حملُ الدعوةِ المُثمر
August 31, 2019

حملُ الدعوةِ المُثمر

حملُ الدعوةِ المُثمر


حمل الدعوة عملُ الأنبياءِ والصالحين، وحمل الدعوة عمل المخلصين من أبناء الأمة، ولا يكون حمل الدعوة كما اتُّفق، بل إنه يتطلبُ مجهودا كي يكون مثمرا ومؤديا الغرضَ الذي يُراد منه، وحتى يكون العمل مثمرا لا بد من تحديد الغاية والهدف منه.


ولعل تحديد الهدف والغاية من الأمور الصعبة علينا لأن المرء قد يفكر ولا يحدد ما يريد أو لا يستطيع أن يحددَ ما يريد ولهذا لا تكون لأفكاره وأفعاله ثمرة.


ومع هذا فإن هناك عوامل ضرورية للحفاظ على العمل المثمر، وهذه العوامل تتمثل بالصبر، والمتابعة، والجدية.


فإن كنا جادين فإننا نحدد الهدف والغاية من التفكير والعمل، فيتكون عندنا القصد، ونسعى لتحقيق هذا القصد. وكي يتحول الفكر إلى عمل لا بد من تصور ما يُفكرُ به وأن تكون الجدية متناسبة مع مستوى العمل ومع ما يُفكر به
ومن كانت غايته إنهاض أمته فإنه سيعطي ذلك عناية خاصة، إلا أنه من المهم عندما نحدد الغاية أن نكون على معرفة بالأساليب والوسائل عند القيام بالعمل حتى يتم لنا ما نريد.


والأسلوب يقرره نوع العمل، وهو يختلف باختلاف نوع العمل؛ فالعبرة ليست بوجود أسلوب أي أسلوب، ولكن أسلوب فعال، لأن وجود أساليب لا تنفع قد يفشل العمل، فعند الدعاية لفكرة قد يكون أسلوب الدعاية متشابهاً مع أسلوب الدعوة لهذه الفكرة، وذلك لأن كلا منهما يعتمد على عرض الفكرة، لكن هذا التشابه قد يضلل حملة الدعوة، وقد يضلل أصحاب الدعاية لفكرة، فأسلوب الدعاية يستلزم عوامل كثيرة لا بد من دراستها عند الدعاية كاستخدام الشعارات وأسلوب التأكيد والتكرار واستخدام الشخصيات والتأثير على المشاعر والأمر المباشر والقولبة، ونوع الإعلان وكيفية تنظيم البوستر أو الدعوة عبر المحطات أو الإنترنت فهو مهم للتزيين، فأسلوب الدعاية إن استخدم في الدعوة يخفق، وأسلوب الدعوة إن استخدم في الدعاية فإنه يخفق، لأن أسلوب الدعوة يعتمد على شرح الحقائق، فالأسلوب كيفية معينة للقيام في العمل وهو متغير، والأسلوب يقرر نجاح العمل وإخفاقه، فهو يحتاج إلى عقلية مبدعة، ولا بد لحامل الدعوة أن يُعوّد نفسه على هذه العقلية، فيعوّد نفسه على حل المشاكل ولا ييأس لإيجاد الأسلوب الفعال للقيام بالعمل حتى ينجح، والتفكير بالوسائل لا يقل أهمية عن التفكير بالأساليب لأنه لا قيمة لها إن استعملت وسائل لا توصل إلى الحل.


فلو رُسمت خطة لقتال العدو وكانت خطة صحيحة 100% ولكن استُخدم السلاح الذي لا يقوى على مواجهة العدو فإن الخطة ستُخفق... فلا بد من التفكير بالوسيلة على ضوء الأسلوب، والذي يميز الوسيلة عن الأسلوب عند الأخذ بها أن لا تكون نتاجا عقليا بل لا بد أن تكون قد تمت تجربتها، فلو عمل الحزب على كسب العلماء ومن لهم ثقل في المجتمع فإنه يخفق لأنه لن ينجح في الوصول لتسلم الحكم، وإذا نجح في الذين لهم ثقل في تسلم الحكم فلن يقوم الحكم على فكرة لأن الوسيلة في الكسب إنما تكون بتقصد الأمة بغض النظر عن الأفراد، فأي شخص يقبل الفكرة فإنه ينخرط في صفوف الحزب، ومن المفيد أن تدرس حقائق التاريخ كي يستفاد منها في الوسائل.


