هلا اقتدى ضباط جيوشنا بسيف الله المسلول؟
January 08, 2022

هلا اقتدى ضباط جيوشنا بسيف الله المسلول؟

هلا اقتدى ضباط جيوشنا بسيف الله المسلول؟

لم يكن دخول خالد بن الوليد رضي الله عنه في الإسلام وانحيازه للإسلام والمسلمين إلا اختياراً حكيماً من فارس مقدام لم يُهزم في معركة خاضها قط، ولو بقي على شركِه ومات على ما مات عليه أجداده وأقرانه من المشركين من أمثال أبي جهل والوليد بن المغيرة لكان من الخاسرين في الدنيا والآخرة، لذلك يجب أن تكون قصة إسلام خالد رضي الله عنه عبرة لكل ضابط في جيوش المسلمين، فهم الذين يحمون عروش الظالمين ويمكّنونهم من الحكم بغير ما أنزل الله، فإن هم اقتدوا بسيرة سيدنا خالد كانت عاقبتهم كعاقبته، ويحشرون معه ومع الصحابة الكرام على حوض المصطفى محمد ﷺ بإذن الله، أما إن ظلّوا يحمون الأنظمة العلمانية القائمة في بلادنا، ويدافعون عن حدود الدول الوطنية التي قامت على تقسيمها إلى دويلات هزيلة، ويظلون يحمون عروش الظالمين ويقضون حياتهم العسكرية في خدمة الأنظمة العميلة، وينفذون مشاريع الدول الاستعمارية الكافرة، فإن عاقبتهم ستكون كعاقبة كثير من القادة العسكريين الذين ماتوا وهم يحمون عروش الظالمين، من أمثال ريتشارد ونابليون وهتلر... وغيرهم، خسروا الدنيا والآخرة.

لم يستغرق انحياز خالد للإسلام والمسلمين طويلا، وقد كانت رسالة من سطرين من رسول الله تركها له أخوه في بيته كافية له ليبيع الدنيا ومتاعها من أجل الآخرة، حيث تعود قصة إسلام خالد بن الوليد إلى ما بعد معاهدة الحديبية، حينما دخل الرسول ﷺ مكة في عمرة القضاء، فسأل الوليدَ عن أخيه خالد، فقال: «أَيْنَ خَالِدٌ؟» فقال الوليد: "يأتي به الله"، فقال النبي ﷺ: «مَا مِثْلُهُ جَهِلَ الْإِسْلَامَ، وَلَوْ كَانَ جَعَلَ نِكَايَتَهُ وَحَدَّهُ مَعَ الْمُسْلِمِينَ كَانَ خَيْرًا لَهُ، وَلَقَدَّمْنَاهُ عَلَى غَيْرِهِ»، فخرج الوليد يبحث عن أخيه فلم يجده، فترك له رسالة قال فيها: "بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ، أَمَّا بَعْدُ، فَإِنِّي لَمْ أَرَ أَعْجَبَ مِنْ ذَهَابِ رَأْيِكَ عَنِ الْإِسْلَامِ وَعَقْلُكَ عَقْلُكَ! وَمِثْلُ الْإِسْلَامِ جَهِلَهُ أَحَدٌ؟! وَقَدْ سَأَلَنِي رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَنْكَ، وَقَالَ: «أَيْنَ خَالِدٌ؟»... فَاسْتَدْرِكْ يَا أَخِي مَا قَدْ فَاتَكَ، فَقَدْ فَاتَكَ مَوَاطِنُ صَالِحَةٌ"، وقد كان خالد رضي اللـه عنه يفكر في الإسلام، فلما قرأ رسالة أخيـه سرّ بها سرورا كبيرا، وأعجبه قول النبـي ﷺ فيه، فشرح الله صدره وأسلم، وكان قبل ذلك قد رأى رؤيا في منامِهِ، أنَّهُ في مكانٍ ضيقٍ، خرج منهُ لأرضٍ واسعةٍ خضراءَ، ولمّا ذَكَرَ رؤياهُ لأبي بكرٍ الصديق وهو في المدينةِ قال له الثاني: "هو مخرجُكَ الذي هداك الله للإسلام، والضيقُ الذي كنتَ فيه من الشرك". هكذا، فقد كانت رسالة من سطرين ورؤيا رآها كافيتين للقائد الحقيقي ليدخل الإسلام وتُقوّم حياته ويقوم بما خلقه الله من أجله؛ عبادة الله سبحانه وتعالى والجهاد في سبيله.

