حقيقة الاتجاه الانعزالي في الاستراتيجية الأمريكية
حقيقة الاتجاه الانعزالي في الاستراتيجية الأمريكية

لقد تبنى ترامب سياسة العزلة البناءة، وهي مبدأ "أمريكا أولا"، والتي تمثل تحولا كبيرا في الاستراتيجية الأمريكية على نمط ما قام به الرئيس الأسبق مونرو عام 1821م مع الاختلاف في هدف الاستراتيجية ودورها وظروفها، وتقضي هذه الاستراتيجية تفعيل الموارد الكامنة. سواء أكانت طبيعية، أم بشرية، أم تكنولوجية، لإعادة بناء أمريكا كفاعل رئيسي في النظام الدولي، وعدم الانغماس في الصراعات الإقليمية والدولية على حساب مقدرات الدولة الأمريكية، ولو لحساب منفعة آخرين من القوى الأخرى

0:00 0:00
السرعة:
April 21, 2019

حقيقة الاتجاه الانعزالي في الاستراتيجية الأمريكية

حقيقة الاتجاه الانعزالي في الاستراتيجية الأمريكية

لقد تبنى ترامب سياسة العزلة البناءة، وهي مبدأ "أمريكا أولا"، والتي تمثل تحولا كبيرا في الاستراتيجية الأمريكية على نمط ما قام به الرئيس الأسبق مونرو عام 1821م مع الاختلاف في هدف الاستراتيجية ودورها وظروفها، وتقضي هذه الاستراتيجية تفعيل الموارد الكامنة. سواء أكانت طبيعية، أم بشرية، أم تكنولوجية، لإعادة بناء أمريكا كفاعل رئيسي في النظام الدولي، وعدم الانغماس في الصراعات الإقليمية والدولية على حساب مقدرات الدولة الأمريكية، ولو لحساب منفعة آخرين من القوى الأخرى، خاصة بعد تجارب أمريكا المريرة في الحروب الأخيرة من خلال حجم ما قامت به وحجم المردود والمصلحة والمنفعة حيث كانت النتيجة أن أمريكا قدمت كل شيء ولم تحصّل ما حصلته بريطانيا خلال زعامتها العالمية بل ولا زالت بريطانيا مثلا تغنم وتستفيد برغم ما هي عليه وبرغم مشاركتها القليلة نسبيا.

لقد قامت سياسة أمريكا منذ بداية عشرينات القرن التاسع عشر على ما عرف حينها بمبدأ مونرو أو الانعزال عن أوروبا القديمة، الذي بسط الهيمنة على الأمريكتين، وهو إعلان أطلقه الرئيس الأمريكي جيمس مونرو سنة 1823م الذي تم طرحه في خطاب أمام الكونجرس الأمريكي على ضرورة عدم مد الدول الأوروبية نفوذها الاستعماري نحو أمريكا في مقابل التزام الولايات المتحدة من جانبها بعدم التدخل في المشكلات أو العلاقات الأوروبية. ولقد شكل هذا المبدأ مدرسة الانعزالية في السياسة الخارجية الأمريكية المعروفة باسم Isolationism لكنه انعزال مؤقت وضروري للسيطرة على الإقليم وتأمين الجوار الإقليمي من الصراع الدولي وجعلها خارج حدود الصراع نهائيا، وهذه الاستراتيجية اقتضتها عملية الصعود المرحلي بتأمين الجوار الإقليمي، ثم تبلور تيار آخر نادى بحماية المصالح الأمريكية خارج حدودها بعد تأمين الجوار، وهو ما شكل تطويراً لمبدأ مونرو من خلال المناداة بتوسع الدور الأمريكي في العالم باستخدام كافة الوسائل الممكنة بما في ذلك القوة العسكرية في إطار المحافظة على الأمن والسلام في العالم أو بهدف نشر القيم الأمريكية من الديمقراطية والحرية والعدل، وهذه كانت زمن كون الاستعمار طريقة وليس غاية بحد ذاته.