إذن لا بد من تحديد الغاية ووجود الصبر والجدية والملاحقة مع وعي على الأساليب والوسائل، فعندما يُفكر لا بد أن يُحدد الهدف من التفكير أولا ثم المتابعة وبجدية حتى يُحَققَ ما يصبو إليه، فلا يتطرق إلى حامل الدعوة الكسل أو الخوف أو الخجل، فإذا حددنا هدفا كإعادة الثقة عند الأمة بأحكام الإسلام فإننا نفكر في سبب عدم تأثير العقيدة في الأمة، فنرى أنها فقدت علاقتها بأفكار الحياة وأنظمة التشريع، وفقدت تصورها عما بعد الحياة فلم يعد الخوف من الآخرة وعذابُ الله يهزها، وفقدت تباعا ارتباطها بجماعة المسلمين بل صاروا شعوبا، فيدرك أن السبب في هذا هو عدم الثقة فيما ينبثق عن العقيدة، وقد حصل هذا بعد أن غزى الكافر المستعمر العالم الإسلامي وركز هجومه على الفقه الإسلامي والأحكام الإسلامية، ونظراً للثورة الصناعية وإصابة المسلمين بالدهشة من الثورة الصناعية صاروا يتساءلون عن صلاحية الأحكام الشرعية التي تعارض الواقع، فقيل إن الإسلام ديمقراطي... وإن العقل مقياس الحسن والقبح... وإن العداء للمستعمرين فقط لأنهم مستعمرون لا لأنهم كفار... وأصبح المسلم يتأثر بأفكار القومية والوطنية أكثر من أفكار الإسلام... فلا بد أن يُدرس واقع الثقة وكيفية إعادتها، إذ إن الثقة تنجم عن القناعة بصحة الشيء وصدقه بناءً على برهان يثبت صحة الشيء وصدقه، ومن تكرار ذلك، تنتج القناعة وتتولد الثقة، وبالتالي يصبح الأمر بديهة، وبما أن وضع الثقة يحتاج البرهان العقلي والشعوري، يَرى حامل الدعوة أنه لا بد من إعادة الثقة بالإسلام من أجل النهضة وإقامة الدولة وجعل الوقائع الملموسة تنطق والحوادث الجارية تنطق كذلك بصحة أفكار الإسلام، سواء أكانت أفكاراً متعلقة بشؤون الحياة أم بتنظيم العلاقات، وبما أن الناس يهتمون من قبل سلطة ترعى شؤونهم بأفكار وقوانين معينة فيبدأ يعمل على إظهار فساد هذه الأحكام والمعالجات، ويبين الحكم الصحيح فيدرك حينئذ واقع الحكم ويلمس مدلوله فيحرك العقل والمشاعر، ولا يتطرق إلى ذلك من باب الثقة بل يبين أنها باطلة لأنها كفر ويبين العلاج الصحيح لها، وعندما يتطرق إلى الأحكام فإنه يبين أنها أفكار كفر أو حرام ويبين الحكم الشرعي لها، فيبين كفر فصل الدين عن الحياة، والتبرع لبناء كنيسة وحرمة القومية والربا...


فغايتهم من هذا في جعل وجهة النظر الإسلامية في الحياة هي السائدة، وفي سيره عند العمل يبدأ يُفكر في الوسائل والأساليب التي تكون ضرورية بالنسبة للعمل الذي يقوم به.


