حرب المعادن
November 08, 2025

حرب المعادن


حرب المعادن

لقد ظهرت على الساحة العالمية وفي صدام الصراعات الجيوسياسية المتصاعدة، معركة من نوع جديد لم يعهدها العالم من قبل وتعتبر من أهم ساحات المواجهة الحديثة، هي اليوم العمود الفقري لأي صناعة متطورة وهي معركة لا يستخدم فيها السلاح التقليدي مطلقا؛ إنها حرب المعادن الحيوية الاستراتيجية وهي المواد المستخدمة في أهم الصناعات مثل الطيران والدفاع والإلكترونيات وغيرها. وهذه الصناعات تعتبر من الأمن القومي، لذلك يجب علينا أن نتعرف على بعض من هذه المعادن:

1- العناصر الأرضية النادرة مثل: النيدوديميوم، البراسيوديميوم، الدسبروسيوم، التيربيوم... وغيرها، وهي تستخدم في المغناطيسات القوية جدا وتوربينات الرياح، وهي مهمة للاستخدامات في محركات السيارات الكهربائية والإلكترونيات الدقيقة وفي مجال الدفاع العسكري مثل الرادارات والطائرات والمنظومات الذكية.

2- معادن مثل: الغاليوم، الجرمانيوم وهي تستخدم في أشباه الموصلات البصرية والليزر وفي الاتصالات... وغيرها. والأنتيمون وهي تستخدم في البطاريات وأغلب المركبات العسكرية والمدنية.

3- النحاس والنيكل والألومنيوم والمعادن المستخدمة في البنى التحتية وصناعات الطاقة.

4- معادن وعناصر أخرى مثل: التيتانيوم تستخدم للطائرات والفضاء، وأيضا: التنتالوم والتيلوريوم تستخدم في الإلكترونيات المتقدمة وأشباه الموصلات، ولا ننسى السيليكون بجودة عالية جدا.

هذه المعادن وغيرها تدخل مباشرة في القطاعات الدفاعية وشبه الموصلات وأي نقص فيها يؤثر تأثيرا مباشرا على الصناعات الحساسة التي توقف التطور التكنولوجي أو على أقل تقدير تجعله بطيئا ويعتبر سلاحا قويا جدا في إخضاع الخصم في حلبات المنافسة.

وإذا نظرنا للواقع اليوم نجد أن الصين تسيطر بنسبة كبيرة جدا على التنقيب وهو أمر عادي ولكنها تتحكم بالمراحل التي تلي التنقيب وهي التحويل والتنقية للوصول إلى التصنيع لعدد كبير من هذه المعادن خصوصا العناصر الأرضية النادرة وهي متوفرة في عدد كبير من الدول وخاصة بلاد المسلمين، ولكن المشكلة هي في العمليات التي تلي التنقيب فهي عمليات معقدة جدا تحتاج إلى مئات الخطوات الكيميائية لفصل العناصر الأرضية النادرة حيث هناك 17 عنصرا متشابها بشكل كبير جدا وعمليات الفصل معقدة وينتج عنها تلوث بيئي هائل لأنها تحتوي على مواد مشعة وأحماض، وأيضا تحتاج إلى كلفة مالية ضخمة جدا حيث قد تصل كلفة مصنع معالج واحد من 1 إلى 2 مليار دولار، ناهيك عن الخبرات البشرية العالية الجودة وبخبرات عالية جدا.

وهذه الصناعات لا تكاد تتجمع في مكان واحد أي من التعدين إلى البطاريات إلى الإلكترونيات وما يلزمها، ولكن الصين هي الدولة الوحيدة في العالم التي استطاعت أن تغلق دائرة العمل داخل بلادها دون الحاجة لأي طرف خارجي ما أتاح لها السيطرة شبه التامة على بعض العناصر. فعلى سبيل المثال تتحكم الصين بنسبة 90% من العناصر الأرضية النادرة وأيضا 70% من سلاسل بطاريات EV الليثيوم والكوبالت، وسيطرة تفوق 90% على أنود البطاريات الجرافيت الصناعي.

