November 01, 2013

هل تنجح المؤامرات الغربية ضد المسلمين في تونس؟

لقد تميزت تونس في التاريخ الإسلامي قديما وحديثا بجهادها وقادتها العظام، وبوقوفها كالطود الشامخ في وجه الاستعمار الأول، وتميزت أيضا بعطائها العلمي وانتشار المراكز العلمية المشهورة في أرضها مثل الزيتونة والقيروان وغيرها... وتألق هذا البلد المعطاء في الثورات الحديثة ضد الظلم والاستبداد والقهر والتسلط، الذي مورس وما زال يمارس في كل بلاد المسلمين...


فكانت تونس برجالها ونسائها مفتاحا طيبا كسر إرادة الظلم، وذلك بالتجرؤ على الوقوف في وجهه ثم قلعه من أرضها، وتمثل بالثورة العملاقة التي أرغمت الحاكم المستبد "بن علي" وبعض زمرته على الفرار من أرض تونس الطاهرة...


ولكن الغرب بحقده وخبثه أراد أن يقلب الأمور، ويغيّر مجراها حتى لا يقطف الشعب التونسي العظيم ثمرة تضحياته بالشكل الصحيح... فماذا فعلت الدول الغربية الكافرة لحرف الثورة في تونس عن مسارها الصحيح، وإلهائها بأمور جانبية لا تسمن ولا تغني من جوع؟!


إن هذا السؤال يرجعنا إلى الوراء قليلا عندما ثار شعب تونس العظيم في زمن الاستعمار (1981- 1963) واستطاع بجهاده وشهدائه وقادته العظام أن يطرد الاستعمار، لكنه لم يستطع أن يقطف الثمرة بالشكل الصحيح بسبب دهاء الاستعمار وخبثه ومكره، وفي الوقت نفسه بسبب عدم تبلور الهدف المراد عند الشعب، وطريقة إيجاد هذا الهدف في أرض الواقع، وإنما كان جل اهتمام الشعب هو الانعتاق من الاستعمار دون تحديد شكل البلاد بعد المستعمر، ولا الفكر الذي سيسير عليه الناس بعد هذه المرحلة الحاسمة، ولا الطريقة التي سيختار فيها من يحكمه ويقوده... لذلك استطاع الاستعمار أن يأخذ بمقود القيادة في هذه الدول - سياسيا - بعد أن خرج منها عسكريا، وذلك عن طريق العملاء السياسيين الذين تقمّصوا ولبسوا لباس الثورة والحرية وغير ذلك من شعارات براقة، كانت تخفى على الناس نتيجة سير هذه القيادات خلف هذه الشعارات، فظلت تونس منذ تلك الحقبة - كسائر البلاد التي تحررت - تُحكم بعملاء سياسيين للغرب، كلما ذهب عميل ورثه عميل آخر بطريقة أو بأخرى؛ إما بالانقلاب أو بتزوير الانتخابات، أو بالقمع والقهر... وكان آخر هذه الحقبة الرئيس المخلوع "بن علي".


والحقيقة أن ما جرى في ثورة تونس الأخيرة يشبه إلى حد بعيد ما جرى في الاستعمار الأول (الفرنسي)؛ من حيث اندفاع الناس وثورتهم ضد الظلم والقهر والتسلط، ويختلف قليلا في المرحلة الحالية بوجود الأحزاب الإسلامية التي تعمل لإيصال الفكر الحضاري الإسلامي إلى سدة الحكم، وبوجود قطاع واسع من الأمة يؤيد هذا المشروع الحضاري.


والسؤال هنا هل يمكن لهذا المشروع الحضاري العظيم أن ينطلق من أرض تونس؟ وما هي المعوقات التي تقف في طريقه الآن؟ وكيف يمكن للواعين المخلصين أن يتغلبوا على هذه المعوقات؟


وللإجابة عن هذا السؤال المهم في هذه المرحلة الحرجة من تاريخ تونس أقول:


إن المشروع الحضاري الإسلامي يمكن له أن ينطلق من أي أرض إسلامية في بلاد المسلمين، لا تخضع مباشرة للاستعمار العسكري، ويمكن أن تكون نقطة ارتكاز، ثم انطلاق إلى الدول المجاورة، والسبب هو أن جلَّ الناس الموجودين في هذه البلاد - إن لم يكن كلهم - يريد الإسلام ويؤيده ويطالب بحكم الإسلام، لكن هذا الأمر خطير على الاستعمار، ويكيد له بكل السبل ويحاول جاهدا تضليل أهله عنه كي لا يصل إلى دائرته الصحيحة.


