حقيقة وأبعاد الدور التركي الجديد
June 10, 2010

حقيقة وأبعاد الدور التركي الجديد

بعد أن سطع نجم حزب العدالة و التنمية و برز على مسرح السياسة التركية و مسرح الأحداث في المنطقة بزعامة الثلاثي الحاكم أردوغان و غول و مهندس السياسة الخارجية أحمد أوغلو ، حصلت استدارة و انعطافة في السياسة التركية و الدور التركي بمقدار 180 درجة ، و لم تعد تركيا اليوم هي تركيا الأمس . و لتسليط الأضواء على هذا التحول و على واقع السياسة التركية الجديدة و معرفة حقيقة و أبعاد هذا التحول ، لا بد من معرفة مراكز القوى المؤثرة و الحاكمة في تركيا طوال العهود السابقة و ماذا حصل لهذه القوى و أصحاب النفوذ و أين أصبحت .... فقد كان الذي يتحكم في السياسة التركية على مدى العقود السابقة ورثة و عبدة الصنم كمال أتاتورك الماسوني عميل الإنجليز هادم الخلافة الإسلامية ، و هم : حزب الشعب و العلمانيين و العسكريين و أباطرة الإعلام المضلل و من تسموا بأسماء إسلامية و هم في حقيقتهم من يهود الدونمة الذين احتضنتهم الخلافة العثمانية بعد مذابح محاكم التفتيش في إسبانيا الذين تآمروا على الخلافة العثمانية مع بريطانيا و نسقوا و تحالفوا لاحقاً مع العدو الإسرائيلي . و قد اتبع حزب العدالة و التنمية سياسة الخطوة خطوة للوصول إلى الحكم و الاستمرارية فيه و بسط سيطرته على الأوضاع الداخلية و ضرب مراكز القوى حتى يتأتى له تأمين و تقوية جبهته الداخلية و من ثم التفرغ لعلاقاته و سياساته الخارجية من خلال :

* أولاً إيجاد قاعدة شعبية له بإسم الإسلام و تحت هذا الشعار ليستند إليها و يتقوى بها للوصول إلى الحكم و السلطة و إيجاد أغلبية برلمانية تدعم حكومته في أعمالها و تحركاتها و تعدّل القوانين المعادية لها و تسن القوانين التي تقوي مركزها .

* استعمل الإنضمام إلى الإتحاد الأوروبي كفزاعة تخيف الجيش و تمنعه من القيام بانقلاب عسكري و هو صاحب الباع الطويل في الانقلابات العسكرية كلما لزم الأمر .

* عمل على خلع أنياب العسكريين و قلم أظافرهم و قصقص أجنحتهم و ذلك باتهامهم بمحاولات انقلابية و تقديمهم إلى المحاكمة و إذلالهم و زجهم في السجون ، و هذا يشكل ضربة قوية للجيش الذي كان الحاكم الفعلي لتركيا بلا منازع .

* قام بتوجيه ضربة قوية إلى رأس الإمبراطورية الإعلامية "دوغمان" و الذي يعتبر من المعارضين الرئيسيين لأردوغان و اتهمه بالتهرب من الضرائب و فرض عليه ضريبة ممكن أن تضع حداً لإمبراطوريته الإعلامية .

* ثمّ أتبعها بضربة قوية إلى حزب الشعب الذي يعتبر نفسه الحارس الأمين لإرث الصنم أتاتورك و العدو الأول للإسلام و العربية و المخلص في عمالته للإنجليز حتى النخاع ، و يعتبر من ألد الخصوم الرئيسيين لحزب العدالة و التنمية ، و ذلك بإضطرار رئيسه دينز بيكلي إلى الإستقالة على أثر فضيحة جنسية و نشر فيلم فيديو يظهر فيه في وضع فاحش مع إحدى مساعداته .