وإن من الأمور المهمة ثقة حامل الدعوة نفسه بأن الإسلام قد جعل هناك طريقة شرعية محددة لإعادة الإسلام وأنها آتية من النص فلا بد أن يُظهر حكم الله أنه كذا وكيف يستنبط، وفي الوقت نفسه أن يظهِر فساد أي طريقة إن لم تكن مستنبطة من النصوص الشرعية إن وجد، فثقته هذه ضرورية في عمله ونشاطه وجديته، والتأثير على صبره ومتابعته، ومعروف أن الإسلام قد جعل له طريقة لاستئناف الحياة الإسلامية وهي آتية منه تزيد ثقته في الأحكام المنبثقة عن العقيدة ويجب أن تكون هذه الطريقة واضحة في ذهنه حتى يسهل عليه حمل الدعوة ويسهل عليه تحديد الأعمال الضرورية التي يريد أن يحمل الدعوة من خلالها، فإذا قرر أخذ قيادة الأمة فإنه يدرك أهمية الفكر السياسي لتحسين ذلك، فيعمل مع الحزب في ذلك... يبحث عن بعض الأفكار المهمة لإبرازها وإعطائها للناس محددة ومبلورة.


فمثلا، عقيدة فصل الدين عن الحياة وتناقضها مع الإسلام... ومفهوم السعادة أنها الطمأنينة الدائمة، وإدراك الصلة بالله؛ أن المسلم عبد لربه، فيبين متبنيات الحزب في الحكم والاقتصاد والاجتماع والتعليم ثم يبدأ يَحث الناس على هذه الأفكار، فلا بد أن تصدر هذه الأفكار بشكل مؤثر حتى يتسلم قيادة الأمة، والشكل المؤثر يكون بجعل من يناقشهم يلمسون واقع هذه الأفكار وحث الناس على جعلها رأيا عاما بين الناس، وأن يحدد ما يريد قيادة الناس له، هل يريد مطلبا جزئيا أم عاماً؟


أما حزب التحرير فلا يقود للوصول إلى تحقيق مطالب جزئية، بل يتخذ المطالب الجزئية للوصول إلى قيادة الأمة بإثارة التذمر ولا يقود لتحقيق الجزئيات، ولا يُظهر رضاه عن تحقيقها، وقيادته لأمته تكون لطلب تطبيق الإسلام وإقامة الخلافة الإسلامية، وهذا التحديد لا بد أن يكون بارزا ولافتا للنظر، أن يكون قصدُه من عمله إيجاد قاعدة كبرى من جمهرة الأمة، ويكون عمله كله منصبا على العمل الذي يؤول إلى طلب النصرة، وذلك بإيجاد القاعدة الشعبية وتهيئتها لإقامة الدولة إذ إن الحزب يعمل على تجميع القوى من أجل إقامة الدولة الإسلامية وذلك عن طريق الجيش وأهل القوة والمنعة والأمة كذلك، فيكون عمل حامل الدعوة غير منفصل عن عمل الحزب، والأمر الآخر المهم هو وضوح الرؤية خلال العمل، لأن العمل مع الأمة والقيام بالأعمال السياسية يحتاج إلى عمق وبعد نظر، فمثلا يجب أن يميز بين الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر والعمل لإقامة الدولة الإسلامية، فإن علم ذلك أدرك أهمية معرفته أن إنكار المنكر قد يكون متعبا على الفرد فيقوم هو به حسب أفكاره، فيعمل على التغيير بيده، وينكر على مرتكب المنكر بلسانه ثم بقلبه فهو فرض عين، ويدرك أن من أعمال النصرة أمورا متعلقة به هو، فهو يعمل على توحيد إرادة الأمة والعمل على وجود التأثير بالجيش والأمة ومع ذوي النفوذ كذلك لإزالة الحاكم، وهذا يوجد عنده تفهما لطبيعة عوامل إسناد السلطة في منطقته.


وعادة ما تعتمد عوامل إسناد السلطة على الجيش والأمن العام والقضاء والبرلمان، وفهم هذه الأمور مهم دائما لأنه لو قامت الدولة وعمل على ضم الدول، وإن فهم هو طبيعة هذه الأمور فإن ذلك سيسهل عليه الضم أو يحدد إن كان الضم حراماً، ومن المهم لنا متابعه الأمور السياسية والخطط والأساليب، فمتابعة الخطط والأساليب تساعد حامل الدعوة على إفشال الخطط عندما يصبح العملاء والدول المتسلطة في أعمالها.


وفي النهاية العمل في الدعوة الإسلامية عمل شاق لكنه من أجلّ الأعمال فهو عمل الرسل والصالحين ومن يكرسون أنفسهم من أجل أمتهم، لهم أجر عظيم، والركب قليل فلا نبخل على أمتنا بالعمل الجاد ومضاعفه الجهود.


