات يُقدَّم كمسكنات للأمة، ليقال لها: انظروا، التغيير ممكن عبر أنظمتنا.

 فما حقيقة هذا "التمثيل"؟

الغرب لا يفتح أبواب الحكم للإسلام، بل يفتحها فقط لمن يتماهى مع قيمه وأفكاره. وأي شخص يدخل نظامهم لا بد أن يقبل بدستورهم، وبقوانينهم الوضعية، وأن يتنكر لحكم الإسلام، فإن رضي بذلك، أصبح نموذجاً مقبولاً، أما المسلم الحق، فهو مرفوض عندهم من جذوره.

فمن هو زهران ممداني؟ ولماذا يُصنع هذا الوهم؟

هو شخص يحمل اسماً مسلماً لكنه متبنٍ لأجندة منحرفة مخالفة تماماً لفطرة الإسلام، من دعم المثليين، والترويج لما يُسمى بـ"حقوقهم"، وهو نموذج حي لكيف يصنع الغرب نماذجه: مسلم بالاسم، علماني بالفعل، خادم لأجندة الليبرالية الغربية لا أكثر. بل لإشغال الأمة عن طريقها الحقيقي، فبدل أن تطالب بدولة الإسلام والخلافة، تنشغل بالمقاعد النيابية والمناصب في أنظمة كفر! وبدل أن تتوجه لتحرير فلسطين، تنتظر مَن "يدافع عن غزة" من داخل الكونغرس الأمريكي أو البرلمان الأوروبي!

فحقيقة الأمر أن هذا تشويه لطريق التغيير الحقيقي، وهو إقامة الخلافة الراشدة على منهاج النبوة، التي تُعلي راية الإسلام، وتقيم شرع الله، وتوحد الأمة خلف خليفة واحد يُقاتل من ورائه ويُتقى به.

فلا تنخدعوا بالأسماء، ولا تفرحوا بمن ينتمي لكم شكلاً ويخالفكم مضموناً، فليس كل من حمل اسم سعيد أو علي أو زهران هو على طريق نبينا محمد ﷺ.

واعلموا أن التغيير لا يأتي من داخل برلمانات الكفر، بل من جيوش الأمة التي آن لها أن تتحرك، ومن شبابها الواعين الذين يعملون ليلا ونهارا لقلب الطاولة على رؤوس الغرب وأعوانه وأتباعه الخائنين في بلاد الإسلام والمسلمين.

فالمسلمون لن ينهضوا عبر انتخابات الديمقراطية ولا من خلال صناديق الغرب، بل بنهضة حقيقية على أساس العقيدة الإسلامية، بإقامة دولة الخلافة الراشدة التي تُعيد للإسلام مكانته، وللمسلمين عزّتهم، وتحطم أوهام الديمقراطية.

لا تنخدعوا بالأسماء، ولا تعلقوا آمالكم على أفراد في أنظمة كفر، بل ارجعوا إلى مشروعكم العظيم: استئناف الحياة الإسلامية، فهذا وحده طريق العزة والنصر والتمكين.

فالمشهد تكرار مُهين لمآسٍ قديمة: رموز مزيفة، وولاء للأنظمة الغربية، وانحراف عن طريق الإسلام. وكل من يُصفّق لهذا المسار، إنما يضلل الأمة. فعودوا إلى مشروع الخلافة، ولا تجعلوا أعداء الإسلام يصنعون لكم قادتكم وممثليكم. فالعزة ليست في مقاعد الديمقراطية، بل في سدة الخلافة التي يعمل لها حزب التحرير ويُحذر الأمة من هذا الانحدار الفكري والسياسي. فلا خلاص لنا إلا بدولة الخلافة، التي لا تسمح بأن يحكم المسلمين من يدين بدين غير الإسلام، ولا بمن يبرر الشذوذ والانحراف، ولا بمن يُشرّع للناس غير ما أنزل الله.