ومن هنا نجد أنها عملت بشكل بطيء وسري واستطاعت أن تمتلك سلاح التكرير والمعالجة لهذه المعادن حيث يصعب على دول العالم الوصول إلى مستواها في وقت قصير ما جعلها وجهة لدول العالم الكبرى وخاصة حين أعلنت عام 2025 تقييد تصدير معدات معالجة العناصر النادرة الأرضية وأعلنت رسالة للعالم تقول فيها نحن لا نتحكم بالمناجم فقط، بل بالمفاتيح التي تحول التراب إلى تكنولوجيا.

لذلك نجد اليوم توجه رئيس أمريكا لزيارة الصين بعد حربه التجارية (التعرفة الجمركية) حيث إن هذه الحرب كانت ظاهريا لحماية الصناعة الأمريكية لكنها فعليا هي جزء من خطة طويلة لاحتواء الصين في ميدان المعادن والتكنولوجيا الاستراتيجية.

حيث إن ترامب حينما اعتلى السلطة عام 2018 فرض رسوما جمركية على السلع الصينية بقيمة تتجاوز 360 مليار دولار وكان تبريره لذلك لا يخرج عن عجز الميزانية التجارية الأمريكية مع الصين وعدم السماح بسرقة الملكية الفكرية الأمريكية وحماية الوظائف المحلية. ولكن في الحقيقة كان لكبح الصين قبل أن تسيطر على سلاسل التوريد العالمية في التكنولوجيا والمعادن النادرة، وكان مهندس هذه الحرب هو بيتر نافارو وروبرت لايتهايزر، وهذه الخطة جاءت على خلفية أزمة جزر سينكاكو عام 2010 حيث هددت الصين بوقف تصدير المعادن النادرة.

وفي ولايته الجديدة فرض رسوما جمركية عالية لإضعاف الاقتصاد الصيني ورفع تكلفة التصدير وحاول منع الشركات الأمريكية من شراء المعادن النادرة وبدأ بإحياء مشاريع التعدين الأمريكية في نيفادا ووايومنغ وأعاد إقناع أستراليا وكندا واليابان بإنشاء تحالف معادن نادرة.

ولكن الموقف الثابت للصين بعدم الخضوع كان صاعقا له حيث اعتمدت عدة نقاط لثباتها وهي:

* علمها أن أمريكا تعتمد على 70% من المعادن النادرة من الصين.

* صعوبة قيام أمريكا بالتعدين ومعالجة هذه المعادن لأن العملية تحتاج إلى مراحل كثيرة ومعقدة جدا بيئيا وتكنولوجيا.

لذلك انتقلت الحرب إلى حرب تأمين سلاسل التوريد التكنولوجية والمعادن الحرجة.

وعليه أصبحت الحرب الدائرة ليست من يبيع أكثر بل حول من يملك المواد الخام والمكونات التي يصنع منها المستقبل.

لذلك نجد أن أمريكا تحاول الوصول إلى أكثر المناجم لهذه المواد مثل (دارفور والكونغو والنيجر وأفغانستان والعديد من بلاد المسلمين) ولكن الحصول على المادة الخام لا ينهي الحرب لأن المشكلة في التعدين والمعالجة للوصول إلى معادن منفصلة ونقية، وهذا ما أبدعت به الصين دون غيرها.

زيارة الرئيس دونالد ترامب للصين محاولة منه لعقد اتفاقيات يتحصل على ما يلي:

* تأمين سلاسل الإمداد وضمان تدفق المعادن والمواد الاستراتيجية للحصول على معدات تحقق مستقبلا تقليل الاعتماد على الصين على المدى البعيد وتأمين قيود تلزم الصين على تصدير المعادن النادرة لها.

* تخفيف التوتر التجاري وتخفيض الرسوم الجمركية وفتح الباب للصادرات الأمريكية وهذا يعطي القوة التفاوضية ليونة أكبر.

* حتى يُري العالم أن أمريكا تتعامل من مبدأ المبادرة وليس المتلقي وهذا قد يستفيد منه في جبهته الداخلية وسباقات انتخابية لو استطاع الترشح لولاية أخرى.