* و لم يقف قادة حزب العدالة و التنمية عند هذا الحد بل ساروا بخطوات تكميلية و ذلك بمطالبتهم باستفتاء شعبي لإدخال تغييرات على الدستور بحيث يقلص صلاحيات الجهاز القضائي و الجيش و هما العمودان الفقريان للحكم الذي أقامه صنمهم أتاتورك .

* و لا ننسى من جانب آخر مساعدة دول الطوق - إيران و العراق و سوريا- تركيا في حربها ضد حزب العمال الكردستاني حتى تتقوى جبهتها الداخلية و تستطيع التصدي لخصومها ، و باستطاعتنا القول أنّ هنالك حلفاً غير معلن بين إيران و العراق و سوريا و تركيا و حتى لبنان حزب الله . 

و لكن و يا للأسف فإنّه بالرغم من نجاح النظام الحاكم الحالي في تركيا بضرب هذه القوى و الخصوم التي ذكرناها و التي عاثت فساداً منذ أن هدمت الخلافة الإسلامية و ناصبت العداء للإسلام و المسلمين و تحالفت و تآمرت مع الدول الكبرى المستعمرة و مع كيان يهود ، فقد كان باستطاعة حزب العدالة و التنمية أن يجعل من تركيا بإرثها التاريخي و موقعها الاستراتيجي و قوتها البشرية و العسكرية و الاقتصادية دولة كبرى يحسب لها ألف حساب و تعيد أمجاد أجدادهم العثمانيين الذين تباهى بهم أردوغان و نتباهى نحن بهم و نفتخر بالمجد الذي صنعوه لتركيا و للأمة الإسلامية و حافظوا على فلسطين و البلاد الإسلامية قرون عديدة ، فما تحتاجه الأمة هو قيادة مخلصة واعية تعيد أمجادها و ترقى بها إلى ذرى المجد و العزة ، لا أن تستبدل قوى و أحزاب معادية للإسلام بقوى و ولاءات لدول كبرى و سياسات تخدم مصالح أمريكا ، فقد سارت القيادة التركية الحالية مع أمريكا و خدمتها في كثير من القضايا ، و الأمثلة على ذلك كثير :

* احتضان تركيا لكل المؤتمرات التي تبحث في المشاكل و الأزمات التي تورطت بها أمريكا بدءاً من أفغانستان و باكستان مروراً بالعراق و ليس انتهاءاً بالصومال و دعم تركيا لهذه الحكومات العميلة التي أوجدها و نصبها المحتل الأمريكي ، و محاولة هذه المؤتمرات برعاية تركيا إيجاد السبل و الوسائل التي تساعد أمريكا في الخروج من أزماتها و مشاكلها و المستنقعات التي أوقعت نفسها بها ، ناهيك عن دور القوات التركية في أفغانستان المساند للقوات الأمريكية و الدولية ضد المجاهدين الأفغان . فلماذا لا تترك أمريكا المأزومة في المستنقعات و الأوحال التي أوقعت نفسها بها و دمرت و قتلت و اعتقلت و عذبت أبناء هذه الأمة الكريمة و نهبت ثرواتها و خيراتها كي تخرج مهزومة تجر ورائها أذيال الخزي و العار . و لقد أصبح الدور التركي الجديد بزعامة حزب العدالة و التنمية ودوره في خدمة أمريكا و مساعدتها في الخروج من أزماتها واضح لكل من له قلب أو ألقى السمع و هو شهيد ، فالمخلص لربه و أمته لا يمكن أن يخدم الكافر المستعمر أو أن يساعد عملاءه بأي شكل من الأشكال لقوله تعالى "لا تجدُ قوماً يؤمنون باللهِ و اليومِ الآخرِ يوادّون من حادّ اللهَ و رسوله" صدق الله العظيم ((سورة المجادلة الآية 22)) ، و لا ننسى دور تركيا و البرازيل حليفة أمريكا في حل أزمة إيران بالإتفاق الأخير على تبادل اليورانيوم في الأراضي التركية .

