هناك حبل إنقاذ للسودان فخذوه!
هناك حبل إنقاذ للسودان فخذوه!

لأكثر من مئة عام، يُوهَم العالم بأنّ الحروب في البلاد الإسلامية، وخاصةً في الدول الأفريقية، ناجمة عن تخلّفها الفكري والسياسي والاقتصادي. ويُصوَّرون للعالم على أنهم عاجزون عن إدارة وجودهم دون ما يُسمى بمساعدة وتدخّل الغرب. في الواقع، لم تُصبح هذه الكذبة صحيحة إلا بعد أن بدأ الغرب في استعمار الدول الأفريقية، حيث سلبوا هذه الأراضي من ثرواتها، وجردوها من إنسانيتها، ولم يحجبوا عنها جميع الفرص للتقدم الحقيقي فحسب، بل دفعوا ظروف معيشتهم إلى العصر الذي سبق التقويم الحالي

0:00 0:00
السرعة:
September 19, 2025

هناك حبل إنقاذ للسودان فخذوه!

هناك حبل إنقاذ للسودان فخذوه!

(مترجم)

لأكثر من مئة عام، يُوهَم العالم بأنّ الحروب في البلاد الإسلامية، وخاصةً في الدول الأفريقية، ناجمة عن تخلّفها الفكري والسياسي والاقتصادي. ويُصوَّرون للعالم على أنهم عاجزون عن إدارة وجودهم دون ما يُسمى بمساعدة وتدخّل الغرب. في الواقع، لم تُصبح هذه الكذبة صحيحة إلا بعد أن بدأ الغرب في استعمار الدول الأفريقية، حيث سلبوا هذه الأراضي من ثرواتها، وجردوها من إنسانيتها، ولم يحجبوا عنها جميع الفرص للتقدم الحقيقي فحسب، بل دفعوا ظروف معيشتهم إلى العصر الذي سبق التقويم الحالي. لقد ذبحوا قبائل وحضارات بأكملها، واستعبدوا الناجين المتبقين، وحملوا الآلاف من شعبها إلى قارات بعيدة، بل وعرضوهم في حدائق الحيوان البشرية، مستغلين حياتهم وكرامتهم وثقافاتهم وليس فقط مواردهم... وبعد بضع مئات من السنين، عندما أصبحت العبودية مكلفة للغاية مقارنةً بالتصنيع، منحوا هذه المناطق حريّةً وهمية واستقلالية غير موجودة بحكم الأمر الواقع داخل حدود اصطناعية رسموها حرفياً مع حاكم وألبسوها هياكل الدولة الوطنية. ولضمان كفاية هذه "المصانع الجديدة" المُربحة، بنوا شبكة أمان من القوانين والاتفاقيات وأنظمة التمويل الدولية، وما إلى ذلك، بحيث كلما طرأت تغييرات على ملكية تلك المصانع، أو برزت أرباح جديدة، كان الغرب المستعمر عديم الضمير يُطلق العنان لخيوله. وكان هذا العنان القوي، ولا يزال، هو أنظمتهم الحاكمة الفاسدة المفروضة، التي يسنّها حكامهم العملاء عديمو الروح، سهْلو الاستبدال، والذين لا يهمهم سوى نجاح شعوبهم وتقدمها. كانت سفاراتهم ومنظماتهم الإنسانية، وما شابهها، هي اليدُ الطولى على هؤلاء العملاء، المستعدة لإثارة الثورات والانقلابات، بل وحتى الإبادة الجماعية، مُؤججةً القبلية والعنصرية والطائفية - أياً كان ومتى رأت المصالح الغربية ذلك مناسباً. كل هذا، بينما يُخدّر العالم أجمع - انتبهوا، ليس فقط المستعمرات - بدواء مُخدّر ومُهلوس يُسمى "الديمقراطية والعلمانية".