* كسب وقت من خلال تأمين سلاسل الإمداد حتى تستطيع أمريكا الاعتماد على نفسها ما دام أنها قد استطاعت السيطرة على مناجم الخام وبقي عليها إتقان التعدين والتنقية.

ولكن السؤال ماذا يمكن أن تعطيها الصين خاصة وأن الرئيس الصيني شي جين بينغ يتمتع بعقلانية وسياسة فذة؟ وأعتقد أن توافق الصين على أن تمنحها أمريكا سوقا للمنتجات الصينية مع تخفيف الرسوم بشكل كبير على الصادرات الصينية لأمريكا مقابل بعض التسهيلات واستمرار تصدير المعادن النادرة مع المحافظة على استمرار الهيمنة الصينية وأي شراكة تكون بشروط صينية.

ولو أننا تخيلنا نجاح الاتفاق الأمريكيّ الصيني ماذا سوف يتغير اقتصاديا:

* انفراج في الأسواق العالمية بشكل عام.

* ثبات أو استقرار جزئي لليوان والدولار وذلك بانتهاء الحرب التجارية والرسوم الجمركية.

* استمرار سلاسل التوريد العالمية وتستفيد من ذلك الدول الناشئة مثل تركيا والبرازيل والهند.

* انفراج جزئي على التكنولوجيا والرقائق وسوف تتراجع أسعار المكونات الإلكترونية والمعادن النادرة.

* تباطؤ في التضخم العالمي مع انخفاض الرسوم الجمركية.

وكل هذا سوف يحدث على أرضية اقتصاد مالي عالمي هش قابل للسقوط في أي لحظة لأن الانهيار المالي ليست هذه هي أسبابه.

ولا ننسى أن الاتفاق لو حدث لا يعني نهاية التوتر الاستراتيجي لأن باقي الملفات سوف تبقى مفتوحة ومحاولة أمريكا فرض نفسها كقطب أوحد ورفضها التعددية القطبية للعالم، وأيضا الصراع الحقيقي على من يملك التفوق في الذكاء الصناعي والرقائق والمعالجات، ولا ننسى الخلاف الدائم على تايوان حيث إنها مسألة تخص الصين فهي تعتبرها جزءا مقدسا من أراضيها ولكن أمريكا لا تسمح بخروج تايوان عن سلطتها.

ومن هنا نجد أن كل ما يحدث ما هو إلا مسكن لفترة قريبة لأن المسألة ليست حول المال بل هي حول السلطة. ومن هنا يكون للاعب الخفي قيمة قادمة لو استطاع الاستفادة من ظروف الساحة الدولية بشكل حقيقي ألا وهو دولة الخلافة الراشدة، أي ظهور مبدأ الإسلام في دولة تدخل في تغيير الموقف الدولي بشكل جذري،

وهنا لن أذكر سوى التغيير الذي يخص المقال فقط:

فإن هذه الدولة بعد أن تلملم شتاتها وتعود التركة السابقة لجسمها تصبح قوة عالمية هائلة. فهي تمتلك سوقا خاصا بها بحوالي 1.8 مليار نسمة، وتعتمد على عملة موحدة مبنية على الذهب والفضة، ويكون لها جيش كبير تحت مظلة الخليفة، وتصبح هي من يتحكم في الطاقة والمعادن حيث تمتلك 70% من احتياطيات العالم من النفط والغاز وأيضا معادن حرجة مثل النيكل في إندونيسيا والليثيوم في أفغانستان واليورانيوم في النيجر والذهب في السودان ومناجم كبيرة من المعادن الأرضية النادرة في كل بقاع الدولة المترامية الأطراف، وبذلك تعمل على إكمال دائرة التصنيع بشكل رفيع المستوى وبشكل سريع تبعا لنظام التصنيع الحربي الذي سوف تعتمد إنشاءه في الأيام الأولى من قيامها.

وهي التي تستطيع فرض شروط وتسعير والهيمنة على جميع المعادن النادرة ولا تستطيع الصين مساومتها لأنها بحاجة لهذه الدولة من كل الاتجاهات لأن الطاقة والممرات والسوق كلها تحت أمر هذه الدولة العظيمة.