* عرض القيادة التركية القيام بدور الوساطة بين دمشق و تل أبيب ، إلا أن جمود هذه المساعي يعود إلى تطورات الأحداث في المنطقة و النفور القائم بين تل أبيب و أنقرة و تركيز أمريكا جهودها على حل القضية الفلسطينية بدلاً من اتفاقيات الصلح بين سوريا و اسرائيل .

* أما علاقة تركيا الحديثة في عهد أردوغان بالكيان الإسرائيلي فقد شملت التنسيق الأمني و المناورات العسكرية المشتركة و الزيارات المتبادلة ، و لكن هذه العلاقة بدأت بالفتور و التوتر و بعدت المسافة بينهما لبعد المسافة بين الإدارة الأمريكية الحالية و حكومة نتنياهو ، و من الصعب أن يلتقيا ما دام التوتر قائماً بين واشنطن و تل أبيب . هذا بالإضافة إلى تصرف هذا الكيان الغاصب مع الزعماء و الدبلوماسيين الأتراك بمنتهى الغباء و الغطرسة و الغرور ، بدءاً من جعل أردوغان يقف على حاجز رام الله العسكري مدة نصف ساعة مما اعتبرها إهانة شخصية له و ردّ عليهم بخطابه الشهير " نحن أبناء العثمانيين الذين احتضنا و حمينا اليهود " و رفض هذا الكيان الغاصب للوساطة التركية بينه و بين الفلسطينيين ثمّ المعاملة السيئة و المتعجرفة لنائب وزير الخارجية الإسرائيلي داني يالون للسفير التركي في تل أبيب و اضطرار الأخيرة للاعتذار عن هذا الموقف .

* أما الموقف التركي المؤيد للفلسطينيين و الداعم لفك الحصار عن غزة فهو موقف سياسي يزيد من شعبية أردوغان و أركان إدارته و حزبه و يقوي موقفهم و جبهتهم الداخلية في مواجهة خصومهم من الجيش و ورثة الصنم أتاتورك ، فالشعب التركي شعب مسلم و مشاعره مع قضايا أمته و خاصة القضية الفلسطينية و القدس ، و وقوف القيادة التركية مع حركة حماس معنوياً و سياسياً و محاولة فك الحصار عن غزة -و يا ليتهم نجحوا في فك هذا الحصار الظالم عن أهلنا في غزة و وضع حد لهذه القرصنة و العربدة الإسرائيلية- فهذا الموقف التركي هو امتداد للموقف الإيراني الداعم مادياً و عسكرياً و سياسياً لحركة حماس و كذلك الموقف السوري الحاضن لحركة حماس ، كلّ هذه المواقف تهدف إلى تقوية جبهاتهم الداخلية لتناغم هذه المواقف و السياسات مع مشاعر شعوبهم الإسلامية و لمحاولة هذه الأطراف التأثير على حماس و احتوائها و من ثمّ الضغط على إسرائيل لتقبل بحل الدولتين ، كما الموقف المصري الضاغط على حماس سواءاً بإغلاق المعابر أو التوسط بين إسرائيل و حماس أو بين حماس من جهة و حركة فتح و السلطة من جهة أخرى ، فكل هذه المواقف تصب في مصلحة أمريكا سواءاً من جهة الضغط على حماس و سلطتها في غزة لمحاولة كسبها و احتوائها أو لجهة إيجاد الزخم لما يسمى بعملية السلام و الضغط على إسرائيل بكل السبل و الوسائل حتى تقبل بحل الدولتين و وقف الإستيطان و الإمتثال للقرارات الدولية . و من نافلة القول أنّ هذا الموقف التركي الضاغط على الكيان الإسرائيلي كما المواقف الإيرانية و السورية و المصرية و اللبنانية هو من جملة الوسائل و أدوات الضغط التي تريدها أمريكا ضد كيان يهود ، إذ تستعين بالقوى الدولية و الإقليمية للتعويض عن ضعف موقفها لوجود اللوبي الإسرائيلي القوي داخل أمريكا .