لم يُعر الغرب الرأسمالي اهتماماً لقيمة الإنسان، فالمكسب المادي هو الخير الأسمى في مبدئه. وبالتالي، فإنّ الاستعمار هو الوسيلة التي يضمن بها المبدأ الرأسمالي وجوده، ويحمي نفسه، وينتشر إلى الآخرين. لذلك، فإنّ فرض الهيمنة العسكرية والسياسية والاقتصادية والفكرية والثقافية على الشعوب الأخرى أمرٌ حيوي لتحقيق أهدافه ورغباته. خلاصة عقود من النفوذ الاستعماري هي أن كل نظام من الأنظمة العميلة في بلادنا قد قاد بلاده إلى بؤس آخر وأكثر إيلاماً من أجل نزوات السياسة الغربية الأنانية المليئة بالتنافس. لقد شهدنا ذلك مراراً وتكراراً في رواندا، وتونس، ومصر، وليبيا، وباكستان، وبنغلادش، وتركيا، والعديد من البلاد الإسلامية الأخرى. ولم يكن السودان استثناءً. ويمكن متابعة قائمة الإخفاقات القاتلة، والرشاوى الاقتصادية والتعليمية والثقافية وغيرها من الرشاوى النظامية للأنظمة العلمانية والديمقراطية المتعاقبة لصفحات... وهكذا؛ الحرب في السودان، وما رافقها من كوارث سياسية واقتصادية، هي نتاج هذا الاستعمار، حيث وضع المستعمر البريطاني أدواته داخل الهياكل السياسية والحركات المسلحة، كما وضع المستعمر الأمريكي أدواته داخل قوات الدعم السريع وغيرها. وهكذا، تتغذى هذه الحرب من تنافس مستعمرين على الهيمنة على البلاد، كل منهما يسعى لطرد الآخر... وبالتركيز على السودان اليوم، نرى كيف أنّ البرهان ومحمد حمدان دقلو (حميدتي) قد عميت بصيرتهما في تبعيتهما للغرب... لدرجة أنهما لا يكترثان بحرمة دماء المسلمين، بل يتنافسان في الوحشية والطغيان في هذه الحرب العبثية، التي شردت أكثر من 12 مليون إنسان في أرضهم، ودفعتهم إلى الجوع والعطش، مستخدمين التعذيب والإعدام، وحتى العنف الجنسي ضد النساء والفتيات.

فمن سينهي حرب العمالقة هذه وينقذ الأرض وأهلها؟

علينا أن نتذكر أننا مسلمون، وأنّ الله سبحانه وتعالى هو القوة العظمى على هذا العالم. لذا، فإن الخطوة الأولى هي الاعتماد على الله وحده، وعدم الاعتماد إطلاقاً على المستعمرين، كما قال تعالى: ﴿وَلَن يَجْعَلَ اللهُ لِلْكَافِرِينَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ سَبِيلاً﴾. لذلك، فإن الحلّ والعلاج لجميع الأزمات في السودان والبلاد الإسلامية جميعها هو عقيدة الإسلام العظيمة، فهي عقيدة ومنهج حياة، وهو ما يؤسس لدولة مستقلة ذات سيادة حقيقية، وليس مصنعاً للعبودية أُقيم داخل حدود سايكس بيكو الاستعمارية. لقد أثار المستعمرون الانقسامات المناطقية والقبلية، وهو مرضٌ لا يمكن علاجه إلا عن طريق الإسلام ولا شيء غيره. على مر التاريخ، كان الإسلام هو القوة الوحيدة التي تمكنت من توحيد الناس المختلفين في أمة واحدة. ﴿وَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ لَوْ أَنْفَقْتَ مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعاً مَا أَلَّفْتَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ وَلَكِنَّ الله أَلَّف بَيْنَهُمْ إِنَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾.

وذلك لأن الإسلام ليس مجرد دين، بل هو عقيدة ذات نظام حياة وقوانين، وهو شامل وكامل وسلس ومثالي. ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلامَ دِيناً﴾.