ولو كتبت في هذا المجال لاحتجت مجلدات للتكلم على ما سوف يتغير، ويكفي وجود هذه الدولة ليحدث تحول حضاري عالمي يعيد تعريف كل شيء؛ الاقتصاد والأخلاق والعدالة والمساواة وغيرها الكثير.

اللهم عجل لنا بها لإخراج العباد من عبادة العباد إلى عبادة رب العباد ومن جور الأديان إلى عدل الإسلام ليعم النور في جميع أنحاء العالم.

كتبه للمكتب الإعلامي المركزي لحزب التحرير

نبيل عبد الكريم

المزيد من القسم null

لا تنخدعوا بالأسماء فالعبرة بالمواقف لا بالأنساب

لا تنخدعوا بالأسماء فالعبرة بالمواقف لا بالأنساب

في كل مرة يُقدَّم لنا "رمز جديد" له جذور مسلمة أو ملامح شرقية، يهلل كثير من المسلمين، وتُبنى الآمال على وهمٍ اسمه "التمثيل السياسي" في نظامٍ كافر لا يعترف بالإسلام حكماً ولا عقيدةً ولا شريعةً.

نذكر جميعاً الفرح العارم الذي اجتاح مشاعر كثيرين عند فوز أوباما في 2008. فهو ابن كينيا، وله أب مسلم! وهنا توهم البعض أن الإسلام والمسلمين باتوا قريبين من النفوذ الأمريكي، لكن أوباما كان أحد أكثر الرؤساء إيذاءً للمسلمين فقد دمر ليبيا، وساهم في مأساة سوريا، وأشعل أفغانستان والعراق بطائراته وجنوده، بل كان سفاك الدماء في اليمن عبر أدواته وكان عهده استمراراً لعداء ممنهج ضد الأمة.

واليوم يتكرر المشهد، لكن بأسماء جديدة. فـزوهران ممداني يُحتفى به لأنه مسلم ومهاجر وشاب، وكأنه المنقذ! لكن قليلين فقط ينظرون إلى مواقفه السياسية والفكرية. هذا الرجل من الداعمين الأشداء للشواذ المثليين، ومشارك في فعالياتهم، ويعتبر انحرافهم حقوقاً إنسانية!

أي خزي هذا يُعلق عليه الناس آمالاً؟! ألم يكن تكراراً للخيبة السياسية والفكرية نفسها التي وقعت فيها الأمة مراراً وتكراراً؟! نعم لأنها تُفتن بالشكل لا بالجوهر! تُخدع بالابتسامات، وتتعامل بالعاطفة لا بالعقيدة، وبالأسماء لا بالمفاهيم، وبالرموز لا بالمبادئ!

إن هذا الانبهار بالأشكال والأسماء نتيجة غياب الوعي السياسي الشرعي، لأن الإسلام لا يقاس بالأصل أو الاسم أو العرق، بل بالالتزام بمبدأ الإسلام كاملاً؛ نظاماً وعقيدةً وشريعةً. ولا قيمة لمسلم لا يحكم بالإسلام ولا ينصره، بل يخضع للنظام الرأسمالي الكافر، ويبرر الكفر والانحرافات باسم "الحرية".

وليعلم جميع المسلمين الذين فرحوا بفوزه وظنّوا أنه بذرة خير أو بداية نهوض، أن النهوض لا يكون من داخل أنظمة الكفر، ولا بأدواتها، ولا عبر صناديق اقتراعها، ولا تحت سقف دساتيرها.

فمن يُقدّم نفسه عبر النظام الديمقراطي، ويقسم على احترام قوانينه، ثم يدافع عن الشذوذ الجنسي ويحتفل به، ويدعو إلى ما يغضب الله، فهو ليس نصيراً للإسلام ولا أملاً للأمة، بل هو أداة تلميع وتمييع، وتمثيل مزيّف لا يُقدّم ولا يؤخر.

إن ما تسمى النجاحات السياسية في الغرب لبعض الشخصيات ذات الأسماء الإسلامية، ما هي إلا فُتات يُقدَّم كمسكنات للأمة، ليقال لها: انظروا، التغيير ممكن عبر أنظمتنا.