كان خالد بن الوليد قائداً حقيقياً محنّكاً، قاد جيش المشركين في معركة أحد وهزم المسلمين، وكذلك كان قائداً فذّا بعد انحيازه للمسلمين، فكانت أولُ غزوةٍ لَهُ مع المسلمين هي غزوة مؤتة، حملَ فيها رايةَ المُسلمين، وفيها لُّقِبَ بسيفِ الله المسلول، كما شاركَ في حروبِ الردةِ، وقاتلَ مع المُسلمين في أكثر من مائةِ معركةٍ، وقالَ فيهِ رسولُ الله ﷺ: «نِعْمَ عَبْدُ اللَّهِ وَأَخُو الْعَشِيرَةِ، خَالِدُ بْنُ الْوَلِيدِ، سَيْفٌ مِنْ سُيُوفِ اللَّهِ، سَلَّهُ اللَّهُ عَلَى الْكُفَّارِ وَالْمُنَافِقِينَ»، وشهدَ فتح مكة، وغزوةَ حُنين، وكانَ رسولُ الله قد أعطاه شعراً من رأسِهِ فأبقاهُ خالد في مقدمةِ عمامتِهِ، وكان لا يلتقي بعدوٍ إلا ويهزِمَهُ، وجَعلهُ أبو بكرٍ الصديق أميراً على جميعِ أمراءِ الأجناد، وافتتح دمشقَ هو وأبو عبيدة رضي الله عنهم. كل هذه الانتصارات لفارس حقيقي حفظها له التاريخ وحفظته له خير أمة أُخرجت للناس، وكانت ثقيلة في ميزان حسناته يوم لا ينفع مال ولا بنون، لا كالضباط الحاليين الذين يخدمون في جيوش المسلمين، يقضون حياتهم بين السعي للحصول على النياشين والرتب دون إنجازات حقيقية تنصر الإسلام والمسلمين، وبين خدمة مصالح الدول الاستعمارية وفي بعثات "السلام" للأمم المتحدة، فشتان بين القائد خالد وبين الضباط الذين يموتون على خلاف ما مات عليه!

إن ضباط المسلمين أُجراء عند الأمة، ومتعاقدون معها على حمايتها وحماية عقيدتها وصون حرماتها، وهم ليسوا أُجراء عند الحكام الظالمين الذين لا يحكمون بما أنزل الله، فالحكام هم أنفسهم في أنظمتهم الديمقراطية أُجراء عند الناس أيضاً، وقد خان هؤلاء الحكام الأمانة وأكلوا أموال الناس بالباطل، وكذلك الضباط إن لم يقوموا بمقتضى العقد الذي بينهم وبين الناس، يكونوا قد أكلوا السحت وأَكّلوه لأبنائهم، فالمال الحرام ليس الذي يؤخذ سرقة أو خلسة فحسب، بل أيضا مال الأجير الذي لا يقوم بواجبه فيما استؤجر عليه، خصوصا وأن الأمة تقتطع من قوت عيالها لتدفع للجند رواتبهم، لا ليتنعموا بها هم وعيالهم دون مقابل أو لخدمة أعداء الأمة، بل للدفاع عن الأمة وعن دينها ومقدساتها وحرماتها، وإن لم يفعلوا ذلك فقد أكلوا الحرام وأكّلوه عيالَهم، وما غُذّي بالحرام فالنار أولى به، عن أبي بكر رضي الله عنه قال: قال رسول الله ﷺ: «لَا يَدْخُلُ الْجَنَّةَ لَحْمٌ نَبَتَ مِنْ سُحْتٍ، النَّارُ أَوْلَى بِهِ» رواه الإمام أحمد في ‏مسنده، وفي رواية أخرى: «لَا يَدْخُلُ الْجَنَّةَ جَسَدٌ غُذِّيَ بالحرَامِ»، فهل يرضى الضابط المؤمن بالله واليوم الآخر أن يُلقى بأهله في النار لأنه قد أعالهم بمال حرام؟! وهل يرضى الضابط منهم أن يكون أبناؤه الذين يتفاخر بهم أمام الناس بعد أن علمهم وخرجهم من أرقى الجامعات، هل يرضى أن يكونوا حطب جهنم؟! معاذ الله.