كتبه لإذاعة المكتب الإعلامي المركزي لحزب التحرير

عبد المحمود العامري – ولاية اليمن

مصر بين الشعارات الحكومية والواقع المرّ  الحقيقة الكاملة عن الفقر، والسياسات الرأسمالية

مصر بين الشعارات الحكومية والواقع المرّ

الحقيقة الكاملة عن الفقر، والسياسات الرأسمالية

نقلت بوابة الأهرام الثلاثاء 4 تشرين الثاني/نوفمبر 2025م، أن رئيس الوزراء المصري، في كلمة ألقاها نيابةً عن الرئيس في القمة العالمية الثانية للتنمية الاجتماعية في العاصمة القطرية الدوحة، قال إنّ مصر تطبّق نهجاً شاملاً للقضاء على الفقر في جميع أشكاله وأبعاده، بما في ذلك "الفقر متعدد الأبعاد".

منذ سنوات، لا يكاد يخلو خطاب رسمي في مصر من عباراتٍ مثل "نهج شامل للقضاء على الفقر" و"الانطلاقة الحقيقية للاقتصاد المصري". يكرّر المسؤولون هذه الشعارات في المؤتمرات والمناسبات، مصحوبة بصور براقة لمشروعات استثمارية وفنادق ومنتجعات. لكن الواقع، كما تشهد عليه التقارير الدولية، مختلف تماماً. فالفقر في مصر ما زال ظاهرةً راسخة، بل متفاقمة، رغم الوعود الحكومية المتكرّرة بالتحسن والنهضة.

بحسب تقارير اليونيسف والإسكوا وبرنامج الغذاء العالمي لعامي 2024 و2025، يعيش نحو واحد من كل خمسة مصريين في فقرٍ متعدد الأبعاد، أي محروم من أكثر من جانب من جوانب الحياة الأساسية كالتعليم والصحة والسكن والعمل والخدمات. كما تؤكد البيانات أن أكثر من 49% من الأسر تعاني من صعوبات في الحصول على غذاء كافٍ، وهو رقم صادم يعكس عمق الأزمة المعيشية.

أما الفقر المالي، أي انخفاض الدخل مقارنة بتكاليف المعيشة، فقد ارتفع بصورة حادة، نتيجة موجات التضخم المتلاحقة التي أكلت أجور الناس وجهودهم ومدخراتهم، حتى أصبحت نسبة كبيرة من المصريين تحت خط الفقر المالي رغم عملهم الدائم.

وبينما تتحدث الحكومة عن مبادرات مثل "تكافل وكرامة" و"حياة كريمة"، تكشف الأرقام الدولية أن هذه البرامج لم تغيّر بنية الفقر جذرياً، بل اقتصرت على مسكّنات مؤقتة أشبه بالقطرة التي تُسكب في صحراء. فما زال الريف المصري الذي يقطنه أكثر من نصف السكان، يعاني من ضعف الخدمات وانعدام فرص العمل اللائق وتهالك البنية الأساسية. ويؤكد تقرير الإسكوا أن الحرمان في الريف يفوق نظيره في المدن بعدة أضعاف، ما يدل على سوء توزيع الثروة والإهمال المزمن للأطراف.

حين يشكر رئيسُ الوزراء ابنَ البلد "الذي تحمّل مع الحكومة إجراءات الإصلاح الاقتصادي"، فإنه في الواقع يُقرّ بوجود معاناة حقيقية ناتجة عن تلك السياسات. غير أن هذا الاعتراف لا يتبعه تغيير في المنهج، بل مزيد من السير في الطريق الرأسمالي نفسه الذي سبّب الأزمة.

فالإصلاح المزعوم الذي بدأ عام 2016 ببرنامج "التعويم" ورفع الدعم وزيادة الضرائب، لم يكن إصلاحاً بل تحميلاً للفقراء كلفة الديون والعجز. وفي الوقت الذي يتحدث فيه المسؤولون عن "الانطلاقة"، تتجه الاستثمارات الضخمة إلى العقارات الفاخرة والمشروعات السياحية التي تخدم أصحاب رؤوس الأموال، بينما لا يجد ملايين الشباب فرصاً للعمل أو السكن. بل إن كثيراً من هذه المشاريع، كمنطقة علم الروم في مطروح التي تُقدّر استثماراتها بـ29 مليار دولار، هي شراكات رأسمالية أجنبية تستحوذ على الأراضي والثروات وتحوّلها إلى مصدر ربح للمستثمرين، لا مصدر رزق للناس.