 فما حقيقة هذا "التمثيل"؟

الغرب لا يفتح أبواب الحكم للإسلام، بل يفتحها فقط لمن يتماهى مع قيمه وأفكاره. وأي شخص يدخل نظامهم لا بد أن يقبل بدستورهم، وبقوانينهم الوضعية، وأن يتنكر لحكم الإسلام، فإن رضي بذلك، أصبح نموذجاً مقبولاً، أما المسلم الحق، فهو مرفوض عندهم من جذوره.

فمن هو زهران ممداني؟ ولماذا يُصنع هذا الوهم؟

هو شخص يحمل اسماً مسلماً لكنه متبنٍ لأجندة منحرفة مخالفة تماماً لفطرة الإسلام، من دعم المثليين، والترويج لما يُسمى بـ"حقوقهم"، وهو نموذج حي لكيف يصنع الغرب نماذجه: مسلم بالاسم، علماني بالفعل، خادم لأجندة الليبرالية الغربية لا أكثر. بل لإشغال الأمة عن طريقها الحقيقي، فبدل أن تطالب بدولة الإسلام والخلافة، تنشغل بالمقاعد النيابية والمناصب في أنظمة كفر! وبدل أن تتوجه لتحرير فلسطين، تنتظر مَن "يدافع عن غزة" من داخل الكونغرس الأمريكي أو البرلمان الأوروبي!

فحقيقة الأمر أن هذا تشويه لطريق التغيير الحقيقي، وهو إقامة الخلافة الراشدة على منهاج النبوة، التي تُعلي راية الإسلام، وتقيم شرع الله، وتوحد الأمة خلف خليفة واحد يُقاتل من ورائه ويُتقى به.

فلا تنخدعوا بالأسماء، ولا تفرحوا بمن ينتمي لكم شكلاً ويخالفكم مضموناً، فليس كل من حمل اسم سعيد أو علي أو زهران هو على طريق نبينا محمد ﷺ.

واعلموا أن التغيير لا يأتي من داخل برلمانات الكفر، بل من جيوش الأمة التي آن لها أن تتحرك، ومن شبابها الواعين الذين يعملون ليلا ونهارا لقلب الطاولة على رؤوس الغرب وأعوانه وأتباعه الخائنين في بلاد الإسلام والمسلمين.

فالمسلمون لن ينهضوا عبر انتخابات الديمقراطية ولا من خلال صناديق الغرب، بل بنهضة حقيقية على أساس العقيدة الإسلامية، بإقامة دولة الخلافة الراشدة التي تُعيد للإسلام مكانته، وللمسلمين عزّتهم، وتحطم أوهام الديمقراطية.

لا تنخدعوا بالأسماء، ولا تعلقوا آمالكم على أفراد في أنظمة كفر، بل ارجعوا إلى مشروعكم العظيم: استئناف الحياة الإسلامية، فهذا وحده طريق العزة والنصر والتمكين.

فالمشهد تكرار مُهين لمآسٍ قديمة: رموز مزيفة، وولاء للأنظمة الغربية، وانحراف عن طريق الإسلام. وكل من يُصفّق لهذا المسار، إنما يضلل الأمة. فعودوا إلى مشروع الخلافة، ولا تجعلوا أعداء الإسلام يصنعون لكم قادتكم وممثليكم. فالعزة ليست في مقاعد الديمقراطية، بل في سدة الخلافة التي يعمل لها حزب التحرير ويُحذر الأمة من هذا الانحدار الفكري والسياسي. فلا خلاص لنا إلا بدولة الخلافة، التي لا تسمح بأن يحكم المسلمين من يدين بدين غير الإسلام، ولا بمن يبرر الشذوذ والانحراف، ولا بمن يُشرّع للناس غير ما أنزل الله.