لقد بات واضحا وضوح الشمس في رابعة النهار أن حال الأمة البائس لا يغيره إلا نصرة أهل القوة والمنعة، بعد أن غيّر الناس ما بأنفسهم، قال تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ﴾، وقد طالبت الأمة مرارا وتكرارا بتحكيم شرع الله، وخرجت إلى الشوارع بصدور عارية مطالبة بخلع الأنظمة الكافرة وإقامة حكم الإسلام على أنقاضها، لكنّ الوحيدين الذين خذلوا الأمة وهم جزء منها ومن أبنائها، هم ضباط المسلمين وقادة جندهم وقوتهم، على الرغم من أن الأمة قد أنفقت عليهم من قوت عيالها، لذلك يحمل ضباط المسلمين اليوم وزرَ حكام المسلمين الظالمين العملاء، وهم في العذاب سواء، حيث قال الله تعالى: ﴿إِنَّ فِرْعَوْنَ وَهَامَانَ وَجُنُودَهُمَا كَانُوا خَاطِئِينَ﴾ ومعنى خاطئين آثمين، فرأس الكفر فرعون ووزيره هامان آثمان على السواء وكذلك جنودهما. فلا يجوز لأي جندي أو ضابط تبرئة نفسه من ظلم الحاكم وكفره، والادّعاء بأنه ليس مسؤولا عن ظلم الحاكم وحكمه بالكفر وعمالته وفسقه وفجوره، وقد تبرأ الرسول ﷺ من أعوان الظلمة كما جاء في الحديث الذي رواه الترمذي والنسائي وأحمد في المسند عن كعب بن عجرة رضي الله عنه قال: خرج إلينا رسول الله ﷺ فقال: «اسْمَعُوا، إنَّهُ سَيَكُونُ بَعْدِي أُمَرَاءُ، فَمَنْ دَخَلَ عَلَيْهِمْ فَصَدَّقَهُمْ بِكَذِبِهِمْ وَأَعَانَهُمْ عَلَى ظُلْمِهِمْ فَلَيْسَ مِنِّي، وَلَسْتُ مِنْهُ، وَلَيْسَ بِوَارِدٍ عَلَيَّ الْحَوْضَ...». وقد روي في سجن الإمام ابن حنبل أن جاءه السجان فقال له: "يا إمام! الحديث الذي رُوي في الظلمة وأعوانهم هل هو صحيح؟ قال: نعم، قال السجان: وأنا من أعوان الظلمة؟ قال له ابن حنبل: أعوان الظلمة من يأخذ شعرك ويغسل ثوبك ويصلح طعامك ويبيع ويشتري منك، أما أنت فمن الظَّلَمَة"، وعند الحديث عمّن ظلم الإمامَ أحمد فإننا نتحدث عن المأمون الحاكم المسلم الذي كان يحكم بما أنزل الله ويجاهد في سبيله، ومع ذلك قال فيه الإمام أحمد ما قاله! ولا نتحدث عن حكام المسلمين الحاليين، ممن استباحوا حُرمات المسلمين وعطّلوا الجهاد وأحكام الإسلام جميعها، فهؤلاء مغتصبو سلطة فاسقون وظالمون وأكثرهم من الكافرين، وهم ليسوا كالمأمون بأي شكل من الأشكال، بل هم فراعنة هذا الزمان.

يجب على الضباط العقلاء المؤمنين بالله وباليوم الآخر في جيوش المسلمين أن يتداركوا أمرهم كما تداركه خالد بن الوليد قبل فوات الأوان، فالموت موشكٌ لكل مخلوق، ويوم الحساب آتٍ لا محالة، قال خالد بن الوليد وهو على فراش الموت: "شهدت مئة زحف أو زهاءها، وما في جسمي موضع شبرٍ إلا وفيه ضربة أو طعنة أو رمية، ثم ها أنا ذَا أموت على فراشي كما يموت البعير، فلا نامت أعين الجبناء"، وتدارك أمرهم لا يكون إلا بشيء واحد لا بديل عنه، ولا يعوضه صلاة أو صيام أو صدقة أو حج وعمرة، وهو الانحياز إلى المسلمين من خلال نصرة الإسلام ومشروع نهضة المسلمين، بإعادة الإسلام نظامَ حكمٍ في الناس، وذلك بإعطاء النصرة لحزب التحرير لإقامة الخلافة الراشدة الثانية على منهاج النبوة التي بشّر بإقامتها رسول الله ﷺ، فإن فعلوا فقد فازوا في الدارين كما فاز بهما خالد بن الوليد رضي الله عنه، وإن ركنوا إلى الدنيا فقد خسروا الدار الباقية وذكرتهم الأمة كما تذكر جنود فرعون وهامان، وما خلفوه في الدنيا فهو في النار والعياذ بالله.