النظام يفشل ليس لأنه فاسد فحسب، بل لأنه يسير على أساسٍ فكريٍّ باطلٍ هو النظام الرأسمالي، الذي يجعل المال محوراً لكل سياسات الدولة. فالرأسمالية تقوم على حرية التملك المطلقة، وتسمح بتكديس الثروة في يد القلة التي تملك أدوات الإنتاج، فيما تتحمل الكثرة عبء الضرائب والأسعار والدَّين العام.

ولهذا، فإن كل ما يُسمى "برامج حماية اجتماعية" ما هو إلا محاولة لتجميل وجه الرأسمالية الوحشي، وإطالة عمر نظامٍ جائرٍ يراعي الأغنياء ويجبي من الفقراء. فبدلاً من معالجة أصل الداء؛ أي احتكار الثروة وتبعية الاقتصاد للمؤسسات الدولية، يُكتفى بتوزيع فتات من الإعانات النقدية، لا ترفع فقراً ولا تحفظ كرامة.

إن الرعاية ليست منّةً من الحاكم على الرعية، بل واجب شرعي، ومسؤولية يحاسبه الله عليها في الدنيا والآخرة. وما يجري اليوم، هو إهمال متعمّد لشؤون الناس، وتخلٍّ عن واجب الرعاية لصالح قروضٍ مشروطة من صندوق النقد والبنك الدوليين.

لقد أصبحت الدولة وسيطاً بين الفقير والدائن الأجنبي، تفرض الضرائب وتقلّص الدعم وتبيع الممتلكات العامة لسدّ عجزٍ متضخم صنعه النظام الرأسمالي نفسه. وفي هذا كله تغيب المفاهيم الشرعية التي تضبط الاقتصاد، كتحريم الربا، ومنع تملك الثروات العامة للأفراد، ووجوب النفقة على الرعية من بيت مال المسلمين.

لقد قدم الإسلام نظاماً اقتصادياً متكاملاً يعالج الفقر من جذوره، لا بمجرد دعمٍ نقدي أو مشروعات تجميلية. هذا النظام يقوم على أسسٍ شرعيةٍ ثابتة أبرزها:

1- تحريم الربا والديون الربوية التي تُكبّل الدولة وتستنزف مواردها، فبزوال الربا تزول تبعية الاقتصاد للمؤسسات الدولية، وتُعاد السيادة المالية للأمة.

2- جعل الملكيات ثلاثة أنواع:

ملكية فردية: كالبيوت والمتاجر والمزارع الخاصة...

ملكية عامة: تشمل الثروات الكبرى كالنفط والغاز والمعادن والمياه...

ملكية دولة: كأراضي الفيء والركاز والخراج...

وبهذا التوزيع تتحقق العدالة، إذ تُمنع فئة قليلة من احتكار موارد الأمة.

3- ضمان الكفاية لكل فرد من الرعية: فالدولة تضمن لكل إنسان في رعايتها حاجاته الأساسية من مأكل وملبس ومسكن، فإن عجز عن العمل وجب على بيت المال أن ينفق عليه.

4- الزكاة والإنفاق الإلزامي: الزكاة ليست إحساناً بل فريضة، تجمعها الدولة وتصرفها في مصارفها الشرعية للفقراء والمساكين والغارمين. وهي أداة توزيع فعّالة تعيد الأموال إلى دورة الحياة في المجتمع.

مع التحفيز على العمل المنتج ومنع الاستغلال، والحثّ على استثمار الموارد في مشاريع نافعة حقيقية كالصناعات الثقيلة والحربية لا في المضاربات والعقارات الفاخرة والمشاريع الوهمية. إلى جانب ضبط الأسعار بالعرض والطلب الحقيقيين لا بالاحتكار ولا بالتعويم.