و نحن إذ نحلل هذا الدور التركي الجديد لنستذكر التاريخ المجيد لتركيا كمركز للخلافة الإسلامية و كقوة عالمية حكمت ما يقارب خمسماية عام و حملت لواء الإسلام و حمت بلاد الإسلام و فلسطين ، لندعو الله أن تعود تركيا لماضيها المجيد و تعيد أمجاد الخلافة الإسلامية و ما تحمله من معاني القوة و العزة و العدل .

" كذلك يضربُ اللهُ الحقَّ و الباطلَ فأما الزبدُ فيذهبُ جُفاءً و أما ما ينفعُ الناسَ فيمكثُ في الأرضِ كذلك يضربُ اللهُ الأمثال " صدق الله العظيم ((سورة الرعد الآية 17))

أبو عمار

1-6-2010

المزيد من القسم سياسة

يا علماء الأزهر: الشام لا تنتظركم تحت راية الاستعمار!!

ذكرت جريدة اليوم السابع في 26/10/2015م، أنها حصلت على نسخة من تقرير مهم لمرصد الأزهر الشريف أكد فيه "أن التحالف مع جيوش غير مسلمة لمواجهة الجماعات المتطرفة وإن كانت مسلمة "جائزة"، ما دامت ليست من قبيل الاستعانة بالمشركين على المسلمين طلبا لخذلان المسلمين، كما ذكر أن من مقاصد الشريعة عمارة الكون ولتحقيقها تمت الاستعانة بهم في نواح عديدة، منها الإدارية والصناعية والكتابية والقتالية وغيرها، واستدل بأن الرسول r استعان حينما هاجر إلى المدينة برجل مشرك ليدله على الطريق، وكان له غلام يهودي يخدمه بالمدينة، ولما قدم إلى المدينة كتب معاهدة بين المسلمين واليهود جاء فيها: (وأن بينهم النصر على من داهم يثرب)، ولما توجه رسول الله إلى مكة عام الحديبية ووصل إلى ذي الحليفة أرسل عينا له من خزاعة يأتيه بخبر قريش، وكان ذلك الرجل مشركا"، ليختم قائلا: "أما التحالف مع غير المسلم في مواجهة جماعة متطرفة تهدد أمن المجتمعات وسلامتها فعلينا هنا أن نفرق بين من يستعين بالمشركين على المسلمين طالبا خذلان المسلمين، قاصدًا هدم دولتهم، هادفًا إلى إضعاف شوكة الإسلام، كارها مبغضا لهذا الدين وأهله، فهذه الحالة نهى عنها ربنا تبارك وتعالى بقوله: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى أَوْلِيَاءَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ مِنْكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِى الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ﴾، وبين من يفعل ذلك ردا لعدوان فئة باغية لا يستطيع رد عدوانها وحده، مع احتفاظه بسيادة دين الإسلام في بلده ظاهرا غالبا، فلا مانع له أن يستعين بغير المسلمين تحقيقا لمصالح المسلمين؛ ولضرورة أمن المجتمع وسلامته".