ولكن هل هذه الاستراتيجية جديدة أم هي من التفكير القديم مع محاولة الحفاظ على القيادة العالمية بما تتطلبه المرحلة الحالية والظروف الدولية؟

بداية لا بد من معرفة أن الانعزالية بمعنى ترك العالم وانحسار أمريكا هو خرافة ومستحيل ولا يتفق مع نزعة أمريكا الإمبريالية والعالمية والاستعمارية، ولا يتفق قطعا مع حقيقة الاستراتيجية الأمريكية وهي حماية التفوق الأمريكي والاستمرار. صحيح أن العزلة كامنة في العمق الأمريكي والحنين لها كبير ولكن بعد خروج أمريكا إلى العالم بالاستعمار ذاقت طعم المنفعة فأصبحت هي المسيّر لها، والمتحكم فيها المبدأ الرأسمالي بطريقته الاستعمارية. ورد في كتاب مفاهيم سياسية لحزب التحرير:

(إلا أن الشعب الأمريكي اعتنق المبدأ الرأسمالي كسائر العالم النصراني، فصار يتجاذبه عاملان: عامل القناعة والعفة، وعامل النفعية والاستعمار. وكانت بريطانيا تستغل فيه العامل الأول فتسخره ليكون قوة لها في الحرب والاقتصاد، حين كان العامل الأول هو الذي يتحكم فيه. وما إن جاءت الحرب العالمية الثانية، وتذوَّق الشعب الأمريكي طعم الاستعمار في نفط الخليج، حتى تغلب عليه العامل الثاني، وهو عامل النفعية والاستعمار، وسيَّره المبدأ الرأسمالي؛ فخرج من عزلته لاستعمار الشعوب، وإخضاع العالم لسيطرته ونفوذه، ولن يرجع لعزلته مرة ثانية إلا بالقوة، لأن المبدأ الرأسمالي قد تحكم فيه، وصار هو المسيِّر لحياته، وصارت النفعية وحدها هي التي تتحكم في سلوكه، بالإضافة إلى العنجهية والغرور اللتين ملأتا عليه حياته.)

إن وصف ترامب بأنه من دعاة الانعزالية غير دقيق نهائيا بل هو نوع من الاستراتيجية القديمة من أجل إعادة بناء أمريكا ثانية في ظل الصعود المحتمل لقوى جديدة والمخاطر الدولية وتلبد الغيوم في سماء الموقف الدولي وخشية أمريكا على مكانتها، متزامنا هذا مع أزمات مالية واقتصادية وسياسية، والحديث عن صعود قوى أخرى جعلت من أمريكا تعجل من الذهاب إلى استراتيجية إعادة التوازن وربط المحيط الهادي بالهندي.

قال وورو عن ترامب "إنه يرفض كل الهيكليات التي بنيت لتمكيننا من قيادة العالم"، ويسعى إلى إقامة اتفاقيات ثنائية. وبحسب وورو فإن ترامب يعتبر أن أمريكا قادرة على "فرض شروطها الخاصة" بدلا من شروط مكرّسة تاريخيا يصفها بأنها اتفاقيات سيئة.