إن دولة الخلافة على منهاج النبوة هي وحدها القادرة على تطبيق هذه الأحكام عملياً، لأنها تُبنى على أساس العقيدة الإسلامية، ويكون هدفها رعاية شؤون الناس لا جباية أموالهم. ففي ظل الخلافة، لا يوجد ربا ولا قروض مشروطة، ولا بيع للثروات العامة للأجانب، بل تُدار الموارد بما يحقق مصلحة الأمة، ويتولى بيت المال تمويل الرعاية الصحية والتعليم والمرافق العامة من موارد الدولة والخراج والأنفال والملكية العامة.

أما الفقراء، فتُكفل حاجاتهم الأساسية فرداً فرداً، لا عبر صدقات مؤقتة بل كحقٍّ شرعي مضمون. ولذا فإن محاربة الفقر في الإسلام ليست شعاراً سياسياً، بل نظام حياة متكامل يُقيم العدل ويمنع الظلم ويعيد الثروة إلى أهلها.

ما بين الخطاب الرسمي والواقع المعاش مسافةٌ هائلة لا تخفى على أحد. فبينما تتغنّى الحكومة بمشروعاتها "العملاقة" وبـ"الانطلاقة الحقيقية"، يعيش ملايين المصريين تحت خط الفقر، يعانون الغلاء والبطالة وانعدام الأمل. والحقيقة أن هذه المعاناة لن تزول ما دامت مصر تسير في طريق الرأسمالية، تُسلِّم اقتصادها للمرابين وتخضع لسياسات المؤسسات الدولية.

إن أزمات ومشكلات مصر هي مشكلات إنسانية وليست مادية، وتتعلق بها أحكام شرعية تبين كيفية التعامل معها وعلاجها على أساس الإسلام، وإن الحلول أسهل من غض الطرف لكنها تحتاج إدارة مخلصة تملك إرادة حرة تريد السير في الطريق الصحيح وتريد الخير لمصر وأهلها حقا، وحينها على هذه الإدارة أن تراجع كل العقود التي أبرمت سابقا والتي تبرم مع كل الشركات التي تحتكر أصول البلاد وما هو من ملكياتها العام وعلى رأسها شركات التنقيب عن الغاز والنفط والذهب وباقي المعادن والثروات، وتطرد كل تلك الشركات لأنها في الأصل شركات استعمارية ناهبة لثروات البلاد، ثم تصوغ عهدا جديدا يقوم على تمكين الناس من ثروات البلاد وإنشاء أو استئجار شركات تقوم هي على إنتاج الثروة من منابع النفط والغاز والذهب وغيرها من المعادن وتعيد توزيع هذه الثروات على الناس من جديد، حينها سيتمكن الناس من زراعة الأرض الموات التي ستمكنهم الدولة من استغلالها بحقهم فيها، وسيتمكنون أيضا من صناعة ما يجب أن يصنع ليرتفع باقتصاد مصر ويكفي أهلها، وستدعمهم الدولة في هذا السبيل، وإن كل هذا ليس ضربا من الخيال ولا مستحيل الحدوث ولا مشروعا نعرضه للتجربة قد ينجح أو يفشل، وإنما هي أحكام شرعية لازمة ملزمة للدولة والرعية، فلا يجوز للدولة أن تفرط في ثروات البلاد التي هي ملك للناس بدعوى عقود أقرتها وأيدتها وتحميها قوانين دولية جائرة، ولا يجوز لها أن تمنع الناس منها بل يجب أن تقطع كل يد تمتد ناهبة إلى ثروات الناس، هذا ما يقدمه الإسلام ويجب تنفيذه، إلا أنه لا يطبق بمعزل عن باقي أنظمة الإسلام بل إنه لا يطبق إلا من خلال دولة الخلافة الراشدة على منهاج النبوة، هذه الدولة التي يحمل همها والدعوة إليها حزب التحرير ويدعو مصر وأهلها شعبا وجيشا إلى العمل معه من أجلها، عسى الله أن يكتب الفتح من عنده فنراها واقعا يعز الإسلام وأهله، اللهم عاجلا غير آجل.

﴿وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرَىٰ آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَفَتَحْنَا عَلَيْهِم بَرَكَاتٍ مِّنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ﴾

كتبه للمكتب الإعلامي المركزي لحزب التحرير

سعيد فضل

عضو المكتب الإعلامي لحزب التحرير في ولاية مصر