وفي المحصلة حتى يكون حمل الدعوة مثمرا لا بد أن يحدد حامل الدعوة الهدف وأن يكون هذا الهدف واضحا ومتصورا لديه وأن يقوم بهذا العمل على وجه الجدية ولا بد أن يتابع العمل وأن يكون صبورا، وعندما يقوم بتحقيق الهدف والوصول إلى القصد من هذا العمل لا بد أن يفكر بالأسلوب الفعال لهذا الهدف وأن يعمل على ابتكار الوسائل المجربة إما تاريخيا أو يجربها هو حتى تكون مؤدية للغرض.


كتبته للمكتب الإعلامي المركزي لحزب التحرير
مريم بدر (أم مؤمن)

المزيد من القسم null

لا تنخدعوا بالأسماء فالعبرة بالمواقف لا بالأنساب

لا تنخدعوا بالأسماء فالعبرة بالمواقف لا بالأنساب

في كل مرة يُقدَّم لنا "رمز جديد" له جذور مسلمة أو ملامح شرقية، يهلل كثير من المسلمين، وتُبنى الآمال على وهمٍ اسمه "التمثيل السياسي" في نظامٍ كافر لا يعترف بالإسلام حكماً ولا عقيدةً ولا شريعةً.

نذكر جميعاً الفرح العارم الذي اجتاح مشاعر كثيرين عند فوز أوباما في 2008. فهو ابن كينيا، وله أب مسلم! وهنا توهم البعض أن الإسلام والمسلمين باتوا قريبين من النفوذ الأمريكي، لكن أوباما كان أحد أكثر الرؤساء إيذاءً للمسلمين فقد دمر ليبيا، وساهم في مأساة سوريا، وأشعل أفغانستان والعراق بطائراته وجنوده، بل كان سفاك الدماء في اليمن عبر أدواته وكان عهده استمراراً لعداء ممنهج ضد الأمة.

واليوم يتكرر المشهد، لكن بأسماء جديدة. فـزوهران ممداني يُحتفى به لأنه مسلم ومهاجر وشاب، وكأنه المنقذ! لكن قليلين فقط ينظرون إلى مواقفه السياسية والفكرية. هذا الرجل من الداعمين الأشداء للشواذ المثليين، ومشارك في فعالياتهم، ويعتبر انحرافهم حقوقاً إنسانية!

أي خزي هذا يُعلق عليه الناس آمالاً؟! ألم يكن تكراراً للخيبة السياسية والفكرية نفسها التي وقعت فيها الأمة مراراً وتكراراً؟! نعم لأنها تُفتن بالشكل لا بالجوهر! تُخدع بالابتسامات، وتتعامل بالعاطفة لا بالعقيدة، وبالأسماء لا بالمفاهيم، وبالرموز لا بالمبادئ!

إن هذا الانبهار بالأشكال والأسماء نتيجة غياب الوعي السياسي الشرعي، لأن الإسلام لا يقاس بالأصل أو الاسم أو العرق، بل بالالتزام بمبدأ الإسلام كاملاً؛ نظاماً وعقيدةً وشريعةً. ولا قيمة لمسلم لا يحكم بالإسلام ولا ينصره، بل يخضع للنظام الرأسمالي الكافر، ويبرر الكفر والانحرافات باسم "الحرية".

وليعلم جميع المسلمين الذين فرحوا بفوزه وظنّوا أنه بذرة خير أو بداية نهوض، أن النهوض لا يكون من داخل أنظمة الكفر، ولا بأدواتها، ولا عبر صناديق اقتراعها، ولا تحت سقف دساتيرها.

فمن يُقدّم نفسه عبر النظام الديمقراطي، ويقسم على احترام قوانينه، ثم يدافع عن الشذوذ الجنسي ويحتفل به، ويدعو إلى ما يغضب الله، فهو ليس نصيراً للإسلام ولا أملاً للأمة، بل هو أداة تلميع وتمييع، وتمثيل مزيّف لا يُقدّم ولا يؤخر.