والحقيقة أن الدول الاستعمارية وضعت وما زالت تضع العقبات واحدة تلو الأخرى في تونس، وأيضا ضللت وما زالت تضلل الناس عن الهدف الصحيح، ومن هذه العقبات التي يضعها الاستعمار الغربي في وجه الشعب التونسي العظيم لثنيه من هدفه السامي:


1. تشويه صورة الفكر الإسلامي ومن يحمله من المسلمين:


وهذا ظاهر من خلال ما تقوم به السلطة الحاكمة في تونس، وما تقوم به وسائل الإعلام المسمومة داخل تونس وخارجها، وما تقوم به أيضا الأحزاب المأجورة من تصوير الأحزاب الإسلامية والتجمعات على أنها تريد إرجاع تونس إلى عصور التأخر والانحطاط، أو تريد أن تقيّد حريات الناس وتكبتهم، وغير ذلك من افتراءات على دين الله وعلى المسلمين.


2. إبراز موضوع المرأة والتجمعات النسوية داخل تونس، والقول - كذبا وبهتانا - بأن نساء تونس متحررات على النمط الغربي، ولا يردن تطبيق أحكام الشرع التي تفرض قيودا على اللباس، وعلى علاقة المرأة مع الرجل أو المجتمع بشكل عام، وقد شجعت بعض الجهات السياسية في الداخل والخارج مجموعة من النساء في أكثر من مناسبة للتظاهر وإبراز موضوع "الكبت الديني" حسب زعمهم، وأن هؤلاء النسوة يطالبن بالتحرر والديمقراطية على منوال الغرب.


3. مساعدة بعض القادة السياسيين للوصول للحكم عن طريق الانتخابات ومساندة العسكر، وإظهار هؤلاء القادة على أنهم يمثلون رغبة الشعب الدينية، وأنهم أيضا يمثلون الإسلام السياسي في تونس، وهذا الأمر ظهر في وصول حركة النهضة وإظهارها للإسلام السياسي على أنه النظام الديمقراطي والحريات، ولم تغير هذه الحركة في جوهر الأمور شيئا؛ لا من ناحية القوانين ولا من ناحية العلاقات الخارجية، ولا من ناحية تتعلق بالحياة السياسية داخليا وخارجيا، وإنما شوهت مفهوم الدين عند عامة الناس وقلبت الأفكار، وزادت الفقر في البلاد، ولم تستطع إحداث أي تغيير جذري ملموس على أساس الدين، لدرجة أن الناس صاروا يرفضون هذه الحكومة، ومنهم من يرفض الدين على هذه الشاكلة البئيسة، مما أوقع البلاد في أزمات سياسية جديدة، وفتح البلاد على التدخلات الخارجية تتلاعب بها الدول الكبرى كما تشاء.


4. ربط البلاد اقتصاديا بالغرب تماما كما كان الأمر في السابق، وذلك عن طريق الاقتراض من صندوق النقد الدولي والبنك الدولي، وإعطاء امتيازات للتنقيب عن الثروات وخاصة الغاز الصخري، وهذا الأمر جعل البلاد رهينة للتدخلات والإملاءات الغربية، يضع عليها الغربيون الشروط الاقتصادية والسياسية التي يريدون بحجة أن البلاد مقبلة على أزمات اقتصادية.


5. إيجاد الفتن والشروخ بين شرائح المجتمع؛ وذلك بالتصفيات الجسدية لبعض القادة السياسيين، وهذا الأمر يعمد إليه الاستعمار باستمرار في البلاد التي تقوم ضده، وقد استخدم هذا الأسلوب في الجزائر ويستخدمه الآن في مصر، وها هو يستخدمه داخل تونس عن طريق أيدٍ مرتبطة بالنظام السابق، كي يشغل الناس عن الهدف الأصلي وهو إنقاذ البلاد والأخذ بيدها إلى بر الأمان.