﴿قُلْ إِنْ كَانَ آبَاؤُكُمْ وَأَبْنَاؤُكُمْ وَإِخْوَانُكُمْ وَأَزْوَاجُكُمْ وَعَشِيرَتُكُمْ وَأَمْوَالٌ اقْتَرَفْتُمُوهَا وَتِجَارَةٌ تَخْشَوْنَ كَسَادَهَا وَمَسَاكِنُ تَرْضَوْنَهَا أَحَبَّ إِلَيْكُمْ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَجِهَادٍ فِي سَبِيلِهِ فَتَرَبَّصُوا حَتَّى يَأْتِيَ اللَّهُ بِأَمْرِهِ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ﴾

كتبه للمكتب الإعلامي المركزي لحزب التحرير

بلال المهاجر – ولاية باكستان

المزيد من القسم null

لا تنخدعوا بالأسماء فالعبرة بالمواقف لا بالأنساب

لا تنخدعوا بالأسماء فالعبرة بالمواقف لا بالأنساب

في كل مرة يُقدَّم لنا "رمز جديد" له جذور مسلمة أو ملامح شرقية، يهلل كثير من المسلمين، وتُبنى الآمال على وهمٍ اسمه "التمثيل السياسي" في نظامٍ كافر لا يعترف بالإسلام حكماً ولا عقيدةً ولا شريعةً.

نذكر جميعاً الفرح العارم الذي اجتاح مشاعر كثيرين عند فوز أوباما في 2008. فهو ابن كينيا، وله أب مسلم! وهنا توهم البعض أن الإسلام والمسلمين باتوا قريبين من النفوذ الأمريكي، لكن أوباما كان أحد أكثر الرؤساء إيذاءً للمسلمين فقد دمر ليبيا، وساهم في مأساة سوريا، وأشعل أفغانستان والعراق بطائراته وجنوده، بل كان سفاك الدماء في اليمن عبر أدواته وكان عهده استمراراً لعداء ممنهج ضد الأمة.

واليوم يتكرر المشهد، لكن بأسماء جديدة. فـزوهران ممداني يُحتفى به لأنه مسلم ومهاجر وشاب، وكأنه المنقذ! لكن قليلين فقط ينظرون إلى مواقفه السياسية والفكرية. هذا الرجل من الداعمين الأشداء للشواذ المثليين، ومشارك في فعالياتهم، ويعتبر انحرافهم حقوقاً إنسانية!

أي خزي هذا يُعلق عليه الناس آمالاً؟! ألم يكن تكراراً للخيبة السياسية والفكرية نفسها التي وقعت فيها الأمة مراراً وتكراراً؟! نعم لأنها تُفتن بالشكل لا بالجوهر! تُخدع بالابتسامات، وتتعامل بالعاطفة لا بالعقيدة، وبالأسماء لا بالمفاهيم، وبالرموز لا بالمبادئ!

إن هذا الانبهار بالأشكال والأسماء نتيجة غياب الوعي السياسي الشرعي، لأن الإسلام لا يقاس بالأصل أو الاسم أو العرق، بل بالالتزام بمبدأ الإسلام كاملاً؛ نظاماً وعقيدةً وشريعةً. ولا قيمة لمسلم لا يحكم بالإسلام ولا ينصره، بل يخضع للنظام الرأسمالي الكافر، ويبرر الكفر والانحرافات باسم "الحرية".

وليعلم جميع المسلمين الذين فرحوا بفوزه وظنّوا أنه بذرة خير أو بداية نهوض، أن النهوض لا يكون من داخل أنظمة الكفر، ولا بأدواتها، ولا عبر صناديق اقتراعها، ولا تحت سقف دساتيرها.