فلقد كانت هذه المنظمات والاتفاقيات جيدة في وقتها وزمانها واقتضتها ظروف سياسية، ولكنها الآن لا تصلح أن تبقى في ظل الظروف الحالية، فقد أعطت الآخرين حيزا كبيرا ودورا بالرغم من عدم مشاركتهم الفاعلة سياسيا وعسكريا واقتصاديا برغم ضعف دورهم مقارنة بأمريكا التي تقوم بمركز شرطي العالم وتحظى بما لا يناسب دورها وحجمها وقوتها في الوقت الذي يأخذ الآخرون بما لا يناسب حجمهم ودورهم، فخرجت استراتيجيات مثل القيادة من الخلف وتوازن القوى لعدو مهيمن محتمل والراكب بالمجان الذي يشارك بالغنيمة دون أن يتحمل بمقدار نصيبه! فترامب لا يتحدث عن عزلة بمعناها الحقيقي أو التاريخي نهائيا حتى يبحث عن معناها اللغوي أو السياسي أو القراءة التاريخية لها، وإنما يتحدث عن خروج معين لإعادة صياغة هيكلة النظام العالمي من جديد والمحافظة على القيادة العالمية، وأمريكا تدرك أن بقية القوى لا يستطيع ملء فراغها ومكانتها نهائيا، فالتهديد بالانسحاب من أماكن النزاع هو تهديد فعال لتلك القوى مع إثارة مكامن الخوف والقلق والفوضى والنزاع في محيط تلك القوى وإعادة إحياء النزعات الوطنية والعسكرية والاقتصادية ورفض مهيمن جديد بديلا عنها، وعقد الاتفاقيات بين بعض تلك الدول منفردة أو مجتمعة ضد القوى الصاعدة ليكون التهديد فعالا. وتكتمل فصول هذه الاستراتيجية بعقلية الصفقة التي تميز ترامب عن غيره بحيث لن تكون الصفقة جيدة لأمريكا في حال كان الخصم مرتاحا ولا يشعر بالخطر، وعقلية الصفقة هذه تقوم على التعامل مع قضايا السياسة الخارجية طبعا وليس الحديث عن الداخل الأمريكي، بحيث يرتكز حجم انخراط أمريكا في قضايا العالم حسب المنفعة لها ومقدار المنفعة للآخرين حسب دورهم ومشاركتهم الذي مهما بلغ لن يكون إلا ضمن نسبة معينة وقليلة، ولا تناسب أيضا حجم مشاركتهم، بمعنى أن أمريكا تريد منهم الكثير مقابل القليل وإلا وقعت تحت رحمة الحروب التجارية والحرمان وزيادة المخاطر، أي يرتبط بمقدار ما تحققه مشاركة أمريكا من منافع اقتصادية لأمريكا، وهذا نابع من عقلية رجل الأعمال الذي يتعامل بمنطق المكاسب والخسائر، والذي برز في تصريحاته في مراجعة التعاون مع حلف الناتو، والدفاع عن الدول الصديقة، وصفقة البرنامج النووي الإيراني، والانفتاح على كوبا، والشراكة مع المحيط الهادي، وموقفه الرافض للعولمة، حيث رأى ترامب أنها كانت عبئا على أمريكا ولم تحقق لها المزايا المرجوة طوال تلك العقود وسمحت بصعود قوى أخرى...

إن هذه العقلية هي عقلية خطيرة على العالم أجمع وهي لا ترى أحدا حتى من حلفائها، ومن شأن هذه العقلية إثارة العالم ضدها ولكن الوقوف بوجهها لا يكون من خلال الحديث عن رفضها والتذمر منها ومن شخص ترامب وإدارته أو الانتظار لمرحلة ما بعد ترامب لأنها سياسة دولة وليست سياسة شخص، استراتيجية كيان وليست استراتيجية فرد، وإنما بالوقوف الحقيقي بوجهها وليس الدخول معها بمفاوضات لأنها حقيقة ما تريده أمريكا لأن المفاوضات تعني تقديم التنازلات، ولن توقف أمريكا عن عنجهيتها إلا دولة مبدئية لا تسيرها مصلحة مادية وإنما فكرة ومبدأ صحيح، ولن يكون إلا الإسلام ودولته بإذن الله.

كتبه لإذاعة المكتب الإعلامي المركزي لحزب التحرير

حسن حمدان

المزيد من القسم null

لا تنخدعوا بالأسماء فالعبرة بالمواقف لا بالأنساب

لا تنخدعوا بالأسماء فالعبرة بالمواقف لا بالأنساب

في كل مرة يُقدَّم لنا "رمز جديد" له جذور مسلمة أو ملامح شرقية، يهلل كثير من المسلمين، وتُبنى الآمال على وهمٍ اسمه "التمثيل السياسي" في نظامٍ كافر لا يعترف بالإسلام حكماً ولا عقيدةً ولا شريعةً.