6. تحييد الجيش والعسكر عن الأحداث حتى لا يتدخل في حسم الأمور مستقبلا لصالح إنقاذ البلاد، وفرض التغيير بالقوة بسبب الفتن وتسلط العملاء السياسيين على البلد.


وهذا الأسلوب يستخدمه الاستعمار دائماً في البلاد التي تكثر فيها الثورات، فإما أن يحيّد الجيش حتى لا يحسم الأمر في اتجاه معين كما جرى في إيران، وإمّا أن يجعل الجيش سيفاً مسلطاً على الناس يتحكم بأمورهم كما هو الحال في مصر اليوم ، وكلا الأمرين شر من الآخر..


هذه أبرز العقبات والمعوقات التي تواجه المخلصين من حملة الدعوة داخل تونس لأخذ الرأي العام المنبثق من الوعي العام على الإسلام داخل تونس، فهل ستنجح القوى الاستعمارية ومن يساندها من أيد آثمة في الداخل في تضليل الشعب التونسي عن هدفه الأصيل إلى ما لا نهاية؟! أم أن الأمور ستكون غيمة صيف سرعان ما تنقشع ليظهر نور الشمس وضاحا وضاءً أمام المسلمين من أهل تونس؟ وفي الوقت نفسه كيف يعمل حملة الدعوة على تسريع الأمور نحو هذا الهدف العظيم بإعادة تونس إلى أصالتها وإلى تاريخها وحضارتها؟


إنّ هذا الخداع لن يطول أمره على شعب تونس المعطاء بإذن الله، حتى ولو تغيرت أساليبه وتعددت وسائله، والسبب هو أن هذا الشعب يرفض الذلّ والظلم ويحب الإسلام، وإن كان قسم منه لا يعرف حقائق الأمور فإنه سرعان ما سيعرفها بعد أن تُبين ويرى أثرها في أرض الواقع... وخاصة أن أساليب الاستعمار ضعيفة ورخيصة، ولا تناسب طموح المسلمين وغاياتهم النبيلة.


هذا من ناحية ومن ناحية ثانية فإن الخداع لا يطول أمره، وسرعان ما سينكشف ستره، والأحزاب المأجورة مهما غيّرت لونها وتظاهرت بأنها تريد خدمة الشعب فإن الشعب سيعرف ذلك من خلال الأحداث والنتائج على أرض الواقع.


فقد خُدع الشعب الجزائريّ بداية الأمر بما تصنعه الأيدي الآثمة من مجازر ولكنه سرعان ما عرف الحقيقة بأن أيدي النظام هي التي تفتعل الأحداث، وخُدع قسم من شعب مصر في البداية بما يقدّمه العسكر بأن الإسلام هو السبب في الأزمات، وفي عدم الأمن والأمان، ولكنه سرعان ما اكتشف الحقيقة بأن النظام وأجهزته هم سبب كل الأزمات، وأن انعدام الأمن سببه أيضاً النظام، وأنه هو الذي يوجد الفتن...


أمّا دور حملة الدعوة في هذه المرحلة الحساسة من تاريخ تونس فإنه تاريخي ومفصلي، وأن عليهم واجبًا عظيمًا في أمور عديدة تنتج عنها الوعي العام والرأي العام لصالح الإسلام ودولة الإسلام، وينتج عنها الكشف السياسي للعملاء وطرق وأساليب عملهم الشيطاني داخل الشعب التونسي، وينتج عنها أيضاً استقطاب الشعب بإعطاء ولائه لله وللإسلام ولحملة الدعوة، واستقطاب القوى الفاعلة في الجيش من أصحاب القوة لحماية المشروع الحضاري والمساعدة والوقوف لتطبيقه عملياً وحمايته من اعتداء المعتدين.


أمّا الأعمال التي يقوم بها حملة الدعوة متمثلة بما يأتي:


أولاً: العمل في كافة القطاعات الجماهيرية، وبكافة الأساليب والوسائل بأقصى طاقة ممكنة لإيجاد الرأي العام المنبثق من الوعي العام على حكم الإسلام، وما يحدثه هذا الحكم في أرض الواقع لأهل تونس ولأمة الإسلام بشكل عام.