كتبه لإذاعة المكتب الإعلامي المركزي لحزب التحرير

عبد المحمود العامري – ولاية اليمن

مصر بين الشعارات الحكومية والواقع المرّ  الحقيقة الكاملة عن الفقر، والسياسات الرأسمالية

مصر بين الشعارات الحكومية والواقع المرّ

الحقيقة الكاملة عن الفقر، والسياسات الرأسمالية

نقلت بوابة الأهرام الثلاثاء 4 تشرين الثاني/نوفمبر 2025م، أن رئيس الوزراء المصري، في كلمة ألقاها نيابةً عن الرئيس في القمة العالمية الثانية للتنمية الاجتماعية في العاصمة القطرية الدوحة، قال إنّ مصر تطبّق نهجاً شاملاً للقضاء على الفقر في جميع أشكاله وأبعاده، بما في ذلك "الفقر متعدد الأبعاد".

منذ سنوات، لا يكاد يخلو خطاب رسمي في مصر من عباراتٍ مثل "نهج شامل للقضاء على الفقر" و"الانطلاقة الحقيقية للاقتصاد المصري". يكرّر المسؤولون هذه الشعارات في المؤتمرات والمناسبات، مصحوبة بصور براقة لمشروعات استثمارية وفنادق ومنتجعات. لكن الواقع، كما تشهد عليه التقارير الدولية، مختلف تماماً. فالفقر في مصر ما زال ظاهرةً راسخة، بل متفاقمة، رغم الوعود الحكومية المتكرّرة بالتحسن والنهضة.

بحسب تقارير اليونيسف والإسكوا وبرنامج الغذاء العالمي لعامي 2024 و2025، يعيش نحو واحد من كل خمسة مصريين في فقرٍ متعدد الأبعاد، أي محروم من أكثر من جانب من جوانب الحياة الأساسية كالتعليم والصحة والسكن والعمل والخدمات. كما تؤكد البيانات أن أكثر من 49% من الأسر تعاني من صعوبات في الحصول على غذاء كافٍ، وهو رقم صادم يعكس عمق الأزمة المعيشية.

أما الفقر المالي، أي انخفاض الدخل مقارنة بتكاليف المعيشة، فقد ارتفع بصورة حادة، نتيجة موجات التضخم المتلاحقة التي أكلت أجور الناس وجهودهم ومدخراتهم، حتى أصبحت نسبة كبيرة من المصريين تحت خط الفقر المالي رغم عملهم الدائم.

وبينما تتحدث الحكومة عن مبادرات مثل "تكافل وكرامة" و"حياة كريمة"، تكشف الأرقام الدولية أن هذه البرامج لم تغيّر بنية الفقر جذرياً، بل اقتصرت على مسكّنات مؤقتة أشبه بالقطرة التي تُسكب في صحراء. فما زال الريف المصري الذي يقطنه أكثر من نصف السكان، يعاني من ضعف الخدمات وانعدام فرص العمل اللائق وتهالك البنية الأساسية. ويؤكد تقرير الإسكوا أن الحرمان في الريف يفوق نظيره في المدن بعدة أضعاف، ما يدل على سوء توزيع الثروة والإهمال المزمن للأطراف.

حين يشكر رئيسُ الوزراء ابنَ البلد "الذي تحمّل مع الحكومة إجراءات الإصلاح الاقتصادي"، فإنه في الواقع يُقرّ بوجود معاناة حقيقية ناتجة عن تلك السياسات. غير أن هذا الاعتراف لا يتبعه تغيير في المنهج، بل مزيد من السير في الطريق الرأسمالي نفسه الذي سبّب الأزمة.

فالإصلاح المزعوم الذي بدأ عام 2016 ببرنامج "التعويم" ورفع الدعم وزيادة الضرائب، لم يكن إصلاحاً بل تحميلاً للفقراء كلفة الديون والعجز. وفي الوقت الذي يتحدث فيه المسؤولون عن "الانطلاقة"، تتجه الاستثمارات الضخمة إلى العقارات الفاخرة والمشروعات السياحية التي تخدم أصحاب رؤوس الأموال، بينما لا يجد ملايين الشباب فرصاً للعمل أو السكن. بل إن كثيراً من هذه المشاريع، كمنطقة علم الروم في مطروح التي تُقدّر استثماراتها بـ29 مليار دولار، هي شراكات رأسمالية أجنبية تستحوذ على الأراضي والثروات وتحوّلها إلى مصدر ربح للمستثمرين، لا مصدر رزق للناس.