إنّ سلطة حكم الشعب ليست لكبار المجرمين والقتلة وسفاحي الدماء، الذين غايتهم النهائية تحقيق منافع دنيوية لإرضاء أسيادهم المستعمرين. إنّ الحكم في الإسلام هو فقط للناس الصالحين العادلين والطاهرين الذين يحمون ويحافظون على أرواح وأموال وأعراض المسلمين وغير المسلمين الذين هم تحت حمايتهم، لأنهم يدركون أن الحكم مسؤولية وأمانة، وأن الشريعة تتطلب منهم أن يكونوا قادرين على القيام بواجبات الحكم. ولأنهم يتبعون أوامر الله سبحانه وتعالى فقط، وليس أهواء أصحاب رؤوس الأموال كما هو الحال في الأنظمة الديمقراطية العلمانية، الذين يحصرون رب العالمين في عبادة الشعائر: ﴿إنِ الْحُكْمُ إِلَّا لِلَّهِ يَقُصُّ الْحَقَّ وَهُوَ خَيْرُ الْفَاصِلِينَ﴾. وقوله: ﴿إِنِ الْحُكْمُ إِلَّا لِلَّهِ أَمَرَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ﴾.

وسينهي الإسلام كل حروب القومية والقبلية والطائفية التي أجّجها المستعمرون لتحقيق أهدافهم الاستعمارية الاستغلالية، لأنّ المسلمين أمة واحدة وجسد واحد! كل الحروب الحالية في بلادنا، وخاصة في السودان، هي فقط لمصلحة الغرب الكافر، رغم تحذير رسول الله ﷺ، روى الأحنف بن قيس، قال: فَإِنِّي سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ يقُولُ: «إذَا الْتَقَى الْمُسْلِمَانِ بِسَيْفَيْهِمَا، فَالْقَاتِلُ وَالْمَقْتُولُ فِي النَّارِ» قُلْتُ: يا رَسُولَ اللهِ، هَذَا الْقَاتِلُ، فَمَا بَالُ الْمَقْتُولِ؟ قَالَ: «إِنَّهُ كَان حَرِيصاً عَلَى قَتْلِ صَاحِبِهِ». (رواه البخاري)

وختاماً، فإنّ إحياء الحياة الإسلامية، كما جسّدها رسول الله ﷺ، وكما ثبت عبر التاريخ الإسلامي، هو حبل النجاة الوحيد للسودان والبلاد الإسلامية جميعا. الخلافة الراشدة الثانية على منهاج النبوة وحدها هي التي ستكسر جميع قيود الاستعمار الغربي وتقتلع أدواته من بلادنا. إنّ تطبيق الإسلام ونشره في العالم هو حبل النجاة الذي يقدمه لكم حزب التحرير دون مقابل. ستجدون جميع الحلول لجميع الأزمات والمشاكل التي نشأت نتيجة عقود من العيش تحت سيطرة الحضارة الغربية، في دستور دولة الخلافة الذي أعده حزب التحرير.

فخذوا حبل النجاة هذا كما هو من عند الله رب العالمين: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُمْ لِمَا يُحْييكُمْ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللهَ يَحُولُ بَيْنَ الْمَرْءِ وَقَلْبِهِ وَأَنَّهُ إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ﴾.

#أزمة_السودان         #SudanCrisis

كتبته للمكتب الإعلامي المركزي لحزب التحرير

زهرة مالك

المزيد من القسم null

لا تنخدعوا بالأسماء فالعبرة بالمواقف لا بالأنساب

لا تنخدعوا بالأسماء فالعبرة بالمواقف لا بالأنساب

في كل مرة يُقدَّم لنا "رمز جديد" له جذور مسلمة أو ملامح شرقية، يهلل كثير من المسلمين، وتُبنى الآمال على وهمٍ اسمه "التمثيل السياسي" في نظامٍ كافر لا يعترف بالإسلام حكماً ولا عقيدةً ولا شريعةً.