ثانياً: كشف وفضح كل المؤامرات التي تحوكها وتضعها الدول الاستعمارية وأدواتها، وخاصة مسألة تشويه الإسلام، وإيجاد الفتن بين الناس.


ثالثاً: العمل على طرح المشروع الإسلامي بشكل لافت للنظر ومؤثر بين كل أوساط الشعب ونقض كلّ فكر خلافه وتعريته فكرياً وسياسياً أمام الجماهير.


رابعاً: كسر الحاجز ما بين الشعب ومشروعه الحضاري وبين الجيش؛ لأن الجيش هو الحامي للشعب ومشروعه الذي يضعه نظام حياة، وليس حارساً على مشاريع الاستعمار الغربي، ومحاولة إقناع القادة بهذا الأمر.


خامساً: الاتصال بالأوساط السياسية والمؤثرة داخل البلاد لتحميلهم المشروع الحضاري للإسلام وبيان المخاطر التي تحدق بالبلاد بسبب المشاريع الاستعمارية الخطيرة.


هذا بإيجاز ما يمكن أن يُفعل داخل تونس هذه الأيام - وما يتلبس به حملة الدعوة المخلصون هناك - لإزالة الغمة والتضليل عن أهلها ولإيجاد المشروع الحضاري للإسلام، وإن أهل تونس هم أهل جدّ وعطاء كما ثبت ذلك في التاريخ، وكما أثبتوا عملياً في بداية التصدي للظلم، ونأمل من العلي القدير أن تكون بداية التغيير لصالح الإسلام من أرض الزيتونة والقيروان تماماً كما كانت بداية الثورة المخلصة على الظلم من أرض تونس.


فنسأله تعالى أن يعجّل بالفرج لأمة الإسلام جميعاً إنه سميع قريب مجيب الدعاء.



كتبه للمكتب الإعلامي المركزي لحزب التحرير
حمد طبيب - بيت المقدس

المزيد من القسم سياسة

يا علماء الأزهر: الشام لا تنتظركم تحت راية الاستعمار!!

ذكرت جريدة اليوم السابع في 26/10/2015م، أنها حصلت على نسخة من تقرير مهم لمرصد الأزهر الشريف أكد فيه "أن التحالف مع جيوش غير مسلمة لمواجهة الجماعات المتطرفة وإن كانت مسلمة "جائزة"، ما دامت ليست من قبيل الاستعانة بالمشركين على المسلمين طلبا لخذلان المسلمين، كما ذكر أن من مقاصد الشريعة عمارة الكون ولتحقيقها تمت الاستعانة بهم في نواح عديدة، منها الإدارية والصناعية والكتابية والقتالية وغيرها، واستدل بأن الرسول r استعان حينما هاجر إلى المدينة برجل مشرك ليدله على الطريق، وكان له غلام يهودي يخدمه بالمدينة، ولما قدم إلى المدينة كتب معاهدة بين المسلمين واليهود جاء فيها: (وأن بينهم النصر على من داهم يثرب)، ولما توجه رسول الله إلى مكة عام الحديبية ووصل إلى ذي الحليفة أرسل عينا له من خزاعة يأتيه بخبر قريش، وكان ذلك الرجل مشركا"، ليختم قائلا: "أما التحالف مع غير المسلم في مواجهة جماعة متطرفة تهدد أمن المجتمعات وسلامتها فعلينا هنا أن نفرق بين من يستعين بالمشركين على المسلمين طالبا خذلان المسلمين، قاصدًا هدم دولتهم، هادفًا إلى إضعاف شوكة الإسلام، كارها مبغضا لهذا الدين وأهله، فهذه الحالة نهى عنها ربنا تبارك وتعالى بقوله: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى أَوْلِيَاءَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ مِنْكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِى الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ﴾، وبين من يفعل ذلك ردا لعدوان فئة باغية لا يستطيع رد عدوانها وحده، مع احتفاظه بسيادة دين الإسلام في بلده ظاهرا غالبا، فلا مانع له أن يستعين بغير المسلمين تحقيقا لمصالح المسلمين؛ ولضرورة أمن المجتمع وسلامته".

