هل يعوَّل على الاحتجاجات في الدول الغربية أن تحل مشاكل المسلمين ومنها فلسطين؟
May 07, 2024

هل يعوَّل على الاحتجاجات في الدول الغربية أن تحل مشاكل المسلمين ومنها فلسطين؟

هل يعوَّل على الاحتجاجات في الدول الغربية أن تحل مشاكل المسلمين ومنها فلسطين؟

أشاد مفتي عُمان الشيخ أحمد بن حمد الخليلي، بما وصفها بـ"انتفاضة" الطلاب في الولايات المتحدة وأوروبا دعما لأهالي قطاع غزة الذين يواجهون حربا (إسرائيلية) منذ نحو 7 أشهر. جاء ذلك وفق منشور لمفتي عمان، عبر حسابه الموثق بمنصة إكس، وسط تواصل الاحتجاجات الطلابية بعدة جامعات أمريكية وأوروبية. وقال مفتي عمان "نحيي انتفاضة الطلاب والمدرسين في الجامعات الأمريكية والأوروبية استنكارا للإبادة الجماعية التي تمارسها سلطات الاحتلال في قطاع غزة". وأضاف الخليلي: "نرجو أن تعم (تلك الانتفاضة) جميع الجامعات. وفي هذا عبرة لمن يؤثرون سياسة الانبطاح، ويسارعون إلى التطبيع مع العدو المحتل"، في إشارة لـ(إسرائيل). (الجزيرة، 28/04/2024م)

إن ما يقع من مظاهرات في الدول الغربية عند الأوساط الطلابية هناك لهو دليل على تشكيك شريحة كبيرة فيها بالروايات الرسمية الصادرة عن دولهم حول حقيقة ما يجري في العالم من أحداث وبالأخص ما جرى في غزة والأرض المباركة فلسطين قبل وبعد 7 تشرين الأول/أكتوبر 2023م ويعبر عن رفض تلك الشرائح لانحياز دولهم إلى جانب كيان يهود في قتلهم للمدنيين. وهذا النوع من المظاهرات هو تعبير عن حالة فكرية لدى تلك الشرائح، وهي تذكرنا بنص جاء في كتاب التفكير الذي أصدر حزب التحرير: "فالتفكير بالحقيقة هو تطبيق الفكر على الواقع الذي يدل عليه فإن انطبق عليه كان حقيقة، وإن لم ينطبق عليه لم يكن حقيقة. والتفكير بالحقيقة أمر لا بد منه للناس جميعاً من أفراد وشعوب وأمم، ولا سيما من يتحملون مسؤوليات مهما كانت صغيرة لأن الأفكار كثيراً ما تكون سببا للخطأ، وسببا للضلال فلا يصح أخذ الفكر أي فكر على أنه حقيقة بل يؤخذ على أنه فكر فقط ثم يجري تطبيقه على الواقع الذي يدل عليه فإن انطبق عليه كان حقيقة، وإلا لم يكن حقيقة وإن كان فكراً. فالتفكير بالحقيقة سواء أكان ابتداءً مثل القيام بالعملية العقلية للوصول إلى الفكر ثم تطبيق هذا الفكر على الواقع حتى ينطبق عليه فإذا انطبق عليه كان حقيقة وإلا فيجب أن يجري البحث عن الحقيقة، أي عن الفكر الذي ينطبق على الواقع الذي يدل عليه أو لم يكن ابتداءً وإنما كان عن طريق أخذ الأفكار الموجودة والبحث عن الحقائق منها. مثل القيام بتطبيق الأفكار الموجودة على الواقع، للوصول إلى الحقيقة. وهنا لا بد من لفت النظر إلى أمرين: أحدهما المغالطات التي تحصل في