فمن يُقدّم نفسه عبر النظام الديمقراطي، ويقسم على احترام قوانينه، ثم يدافع عن الشذوذ الجنسي ويحتفل به، ويدعو إلى ما يغضب الله، فهو ليس نصيراً للإسلام ولا أملاً للأمة، بل هو أداة تلميع وتمييع، وتمثيل مزيّف لا يُقدّم ولا يؤخر.

إن ما تسمى النجاحات السياسية في الغرب لبعض الشخصيات ذات الأسماء الإسلامية، ما هي إلا فُتات يُقدَّم كمسكنات للأمة، ليقال لها: انظروا، التغيير ممكن عبر أنظمتنا.

 فما حقيقة هذا "التمثيل"؟

الغرب لا يفتح أبواب الحكم للإسلام، بل يفتحها فقط لمن يتماهى مع قيمه وأفكاره. وأي شخص يدخل نظامهم لا بد أن يقبل بدستورهم، وبقوانينهم الوضعية، وأن يتنكر لحكم الإسلام، فإن رضي بذلك، أصبح نموذجاً مقبولاً، أما المسلم الحق، فهو مرفوض عندهم من جذوره.

فمن هو زهران ممداني؟ ولماذا يُصنع هذا الوهم؟

هو شخص يحمل اسماً مسلماً لكنه متبنٍ لأجندة منحرفة مخالفة تماماً لفطرة الإسلام، من دعم المثليين، والترويج لما يُسمى بـ"حقوقهم"، وهو نموذج حي لكيف يصنع الغرب نماذجه: مسلم بالاسم، علماني بالفعل، خادم لأجندة الليبرالية الغربية لا أكثر. بل لإشغال الأمة عن طريقها الحقيقي، فبدل أن تطالب بدولة الإسلام والخلافة، تنشغل بالمقاعد النيابية والمناصب في أنظمة كفر! وبدل أن تتوجه لتحرير فلسطين، تنتظر مَن "يدافع عن غزة" من داخل الكونغرس الأمريكي أو البرلمان الأوروبي!

فحقيقة الأمر أن هذا تشويه لطريق التغيير الحقيقي، وهو إقامة الخلافة الراشدة على منهاج النبوة، التي تُعلي راية الإسلام، وتقيم شرع الله، وتوحد الأمة خلف خليفة واحد يُقاتل من ورائه ويُتقى به.

فلا تنخدعوا بالأسماء، ولا تفرحوا بمن ينتمي لكم شكلاً ويخالفكم مضموناً، فليس كل من حمل اسم سعيد أو علي أو زهران هو على طريق نبينا محمد ﷺ.

واعلموا أن التغيير لا يأتي من داخل برلمانات الكفر، بل من جيوش الأمة التي آن لها أن تتحرك، ومن شبابها الواعين الذين يعملون ليلا ونهارا لقلب الطاولة على رؤوس الغرب وأعوانه وأتباعه الخائنين في بلاد الإسلام والمسلمين.

فالمسلمون لن ينهضوا عبر انتخابات الديمقراطية ولا من خلال صناديق الغرب، بل بنهضة حقيقية على أساس العقيدة الإسلامية، بإقامة دولة الخلافة الراشدة التي تُعيد للإسلام مكانته، وللمسلمين عزّتهم، وتحطم أوهام الديمقراطية.

لا تنخدعوا بالأسماء، ولا تعلقوا آمالكم على أفراد في أنظمة كفر، بل ارجعوا إلى مشروعكم العظيم: استئناف الحياة الإسلامية، فهذا وحده طريق العزة والنصر والتمكين.

فالمشهد تكرار مُهين لمآسٍ قديمة: رموز مزيفة، وولاء للأنظمة الغربية، وانحراف عن طريق الإسلام. وكل من يُصفّق لهذا المسار، إنما يضلل الأمة. فعودوا إلى مشروع الخلافة، ولا تجعلوا أعداء الإسلام يصنعون لكم قادتكم وممثليكم. فالعزة ليست في مقاعد الديمقراطية، بل في سدة الخلافة التي يعمل لها حزب التحرير ويُحذر الأمة من هذا الانحدار الفكري والسياسي. فلا خلاص لنا إلا بدولة الخلافة، التي لا تسمح بأن يحكم المسلمين من يدين بدين غير الإسلام، ولا بمن يبرر الشذوذ والانحراف، ولا بمن يُشرّع للناس غير ما أنزل الله.