من الواضح جدا أن الوضع في الشام يلقي بظلاله على المنطقة كلها، وأن هناك ترتيباً وتحضيرات لكي تصبح مصر مخلبا من مخالب أمريكا في الشام بإدخالها إلى حلبة الصراع كما فعلت في ليبيا من قبل، كجزء من حلف أمريكا في حربها الصليبية الجديدة بعد أن أوشكت روسيا على الفشل، وحتى لا يغضب أبناء الكنانة لتحرك جيشهم تجاه إخوانهم في الشام، ويكون هناك مبرر لقمع من يظهر الغضب منهم، فلا بد من مبرر قوي وفتوى شرعية لخداع أهل الكنانة وأبنائهم في الجيش حتى لا يؤرقهم فيما بعد تلوث أيديهم بدم إخوانهم في بلاد الشام، وبدلا من أن يصدر مرصد الأزهر وعلماء الكنانة بيانا وفتاوى تحرم تلك التحالفات على أبناء الأمة وتجرم الدخول فيها، وتبين وجوب نصرة أهل الشام وأهل فلسطين وغيرهم ورد كيد أعداء الأمة من أمريكا ويهود والغرب الكافر، أصدر المرصد تقريرا أجاز فيه التحالف مع جيوش غير مسلمة لمواجهة الجماعات المتطرفة وإن كانت مسلمة، ما دامت ليست من قبيل خذلان المسلمين، وكأن قتل المسلمين ليس خذلانا لهم أو أنه قد أصبح أحد مقاصد الشريعة، ولا ندري من أين أتى المرصد بهذه الفتوى وما دليله عليها؟! ولا عن أي شريعة وأي مقاصد يتحدث؛ فمقاصد الشرع تحفظ النفس المسلمة لا تقتلها بتحالف مع عدو الله ورسوله وعدو الأمة، والمعلوم من قول رسول الله r «إنا لا نستضيء بنار المشركين» ورده على المشرك الذي لحق بالجيش «إنا لا نستعين بمشرك»، أما الاستعانة في الأمور الإدارية فلم يرد تحريمها، وهي تختلف جملة وتفصيلا عن الاستعانة في القتال فضلا عن قتال المسلمين، والأصل فيها الإباحة ولا يجوز قياسها على قتال أهل البغي من المسلمين بأي حال من الأحوال، فهي ليست من الأمور الإدارية وإنما هي أحكام شرعية لأفعال الأصل فيها التقيد بأحكام الشرع المستنبطة من أدلتها، وما أتى به النص الصريح هنا في قتال طائفتين من المؤمنين ﴿وَإِن طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا فَإِن بَغَتْ إِحْدَاهُمَا عَلَى الْأُخْرَىٰ فَقَاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي حَتَّىٰ تَفِيءَ إِلَىٰ أَمْرِ اللَّه﴾ فالأصل في قتال طائفتين من المؤمنين أن نعمل على الإصلاح بينهما ثم يقاتل المسلمون، والمسلمون فقط دون غيرهم، الفئة الباغية طالما بقيت على بغيها حتى تعود عنه، ولا يجوز لهم أن يستعينوا بكافر على إخوانهم بعدوهم أبدا، فكما في الصحيحين «الْمُسْلِمُ أَخُو الْمُسْلِمِ، لَا يَظْلِمُهُ، وَلَا يُسْلِمُهُ، وَمَنْ كَانَ فِي حَاجَةِ أَخِيهِ، كَانَ اللَّهُ فِي حَاجَتِهِ، وَمَنْ فَرَّجَ عَنْ مُسْلِمٍ كُرْبَةً، فَرَّجَ اللَّهُ عَنْهُ كُرْبَةً مِنْ كُرُبَاتِ يَوْمِ الْقِيَامَةِ، وَمَنْ سَتَرَ مُسْلِمًا، سَتَرَهُ اللَّهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ».