الحقائق، والثاني المغالطات التي تصرف عن الوصول إلى الحقائق. أما المغالطات التي تحصل عن الحقائق، فإنها تحصل من جراء التشابه الذي يحصل بين الحقائق أو الأفكار فيتخذ هذا التشابه أداة لطمس الحقائق، أو يكون باستعمال حقيقة من الحقائق لطمس حقيقة أخرى، أو يكون بالتشكيك في حقيقة من الحقائق، من أنها ليست حقيقة أو كانت حقيقة في ظرف وتغير هذا الظرف، إلى غير ذلك من الأساليب. فمثلاً كون اليهود أعداء للمسلمين حقيقة وكون اليهود أعداء لأهل ما يسمى فلسطين حقيقة، وهاتان حقيقتان متشابهتان أو متداخلتان ولكن المغالطة جعلت حقيقة العداء بين اليهود وأهل فلسطين هي البارزة بل هي الملاحظة فاتخذ هذا التشابه أو التداخل أداة لطمس حقيقة العداء بين اليهود والمسلمين. وكون فكر أن الحرية موجودة عند أمريكا حقيقة وكون فكر أن أمريكا إنما يختار رؤساءها الرأسماليون حقيقة وهما فكران متشابهان من حيث إن كلاً منهما يدل على واقع أمريكا. ولكن اتخذت حقيقة الحرية أداة لطمس حقيقة كون الرأسماليين هم الذين يختارون رؤساء أمريكا. فطمست هذه الحقيقة وصار المعروف أن الذي ينجح رئيساً في أمريكا هو من له شعبية أكثر. ومثلاً كون إنجلترا ضد الوحدة الأوروبية حقيقة وكون إنجلترا تريد تقوية نفسها بأوروبا الموحدة حقيقة. فاتخذت الحقيقة الثانية أداة لطمس الحقيقة الأولى، وبذلك دخلت إنجلترا السوق المشتركة. ومثلاً كون الإسلام قوة لا تغلب حقيقة ولكن جرى التشكيك في هذه الحقيقة حتى أصبح الرأي بأن هذا ليس حقيقة أو كان حقيقة في أول الإسلام ثم تغير الزمن فلم تعد حقيقة. وهكذا تجري المغالطات في الحقائق فتطمس إما بحقائق أخرى أو بالتشكيك في تلك الحقائق. وهذا ما حذق فعله الغرب في الحقائق الموجودة عند المسلمين. وأما المغالطات التي تصرف عن الحقائق فإنها تحصل بإيجاد أعمال تصرف عن الحقائق أو إيجاد أفكار تصرف عن الحقائق. فمثلاً كون الأمة لا تنهض إلا بالفكر حقيقة، ولكن لصرف المسلمين عن الفكر شجعت الأعمال المادية من مظاهرات واضطرابات وثورات لصرف الناس عن الفكر، وانشغالهم بالعمل، فطمست حقيقة أن الأمة لا تنهض إلا بالفكر وحل محلها أن الأمة لا تنهض إلا بالثورة. وكذلك لصرف المسلمين عن حقيقة النهضة وجدت أفكار أن النهضة تكون بالأخلاق وأن النهضة تكون بالعبادات وأن النهضة تكون بالاقتصاد إلى غير ذلك من الأفكار. وهكذا تجري المغالطات لصرف الناس عن الوصول إلى الحقائق. ولذلك لا بد من الانتباه للمغالطات ولا بد من التمسك بالحقائق والقبض على الحقيقة بيد من حديد، ولا بد من العمق في الفكر والإخلاص في التفكير للوصول إلى الحقائق" انتهى الاقتباس من كتاب التفكير ومعه يلفت النظر إلى الأمور التالية:

أولا: التنويه أن المظاهرات التي تجري في الدول الغربية من جانب الشعوب الغربية حاليا ضد انحياز دولهم إلى جانب كيان يهود ليست لصرف النظر عن الفكر بل هي نوع من أنواع التعبير عن عملية فكرية رافضة لمواقف النخب الحاكمة من قبل طلاب وأساتذة جامعات. وإن عملية التفكير هذه ستبقى ناقصة ما لم تقر حقائق حول أصنام الديمقراطية والحريات وكذلك حول فساد النظام الرأسمالي في حل مشاكل الإنسان وفي حل العقدة الكبرى عن أسئلة الوجود حلا صحيحا أي عن وجود الكون والإنسان والحياة وما قبلها وما بعدها وعلاقتها جميعها ببعضها، حلا صحيحا يقنع العقل ويملأ القلب طمأنينة وتنبثق عنه جميع النظم لبني الإنسان. ناهيك عن فهم واقع وحقيقة نشوء كيان يهود على يد بريطانيا وأنه كان احتلالا لأرض إسلامية وأن الدول الغربية أمريكا وبريطانيا وغيرها وكذلك عملاء الدول الغربية من حكام بلاد المسلمين يعملون على تكريس هذا الاحتلال.

ثانيا: ضرورة السعي لرفع مستوى التفكير عند الأمة الإسلامية بكافة شرائحها حتى تجد طريقا منتجا لحل مشكلة فلسطين وباقي قضايا المسلمين وأن يكون هذا التفكير جديا كما جاء في موضع آخر من كتاب التفكير: "فإن الجدية تقضي بأن يعمل لتحقيق ما يقصد إليه، وأن يكون عمله في مستوى ما يقصد إليه. فإذا لم يعمل لتحقيق ما يقصد إليه ولو الوصول إلى فكر معين أو يعمل أعمالاً هي دون ما يقصد إليه، فإنه ليس جاداً في تفكيره. فقول المرء إنه جاد في تفكيره لا يكفي لأن يكون جاداً، واصطناعه أحوالاً أو مظاهر أو حركات فكرية كانت أو مادية لا يكفي لأن يكون جاداً، ولا يكفي للدلالة على الجدية بل لا بد من القيام بأعمال مادية، وأن تكون هذه الأعمال في مستوى ما يفكر به حتى يكون جاداً، أو حتى يستدل على أنه جاد في تفكيره. فالقيام بالأعمال المادية، وأن تكون هذه الأعمال في مستوى ما يفكر به أمر ضروري حتى توجد الجدية في التفكير، أو حتى يستدل على وجود هذه الجدية في التفكير. والأمم والشعوب المنحطة، والأفراد الكسالى أو الذين يتجنبون الأخطار أو الذين يتملكهم الحياء أو الخوف أو الاعتماد على الغير، فإن هؤلاء جميعاً غير جادين فيما يفكرون به. لأن الانحطاط يجعل المرء يستهوي الأسهل، فلا يعني نفسه بالأشق الأصعب، والكسل يتنافى مع الجدية، واتقاء الأخطار يصرف عن الجدية، والحياء والخوف والاعتماد على الغير يحول دون الجدية. ولذلك لا بد من رفع الفكر والقضاء على الكسل وحب اقتحام الأخطار، والتفريق بين الحياء وبين ما يجب أن يستحيى منه، والشجاعة وجعل الاعتماد على النفس سجية من السجايا، حتى توجد الجدية في الأفراد والشعوب والأمم. لأن الجدية لا توجد بشكل عفوي بل لا بد من اصطناع إيجادها. أما ضرورة وجود الجدية في التفكير، فهو أنه ليس القصد من التفكير هو إيجاد الفكر فحسب، بل يجب أن يكون التفكير من أجل الانتفاع بهذا الفكر أي انتفاع. وبالتالي لا بد أن يكون التفكير من أجل العمل". ثم يقول في موضع آخر من الكتاب نفسه: "والجدية في التفكير لا تستلزم قصر المسافة بين الفكر والعمل ولا تقتضي طولها. لأن العمل هو نتيجة للفكر، فقد يفكر المرء بالذهاب إلى القمر وقد تطول المسافة بين هذا التفكير وبين الوصول. وقد يفكر بالأكل وقد تطول المسافة بين التفكير وبين القيام بالأكل. وقد يفكر بإنهاض أمته وقد تقصر المسافة بين تفكيره وبين وجود النهضة. فالمسألة ليست بطول المسافة أو قصرها، لأن المسافة بين التفكير والعمل، لا ضرورة لأن تكون قصيرة أو طويلة، بل قد تكون قصيرة وقد تكون طويلة. بل المهم هو أن يوجد عمل من جراء التفكير، سواء أوجده نفس المفكر أو أوجده سواه. فالتفكير يجب أن ينتج عملاً سواء أكان كلاماً كالشعراء والأدباء أو كان أعمالاً كالعلماء في العلوم التجريبية، أو كان خططاً كعلماء السياسة وعلماء الحرب. أو كان فعلاً مادياً كالحرب والأكل والتعليم وغير ذلك من الأفعال. وعليه فإن التفكير حتى ينتج النتيجة التي فكر بها، لا بد أن يكون جدياً سواء أنتج بالفعل أم أخفق في الإنتاج. فالجدية أمر ضروري في التفكير. وبدون الجدية يكون التفكير عبثاً في عبث أو لهواً ولعباً، أو رتيباً يسير على وتيرة واحدة بحكم العادة وبحكم التقليد. والتفكير الرتيب يستمرئ الحياة التي عليها المفكر والحياة التي عليها الناس، ويبعد عن الأذهان فكرة التغيير والتفكير بالتغيير". وفي موضع آخر من الكتاب نفسه: "والتفكير بالتغيير، سواء أكان تغييراً لنفوس الأفراد أو حالهم أو تغييرا للمجتمعات أو تغييراً لأوضاع الشعوب والأمم أو غير ذلك مما يحتاج إلى تغيير، يجب أن يبدأ بالأساس الذي يعيش عليه الإنسان وبالمجتمعات التي لا أساس لها أو تقوم على أساس خاطئ، أو الأوضاع التي تسير على طريق غير مستقيم. هذا الأساس الذي تقوم عليه الحياة هو الذي يرفع الحياة أو يخفضها، وهو الذي يسعد الإنسان أو يشقيه، وهو الذي يوجد وجهة النظر في الحياة وبحسب وجهة النظر هذه يخوض الإنسان معترك الحياة".