إن ما تسمى النجاحات السياسية في الغرب لبعض الشخصيات ذات الأسماء الإسلامية، ما هي إلا فُتات يُقدَّم كمسكنات للأمة، ليقال لها: انظروا، التغيير ممكن عبر أنظمتنا.

 فما حقيقة هذا "التمثيل"؟

الغرب لا يفتح أبواب الحكم للإسلام، بل يفتحها فقط لمن يتماهى مع قيمه وأفكاره. وأي شخص يدخل نظامهم لا بد أن يقبل بدستورهم، وبقوانينهم الوضعية، وأن يتنكر لحكم الإسلام، فإن رضي بذلك، أصبح نموذجاً مقبولاً، أما المسلم الحق، فهو مرفوض عندهم من جذوره.

فمن هو زهران ممداني؟ ولماذا يُصنع هذا الوهم؟

هو شخص يحمل اسماً مسلماً لكنه متبنٍ لأجندة منحرفة مخالفة تماماً لفطرة الإسلام، من دعم المثليين، والترويج لما يُسمى بـ"حقوقهم"، وهو نموذج حي لكيف يصنع الغرب نماذجه: مسلم بالاسم، علماني بالفعل، خادم لأجندة الليبرالية الغربية لا أكثر. بل لإشغال الأمة عن طريقها الحقيقي، فبدل أن تطالب بدولة الإسلام والخلافة، تنشغل بالمقاعد النيابية والمناصب في أنظمة كفر! وبدل أن تتوجه لتحرير فلسطين، تنتظر مَن "يدافع عن غزة" من داخل الكونغرس الأمريكي أو البرلمان الأوروبي!

فحقيقة الأمر أن هذا تشويه لطريق التغيير الحقيقي، وهو إقامة الخلافة الراشدة على منهاج النبوة، التي تُعلي راية الإسلام، وتقيم شرع الله، وتوحد الأمة خلف خليفة واحد يُقاتل من ورائه ويُتقى به.

فلا تنخدعوا بالأسماء، ولا تفرحوا بمن ينتمي لكم شكلاً ويخالفكم مضموناً، فليس كل من حمل اسم سعيد أو علي أو زهران هو على طريق نبينا محمد ﷺ.

واعلموا أن التغيير لا يأتي من داخل برلمانات الكفر، بل من جيوش الأمة التي آن لها أن تتحرك، ومن شبابها الواعين الذين يعملون ليلا ونهارا لقلب الطاولة على رؤوس الغرب وأعوانه وأتباعه الخائنين في بلاد الإسلام والمسلمين.

فالمسلمون لن ينهضوا عبر انتخابات الديمقراطية ولا من خلال صناديق الغرب، بل بنهضة حقيقية على أساس العقيدة الإسلامية، بإقامة دولة الخلافة الراشدة التي تُعيد للإسلام مكانته، وللمسلمين عزّتهم، وتحطم أوهام الديمقراطية.

لا تنخدعوا بالأسماء، ولا تعلقوا آمالكم على أفراد في أنظمة كفر، بل ارجعوا إلى مشروعكم العظيم: استئناف الحياة الإسلامية، فهذا وحده طريق العزة والنصر والتمكين.

فالمشهد تكرار مُهين لمآسٍ قديمة: رموز مزيفة، وولاء للأنظمة الغربية، وانحراف عن طريق الإسلام. وكل من يُصفّق لهذا المسار، إنما يضلل الأمة. فعودوا إلى مشروع الخلافة، ولا تجعلوا أعداء الإسلام يصنعون لكم قادتكم وممثليكم. فالعزة ليست في مقاعد الديمقراطية، بل في سدة الخلافة التي يعمل لها حزب التحرير ويُحذر الأمة من هذا الانحدار الفكري والسياسي. فلا خلاص لنا إلا بدولة الخلافة، التي لا تسمح بأن يحكم المسلمين من يدين بدين غير الإسلام، ولا بمن يبرر الشذوذ والانحراف، ولا بمن يُشرّع للناس غير ما أنزل الله.