نذكر جميعاً الفرح العارم الذي اجتاح مشاعر كثيرين عند فوز أوباما في 2008. فهو ابن كينيا، وله أب مسلم! وهنا توهم البعض أن الإسلام والمسلمين باتوا قريبين من النفوذ الأمريكي، لكن أوباما كان أحد أكثر الرؤساء إيذاءً للمسلمين فقد دمر ليبيا، وساهم في مأساة سوريا، وأشعل أفغانستان والعراق بطائراته وجنوده، بل كان سفاك الدماء في اليمن عبر أدواته وكان عهده استمراراً لعداء ممنهج ضد الأمة.

واليوم يتكرر المشهد، لكن بأسماء جديدة. فـزوهران ممداني يُحتفى به لأنه مسلم ومهاجر وشاب، وكأنه المنقذ! لكن قليلين فقط ينظرون إلى مواقفه السياسية والفكرية. هذا الرجل من الداعمين الأشداء للشواذ المثليين، ومشارك في فعالياتهم، ويعتبر انحرافهم حقوقاً إنسانية!

أي خزي هذا يُعلق عليه الناس آمالاً؟! ألم يكن تكراراً للخيبة السياسية والفكرية نفسها التي وقعت فيها الأمة مراراً وتكراراً؟! نعم لأنها تُفتن بالشكل لا بالجوهر! تُخدع بالابتسامات، وتتعامل بالعاطفة لا بالعقيدة، وبالأسماء لا بالمفاهيم، وبالرموز لا بالمبادئ!

إن هذا الانبهار بالأشكال والأسماء نتيجة غياب الوعي السياسي الشرعي، لأن الإسلام لا يقاس بالأصل أو الاسم أو العرق، بل بالالتزام بمبدأ الإسلام كاملاً؛ نظاماً وعقيدةً وشريعةً. ولا قيمة لمسلم لا يحكم بالإسلام ولا ينصره، بل يخضع للنظام الرأسمالي الكافر، ويبرر الكفر والانحرافات باسم "الحرية".

وليعلم جميع المسلمين الذين فرحوا بفوزه وظنّوا أنه بذرة خير أو بداية نهوض، أن النهوض لا يكون من داخل أنظمة الكفر، ولا بأدواتها، ولا عبر صناديق اقتراعها، ولا تحت سقف دساتيرها.

فمن يُقدّم نفسه عبر النظام الديمقراطي، ويقسم على احترام قوانينه، ثم يدافع عن الشذوذ الجنسي ويحتفل به، ويدعو إلى ما يغضب الله، فهو ليس نصيراً للإسلام ولا أملاً للأمة، بل هو أداة تلميع وتمييع، وتمثيل مزيّف لا يُقدّم ولا يؤخر.

إن ما تسمى النجاحات السياسية في الغرب لبعض الشخصيات ذات الأسماء الإسلامية، ما هي إلا فُتات يُقدَّم كمسكنات للأمة، ليقال لها: انظروا، التغيير ممكن عبر أنظمتنا.

 فما حقيقة هذا "التمثيل"؟

الغرب لا يفتح أبواب الحكم للإسلام، بل يفتحها فقط لمن يتماهى مع قيمه وأفكاره. وأي شخص يدخل نظامهم لا بد أن يقبل بدستورهم، وبقوانينهم الوضعية، وأن يتنكر لحكم الإسلام، فإن رضي بذلك، أصبح نموذجاً مقبولاً، أما المسلم الحق، فهو مرفوض عندهم من جذوره.