فلو كان التفكير المطلوب إيجاده في الأمة الإسلامية عند المستوى اللائق هل كان المسلمون سينتظرون من شعوب غير إسلامية أن تحل مشاكلهم؟ أم كانوا سيبادرون إلى حل مشاكلهم بأنفسهم، خاصة أن فلسطين الأرض المباركة محاطة بالمسلمين من كل جانب، سواء من مصر أو الأردن أو تركيا أو الشام عموما؟ ولو كان تفكيرهم جديا هل كانوا ليربطوا بين مظاهرات الشعوب الغربية وبين حل مشكلة فلسطين وباقي قضايا المسلمين، حلا يعيد البلاد الإسلامية لحمة واحدة ينصر قويهم ضعيفهم ويزيل احتلال يهود عن الخارطة نهائيا؟ أم كانوا سيبادرون في التفكير في الوسائل الموصلة إلى ذلك فعلا ولو كلفتهم إزاحة الحكام العملاء وزبانيتهم ونبذ ثقافة الكافر المستعمر من وطنية وقومية وغيرها وتحريك كل قوى الأمة للقيام كل منها بدورها المنوط بها؟ ولو كان تفكيرهم جديا هل كانوا سيبالون بما قد يصيبهم نتيجة تحركهم الصادق في وجه الحكام العملاء وهم يعلمون أن الأجل بيد الله وحده؟

قال الله سبحانه: ﴿ثُمَّ أَنزَلَ عَلَيْكُم مِّن بَعْدِ الْغَمِّ أَمَنَةً نُّعَاساً يَغْشَى طَائِفَةً مِّنكُمْ وَطَائِفَةٌ قَدْ أَهَمَّتْهُمْ أَنفُسُهُمْ يَظُنُّونَ بِاللهِ غَيْرَ الْحَقِّ ظَنَّ الْجَاهِلِيَّةِ يَقُولُونَ هَل لَّنَا مِنَ الْأَمْرِ مِن شَيْءٍ قُلْ إِنَّ الْأَمْرَ كُلَّهُ لِلَّهِ يُخْفُونَ فِي أَنفُسِهِم مَّا لَا يُبْدُونَ لَكَ يَقُولُونَ لَوْ كَانَ لَنَا مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ مَّا قُتِلْنَا هَا هُنَا قُل لَّوْ كُنتُمْ فِي بُيُوتِكُمْ لَبَرَزَ الَّذِينَ كُتِبَ عَلَيْهِمُ الْقَتْلُ إِلَى مَضَاجِعِهِمْ وَلِيَبْتَلِيَ اللهُ مَا فِي صُدُورِكُمْ وَلِيُمَحِّصَ مَا فِي قُلُوبِكُمْ وَاللهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ﴾. وقال سبحانه: ﴿الَّذِينَ قَالُوا لِإِخْوَانِهِمْ وَقَعَدُوا لَوْ أَطَاعُونَا مَا قُتِلُوا قُلْ فَادْرَءُوا عَنْ أَنفُسِكُمُ الْمَوْتَ إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ﴾.

كتبه للمكتب الإعلامي المركزي لحزب التحرير

نزار بن جمال

المزيد من القسم null

لا تنخدعوا بالأسماء فالعبرة بالمواقف لا بالأنساب

لا تنخدعوا بالأسماء فالعبرة بالمواقف لا بالأنساب

في كل مرة يُقدَّم لنا "رمز جديد" له جذور مسلمة أو ملامح شرقية، يهلل كثير من المسلمين، وتُبنى الآمال على وهمٍ اسمه "التمثيل السياسي" في نظامٍ كافر لا يعترف بالإسلام حكماً ولا عقيدةً ولا شريعةً.

نذكر جميعاً الفرح العارم الذي اجتاح مشاعر كثيرين عند فوز أوباما في 2008. فهو ابن كينيا، وله أب مسلم! وهنا توهم البعض أن الإسلام والمسلمين باتوا قريبين من النفوذ الأمريكي، لكن أوباما كان أحد أكثر الرؤساء إيذاءً للمسلمين فقد دمر ليبيا، وساهم في مأساة سوريا، وأشعل أفغانستان والعراق بطائراته وجنوده، بل كان سفاك الدماء في اليمن عبر أدواته وكان عهده استمراراً لعداء ممنهج ضد الأمة.

واليوم يتكرر المشهد، لكن بأسماء جديدة. فـزوهران ممداني يُحتفى به لأنه مسلم ومهاجر وشاب، وكأنه المنقذ! لكن قليلين فقط ينظرون إلى مواقفه السياسية والفكرية. هذا الرجل من الداعمين الأشداء للشواذ المثليين، ومشارك في فعالياتهم، ويعتبر انحرافهم حقوقاً إنسانية!