كتبه لإذاعة المكتب الإعلامي المركزي لحزب التحرير

عبد المحمود العامري – ولاية اليمن

مصر بين الشعارات الحكومية والواقع المرّ  الحقيقة الكاملة عن الفقر، والسياسات الرأسمالية

مصر بين الشعارات الحكومية والواقع المرّ

الحقيقة الكاملة عن الفقر، والسياسات الرأسمالية

نقلت بوابة الأهرام الثلاثاء 4 تشرين الثاني/نوفمبر 2025م، أن رئيس الوزراء المصري، في كلمة ألقاها نيابةً عن الرئيس في القمة العالمية الثانية للتنمية الاجتماعية في العاصمة القطرية الدوحة، قال إنّ مصر تطبّق نهجاً شاملاً للقضاء على الفقر في جميع أشكاله وأبعاده، بما في ذلك "الفقر متعدد الأبعاد".

منذ سنوات، لا يكاد يخلو خطاب رسمي في مصر من عباراتٍ مثل "نهج شامل للقضاء على الفقر" و"الانطلاقة الحقيقية للاقتصاد المصري". يكرّر المسؤولون هذه الشعارات في المؤتمرات والمناسبات، مصحوبة بصور براقة لمشروعات استثمارية وفنادق ومنتجعات. لكن الواقع، كما تشهد عليه التقارير الدولية، مختلف تماماً. فالفقر في مصر ما زال ظاهرةً راسخة، بل متفاقمة، رغم الوعود الحكومية المتكرّرة بالتحسن والنهضة.

بحسب تقارير اليونيسف والإسكوا وبرنامج الغذاء العالمي لعامي 2024 و2025، يعيش نحو واحد من كل خمسة مصريين في فقرٍ متعدد الأبعاد، أي محروم من أكثر من جانب من جوانب الحياة الأساسية كالتعليم والصحة والسكن والعمل والخدمات. كما تؤكد البيانات أن أكثر من 49% من الأسر تعاني من صعوبات في الحصول على غذاء كافٍ، وهو رقم صادم يعكس عمق الأزمة المعيشية.

أما الفقر المالي، أي انخفاض الدخل مقارنة بتكاليف المعيشة، فقد ارتفع بصورة حادة، نتيجة موجات التضخم المتلاحقة التي أكلت أجور الناس وجهودهم ومدخراتهم، حتى أصبحت نسبة كبيرة من المصريين تحت خط الفقر المالي رغم عملهم الدائم.

وبينما تتحدث الحكومة عن مبادرات مثل "تكافل وكرامة" و"حياة كريمة"، تكشف الأرقام الدولية أن هذه البرامج لم تغيّر بنية الفقر جذرياً، بل اقتصرت على مسكّنات مؤقتة أشبه بالقطرة التي تُسكب في صحراء. فما زال الريف المصري الذي يقطنه أكثر من نصف السكان، يعاني من ضعف الخدمات وانعدام فرص العمل اللائق وتهالك البنية الأساسية. ويؤكد تقرير الإسكوا أن الحرمان في الريف يفوق نظيره في المدن بعدة أضعاف، ما يدل على سوء توزيع الثروة والإهمال المزمن للأطراف.

حين يشكر رئيسُ الوزراء ابنَ البلد "الذي تحمّل مع الحكومة إجراءات الإصلاح الاقتصادي"، فإنه في الواقع يُقرّ بوجود معاناة حقيقية ناتجة عن تلك السياسات. غير أن هذا الاعتراف لا يتبعه تغيير في المنهج، بل مزيد من السير في الطريق الرأسمالي نفسه الذي سبّب الأزمة.

فالإصلاح المزعوم الذي بدأ عام 2016 ببرنامج "التعويم" ورفع الدعم وزيادة الضرائب، لم يكن إصلاحاً بل تحميلاً للفقراء كلفة الديون والعجز. وفي الوقت الذي يتحدث فيه المسؤولون عن "الانطلاقة"، تتجه الاستثمارات الضخمة إلى العقارات الفاخرة والمشروعات السياحية التي تخدم أصحاب رؤوس الأموال، بينما لا يجد ملايين الشباب فرصاً للعمل أو السكن. بل إن كثيراً من هذه المشاريع، كمنطقة علم الروم في مطروح التي تُقدّر استثماراتها بـ29 مليار دولار، هي شراكات رأسمالية أجنبية تستحوذ على الأراضي والثروات وتحوّلها إلى مصدر ربح للمستثمرين، لا مصدر رزق للناس.