من الواضح جدا أن الوضع في الشام يلقي بظلاله على المنطقة كلها، وأن هناك ترتيباً وتحضيرات لكي تصبح مصر مخلبا من مخالب أمريكا في الشام بإدخالها إلى حلبة الصراع كما فعلت في ليبيا من قبل، كجزء من حلف أمريكا في حربها الصليبية الجديدة بعد أن أوشكت روسيا على الفشل، وحتى لا يغضب أبناء الكنانة لتحرك جيشهم تجاه إخوانهم في الشام، ويكون هناك مبرر لقمع من يظهر الغضب منهم، فلا بد من مبرر قوي وفتوى شرعية لخداع أهل الكنانة وأبنائهم في الجيش حتى لا يؤرقهم فيما بعد تلوث أيديهم بدم إخوانهم في بلاد الشام، وبدلا من أن يصدر مرصد الأزهر وعلماء الكنانة بيانا وفتاوى تحرم تلك التحالفات على أبناء الأمة وتجرم الدخول فيها، وتبين وجوب نصرة أهل الشام وأهل فلسطين وغيرهم ورد كيد أعداء الأمة من أمريكا ويهود والغرب الكافر، أصدر المرصد تقريرا أجاز فيه التحالف مع جيوش غير مسلمة لمواجهة الجماعات المتطرفة وإن كانت مسلمة، ما دامت ليست من قبيل خذلان المسلمين، وكأن قتل المسلمين ليس خذلانا لهم أو أنه قد أصبح أحد مقاصد الشريعة، ولا ندري من أين أتى المرصد بهذه الفتوى وما دليله عليها؟! ولا عن أي شريعة وأي مقاصد يتحدث؛ فمقاصد الشرع تحفظ النفس المسلمة لا تقتلها بتحالف مع عدو الله ورسوله وعدو الأمة، والمعلوم من قول رسول الله r «إنا لا نستضيء بنار المشركين» ورده على المشرك الذي لحق بالجيش «إنا لا نستعين بمشرك»، أما الاستعانة في الأمور الإدارية فلم يرد تحريمها، وهي تختلف جملة وتفصيلا عن الاستعانة في القتال فضلا عن قتال المسلمين، والأصل فيها الإباحة ولا يجوز قياسها على قتال أهل البغي من المسلمين بأي حال من الأحوال، فهي ليست من الأمور الإدارية وإنما هي أحكام شرعية لأفعال الأصل فيها التقيد بأحكام الشرع المستنبطة من أدلتها، وما أتى به النص الصريح هنا في قتال طائفتين من المؤمنين ﴿وَإِن طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا فَإِن بَغَتْ إِحْدَاهُمَا عَلَى الْأُخْرَىٰ فَقَاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي حَتَّىٰ تَفِيءَ إِلَىٰ أَمْرِ اللَّه﴾ فالأصل في قتال طائفتين من المؤمنين أن نعمل على الإصلاح بينهما ثم يقاتل المسلمون، والمسلمون فقط دون غيرهم، الفئة الباغية طالما بقيت على بغيها حتى تعود عنه، ولا يجوز لهم أن يستعينوا بكافر على إخوانهم بعدوهم أبدا، فكما في الصحيحين «الْمُسْلِمُ أَخُو الْمُسْلِمِ، لَا يَظْلِمُهُ، وَلَا يُسْلِمُهُ، وَمَنْ كَانَ فِي حَاجَةِ أَخِيهِ، كَانَ اللَّهُ فِي حَاجَتِهِ، وَمَنْ فَرَّجَ عَنْ مُسْلِمٍ كُرْبَةً، فَرَّجَ اللَّهُ عَنْهُ كُرْبَةً مِنْ كُرُبَاتِ يَوْمِ الْقِيَامَةِ، وَمَنْ سَتَرَ مُسْلِمًا، سَتَرَهُ اللَّهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ».

وحتى نفصل في الفتوى يجب أن نستعرض واقع الأمة اليوم؛ حيث لا وجود لدولة إسلامية بالمفهوم الشرعي بل كلها بلاد إسلامية يسكنها مسلمون، يحكمها حكام ضرار مغتصبو سلطة وضعهم الغرب الكافر على رؤوس البلاد والعباد لرعاية مصالحه ولقهر الأمة واستعباد شعوبها للغرب الكافر، وكل من حاول الانعتاق من التبعية والتملص من ربقة الغرب يتسلطون عليه بسلاح ثمنه من أموال وأقوات الأمة واصفين كل من حاول الانعتاق بكل أوصاف التطرف والإرهاب والخروج.