نذكر جميعاً الفرح العارم الذي اجتاح مشاعر كثيرين عند فوز أوباما في 2008. فهو ابن كينيا، وله أب مسلم! وهنا توهم البعض أن الإسلام والمسلمين باتوا قريبين من النفوذ الأمريكي، لكن أوباما كان أحد أكثر الرؤساء إيذاءً للمسلمين فقد دمر ليبيا، وساهم في مأساة سوريا، وأشعل أفغانستان والعراق بطائراته وجنوده، بل كان سفاك الدماء في اليمن عبر أدواته وكان عهده استمراراً لعداء ممنهج ضد الأمة.

واليوم يتكرر المشهد، لكن بأسماء جديدة. فـزوهران ممداني يُحتفى به لأنه مسلم ومهاجر وشاب، وكأنه المنقذ! لكن قليلين فقط ينظرون إلى مواقفه السياسية والفكرية. هذا الرجل من الداعمين الأشداء للشواذ المثليين، ومشارك في فعالياتهم، ويعتبر انحرافهم حقوقاً إنسانية!

أي خزي هذا يُعلق عليه الناس آمالاً؟! ألم يكن تكراراً للخيبة السياسية والفكرية نفسها التي وقعت فيها الأمة مراراً وتكراراً؟! نعم لأنها تُفتن بالشكل لا بالجوهر! تُخدع بالابتسامات، وتتعامل بالعاطفة لا بالعقيدة، وبالأسماء لا بالمفاهيم، وبالرموز لا بالمبادئ!

إن هذا الانبهار بالأشكال والأسماء نتيجة غياب الوعي السياسي الشرعي، لأن الإسلام لا يقاس بالأصل أو الاسم أو العرق، بل بالالتزام بمبدأ الإسلام كاملاً؛ نظاماً وعقيدةً وشريعةً. ولا قيمة لمسلم لا يحكم بالإسلام ولا ينصره، بل يخضع للنظام الرأسمالي الكافر، ويبرر الكفر والانحرافات باسم "الحرية".

وليعلم جميع المسلمين الذين فرحوا بفوزه وظنّوا أنه بذرة خير أو بداية نهوض، أن النهوض لا يكون من داخل أنظمة الكفر، ولا بأدواتها، ولا عبر صناديق اقتراعها، ولا تحت سقف دساتيرها.

فمن يُقدّم نفسه عبر النظام الديمقراطي، ويقسم على احترام قوانينه، ثم يدافع عن الشذوذ الجنسي ويحتفل به، ويدعو إلى ما يغضب الله، فهو ليس نصيراً للإسلام ولا أملاً للأمة، بل هو أداة تلميع وتمييع، وتمثيل مزيّف لا يُقدّم ولا يؤخر.

إن ما تسمى النجاحات السياسية في الغرب لبعض الشخصيات ذات الأسماء الإسلامية، ما هي إلا فُتات يُقدَّم كمسكنات للأمة، ليقال لها: انظروا، التغيير ممكن عبر أنظمتنا.

 فما حقيقة هذا "التمثيل"؟

الغرب لا يفتح أبواب الحكم للإسلام، بل يفتحها فقط لمن يتماهى مع قيمه وأفكاره. وأي شخص يدخل نظامهم لا بد أن يقبل بدستورهم، وبقوانينهم الوضعية، وأن يتنكر لحكم الإسلام، فإن رضي بذلك، أصبح نموذجاً مقبولاً، أما المسلم الحق، فهو مرفوض عندهم من جذوره.