النظام يفشل ليس لأنه فاسد فحسب، بل لأنه يسير على أساسٍ فكريٍّ باطلٍ هو النظام الرأسمالي، الذي يجعل المال محوراً لكل سياسات الدولة. فالرأسمالية تقوم على حرية التملك المطلقة، وتسمح بتكديس الثروة في يد القلة التي تملك أدوات الإنتاج، فيما تتحمل الكثرة عبء الضرائب والأسعار والدَّين العام.

ولهذا، فإن كل ما يُسمى "برامج حماية اجتماعية" ما هو إلا محاولة لتجميل وجه الرأسمالية الوحشي، وإطالة عمر نظامٍ جائرٍ يراعي الأغنياء ويجبي من الفقراء. فبدلاً من معالجة أصل الداء؛ أي احتكار الثروة وتبعية الاقتصاد للمؤسسات الدولية، يُكتفى بتوزيع فتات من الإعانات النقدية، لا ترفع فقراً ولا تحفظ كرامة.

إن الرعاية ليست منّةً من الحاكم على الرعية، بل واجب شرعي، ومسؤولية يحاسبه الله عليها في الدنيا والآخرة. وما يجري اليوم، هو إهمال متعمّد لشؤون الناس، وتخلٍّ عن واجب الرعاية لصالح قروضٍ مشروطة من صندوق النقد والبنك الدوليين.

لقد أصبحت الدولة وسيطاً بين الفقير والدائن الأجنبي، تفرض الضرائب وتقلّص الدعم وتبيع الممتلكات العامة لسدّ عجزٍ متضخم صنعه النظام الرأسمالي نفسه. وفي هذا كله تغيب المفاهيم الشرعية التي تضبط الاقتصاد، كتحريم الربا، ومنع تملك الثروات العامة للأفراد، ووجوب النفقة على الرعية من بيت مال المسلمين.

لقد قدم الإسلام نظاماً اقتصادياً متكاملاً يعالج الفقر من جذوره، لا بمجرد دعمٍ نقدي أو مشروعات تجميلية. هذا النظام يقوم على أسسٍ شرعيةٍ ثابتة أبرزها:

1- تحريم الربا والديون الربوية التي تُكبّل الدولة وتستنزف مواردها، فبزوال الربا تزول تبعية الاقتصاد للمؤسسات الدولية، وتُعاد السيادة المالية للأمة.

2- جعل الملكيات ثلاثة أنواع:

ملكية فردية: كالبيوت والمتاجر والمزارع الخاصة...

ملكية عامة: تشمل الثروات الكبرى كالنفط والغاز والمعادن والمياه...

ملكية دولة: كأراضي الفيء والركاز والخراج...

وبهذا التوزيع تتحقق العدالة، إذ تُمنع فئة قليلة من احتكار موارد الأمة.

3- ضمان الكفاية لكل فرد من الرعية: فالدولة تضمن لكل إنسان في رعايتها حاجاته الأساسية من مأكل وملبس ومسكن، فإن عجز عن العمل وجب على بيت المال أن ينفق عليه.

4- الزكاة والإنفاق الإلزامي: الزكاة ليست إحساناً بل فريضة، تجمعها الدولة وتصرفها في مصارفها الشرعية للفقراء والمساكين والغارمين. وهي أداة توزيع فعّالة تعيد الأموال إلى دورة الحياة في المجتمع.

مع التحفيز على العمل المنتج ومنع الاستغلال، والحثّ على استثمار الموارد في مشاريع نافعة حقيقية كالصناعات الثقيلة والحربية لا في المضاربات والعقارات الفاخرة والمشاريع الوهمية. إلى جانب ضبط الأسعار بالعرض والطلب الحقيقيين لا بالاحتكار ولا بالتعويم.