أي خزي هذا يُعلق عليه الناس آمالاً؟! ألم يكن تكراراً للخيبة السياسية والفكرية نفسها التي وقعت فيها الأمة مراراً وتكراراً؟! نعم لأنها تُفتن بالشكل لا بالجوهر! تُخدع بالابتسامات، وتتعامل بالعاطفة لا بالعقيدة، وبالأسماء لا بالمفاهيم، وبالرموز لا بالمبادئ!

إن هذا الانبهار بالأشكال والأسماء نتيجة غياب الوعي السياسي الشرعي، لأن الإسلام لا يقاس بالأصل أو الاسم أو العرق، بل بالالتزام بمبدأ الإسلام كاملاً؛ نظاماً وعقيدةً وشريعةً. ولا قيمة لمسلم لا يحكم بالإسلام ولا ينصره، بل يخضع للنظام الرأسمالي الكافر، ويبرر الكفر والانحرافات باسم "الحرية".

وليعلم جميع المسلمين الذين فرحوا بفوزه وظنّوا أنه بذرة خير أو بداية نهوض، أن النهوض لا يكون من داخل أنظمة الكفر، ولا بأدواتها، ولا عبر صناديق اقتراعها، ولا تحت سقف دساتيرها.

فمن يُقدّم نفسه عبر النظام الديمقراطي، ويقسم على احترام قوانينه، ثم يدافع عن الشذوذ الجنسي ويحتفل به، ويدعو إلى ما يغضب الله، فهو ليس نصيراً للإسلام ولا أملاً للأمة، بل هو أداة تلميع وتمييع، وتمثيل مزيّف لا يُقدّم ولا يؤخر.

إن ما تسمى النجاحات السياسية في الغرب لبعض الشخصيات ذات الأسماء الإسلامية، ما هي إلا فُتات يُقدَّم كمسكنات للأمة، ليقال لها: انظروا، التغيير ممكن عبر أنظمتنا.

 فما حقيقة هذا "التمثيل"؟

الغرب لا يفتح أبواب الحكم للإسلام، بل يفتحها فقط لمن يتماهى مع قيمه وأفكاره. وأي شخص يدخل نظامهم لا بد أن يقبل بدستورهم، وبقوانينهم الوضعية، وأن يتنكر لحكم الإسلام، فإن رضي بذلك، أصبح نموذجاً مقبولاً، أما المسلم الحق، فهو مرفوض عندهم من جذوره.

فمن هو زهران ممداني؟ ولماذا يُصنع هذا الوهم؟

هو شخص يحمل اسماً مسلماً لكنه متبنٍ لأجندة منحرفة مخالفة تماماً لفطرة الإسلام، من دعم المثليين، والترويج لما يُسمى بـ"حقوقهم"، وهو نموذج حي لكيف يصنع الغرب نماذجه: مسلم بالاسم، علماني بالفعل، خادم لأجندة الليبرالية الغربية لا أكثر. بل لإشغال الأمة عن طريقها الحقيقي، فبدل أن تطالب بدولة الإسلام والخلافة، تنشغل بالمقاعد النيابية والمناصب في أنظمة كفر! وبدل أن تتوجه لتحرير فلسطين، تنتظر مَن "يدافع عن غزة" من داخل الكونغرس الأمريكي أو البرلمان الأوروبي!

فحقيقة الأمر أن هذا تشويه لطريق التغيير الحقيقي، وهو إقامة الخلافة الراشدة على منهاج النبوة، التي تُعلي راية الإسلام، وتقيم شرع الله، وتوحد الأمة خلف خليفة واحد يُقاتل من ورائه ويُتقى به.

فلا تنخدعوا بالأسماء، ولا تفرحوا بمن ينتمي لكم شكلاً ويخالفكم مضموناً، فليس كل من حمل اسم سعيد أو علي أو زهران هو على طريق نبينا محمد ﷺ.

واعلموا أن التغيير لا يأتي من داخل برلمانات الكفر، بل من جيوش الأمة التي آن لها أن تتحرك، ومن شبابها الواعين الذين يعملون ليلا ونهارا لقلب الطاولة على رؤوس الغرب وأعوانه وأتباعه الخائنين في بلاد الإسلام والمسلمين.

فالمسلمون لن ينهضوا عبر انتخابات الديمقراطية ولا من خلال صناديق الغرب، بل بنهضة حقيقية على أساس العقيدة الإسلامية، بإقامة دولة الخلافة الراشدة التي تُعيد للإسلام مكانته، وللمسلمين عزّتهم، وتحطم أوهام الديمقراطية.