فمن هو زهران ممداني؟ ولماذا يُصنع هذا الوهم؟

هو شخص يحمل اسماً مسلماً لكنه متبنٍ لأجندة منحرفة مخالفة تماماً لفطرة الإسلام، من دعم المثليين، والترويج لما يُسمى بـ"حقوقهم"، وهو نموذج حي لكيف يصنع الغرب نماذجه: مسلم بالاسم، علماني بالفعل، خادم لأجندة الليبرالية الغربية لا أكثر. بل لإشغال الأمة عن طريقها الحقيقي، فبدل أن تطالب بدولة الإسلام والخلافة، تنشغل بالمقاعد النيابية والمناصب في أنظمة كفر! وبدل أن تتوجه لتحرير فلسطين، تنتظر مَن "يدافع عن غزة" من داخل الكونغرس الأمريكي أو البرلمان الأوروبي!

فحقيقة الأمر أن هذا تشويه لطريق التغيير الحقيقي، وهو إقامة الخلافة الراشدة على منهاج النبوة، التي تُعلي راية الإسلام، وتقيم شرع الله، وتوحد الأمة خلف خليفة واحد يُقاتل من ورائه ويُتقى به.

فلا تنخدعوا بالأسماء، ولا تفرحوا بمن ينتمي لكم شكلاً ويخالفكم مضموناً، فليس كل من حمل اسم سعيد أو علي أو زهران هو على طريق نبينا محمد ﷺ.

واعلموا أن التغيير لا يأتي من داخل برلمانات الكفر، بل من جيوش الأمة التي آن لها أن تتحرك، ومن شبابها الواعين الذين يعملون ليلا ونهارا لقلب الطاولة على رؤوس الغرب وأعوانه وأتباعه الخائنين في بلاد الإسلام والمسلمين.

فالمسلمون لن ينهضوا عبر انتخابات الديمقراطية ولا من خلال صناديق الغرب، بل بنهضة حقيقية على أساس العقيدة الإسلامية، بإقامة دولة الخلافة الراشدة التي تُعيد للإسلام مكانته، وللمسلمين عزّتهم، وتحطم أوهام الديمقراطية.

لا تنخدعوا بالأسماء، ولا تعلقوا آمالكم على أفراد في أنظمة كفر، بل ارجعوا إلى مشروعكم العظيم: استئناف الحياة الإسلامية، فهذا وحده طريق العزة والنصر والتمكين.

فالمشهد تكرار مُهين لمآسٍ قديمة: رموز مزيفة، وولاء للأنظمة الغربية، وانحراف عن طريق الإسلام. وكل من يُصفّق لهذا المسار، إنما يضلل الأمة. فعودوا إلى مشروع الخلافة، ولا تجعلوا أعداء الإسلام يصنعون لكم قادتكم وممثليكم. فالعزة ليست في مقاعد الديمقراطية، بل في سدة الخلافة التي يعمل لها حزب التحرير ويُحذر الأمة من هذا الانحدار الفكري والسياسي. فلا خلاص لنا إلا بدولة الخلافة، التي لا تسمح بأن يحكم المسلمين من يدين بدين غير الإسلام، ولا بمن يبرر الشذوذ والانحراف، ولا بمن يُشرّع للناس غير ما أنزل الله.

كتبه لإذاعة المكتب الإعلامي المركزي لحزب التحرير

عبد المحمود العامري – ولاية اليمن

مصر بين الشعارات الحكومية والواقع المرّ  الحقيقة الكاملة عن الفقر، والسياسات الرأسمالية

مصر بين الشعارات الحكومية والواقع المرّ

الحقيقة الكاملة عن الفقر، والسياسات الرأسمالية

نقلت بوابة الأهرام الثلاثاء 4 تشرين الثاني/نوفمبر 2025م، أن رئيس الوزراء المصري، في كلمة ألقاها نيابةً عن الرئيس في القمة العالمية الثانية للتنمية الاجتماعية في العاصمة القطرية الدوحة، قال إنّ مصر تطبّق نهجاً شاملاً للقضاء على الفقر في جميع أشكاله وأبعاده، بما في ذلك "الفقر متعدد الأبعاد".