كتبه لإذاعة المكتب الإعلامي المركزي لحزب التحرير

عبد المحمود العامري – ولاية اليمن

مصر بين الشعارات الحكومية والواقع المرّ  الحقيقة الكاملة عن الفقر، والسياسات الرأسمالية

مصر بين الشعارات الحكومية والواقع المرّ

الحقيقة الكاملة عن الفقر، والسياسات الرأسمالية

نقلت بوابة الأهرام الثلاثاء 4 تشرين الثاني/نوفمبر 2025م، أن رئيس الوزراء المصري، في كلمة ألقاها نيابةً عن الرئيس في القمة العالمية الثانية للتنمية الاجتماعية في العاصمة القطرية الدوحة، قال إنّ مصر تطبّق نهجاً شاملاً للقضاء على الفقر في جميع أشكاله وأبعاده، بما في ذلك "الفقر متعدد الأبعاد".

منذ سنوات، لا يكاد يخلو خطاب رسمي في مصر من عباراتٍ مثل "نهج شامل للقضاء على الفقر" و"الانطلاقة الحقيقية للاقتصاد المصري". يكرّر المسؤولون هذه الشعارات في المؤتمرات والمناسبات، مصحوبة بصور براقة لمشروعات استثمارية وفنادق ومنتجعات. لكن الواقع، كما تشهد عليه التقارير الدولية، مختلف تماماً. فالفقر في مصر ما زال ظاهرةً راسخة، بل متفاقمة، رغم الوعود الحكومية المتكرّرة بالتحسن والنهضة.

بحسب تقارير اليونيسف والإسكوا وبرنامج الغذاء العالمي لعامي 2024 و2025، يعيش نحو واحد من كل خمسة مصريين في فقرٍ متعدد الأبعاد، أي محروم من أكثر من جانب من جوانب الحياة الأساسية كالتعليم والصحة والسكن والعمل والخدمات. كما تؤكد البيانات أن أكثر من 49% من الأسر تعاني من صعوبات في الحصول على غذاء كافٍ، وهو رقم صادم يعكس عمق الأزمة المعيشية.

أما الفقر المالي، أي انخفاض الدخل مقارنة بتكاليف المعيشة، فقد ارتفع بصورة حادة، نتيجة موجات التضخم المتلاحقة التي أكلت أجور الناس وجهودهم ومدخراتهم، حتى أصبحت نسبة كبيرة من المصريين تحت خط الفقر المالي رغم عملهم الدائم.

وبينما تتحدث الحكومة عن مبادرات مثل "تكافل وكرامة" و"حياة كريمة"، تكشف الأرقام الدولية أن هذه البرامج لم تغيّر بنية الفقر جذرياً، بل اقتصرت على مسكّنات مؤقتة أشبه بالقطرة التي تُسكب في صحراء. فما زال الريف المصري الذي يقطنه أكثر من نصف السكان، يعاني من ضعف الخدمات وانعدام فرص العمل اللائق وتهالك البنية الأساسية. ويؤكد تقرير الإسكوا أن الحرمان في الريف يفوق نظيره في المدن بعدة أضعاف، ما يدل على سوء توزيع الثروة والإهمال المزمن للأطراف.

حين يشكر رئيسُ الوزراء ابنَ البلد "الذي تحمّل مع الحكومة إجراءات الإصلاح الاقتصادي"، فإنه في الواقع يُقرّ بوجود معاناة حقيقية ناتجة عن تلك السياسات. غير أن هذا الاعتراف لا يتبعه تغيير في المنهج، بل مزيد من السير في الطريق الرأسمالي نفسه الذي سبّب الأزمة.

فالإصلاح المزعوم الذي بدأ عام 2016 ببرنامج "التعويم" ورفع الدعم وزيادة الضرائب، لم يكن إصلاحاً بل تحميلاً للفقراء كلفة الديون والعجز. وفي الوقت الذي يتحدث فيه المسؤولون عن "الانطلاقة"، تتجه الاستثمارات الضخمة إلى العقارات الفاخرة والمشروعات السياحية التي تخدم أصحاب رؤوس الأموال، بينما لا يجد ملايين الشباب فرصاً للعمل أو السكن. بل إن كثيراً من هذه المشاريع، كمنطقة علم الروم في مطروح التي تُقدّر استثماراتها بـ29 مليار دولار، هي شراكات رأسمالية أجنبية تستحوذ على الأراضي والثروات وتحوّلها إلى مصدر ربح للمستثمرين، لا مصدر رزق للناس.