وحتى نفصل في الفتوى يجب أن نستعرض واقع الأمة اليوم؛ حيث لا وجود لدولة إسلامية بالمفهوم الشرعي بل كلها بلاد إسلامية يسكنها مسلمون، يحكمها حكام ضرار مغتصبو سلطة وضعهم الغرب الكافر على رؤوس البلاد والعباد لرعاية مصالحه ولقهر الأمة واستعباد شعوبها للغرب الكافر، وكل من حاول الانعتاق من التبعية والتملص من ربقة الغرب يتسلطون عليه بسلاح ثمنه من أموال وأقوات الأمة واصفين كل من حاول الانعتاق بكل أوصاف التطرف والإرهاب والخروج.

وهنا مع هذا الواقع يكون واجب الأمة خلع هؤلاء الحكام وتنصيب خليفة واحد تكون رئاسته عامة لجميع المسلمين ويحصل الحكم ببيعة شرعية صحيحة ويحكم الأمة بالإسلام كاملا شاملا غير منقوص، ويكون له وحده حق تبني الأحكام الشرعية وسنها دستورا وقوانين، بهذا فقط يكون لدينا دولة إسلامية من حقها وحدها قتال البغاة والخارجين، أما هؤلاء الحكام وعلماؤهم وعملاؤهم فهم مغتصبون لسلطان الأمة محاربون لله ورسوله وأوليائه، وهم آخر من يقيم للإسلام وأحكامه وزنا أو احتراما في بلادنا ولا علاقة لهم لا بالشرع ولا بمقاصده، وأول من يدرك ذلك هم العلماء قبل عوام الناس من أهل الكنانة وغيرها، فلا يجوز لهم أن يبرروا ويشرعنوا خياناتهم في تجارة بالإسلام واستغلال واضح لجهل الناس بأحكامه لصالح حكام السوء ومن خلفهم الغرب الكافر عدو الإسلام والمسلمين، والذي يبررون الآن التحالف معه لوأد ثورة الأمة في الشام وغيرها، في محاولة يائسة لمنع عودة الخلافة على منهاج النبوة والتي أصبح نجمها يعلو في الأمة بعمومها والشام خاصة، والتي فضحت العملاء وعلماء السوء وأبت إلا أن تكشف كل متلون مخادع، ولن يبقى ثابتا إلا من يستحقون بحق أن يكونوا كأمثال الصحابة وأن تقام على أكتافهم دولة خلافة على منهاج النبوة يرضى عنها ساكن السماء وساكن الأرض.

يا علماء الأزهر الكرام وأحفاد العز بن عبد السلام سلطان العلماء، لا تكونوا أكثر الخاسرين فتبيعوا دينكم بدنيا غيركم، ولن ينفعكم حكام السوء أو يغنوا عنكم من الله شيئا، فكونوا مع الحق الذي تعلمون وطالبوا أهل مصر الكنانة وجيشها بخلع حكام السوء وإعلانها خلافة على منهاج النبوة، ونصرة أهل الشام وفلسطين وسائر المستضعفين من أبناء الأمة، فهذا دوركم ودورهم، فأنتم ورثة الأنبياء وهم جند الله ورسوله ودرع الأمة وحماة الإسلام فحرضوهم على نصرة الله ورسوله تفوزوا وإياهم ويكون لكم وللكنانة السبق في ركب الجنة.

يا أهل الكنانة وعلماءها وجيشها، يا من كنتم للإسلام درعا وحصنا وكان للإسلام بكم عزٌّ ومنعة من للإسلام، إن لم يكن أنتم من ينتصر لحرمات المسلمات غيركم من يحرر الأقصى دونكم، إن الأقصى والشام لا تنتظركم تحت راية الاستعمار وخلف عدو من أعداء الله ولخدمة الغرب الكافر ولفرض نفوذه ومخططاته ومنع عودة الحياة الإسلامية من خلال خلافة على منهاج النبوة، وإنما تنتظركم أنتم جند صلاح الدين تحت راية رسول الله r، تنتظركم ناصرين فاتحين محررين كما عهد بكم، تنتظركم بأسا شديدا على أعداء الله ورسوله وعزا لدينه ومددا لأنصاره، واعلموا أن نصر الله قادم لا محالة، فليكن بأيديكم أنتم وليكن لكم السبق للفردوس الأعلى مع أنصار الأمس فإنها الجنة، والأيام القادمة أيام فاصلة فانحازوا فيها لما يحب الله ويرضى وانصروا إخوانكم في حزب التحرير واحملوا معهم مشروع الأمة المنبثق عن عقيدتها خلافة على منهاج النبوة تنهي التبعية للغرب الكافر وتعيد عز الإسلام وأهله وتعيد بلادنا سيدة الدنيا كما كانت، اللهم اجعله قريبا واجعله بأيدينا.