منذ سنوات، لا يكاد يخلو خطاب رسمي في مصر من عباراتٍ مثل "نهج شامل للقضاء على الفقر" و"الانطلاقة الحقيقية للاقتصاد المصري". يكرّر المسؤولون هذه الشعارات في المؤتمرات والمناسبات، مصحوبة بصور براقة لمشروعات استثمارية وفنادق ومنتجعات. لكن الواقع، كما تشهد عليه التقارير الدولية، مختلف تماماً. فالفقر في مصر ما زال ظاهرةً راسخة، بل متفاقمة، رغم الوعود الحكومية المتكرّرة بالتحسن والنهضة.

بحسب تقارير اليونيسف والإسكوا وبرنامج الغذاء العالمي لعامي 2024 و2025، يعيش نحو واحد من كل خمسة مصريين في فقرٍ متعدد الأبعاد، أي محروم من أكثر من جانب من جوانب الحياة الأساسية كالتعليم والصحة والسكن والعمل والخدمات. كما تؤكد البيانات أن أكثر من 49% من الأسر تعاني من صعوبات في الحصول على غذاء كافٍ، وهو رقم صادم يعكس عمق الأزمة المعيشية.

أما الفقر المالي، أي انخفاض الدخل مقارنة بتكاليف المعيشة، فقد ارتفع بصورة حادة، نتيجة موجات التضخم المتلاحقة التي أكلت أجور الناس وجهودهم ومدخراتهم، حتى أصبحت نسبة كبيرة من المصريين تحت خط الفقر المالي رغم عملهم الدائم.

وبينما تتحدث الحكومة عن مبادرات مثل "تكافل وكرامة" و"حياة كريمة"، تكشف الأرقام الدولية أن هذه البرامج لم تغيّر بنية الفقر جذرياً، بل اقتصرت على مسكّنات مؤقتة أشبه بالقطرة التي تُسكب في صحراء. فما زال الريف المصري الذي يقطنه أكثر من نصف السكان، يعاني من ضعف الخدمات وانعدام فرص العمل اللائق وتهالك البنية الأساسية. ويؤكد تقرير الإسكوا أن الحرمان في الريف يفوق نظيره في المدن بعدة أضعاف، ما يدل على سوء توزيع الثروة والإهمال المزمن للأطراف.

حين يشكر رئيسُ الوزراء ابنَ البلد "الذي تحمّل مع الحكومة إجراءات الإصلاح الاقتصادي"، فإنه في الواقع يُقرّ بوجود معاناة حقيقية ناتجة عن تلك السياسات. غير أن هذا الاعتراف لا يتبعه تغيير في المنهج، بل مزيد من السير في الطريق الرأسمالي نفسه الذي سبّب الأزمة.

فالإصلاح المزعوم الذي بدأ عام 2016 ببرنامج "التعويم" ورفع الدعم وزيادة الضرائب، لم يكن إصلاحاً بل تحميلاً للفقراء كلفة الديون والعجز. وفي الوقت الذي يتحدث فيه المسؤولون عن "الانطلاقة"، تتجه الاستثمارات الضخمة إلى العقارات الفاخرة والمشروعات السياحية التي تخدم أصحاب رؤوس الأموال، بينما لا يجد ملايين الشباب فرصاً للعمل أو السكن. بل إن كثيراً من هذه المشاريع، كمنطقة علم الروم في مطروح التي تُقدّر استثماراتها بـ29 مليار دولار، هي شراكات رأسمالية أجنبية تستحوذ على الأراضي والثروات وتحوّلها إلى مصدر ربح للمستثمرين، لا مصدر رزق للناس.

النظام يفشل ليس لأنه فاسد فحسب، بل لأنه يسير على أساسٍ فكريٍّ باطلٍ هو النظام الرأسمالي، الذي يجعل المال محوراً لكل سياسات الدولة. فالرأسمالية تقوم على حرية التملك المطلقة، وتسمح بتكديس الثروة في يد القلة التي تملك أدوات الإنتاج، فيما تتحمل الكثرة عبء الضرائب والأسعار والدَّين العام.