فمن هو زهران ممداني؟ ولماذا يُصنع هذا الوهم؟

هو شخص يحمل اسماً مسلماً لكنه متبنٍ لأجندة منحرفة مخالفة تماماً لفطرة الإسلام، من دعم المثليين، والترويج لما يُسمى بـ"حقوقهم"، وهو نموذج حي لكيف يصنع الغرب نماذجه: مسلم بالاسم، علماني بالفعل، خادم لأجندة الليبرالية الغربية لا أكثر. بل لإشغال الأمة عن طريقها الحقيقي، فبدل أن تطالب بدولة الإسلام والخلافة، تنشغل بالمقاعد النيابية والمناصب في أنظمة كفر! وبدل أن تتوجه لتحرير فلسطين، تنتظر مَن "يدافع عن غزة" من داخل الكونغرس الأمريكي أو البرلمان الأوروبي!

فحقيقة الأمر أن هذا تشويه لطريق التغيير الحقيقي، وهو إقامة الخلافة الراشدة على منهاج النبوة، التي تُعلي راية الإسلام، وتقيم شرع الله، وتوحد الأمة خلف خليفة واحد يُقاتل من ورائه ويُتقى به.

فلا تنخدعوا بالأسماء، ولا تفرحوا بمن ينتمي لكم شكلاً ويخالفكم مضموناً، فليس كل من حمل اسم سعيد أو علي أو زهران هو على طريق نبينا محمد ﷺ.

واعلموا أن التغيير لا يأتي من داخل برلمانات الكفر، بل من جيوش الأمة التي آن لها أن تتحرك، ومن شبابها الواعين الذين يعملون ليلا ونهارا لقلب الطاولة على رؤوس الغرب وأعوانه وأتباعه الخائنين في بلاد الإسلام والمسلمين.

فالمسلمون لن ينهضوا عبر انتخابات الديمقراطية ولا من خلال صناديق الغرب، بل بنهضة حقيقية على أساس العقيدة الإسلامية، بإقامة دولة الخلافة الراشدة التي تُعيد للإسلام مكانته، وللمسلمين عزّتهم، وتحطم أوهام الديمقراطية.

لا تنخدعوا بالأسماء، ولا تعلقوا آمالكم على أفراد في أنظمة كفر، بل ارجعوا إلى مشروعكم العظيم: استئناف الحياة الإسلامية، فهذا وحده طريق العزة والنصر والتمكين.

فالمشهد تكرار مُهين لمآسٍ قديمة: رموز مزيفة، وولاء للأنظمة الغربية، وانحراف عن طريق الإسلام. وكل من يُصفّق لهذا المسار، إنما يضلل الأمة. فعودوا إلى مشروع الخلافة، ولا تجعلوا أعداء الإسلام يصنعون لكم قادتكم وممثليكم. فالعزة ليست في مقاعد الديمقراطية، بل في سدة الخلافة التي يعمل لها حزب التحرير ويُحذر الأمة من هذا الانحدار الفكري والسياسي. فلا خلاص لنا إلا بدولة الخلافة، التي لا تسمح بأن يحكم المسلمين من يدين بدين غير الإسلام، ولا بمن يبرر الشذوذ والانحراف، ولا بمن يُشرّع للناس غير ما أنزل الله.

كتبه لإذاعة المكتب الإعلامي المركزي لحزب التحرير

عبد المحمود العامري – ولاية اليمن

مصر بين الشعارات الحكومية والواقع المرّ  الحقيقة الكاملة عن الفقر، والسياسات الرأسمالية

مصر بين الشعارات الحكومية والواقع المرّ

الحقيقة الكاملة عن الفقر، والسياسات الرأسمالية

نقلت بوابة الأهرام الثلاثاء 4 تشرين الثاني/نوفمبر 2025م، أن رئيس الوزراء المصري، في كلمة ألقاها نيابةً عن الرئيس في القمة العالمية الثانية للتنمية الاجتماعية في العاصمة القطرية الدوحة، قال إنّ مصر تطبّق نهجاً شاملاً للقضاء على الفقر في جميع أشكاله وأبعاده، بما في ذلك "الفقر متعدد الأبعاد".