لا تنخدعوا بالأسماء، ولا تعلقوا آمالكم على أفراد في أنظمة كفر، بل ارجعوا إلى مشروعكم العظيم: استئناف الحياة الإسلامية، فهذا وحده طريق العزة والنصر والتمكين.

فالمشهد تكرار مُهين لمآسٍ قديمة: رموز مزيفة، وولاء للأنظمة الغربية، وانحراف عن طريق الإسلام. وكل من يُصفّق لهذا المسار، إنما يضلل الأمة. فعودوا إلى مشروع الخلافة، ولا تجعلوا أعداء الإسلام يصنعون لكم قادتكم وممثليكم. فالعزة ليست في مقاعد الديمقراطية، بل في سدة الخلافة التي يعمل لها حزب التحرير ويُحذر الأمة من هذا الانحدار الفكري والسياسي. فلا خلاص لنا إلا بدولة الخلافة، التي لا تسمح بأن يحكم المسلمين من يدين بدين غير الإسلام، ولا بمن يبرر الشذوذ والانحراف، ولا بمن يُشرّع للناس غير ما أنزل الله.

كتبه لإذاعة المكتب الإعلامي المركزي لحزب التحرير

عبد المحمود العامري – ولاية اليمن

مصر بين الشعارات الحكومية والواقع المرّ  الحقيقة الكاملة عن الفقر، والسياسات الرأسمالية

مصر بين الشعارات الحكومية والواقع المرّ

الحقيقة الكاملة عن الفقر، والسياسات الرأسمالية

نقلت بوابة الأهرام الثلاثاء 4 تشرين الثاني/نوفمبر 2025م، أن رئيس الوزراء المصري، في كلمة ألقاها نيابةً عن الرئيس في القمة العالمية الثانية للتنمية الاجتماعية في العاصمة القطرية الدوحة، قال إنّ مصر تطبّق نهجاً شاملاً للقضاء على الفقر في جميع أشكاله وأبعاده، بما في ذلك "الفقر متعدد الأبعاد".

منذ سنوات، لا يكاد يخلو خطاب رسمي في مصر من عباراتٍ مثل "نهج شامل للقضاء على الفقر" و"الانطلاقة الحقيقية للاقتصاد المصري". يكرّر المسؤولون هذه الشعارات في المؤتمرات والمناسبات، مصحوبة بصور براقة لمشروعات استثمارية وفنادق ومنتجعات. لكن الواقع، كما تشهد عليه التقارير الدولية، مختلف تماماً. فالفقر في مصر ما زال ظاهرةً راسخة، بل متفاقمة، رغم الوعود الحكومية المتكرّرة بالتحسن والنهضة.

بحسب تقارير اليونيسف والإسكوا وبرنامج الغذاء العالمي لعامي 2024 و2025، يعيش نحو واحد من كل خمسة مصريين في فقرٍ متعدد الأبعاد، أي محروم من أكثر من جانب من جوانب الحياة الأساسية كالتعليم والصحة والسكن والعمل والخدمات. كما تؤكد البيانات أن أكثر من 49% من الأسر تعاني من صعوبات في الحصول على غذاء كافٍ، وهو رقم صادم يعكس عمق الأزمة المعيشية.

أما الفقر المالي، أي انخفاض الدخل مقارنة بتكاليف المعيشة، فقد ارتفع بصورة حادة، نتيجة موجات التضخم المتلاحقة التي أكلت أجور الناس وجهودهم ومدخراتهم، حتى أصبحت نسبة كبيرة من المصريين تحت خط الفقر المالي رغم عملهم الدائم.

وبينما تتحدث الحكومة عن مبادرات مثل "تكافل وكرامة" و"حياة كريمة"، تكشف الأرقام الدولية أن هذه البرامج لم تغيّر بنية الفقر جذرياً، بل اقتصرت على مسكّنات مؤقتة أشبه بالقطرة التي تُسكب في صحراء. فما زال الريف المصري الذي يقطنه أكثر من نصف السكان، يعاني من ضعف الخدمات وانعدام فرص العمل اللائق وتهالك البنية الأساسية. ويؤكد تقرير الإسكوا أن الحرمان في الريف يفوق نظيره في المدن بعدة أضعاف، ما يدل على سوء توزيع الثروة والإهمال المزمن للأطراف.