إن دولة الخلافة على منهاج النبوة هي وحدها القادرة على تطبيق هذه الأحكام عملياً، لأنها تُبنى على أساس العقيدة الإسلامية، ويكون هدفها رعاية شؤون الناس لا جباية أموالهم. ففي ظل الخلافة، لا يوجد ربا ولا قروض مشروطة، ولا بيع للثروات العامة للأجانب، بل تُدار الموارد بما يحقق مصلحة الأمة، ويتولى بيت المال تمويل الرعاية الصحية والتعليم والمرافق العامة من موارد الدولة والخراج والأنفال والملكية العامة.

أما الفقراء، فتُكفل حاجاتهم الأساسية فرداً فرداً، لا عبر صدقات مؤقتة بل كحقٍّ شرعي مضمون. ولذا فإن محاربة الفقر في الإسلام ليست شعاراً سياسياً، بل نظام حياة متكامل يُقيم العدل ويمنع الظلم ويعيد الثروة إلى أهلها.

ما بين الخطاب الرسمي والواقع المعاش مسافةٌ هائلة لا تخفى على أحد. فبينما تتغنّى الحكومة بمشروعاتها "العملاقة" وبـ"الانطلاقة الحقيقية"، يعيش ملايين المصريين تحت خط الفقر، يعانون الغلاء والبطالة وانعدام الأمل. والحقيقة أن هذه المعاناة لن تزول ما دامت مصر تسير في طريق الرأسمالية، تُسلِّم اقتصادها للمرابين وتخضع لسياسات المؤسسات الدولية.

إن أزمات ومشكلات مصر هي مشكلات إنسانية وليست مادية، وتتعلق بها أحكام شرعية تبين كيفية التعامل معها وعلاجها على أساس الإسلام، وإن الحلول أسهل من غض الطرف لكنها تحتاج إدارة مخلصة تملك إرادة حرة تريد السير في الطريق الصحيح وتريد الخير لمصر وأهلها حقا، وحينها على هذه الإدارة أن تراجع كل العقود التي أبرمت سابقا والتي تبرم مع كل الشركات التي تحتكر أصول البلاد وما هو من ملكياتها العام وعلى رأسها شركات التنقيب عن الغاز والنفط والذهب وباقي المعادن والثروات، وتطرد كل تلك الشركات لأنها في الأصل شركات استعمارية ناهبة لثروات البلاد، ثم تصوغ عهدا جديدا يقوم على تمكين الناس من ثروات البلاد وإنشاء أو استئجار شركات تقوم هي على إنتاج الثروة من منابع النفط والغاز والذهب وغيرها من المعادن وتعيد توزيع هذه الثروات على الناس من جديد، حينها سيتمكن الناس من زراعة الأرض الموات التي ستمكنهم الدولة من استغلالها بحقهم فيها، وسيتمكنون أيضا من صناعة ما يجب أن يصنع ليرتفع باقتصاد مصر ويكفي أهلها، وستدعمهم الدولة في هذا السبيل، وإن كل هذا ليس ضربا من الخيال ولا مستحيل الحدوث ولا مشروعا نعرضه للتجربة قد ينجح أو يفشل، وإنما هي أحكام شرعية لازمة ملزمة للدولة والرعية، فلا يجوز للدولة أن تفرط في ثروات البلاد التي هي ملك للناس بدعوى عقود أقرتها وأيدتها وتحميها قوانين دولية جائرة، ولا يجوز لها أن تمنع الناس منها بل يجب أن تقطع كل يد تمتد ناهبة إلى ثروات الناس، هذا ما يقدمه الإسلام ويجب تنفيذه، إلا أنه لا يطبق بمعزل عن باقي أنظمة الإسلام بل إنه لا يطبق إلا من خلال دولة الخلافة الراشدة على منهاج النبوة، هذه الدولة التي يحمل همها والدعوة إليها حزب التحرير ويدعو مصر وأهلها شعبا وجيشا إلى العمل معه من أجلها، عسى الله أن يكتب الفتح من عنده فنراها واقعا يعز الإسلام وأهله، اللهم عاجلا غير آجل.

﴿وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرَىٰ آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَفَتَحْنَا عَلَيْهِم بَرَكَاتٍ مِّنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ﴾

كتبه للمكتب الإعلامي المركزي لحزب التحرير

سعيد فضل

عضو المكتب الإعلامي لحزب التحرير في ولاية مصر