وهنا مع هذا الواقع يكون واجب الأمة خلع هؤلاء الحكام وتنصيب خليفة واحد تكون رئاسته عامة لجميع المسلمين ويحصل الحكم ببيعة شرعية صحيحة ويحكم الأمة بالإسلام كاملا شاملا غير منقوص، ويكون له وحده حق تبني الأحكام الشرعية وسنها دستورا وقوانين، بهذا فقط يكون لدينا دولة إسلامية من حقها وحدها قتال البغاة والخارجين، أما هؤلاء الحكام وعلماؤهم وعملاؤهم فهم مغتصبون لسلطان الأمة محاربون لله ورسوله وأوليائه، وهم آخر من يقيم للإسلام وأحكامه وزنا أو احتراما في بلادنا ولا علاقة لهم لا بالشرع ولا بمقاصده، وأول من يدرك ذلك هم العلماء قبل عوام الناس من أهل الكنانة وغيرها، فلا يجوز لهم أن يبرروا ويشرعنوا خياناتهم في تجارة بالإسلام واستغلال واضح لجهل الناس بأحكامه لصالح حكام السوء ومن خلفهم الغرب الكافر عدو الإسلام والمسلمين، والذي يبررون الآن التحالف معه لوأد ثورة الأمة في الشام وغيرها، في محاولة يائسة لمنع عودة الخلافة على منهاج النبوة والتي أصبح نجمها يعلو في الأمة بعمومها والشام خاصة، والتي فضحت العملاء وعلماء السوء وأبت إلا أن تكشف كل متلون مخادع، ولن يبقى ثابتا إلا من يستحقون بحق أن يكونوا كأمثال الصحابة وأن تقام على أكتافهم دولة خلافة على منهاج النبوة يرضى عنها ساكن السماء وساكن الأرض.

يا علماء الأزهر الكرام وأحفاد العز بن عبد السلام سلطان العلماء، لا تكونوا أكثر الخاسرين فتبيعوا دينكم بدنيا غيركم، ولن ينفعكم حكام السوء أو يغنوا عنكم من الله شيئا، فكونوا مع الحق الذي تعلمون وطالبوا أهل مصر الكنانة وجيشها بخلع حكام السوء وإعلانها خلافة على منهاج النبوة، ونصرة أهل الشام وفلسطين وسائر المستضعفين من أبناء الأمة، فهذا دوركم ودورهم، فأنتم ورثة الأنبياء وهم جند الله ورسوله ودرع الأمة وحماة الإسلام فحرضوهم على نصرة الله ورسوله تفوزوا وإياهم ويكون لكم وللكنانة السبق في ركب الجنة.

يا أهل الكنانة وعلماءها وجيشها، يا من كنتم للإسلام درعا وحصنا وكان للإسلام بكم عزٌّ ومنعة من للإسلام، إن لم يكن أنتم من ينتصر لحرمات المسلمات غيركم من يحرر الأقصى دونكم، إن الأقصى والشام لا تنتظركم تحت راية الاستعمار وخلف عدو من أعداء الله ولخدمة الغرب الكافر ولفرض نفوذه ومخططاته ومنع عودة الحياة الإسلامية من خلال خلافة على منهاج النبوة، وإنما تنتظركم أنتم جند صلاح الدين تحت راية رسول الله r، تنتظركم ناصرين فاتحين محررين كما عهد بكم، تنتظركم بأسا شديدا على أعداء الله ورسوله وعزا لدينه ومددا لأنصاره، واعلموا أن نصر الله قادم لا محالة، فليكن بأيديكم أنتم وليكن لكم السبق للفردوس الأعلى مع أنصار الأمس فإنها الجنة، والأيام القادمة أيام فاصلة فانحازوا فيها لما يحب الله ويرضى وانصروا إخوانكم في حزب التحرير واحملوا معهم مشروع الأمة المنبثق عن عقيدتها خلافة على منهاج النبوة تنهي التبعية للغرب الكافر وتعيد عز الإسلام وأهله وتعيد بلادنا سيدة الدنيا كما كانت، اللهم اجعله قريبا واجعله بأيدينا.