حين يشكر رئيسُ الوزراء ابنَ البلد "الذي تحمّل مع الحكومة إجراءات الإصلاح الاقتصادي"، فإنه في الواقع يُقرّ بوجود معاناة حقيقية ناتجة عن تلك السياسات. غير أن هذا الاعتراف لا يتبعه تغيير في المنهج، بل مزيد من السير في الطريق الرأسمالي نفسه الذي سبّب الأزمة.

فالإصلاح المزعوم الذي بدأ عام 2016 ببرنامج "التعويم" ورفع الدعم وزيادة الضرائب، لم يكن إصلاحاً بل تحميلاً للفقراء كلفة الديون والعجز. وفي الوقت الذي يتحدث فيه المسؤولون عن "الانطلاقة"، تتجه الاستثمارات الضخمة إلى العقارات الفاخرة والمشروعات السياحية التي تخدم أصحاب رؤوس الأموال، بينما لا يجد ملايين الشباب فرصاً للعمل أو السكن. بل إن كثيراً من هذه المشاريع، كمنطقة علم الروم في مطروح التي تُقدّر استثماراتها بـ29 مليار دولار، هي شراكات رأسمالية أجنبية تستحوذ على الأراضي والثروات وتحوّلها إلى مصدر ربح للمستثمرين، لا مصدر رزق للناس.

النظام يفشل ليس لأنه فاسد فحسب، بل لأنه يسير على أساسٍ فكريٍّ باطلٍ هو النظام الرأسمالي، الذي يجعل المال محوراً لكل سياسات الدولة. فالرأسمالية تقوم على حرية التملك المطلقة، وتسمح بتكديس الثروة في يد القلة التي تملك أدوات الإنتاج، فيما تتحمل الكثرة عبء الضرائب والأسعار والدَّين العام.

ولهذا، فإن كل ما يُسمى "برامج حماية اجتماعية" ما هو إلا محاولة لتجميل وجه الرأسمالية الوحشي، وإطالة عمر نظامٍ جائرٍ يراعي الأغنياء ويجبي من الفقراء. فبدلاً من معالجة أصل الداء؛ أي احتكار الثروة وتبعية الاقتصاد للمؤسسات الدولية، يُكتفى بتوزيع فتات من الإعانات النقدية، لا ترفع فقراً ولا تحفظ كرامة.

إن الرعاية ليست منّةً من الحاكم على الرعية، بل واجب شرعي، ومسؤولية يحاسبه الله عليها في الدنيا والآخرة. وما يجري اليوم، هو إهمال متعمّد لشؤون الناس، وتخلٍّ عن واجب الرعاية لصالح قروضٍ مشروطة من صندوق النقد والبنك الدوليين.

لقد أصبحت الدولة وسيطاً بين الفقير والدائن الأجنبي، تفرض الضرائب وتقلّص الدعم وتبيع الممتلكات العامة لسدّ عجزٍ متضخم صنعه النظام الرأسمالي نفسه. وفي هذا كله تغيب المفاهيم الشرعية التي تضبط الاقتصاد، كتحريم الربا، ومنع تملك الثروات العامة للأفراد، ووجوب النفقة على الرعية من بيت مال المسلمين.

لقد قدم الإسلام نظاماً اقتصادياً متكاملاً يعالج الفقر من جذوره، لا بمجرد دعمٍ نقدي أو مشروعات تجميلية. هذا النظام يقوم على أسسٍ شرعيةٍ ثابتة أبرزها:

1- تحريم الربا والديون الربوية التي تُكبّل الدولة وتستنزف مواردها، فبزوال الربا تزول تبعية الاقتصاد للمؤسسات الدولية، وتُعاد السيادة المالية للأمة.

2- جعل الملكيات ثلاثة أنواع:

ملكية فردية: كالبيوت والمتاجر والمزارع الخاصة...

ملكية عامة: تشمل الثروات الكبرى كالنفط والغاز والمعادن والمياه...

ملكية دولة: كأراضي الفيء والركاز والخراج...

وبهذا التوزيع تتحقق العدالة، إذ تُمنع فئة قليلة من احتكار موارد الأمة.

3- ضمان الكفاية لكل فرد من الرعية: فالدولة تضمن لكل إنسان في رعايتها حاجاته الأساسية من مأكل وملبس ومسكن، فإن عجز عن العمل وجب على بيت المال أن ينفق عليه.

4- الزكاة والإنفاق الإلزامي: الزكاة ليست إحساناً بل فريضة، تجمعها الدولة وتصرفها في مصارفها الشرعية للفقراء والمساكين والغارمين. وهي أداة توزيع فعّالة تعيد الأموال إلى دورة الحياة في المجتمع.