النظام يفشل ليس لأنه فاسد فحسب، بل لأنه يسير على أساسٍ فكريٍّ باطلٍ هو النظام الرأسمالي، الذي يجعل المال محوراً لكل سياسات الدولة. فالرأسمالية تقوم على حرية التملك المطلقة، وتسمح بتكديس الثروة في يد القلة التي تملك أدوات الإنتاج، فيما تتحمل الكثرة عبء الضرائب والأسعار والدَّين العام.

ولهذا، فإن كل ما يُسمى "برامج حماية اجتماعية" ما هو إلا محاولة لتجميل وجه الرأسمالية الوحشي، وإطالة عمر نظامٍ جائرٍ يراعي الأغنياء ويجبي من الفقراء. فبدلاً من معالجة أصل الداء؛ أي احتكار الثروة وتبعية الاقتصاد للمؤسسات الدولية، يُكتفى بتوزيع فتات من الإعانات النقدية، لا ترفع فقراً ولا تحفظ كرامة.

إن الرعاية ليست منّةً من الحاكم على الرعية، بل واجب شرعي، ومسؤولية يحاسبه الله عليها في الدنيا والآخرة. وما يجري اليوم، هو إهمال متعمّد لشؤون الناس، وتخلٍّ عن واجب الرعاية لصالح قروضٍ مشروطة من صندوق النقد والبنك الدوليين.

لقد أصبحت الدولة وسيطاً بين الفقير والدائن الأجنبي، تفرض الضرائب وتقلّص الدعم وتبيع الممتلكات العامة لسدّ عجزٍ متضخم صنعه النظام الرأسمالي نفسه. وفي هذا كله تغيب المفاهيم الشرعية التي تضبط الاقتصاد، كتحريم الربا، ومنع تملك الثروات العامة للأفراد، ووجوب النفقة على الرعية من بيت مال المسلمين.

لقد قدم الإسلام نظاماً اقتصادياً متكاملاً يعالج الفقر من جذوره، لا بمجرد دعمٍ نقدي أو مشروعات تجميلية. هذا النظام يقوم على أسسٍ شرعيةٍ ثابتة أبرزها:

1- تحريم الربا والديون الربوية التي تُكبّل الدولة وتستنزف مواردها، فبزوال الربا تزول تبعية الاقتصاد للمؤسسات الدولية، وتُعاد السيادة المالية للأمة.

2- جعل الملكيات ثلاثة أنواع:

ملكية فردية: كالبيوت والمتاجر والمزارع الخاصة...

ملكية عامة: تشمل الثروات الكبرى كالنفط والغاز والمعادن والمياه...

ملكية دولة: كأراضي الفيء والركاز والخراج...

وبهذا التوزيع تتحقق العدالة، إذ تُمنع فئة قليلة من احتكار موارد الأمة.

3- ضمان الكفاية لكل فرد من الرعية: فالدولة تضمن لكل إنسان في رعايتها حاجاته الأساسية من مأكل وملبس ومسكن، فإن عجز عن العمل وجب على بيت المال أن ينفق عليه.

4- الزكاة والإنفاق الإلزامي: الزكاة ليست إحساناً بل فريضة، تجمعها الدولة وتصرفها في مصارفها الشرعية للفقراء والمساكين والغارمين. وهي أداة توزيع فعّالة تعيد الأموال إلى دورة الحياة في المجتمع.

مع التحفيز على العمل المنتج ومنع الاستغلال، والحثّ على استثمار الموارد في مشاريع نافعة حقيقية كالصناعات الثقيلة والحربية لا في المضاربات والعقارات الفاخرة والمشاريع الوهمية. إلى جانب ضبط الأسعار بالعرض والطلب الحقيقيين لا بالاحتكار ولا بالتعويم.