كتبه لإذاعة المكتب الإعلامي المركزي لحزب التحرير

عبد الله عبد الرحمن

عضو المكتب الإعلامي لحزب التحرير في ولاية مصر

نعمة الأمن والأمان في الأردن

نتغنى في الأردن بالأمن والأمان، وإذا ما تكلم بعضنا بوجوب نصرة الشام والأقصى رد علينا آخرون بقولهم أنتم تريدون إشاعة الفوضى في البلد والقضاء على الأمن والأمان، ألا ترون ما حدث لأهل سوريا ومصر وليبيا واليمن وغيرهم؟

أقول لمثل هؤلاء: إن نعمة الأمن والأمان والرخاء الاقتصادي كان يتنعم بها أهل مكة، فقد آمنهم الله من الجوع والخوف بينما كانت القبائل من حولهم يغير بعضها على بعض فيقع فيهم القتل والأسر، قال تعالى مذكرا إياهم أنهم كانوا في أمان بينما غيرهم يعيش في خوف ﴿أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّا جَعَلْنَا حَرَمًا آمِنًا وَيُتَخَطَّفُ النَّاسُ مِنْ حَوْلِهِمْ أَفَبِالْبَاطِلِ يُؤْمِنُونَ وَبِنِعْمَةِ اللَّهِ يَكْفُرُونَ﴾ فماذا حدث لأهل مكة؟ هل استمر الأمن والأمان؟ هل حافظوا على نعمة الأمن والأمان؟ قال تعالى: ﴿لِإِيلَافِ قُرَيْشٍ * إِيلافِهِمْ رِحْلَةَ الشِّتَاءِ وَالصَّيْفِ * فَلْيَعْبُدُوا رَبَّ هَذَا الْبَيْتِ * الَّذِي أَطْعَمَهُم مِّن جُوعٍ وَآمَنَهُم مِّنْ خَوْفٍ﴾.

أطعمهم من جوع: أمان اقتصادي... كانت خيرات الجزيرة العربية والشام واليمن تجبى إليهم في رحلتين سنويتين، رحلة الشتاء إلى اليمن ورحلة الصيف إلى الشام، وآمنهم من خوف: كانت القبائل تسعى إلى ودِّهم لأنهم أهل الحرم،كما أن الرحلة في الصحراء إلى اليمن جنوبا والشام شمالا دليل على الأمن الذي تنعَّم به تجار مكة.

ولما بعث رسول الله r إليهم طلب منهم أن يحافظوا على هذه النعمة، كيف؟

اسمعوا قوله تعالى ﴿فَلْيَعْبُدُوا رَبَّ هَذَا الْبَيْتِ * الَّذِي أَطْعَمَهُم مِّن جُوعٍ وَآمَنَهُم مِّنْ خَوْفٍ

إذن المحافظة على الأمن والأمان تكون بطاعة الله عز وجل، وتنفيذ أوامره سبحانه في الحياة العامة، في الحكم والاقتصاد والاجتماع والتعليم والسياسة الخارجية، وليس الاقتصار على تنفيذ أمر الله في العبادات والأخلاق والمطعومات والملبوسات فقط، قال تعالى ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ ادْخُلُواْ فِي السِّلْمِ كَآفَّةً﴾ أي نفذوا أحكام الإسلام كلها، فلا يجوز أن نقصر الإسلام على جزء منه ونترك الباقي خوفا من أمريكا وأوروبا وغيرهما من دول العالم.

فحتى نحافظ على الأمن والأمان يجب تغيير الدستور إلى دستور إسلامي وتغيير النظام الحاكم من نظام علماني إلى نظام إسلامي، وأن تسترد الأمة سلطانها وتختار حاكمها لتبايعه على الحكم بكتاب الله وسنة رسوله r... وفي ذلك تحقيق لعبادة رب البيت.