كتبه لإذاعة المكتب الإعلامي المركزي لحزب التحرير

عبد الله عبد الرحمن

عضو المكتب الإعلامي لحزب التحرير في ولاية مصر

نعمة الأمن والأمان في الأردن

نتغنى في الأردن بالأمن والأمان، وإذا ما تكلم بعضنا بوجوب نصرة الشام والأقصى رد علينا آخرون بقولهم أنتم تريدون إشاعة الفوضى في البلد والقضاء على الأمن والأمان، ألا ترون ما حدث لأهل سوريا ومصر وليبيا واليمن وغيرهم؟

أقول لمثل هؤلاء: إن نعمة الأمن والأمان والرخاء الاقتصادي كان يتنعم بها أهل مكة، فقد آمنهم الله من الجوع والخوف بينما كانت القبائل من حولهم يغير بعضها على بعض فيقع فيهم القتل والأسر، قال تعالى مذكرا إياهم أنهم كانوا في أمان بينما غيرهم يعيش في خوف ﴿أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّا جَعَلْنَا حَرَمًا آمِنًا وَيُتَخَطَّفُ النَّاسُ مِنْ حَوْلِهِمْ أَفَبِالْبَاطِلِ يُؤْمِنُونَ وَبِنِعْمَةِ اللَّهِ يَكْفُرُونَ﴾ فماذا حدث لأهل مكة؟ هل استمر الأمن والأمان؟ هل حافظوا على نعمة الأمن والأمان؟ قال تعالى: ﴿لِإِيلَافِ قُرَيْشٍ * إِيلافِهِمْ رِحْلَةَ الشِّتَاءِ وَالصَّيْفِ * فَلْيَعْبُدُوا رَبَّ هَذَا الْبَيْتِ * الَّذِي أَطْعَمَهُم مِّن جُوعٍ وَآمَنَهُم مِّنْ خَوْفٍ﴾.

أطعمهم من جوع: أمان اقتصادي... كانت خيرات الجزيرة العربية والشام واليمن تجبى إليهم في رحلتين سنويتين، رحلة الشتاء إلى اليمن ورحلة الصيف إلى الشام، وآمنهم من خوف: كانت القبائل تسعى إلى ودِّهم لأنهم أهل الحرم،كما أن الرحلة في الصحراء إلى اليمن جنوبا والشام شمالا دليل على الأمن الذي تنعَّم به تجار مكة.

ولما بعث رسول الله r إليهم طلب منهم أن يحافظوا على هذه النعمة، كيف؟

اسمعوا قوله تعالى ﴿فَلْيَعْبُدُوا رَبَّ هَذَا الْبَيْتِ * الَّذِي أَطْعَمَهُم مِّن جُوعٍ وَآمَنَهُم مِّنْ خَوْفٍ

إذن المحافظة على الأمن والأمان تكون بطاعة الله عز وجل، وتنفيذ أوامره سبحانه في الحياة العامة، في الحكم والاقتصاد والاجتماع والتعليم والسياسة الخارجية، وليس الاقتصار على تنفيذ أمر الله في العبادات والأخلاق والمطعومات والملبوسات فقط، قال تعالى ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ ادْخُلُواْ فِي السِّلْمِ كَآفَّةً﴾ أي نفذوا أحكام الإسلام كلها، فلا يجوز أن نقصر الإسلام على جزء منه ونترك الباقي خوفا من أمريكا وأوروبا وغيرهما من دول العالم.