منذ سنوات، لا يكاد يخلو خطاب رسمي في مصر من عباراتٍ مثل "نهج شامل للقضاء على الفقر" و"الانطلاقة الحقيقية للاقتصاد المصري". يكرّر المسؤولون هذه الشعارات في المؤتمرات والمناسبات، مصحوبة بصور براقة لمشروعات استثمارية وفنادق ومنتجعات. لكن الواقع، كما تشهد عليه التقارير الدولية، مختلف تماماً. فالفقر في مصر ما زال ظاهرةً راسخة، بل متفاقمة، رغم الوعود الحكومية المتكرّرة بالتحسن والنهضة.

بحسب تقارير اليونيسف والإسكوا وبرنامج الغذاء العالمي لعامي 2024 و2025، يعيش نحو واحد من كل خمسة مصريين في فقرٍ متعدد الأبعاد، أي محروم من أكثر من جانب من جوانب الحياة الأساسية كالتعليم والصحة والسكن والعمل والخدمات. كما تؤكد البيانات أن أكثر من 49% من الأسر تعاني من صعوبات في الحصول على غذاء كافٍ، وهو رقم صادم يعكس عمق الأزمة المعيشية.

أما الفقر المالي، أي انخفاض الدخل مقارنة بتكاليف المعيشة، فقد ارتفع بصورة حادة، نتيجة موجات التضخم المتلاحقة التي أكلت أجور الناس وجهودهم ومدخراتهم، حتى أصبحت نسبة كبيرة من المصريين تحت خط الفقر المالي رغم عملهم الدائم.

وبينما تتحدث الحكومة عن مبادرات مثل "تكافل وكرامة" و"حياة كريمة"، تكشف الأرقام الدولية أن هذه البرامج لم تغيّر بنية الفقر جذرياً، بل اقتصرت على مسكّنات مؤقتة أشبه بالقطرة التي تُسكب في صحراء. فما زال الريف المصري الذي يقطنه أكثر من نصف السكان، يعاني من ضعف الخدمات وانعدام فرص العمل اللائق وتهالك البنية الأساسية. ويؤكد تقرير الإسكوا أن الحرمان في الريف يفوق نظيره في المدن بعدة أضعاف، ما يدل على سوء توزيع الثروة والإهمال المزمن للأطراف.

حين يشكر رئيسُ الوزراء ابنَ البلد "الذي تحمّل مع الحكومة إجراءات الإصلاح الاقتصادي"، فإنه في الواقع يُقرّ بوجود معاناة حقيقية ناتجة عن تلك السياسات. غير أن هذا الاعتراف لا يتبعه تغيير في المنهج، بل مزيد من السير في الطريق الرأسمالي نفسه الذي سبّب الأزمة.

فالإصلاح المزعوم الذي بدأ عام 2016 ببرنامج "التعويم" ورفع الدعم وزيادة الضرائب، لم يكن إصلاحاً بل تحميلاً للفقراء كلفة الديون والعجز. وفي الوقت الذي يتحدث فيه المسؤولون عن "الانطلاقة"، تتجه الاستثمارات الضخمة إلى العقارات الفاخرة والمشروعات السياحية التي تخدم أصحاب رؤوس الأموال، بينما لا يجد ملايين الشباب فرصاً للعمل أو السكن. بل إن كثيراً من هذه المشاريع، كمنطقة علم الروم في مطروح التي تُقدّر استثماراتها بـ29 مليار دولار، هي شراكات رأسمالية أجنبية تستحوذ على الأراضي والثروات وتحوّلها إلى مصدر ربح للمستثمرين، لا مصدر رزق للناس.

النظام يفشل ليس لأنه فاسد فحسب، بل لأنه يسير على أساسٍ فكريٍّ باطلٍ هو النظام الرأسمالي، الذي يجعل المال محوراً لكل سياسات الدولة. فالرأسمالية تقوم على حرية التملك المطلقة، وتسمح بتكديس الثروة في يد القلة التي تملك أدوات الإنتاج، فيما تتحمل الكثرة عبء الضرائب والأسعار والدَّين العام.