ولهذا، فإن كل ما يُسمى "برامج حماية اجتماعية" ما هو إلا محاولة لتجميل وجه الرأسمالية الوحشي، وإطالة عمر نظامٍ جائرٍ يراعي الأغنياء ويجبي من الفقراء. فبدلاً من معالجة أصل الداء؛ أي احتكار الثروة وتبعية الاقتصاد للمؤسسات الدولية، يُكتفى بتوزيع فتات من الإعانات النقدية، لا ترفع فقراً ولا تحفظ كرامة.

إن الرعاية ليست منّةً من الحاكم على الرعية، بل واجب شرعي، ومسؤولية يحاسبه الله عليها في الدنيا والآخرة. وما يجري اليوم، هو إهمال متعمّد لشؤون الناس، وتخلٍّ عن واجب الرعاية لصالح قروضٍ مشروطة من صندوق النقد والبنك الدوليين.

لقد أصبحت الدولة وسيطاً بين الفقير والدائن الأجنبي، تفرض الضرائب وتقلّص الدعم وتبيع الممتلكات العامة لسدّ عجزٍ متضخم صنعه النظام الرأسمالي نفسه. وفي هذا كله تغيب المفاهيم الشرعية التي تضبط الاقتصاد، كتحريم الربا، ومنع تملك الثروات العامة للأفراد، ووجوب النفقة على الرعية من بيت مال المسلمين.

لقد قدم الإسلام نظاماً اقتصادياً متكاملاً يعالج الفقر من جذوره، لا بمجرد دعمٍ نقدي أو مشروعات تجميلية. هذا النظام يقوم على أسسٍ شرعيةٍ ثابتة أبرزها:

1- تحريم الربا والديون الربوية التي تُكبّل الدولة وتستنزف مواردها، فبزوال الربا تزول تبعية الاقتصاد للمؤسسات الدولية، وتُعاد السيادة المالية للأمة.

2- جعل الملكيات ثلاثة أنواع:

ملكية فردية: كالبيوت والمتاجر والمزارع الخاصة...

ملكية عامة: تشمل الثروات الكبرى كالنفط والغاز والمعادن والمياه...

ملكية دولة: كأراضي الفيء والركاز والخراج...

وبهذا التوزيع تتحقق العدالة، إذ تُمنع فئة قليلة من احتكار موارد الأمة.

3- ضمان الكفاية لكل فرد من الرعية: فالدولة تضمن لكل إنسان في رعايتها حاجاته الأساسية من مأكل وملبس ومسكن، فإن عجز عن العمل وجب على بيت المال أن ينفق عليه.

4- الزكاة والإنفاق الإلزامي: الزكاة ليست إحساناً بل فريضة، تجمعها الدولة وتصرفها في مصارفها الشرعية للفقراء والمساكين والغارمين. وهي أداة توزيع فعّالة تعيد الأموال إلى دورة الحياة في المجتمع.

مع التحفيز على العمل المنتج ومنع الاستغلال، والحثّ على استثمار الموارد في مشاريع نافعة حقيقية كالصناعات الثقيلة والحربية لا في المضاربات والعقارات الفاخرة والمشاريع الوهمية. إلى جانب ضبط الأسعار بالعرض والطلب الحقيقيين لا بالاحتكار ولا بالتعويم.

إن دولة الخلافة على منهاج النبوة هي وحدها القادرة على تطبيق هذه الأحكام عملياً، لأنها تُبنى على أساس العقيدة الإسلامية، ويكون هدفها رعاية شؤون الناس لا جباية أموالهم. ففي ظل الخلافة، لا يوجد ربا ولا قروض مشروطة، ولا بيع للثروات العامة للأجانب، بل تُدار الموارد بما يحقق مصلحة الأمة، ويتولى بيت المال تمويل الرعاية الصحية والتعليم والمرافق العامة من موارد الدولة والخراج والأنفال والملكية العامة.