فحتى نحافظ على الأمن والأمان يجب تغيير الدستور إلى دستور إسلامي وتغيير النظام الحاكم من نظام علماني إلى نظام إسلامي، وأن تسترد الأمة سلطانها وتختار حاكمها لتبايعه على الحكم بكتاب الله وسنة رسوله r... وفي ذلك تحقيق لعبادة رب البيت.

وأما عصيان الله وإعلان الحرب على أحكامه الشرعية فهو خسران الأمن والأمان، والحكم بغير ما أنزل الله خروج عن طاعة رب البيت، والتنسيق مع روسيا في حربها على المسلمين في الشام خروج عن طاعة رب البيت، والمشاركة في التحالف الصليبي خروج عن طاعة رب البيت، وإباحة الربا باسم الحرية الاقتصادية، وإباحة التعري والسفور والاختلاط والمثلية الجنسية باسم الحرية الشخصية خروج عن طاعة رب البيت، وترك قطعان يهود يمارسون عربدتهم في الأقصى خروج عن طاعة رب البيت، وتأييد نتنياهو في تركيب كاميرات التجسس خروج عن طاعة رب البيت، وخذلان أهل سوريا وتركهم لبشار وروسيا وإيران وحزبها في لبنان خروج عن طاعة رب البيت، وإرسال الجيش الأردني ليحارب المسلمين بدلا من توجيههم لمحاربة يهود وتحرير الأقصى وفلسطين منهم هو خروج عن طاعة رب البيت...

أهل مكة رفضوا دعوة الله فخسروا الأمن والأمان.

انقسم المجتمع إلى مؤمنين وكافرين... أصبح الأخ يعادي أخاه والابن يعادي أباه والزوجة تعادي زوجها والعبد يعادي سيده. عصا العبيد أسيادهم، وعصا الشعب حكامه، وسموا زعيمهم أبا الحكم بأبي جهل. وأمر الله نبيه والمؤمنين بتهديد أبي جهل ﴿كَلَّا لَئِن لَّمْ يَنتَهِ لَنَسْفَعًا بِالنَّاصِيَةِ﴾ ثم أمره أن يعلن الوصف الحقيقي لأبي جهل ﴿نَاصِيَةٍ كَاذِبَةٍ خَاطِئَةٍ﴾ ثم يستأنف التحدي والتهديد والوعيد ﴿فَلْيَدْعُ نَادِيَه * سَنَدْعُ الزَّبَانِيَةَ﴾ ثم أمر رسوله والمؤمنين بعصيان الحاكم المجرم وإعلان التمرد على دستوره ﴿كَلَّا لَا تُطِعْهُ وَاسْجُدْ وَاقْتَرِبْ﴾.

لو دخل أبو الحكم في الإسلام وعبد ربَّه الذي أعطاه الأمن من الجوع والأمن من الخوف لما فرق مجتمعه، ولو آمن زعماء مكة لحققوا شرفا ما بعده شرف، ولظل ذكرهم معطراً خالدا، ولكنهم رفضوا الشرف واستغربوا وعد الرسول r بالانتصار على فارس والروم، واتهموه بالجنون، ففقدوا الأمن والأمان وقُتلوا في معركة بدر، أين هم الآن؟!.. في الجحيم والعياذ بالله وقانا الله وإياكم ذلك المصير. أما أولادهم الذين آمنوا بدعوة الإسلام فقد حافظوا على نعمة الأمن والأمان وأصبحوا قادة البشرية.

ونحن في الأردن إذا لم نعِ الدرس وندرك أن الحفاظ على الأمن والأمان لا يكون إلا بعبادة رب البيت... فسنخسر الدنيا والآخرة.. نعوذ بالله من ذلك... وها نحن نرى بعض البوادر في فقدان نعمة الأمن والأمان من انتشار العصابات والعنف في الجامعات والعشائر وفساد الدولة ونهب المال العام والفقر والبطالة... وإذا لم نعد إلى ديننا عودة حقيقية فسيستمر الخسران حتى نجد أنفسنا مشردين لاجئين كأهل البلاد من حولنا... لا قدر الله.

كتبته لإذاعة المكتب الإعلامي المركزي لحزب التحرير

نجاح السباتين – ولاية الأردن