ولهذا، فإن كل ما يُسمى "برامج حماية اجتماعية" ما هو إلا محاولة لتجميل وجه الرأسمالية الوحشي، وإطالة عمر نظامٍ جائرٍ يراعي الأغنياء ويجبي من الفقراء. فبدلاً من معالجة أصل الداء؛ أي احتكار الثروة وتبعية الاقتصاد للمؤسسات الدولية، يُكتفى بتوزيع فتات من الإعانات النقدية، لا ترفع فقراً ولا تحفظ كرامة.

إن الرعاية ليست منّةً من الحاكم على الرعية، بل واجب شرعي، ومسؤولية يحاسبه الله عليها في الدنيا والآخرة. وما يجري اليوم، هو إهمال متعمّد لشؤون الناس، وتخلٍّ عن واجب الرعاية لصالح قروضٍ مشروطة من صندوق النقد والبنك الدوليين.

لقد أصبحت الدولة وسيطاً بين الفقير والدائن الأجنبي، تفرض الضرائب وتقلّص الدعم وتبيع الممتلكات العامة لسدّ عجزٍ متضخم صنعه النظام الرأسمالي نفسه. وفي هذا كله تغيب المفاهيم الشرعية التي تضبط الاقتصاد، كتحريم الربا، ومنع تملك الثروات العامة للأفراد، ووجوب النفقة على الرعية من بيت مال المسلمين.

لقد قدم الإسلام نظاماً اقتصادياً متكاملاً يعالج الفقر من جذوره، لا بمجرد دعمٍ نقدي أو مشروعات تجميلية. هذا النظام يقوم على أسسٍ شرعيةٍ ثابتة أبرزها:

1- تحريم الربا والديون الربوية التي تُكبّل الدولة وتستنزف مواردها، فبزوال الربا تزول تبعية الاقتصاد للمؤسسات الدولية، وتُعاد السيادة المالية للأمة.

2- جعل الملكيات ثلاثة أنواع:

ملكية فردية: كالبيوت والمتاجر والمزارع الخاصة...

ملكية عامة: تشمل الثروات الكبرى كالنفط والغاز والمعادن والمياه...

ملكية دولة: كأراضي الفيء والركاز والخراج...

وبهذا التوزيع تتحقق العدالة، إذ تُمنع فئة قليلة من احتكار موارد الأمة.

3- ضمان الكفاية لكل فرد من الرعية: فالدولة تضمن لكل إنسان في رعايتها حاجاته الأساسية من مأكل وملبس ومسكن، فإن عجز عن العمل وجب على بيت المال أن ينفق عليه.

4- الزكاة والإنفاق الإلزامي: الزكاة ليست إحساناً بل فريضة، تجمعها الدولة وتصرفها في مصارفها الشرعية للفقراء والمساكين والغارمين. وهي أداة توزيع فعّالة تعيد الأموال إلى دورة الحياة في المجتمع.

مع التحفيز على العمل المنتج ومنع الاستغلال، والحثّ على استثمار الموارد في مشاريع نافعة حقيقية كالصناعات الثقيلة والحربية لا في المضاربات والعقارات الفاخرة والمشاريع الوهمية. إلى جانب ضبط الأسعار بالعرض والطلب الحقيقيين لا بالاحتكار ولا بالتعويم.

إن دولة الخلافة على منهاج النبوة هي وحدها القادرة على تطبيق هذه الأحكام عملياً، لأنها تُبنى على أساس العقيدة الإسلامية، ويكون هدفها رعاية شؤون الناس لا جباية أموالهم. ففي ظل الخلافة، لا يوجد ربا ولا قروض مشروطة، ولا بيع للثروات العامة للأجانب، بل تُدار الموارد بما يحقق مصلحة الأمة، ويتولى بيت المال تمويل الرعاية الصحية والتعليم والمرافق العامة من موارد الدولة والخراج والأنفال والملكية العامة.