مع التحفيز على العمل المنتج ومنع الاستغلال، والحثّ على استثمار الموارد في مشاريع نافعة حقيقية كالصناعات الثقيلة والحربية لا في المضاربات والعقارات الفاخرة والمشاريع الوهمية. إلى جانب ضبط الأسعار بالعرض والطلب الحقيقيين لا بالاحتكار ولا بالتعويم.

إن دولة الخلافة على منهاج النبوة هي وحدها القادرة على تطبيق هذه الأحكام عملياً، لأنها تُبنى على أساس العقيدة الإسلامية، ويكون هدفها رعاية شؤون الناس لا جباية أموالهم. ففي ظل الخلافة، لا يوجد ربا ولا قروض مشروطة، ولا بيع للثروات العامة للأجانب، بل تُدار الموارد بما يحقق مصلحة الأمة، ويتولى بيت المال تمويل الرعاية الصحية والتعليم والمرافق العامة من موارد الدولة والخراج والأنفال والملكية العامة.

أما الفقراء، فتُكفل حاجاتهم الأساسية فرداً فرداً، لا عبر صدقات مؤقتة بل كحقٍّ شرعي مضمون. ولذا فإن محاربة الفقر في الإسلام ليست شعاراً سياسياً، بل نظام حياة متكامل يُقيم العدل ويمنع الظلم ويعيد الثروة إلى أهلها.

ما بين الخطاب الرسمي والواقع المعاش مسافةٌ هائلة لا تخفى على أحد. فبينما تتغنّى الحكومة بمشروعاتها "العملاقة" وبـ"الانطلاقة الحقيقية"، يعيش ملايين المصريين تحت خط الفقر، يعانون الغلاء والبطالة وانعدام الأمل. والحقيقة أن هذه المعاناة لن تزول ما دامت مصر تسير في طريق الرأسمالية، تُسلِّم اقتصادها للمرابين وتخضع لسياسات المؤسسات الدولية.

إن أزمات ومشكلات مصر هي مشكلات إنسانية وليست مادية، وتتعلق بها أحكام شرعية تبين كيفية التعامل معها وعلاجها على أساس الإسلام، وإن الحلول أسهل من غض الطرف لكنها تحتاج إدارة مخلصة تملك إرادة حرة تريد السير في الطريق الصحيح وتريد الخير لمصر وأهلها حقا، وحينها على هذه الإدارة أن تراجع كل العقود التي أبرمت سابقا والتي تبرم مع كل الشركات التي تحتكر أصول البلاد وما هو من ملكياتها العام وعلى رأسها شركات التنقيب عن الغاز والنفط والذهب وباقي المعادن والثروات، وتطرد كل تلك الشركات لأنها في الأصل شركات استعمارية ناهبة لثروات البلاد، ثم تصوغ عهدا جديدا يقوم على تمكين الناس من ثروات البلاد وإنشاء أو استئجار شركات تقوم هي على إنتاج الثروة من منابع النفط والغاز والذهب وغيرها من المعادن وتعيد توزيع هذه الثروات على الناس من جديد، حينها سيتمكن الناس من زراعة الأرض الموات التي ستمكنهم الدولة من استغلالها بحقهم فيها، وسيتمكنون أيضا من صناعة ما يجب أن يصنع ليرتفع باقتصاد مصر ويكفي أهلها، وستدعمهم الدولة في هذا السبيل، وإن كل هذا ليس ضربا من الخيال ولا مستحيل الحدوث ولا مشروعا نعرضه للتجربة قد ينجح أو يفشل، وإنما هي أحكام شرعية لازمة ملزمة للدولة والرعية، فلا يجوز للدولة أن تفرط في ثروات البلاد التي هي ملك للناس بدعوى عقود أقرتها وأيدتها وتحميها قوانين دولية جائرة، ولا يجوز لها أن تمنع الناس منها بل يجب أن تقطع كل يد تمتد ناهبة إلى ثروات الناس، هذا ما يقدمه الإسلام ويجب تنفيذه، إلا أنه لا يطبق بمعزل عن باقي أنظمة الإسلام بل إنه لا يطبق إلا من خلال دولة الخلافة الراشدة على منهاج النبوة، هذه الدولة التي يحمل همها والدعوة إليها حزب التحرير ويدعو مصر وأهلها شعبا وجيشا إلى العمل معه من أجلها، عسى الله أن يكتب الفتح من عنده فنراها واقعا يعز الإسلام وأهله، اللهم عاجلا غير آجل.

﴿وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرَىٰ آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَفَتَحْنَا عَلَيْهِم بَرَكَاتٍ مِّنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ﴾

كتبه للمكتب الإعلامي المركزي لحزب التحرير

سعيد فضل

عضو المكتب الإعلامي لحزب التحرير في ولاية مصر