إن دولة الخلافة على منهاج النبوة هي وحدها القادرة على تطبيق هذه الأحكام عملياً، لأنها تُبنى على أساس العقيدة الإسلامية، ويكون هدفها رعاية شؤون الناس لا جباية أموالهم. ففي ظل الخلافة، لا يوجد ربا ولا قروض مشروطة، ولا بيع للثروات العامة للأجانب، بل تُدار الموارد بما يحقق مصلحة الأمة، ويتولى بيت المال تمويل الرعاية الصحية والتعليم والمرافق العامة من موارد الدولة والخراج والأنفال والملكية العامة.

أما الفقراء، فتُكفل حاجاتهم الأساسية فرداً فرداً، لا عبر صدقات مؤقتة بل كحقٍّ شرعي مضمون. ولذا فإن محاربة الفقر في الإسلام ليست شعاراً سياسياً، بل نظام حياة متكامل يُقيم العدل ويمنع الظلم ويعيد الثروة إلى أهلها.

ما بين الخطاب الرسمي والواقع المعاش مسافةٌ هائلة لا تخفى على أحد. فبينما تتغنّى الحكومة بمشروعاتها "العملاقة" وبـ"الانطلاقة الحقيقية"، يعيش ملايين المصريين تحت خط الفقر، يعانون الغلاء والبطالة وانعدام الأمل. والحقيقة أن هذه المعاناة لن تزول ما دامت مصر تسير في طريق الرأسمالية، تُسلِّم اقتصادها للمرابين وتخضع لسياسات المؤسسات الدولية.

إن أزمات ومشكلات مصر هي مشكلات إنسانية وليست مادية، وتتعلق بها أحكام شرعية تبين كيفية التعامل معها وعلاجها على أساس الإسلام، وإن الحلول أسهل من غض الطرف لكنها تحتاج إدارة مخلصة تملك إرادة حرة تريد السير في الطريق الصحيح وتريد الخير لمصر وأهلها حقا، وحينها على هذه الإدارة أن تراجع كل العقود التي أبرمت سابقا والتي تبرم مع كل الشركات التي تحتكر أصول البلاد وما هو من ملكياتها العام وعلى رأسها شركات التنقيب عن الغاز والنفط والذهب وباقي المعادن والثروات، وتطرد كل تلك الشركات لأنها في الأصل شركات استعمارية ناهبة لثروات البلاد، ثم تصوغ عهدا جديدا يقوم على تمكين الناس من ثروات البلاد وإنشاء أو استئجار شركات تقوم هي على إنتاج الثروة من منابع النفط والغاز والذهب وغيرها من المعادن وتعيد توزيع هذه الثروات على الناس من جديد، حينها سيتمكن الناس من زراعة الأرض الموات التي ستمكنهم الدولة من استغلالها بحقهم فيها، وسيتمكنون أيضا من صناعة ما يجب أن يصنع ليرتفع باقتصاد مصر ويكفي أهلها، وستدعمهم الدولة في هذا السبيل، وإن كل هذا ليس ضربا من الخيال ولا مستحيل الحدوث ولا مشروعا نعرضه للتجربة قد ينجح أو يفشل، وإنما هي أحكام شرعية لازمة ملزمة للدولة والرعية، فلا يجوز للدولة أن تفرط في ثروات البلاد التي هي ملك للناس بدعوى عقود أقرتها وأيدتها وتحميها قوانين دولية جائرة، ولا يجوز لها أن تمنع الناس منها بل يجب أن تقطع كل يد تمتد ناهبة إلى ثروات الناس، هذا ما يقدمه الإسلام ويجب تنفيذه، إلا أنه لا يطبق بمعزل عن باقي أنظمة الإسلام بل إنه لا يطبق إلا من خلال دولة الخلافة الراشدة على منهاج النبوة، هذه الدولة التي يحمل همها والدعوة إليها حزب التحرير ويدعو مصر وأهلها شعبا وجيشا إلى العمل معه من أجلها، عسى الله أن يكتب الفتح من عنده فنراها واقعا يعز الإسلام وأهله، اللهم عاجلا غير آجل.

﴿وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرَىٰ آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَفَتَحْنَا عَلَيْهِم بَرَكَاتٍ مِّنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ﴾

كتبه للمكتب الإعلامي المركزي لحزب التحرير

سعيد فضل

عضو المكتب الإعلامي لحزب التحرير في ولاية مصر