أما الفقراء، فتُكفل حاجاتهم الأساسية فرداً فرداً، لا عبر صدقات مؤقتة بل كحقٍّ شرعي مضمون. ولذا فإن محاربة الفقر في الإسلام ليست شعاراً سياسياً، بل نظام حياة متكامل يُقيم العدل ويمنع الظلم ويعيد الثروة إلى أهلها.

ما بين الخطاب الرسمي والواقع المعاش مسافةٌ هائلة لا تخفى على أحد. فبينما تتغنّى الحكومة بمشروعاتها "العملاقة" وبـ"الانطلاقة الحقيقية"، يعيش ملايين المصريين تحت خط الفقر، يعانون الغلاء والبطالة وانعدام الأمل. والحقيقة أن هذه المعاناة لن تزول ما دامت مصر تسير في طريق الرأسمالية، تُسلِّم اقتصادها للمرابين وتخضع لسياسات المؤسسات الدولية.

إن أزمات ومشكلات مصر هي مشكلات إنسانية وليست مادية، وتتعلق بها أحكام شرعية تبين كيفية التعامل معها وعلاجها على أساس الإسلام، وإن الحلول أسهل من غض الطرف لكنها تحتاج إدارة مخلصة تملك إرادة حرة تريد السير في الطريق الصحيح وتريد الخير لمصر وأهلها حقا، وحينها على هذه الإدارة أن تراجع كل العقود التي أبرمت سابقا والتي تبرم مع كل الشركات التي تحتكر أصول البلاد وما هو من ملكياتها العام وعلى رأسها شركات التنقيب عن الغاز والنفط والذهب وباقي المعادن والثروات، وتطرد كل تلك الشركات لأنها في الأصل شركات استعمارية ناهبة لثروات البلاد، ثم تصوغ عهدا جديدا يقوم على تمكين الناس من ثروات البلاد وإنشاء أو استئجار شركات تقوم هي على إنتاج الثروة من منابع النفط والغاز والذهب وغيرها من المعادن وتعيد توزيع هذه الثروات على الناس من جديد، حينها سيتمكن الناس من زراعة الأرض الموات التي ستمكنهم الدولة من استغلالها بحقهم فيها، وسيتمكنون أيضا من صناعة ما يجب أن يصنع ليرتفع باقتصاد مصر ويكفي أهلها، وستدعمهم الدولة في هذا السبيل، وإن كل هذا ليس ضربا من الخيال ولا مستحيل الحدوث ولا مشروعا نعرضه للتجربة قد ينجح أو يفشل، وإنما هي أحكام شرعية لازمة ملزمة للدولة والرعية، فلا يجوز للدولة أن تفرط في ثروات البلاد التي هي ملك للناس بدعوى عقود أقرتها وأيدتها وتحميها قوانين دولية جائرة، ولا يجوز لها أن تمنع الناس منها بل يجب أن تقطع كل يد تمتد ناهبة إلى ثروات الناس، هذا ما يقدمه الإسلام ويجب تنفيذه، إلا أنه لا يطبق بمعزل عن باقي أنظمة الإسلام بل إنه لا يطبق إلا من خلال دولة الخلافة الراشدة على منهاج النبوة، هذه الدولة التي يحمل همها والدعوة إليها حزب التحرير ويدعو مصر وأهلها شعبا وجيشا إلى العمل معه من أجلها، عسى الله أن يكتب الفتح من عنده فنراها واقعا يعز الإسلام وأهله، اللهم عاجلا غير آجل.

﴿وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرَىٰ آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَفَتَحْنَا عَلَيْهِم بَرَكَاتٍ مِّنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ﴾

كتبه للمكتب الإعلامي المركزي لحزب التحرير

سعيد فضل

عضو المكتب الإعلامي لحزب التحرير في ولاية مصر