وأما عصيان الله وإعلان الحرب على أحكامه الشرعية فهو خسران الأمن والأمان، والحكم بغير ما أنزل الله خروج عن طاعة رب البيت، والتنسيق مع روسيا في حربها على المسلمين في الشام خروج عن طاعة رب البيت، والمشاركة في التحالف الصليبي خروج عن طاعة رب البيت، وإباحة الربا باسم الحرية الاقتصادية، وإباحة التعري والسفور والاختلاط والمثلية الجنسية باسم الحرية الشخصية خروج عن طاعة رب البيت، وترك قطعان يهود يمارسون عربدتهم في الأقصى خروج عن طاعة رب البيت، وتأييد نتنياهو في تركيب كاميرات التجسس خروج عن طاعة رب البيت، وخذلان أهل سوريا وتركهم لبشار وروسيا وإيران وحزبها في لبنان خروج عن طاعة رب البيت، وإرسال الجيش الأردني ليحارب المسلمين بدلا من توجيههم لمحاربة يهود وتحرير الأقصى وفلسطين منهم هو خروج عن طاعة رب البيت...

أهل مكة رفضوا دعوة الله فخسروا الأمن والأمان.

انقسم المجتمع إلى مؤمنين وكافرين... أصبح الأخ يعادي أخاه والابن يعادي أباه والزوجة تعادي زوجها والعبد يعادي سيده. عصا العبيد أسيادهم، وعصا الشعب حكامه، وسموا زعيمهم أبا الحكم بأبي جهل. وأمر الله نبيه والمؤمنين بتهديد أبي جهل ﴿كَلَّا لَئِن لَّمْ يَنتَهِ لَنَسْفَعًا بِالنَّاصِيَةِ﴾ ثم أمره أن يعلن الوصف الحقيقي لأبي جهل ﴿نَاصِيَةٍ كَاذِبَةٍ خَاطِئَةٍ﴾ ثم يستأنف التحدي والتهديد والوعيد ﴿فَلْيَدْعُ نَادِيَه * سَنَدْعُ الزَّبَانِيَةَ﴾ ثم أمر رسوله والمؤمنين بعصيان الحاكم المجرم وإعلان التمرد على دستوره ﴿كَلَّا لَا تُطِعْهُ وَاسْجُدْ وَاقْتَرِبْ﴾.

لو دخل أبو الحكم في الإسلام وعبد ربَّه الذي أعطاه الأمن من الجوع والأمن من الخوف لما فرق مجتمعه، ولو آمن زعماء مكة لحققوا شرفا ما بعده شرف، ولظل ذكرهم معطراً خالدا، ولكنهم رفضوا الشرف واستغربوا وعد الرسول r بالانتصار على فارس والروم، واتهموه بالجنون، ففقدوا الأمن والأمان وقُتلوا في معركة بدر، أين هم الآن؟!.. في الجحيم والعياذ بالله وقانا الله وإياكم ذلك المصير. أما أولادهم الذين آمنوا بدعوة الإسلام فقد حافظوا على نعمة الأمن والأمان وأصبحوا قادة البشرية.

ونحن في الأردن إذا لم نعِ الدرس وندرك أن الحفاظ على الأمن والأمان لا يكون إلا بعبادة رب البيت... فسنخسر الدنيا والآخرة.. نعوذ بالله من ذلك... وها نحن نرى بعض البوادر في فقدان نعمة الأمن والأمان من انتشار العصابات والعنف في الجامعات والعشائر وفساد الدولة ونهب المال العام والفقر والبطالة... وإذا لم نعد إلى ديننا عودة حقيقية فسيستمر الخسران حتى نجد أنفسنا مشردين لاجئين كأهل البلاد من حولنا... لا قدر الله.

كتبته لإذاعة المكتب الإعلامي المركزي لحزب التحرير

نجاح السباتين – ولاية الأردن