أما الفقراء، فتُكفل حاجاتهم الأساسية فرداً فرداً، لا عبر صدقات مؤقتة بل كحقٍّ شرعي مضمون. ولذا فإن محاربة الفقر في الإسلام ليست شعاراً سياسياً، بل نظام حياة متكامل يُقيم العدل ويمنع الظلم ويعيد الثروة إلى أهلها.

ما بين الخطاب الرسمي والواقع المعاش مسافةٌ هائلة لا تخفى على أحد. فبينما تتغنّى الحكومة بمشروعاتها "العملاقة" وبـ"الانطلاقة الحقيقية"، يعيش ملايين المصريين تحت خط الفقر، يعانون الغلاء والبطالة وانعدام الأمل. والحقيقة أن هذه المعاناة لن تزول ما دامت مصر تسير في طريق الرأسمالية، تُسلِّم اقتصادها للمرابين وتخضع لسياسات المؤسسات الدولية.

إن أزمات ومشكلات مصر هي مشكلات إنسانية وليست مادية، وتتعلق بها أحكام شرعية تبين كيفية التعامل معها وعلاجها على أساس الإسلام، وإن الحلول أسهل من غض الطرف لكنها تحتاج إدارة مخلصة تملك إرادة حرة تريد السير في الطريق الصحيح وتريد الخير لمصر وأهلها حقا، وحينها على هذه الإدارة أن تراجع كل العقود التي أبرمت سابقا والتي تبرم مع كل الشركات التي تحتكر أصول البلاد وما هو من ملكياتها العام وعلى رأسها شركات التنقيب عن الغاز والنفط والذهب وباقي المعادن والثروات، وتطرد كل تلك الشركات لأنها في الأصل شركات استعمارية ناهبة لثروات البلاد، ثم تصوغ عهدا جديدا يقوم على تمكين الناس من ثروات البلاد وإنشاء أو استئجار شركات تقوم هي على إنتاج الثروة من منابع النفط والغاز والذهب وغيرها من المعادن وتعيد توزيع هذه الثروات على الناس من جديد، حينها سيتمكن الناس من زراعة الأرض الموات التي ستمكنهم الدولة من استغلالها بحقهم فيها، وسيتمكنون أيضا من صناعة ما يجب أن يصنع ليرتفع باقتصاد مصر ويكفي أهلها، وستدعمهم الدولة في هذا السبيل، وإن كل هذا ليس ضربا من الخيال ولا مستحيل الحدوث ولا مشروعا نعرضه للتجربة قد ينجح أو يفشل، وإنما هي أحكام شرعية لازمة ملزمة للدولة والرعية، فلا يجوز للدولة أن تفرط في ثروات البلاد التي هي ملك للناس بدعوى عقود أقرتها وأيدتها وتحميها قوانين دولية جائرة، ولا يجوز لها أن تمنع الناس منها بل يجب أن تقطع كل يد تمتد ناهبة إلى ثروات الناس، هذا ما يقدمه الإسلام ويجب تنفيذه، إلا أنه لا يطبق بمعزل عن باقي أنظمة الإسلام بل إنه لا يطبق إلا من خلال دولة الخلافة الراشدة على منهاج النبوة، هذه الدولة التي يحمل همها والدعوة إليها حزب التحرير ويدعو مصر وأهلها شعبا وجيشا إلى العمل معه من أجلها، عسى الله أن يكتب الفتح من عنده فنراها واقعا يعز الإسلام وأهله، اللهم عاجلا غير آجل.

﴿وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرَىٰ آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَفَتَحْنَا عَلَيْهِم بَرَكَاتٍ مِّنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ﴾

كتبه للمكتب الإعلامي المركزي لحزب التحرير

سعيد فضل

عضو المكتب الإعلامي لحزب التحرير في ولاية مصر