النظام يفشل ليس لأنه فاسد فحسب، بل لأنه يسير على أساسٍ فكريٍّ باطلٍ هو النظام الرأسمالي، الذي يجعل المال محوراً لكل سياسات الدولة. فالرأسمالية تقوم على حرية التملك المطلقة، وتسمح بتكديس الثروة في يد القلة التي تملك أدوات الإنتاج، فيما تتحمل الكثرة عبء الضرائب والأسعار والدَّين العام.

ولهذا، فإن كل ما يُسمى "برامج حماية اجتماعية" ما هو إلا محاولة لتجميل وجه الرأسمالية الوحشي، وإطالة عمر نظامٍ جائرٍ يراعي الأغنياء ويجبي من الفقراء. فبدلاً من معالجة أصل الداء؛ أي احتكار الثروة وتبعية الاقتصاد للمؤسسات الدولية، يُكتفى بتوزيع فتات من الإعانات النقدية، لا ترفع فقراً ولا تحفظ كرامة.

إن الرعاية ليست منّةً من الحاكم على الرعية، بل واجب شرعي، ومسؤولية يحاسبه الله عليها في الدنيا والآخرة. وما يجري اليوم، هو إهمال متعمّد لشؤون الناس، وتخلٍّ عن واجب الرعاية لصالح قروضٍ مشروطة من صندوق النقد والبنك الدوليين.

لقد أصبحت الدولة وسيطاً بين الفقير والدائن الأجنبي، تفرض الضرائب وتقلّص الدعم وتبيع الممتلكات العامة لسدّ عجزٍ متضخم صنعه النظام الرأسمالي نفسه. وفي هذا كله تغيب المفاهيم الشرعية التي تضبط الاقتصاد، كتحريم الربا، ومنع تملك الثروات العامة للأفراد، ووجوب النفقة على الرعية من بيت مال المسلمين.

لقد قدم الإسلام نظاماً اقتصادياً متكاملاً يعالج الفقر من جذوره، لا بمجرد دعمٍ نقدي أو مشروعات تجميلية. هذا النظام يقوم على أسسٍ شرعيةٍ ثابتة أبرزها:

1- تحريم الربا والديون الربوية التي تُكبّل الدولة وتستنزف مواردها، فبزوال الربا تزول تبعية الاقتصاد للمؤسسات الدولية، وتُعاد السيادة المالية للأمة.

2- جعل الملكيات ثلاثة أنواع:

ملكية فردية: كالبيوت والمتاجر والمزارع الخاصة...

ملكية عامة: تشمل الثروات الكبرى كالنفط والغاز والمعادن والمياه...

ملكية دولة: كأراضي الفيء والركاز والخراج...

وبهذا التوزيع تتحقق العدالة، إذ تُمنع فئة قليلة من احتكار موارد الأمة.

3- ضمان الكفاية لكل فرد من الرعية: فالدولة تضمن لكل إنسان في رعايتها حاجاته الأساسية من مأكل وملبس ومسكن، فإن عجز عن العمل وجب على بيت المال أن ينفق عليه.

4- الزكاة والإنفاق الإلزامي: الزكاة ليست إحساناً بل فريضة، تجمعها الدولة وتصرفها في مصارفها الشرعية للفقراء والمساكين والغارمين. وهي أداة توزيع فعّالة تعيد الأموال إلى دورة الحياة في المجتمع.

مع التحفيز على العمل المنتج ومنع الاستغلال، والحثّ على استثمار الموارد في مشاريع نافعة حقيقية كالصناعات الثقيلة والحربية لا في المضاربات والعقارات الفاخرة والمشاريع الوهمية. إلى جانب ضبط الأسعار بالعرض والطلب الحقيقيين لا بالاحتكار ولا بالتعويم.

إن دولة الخلافة على منهاج النبوة هي وحدها القادرة على تطبيق هذه الأحكام عملياً، لأنها تُبنى على أساس العقيدة الإسلامية، ويكون هدفها رعاية شؤون الناس لا جباية أموالهم. ففي ظل الخلافة، لا يوجد ربا ولا قروض مشروطة، ولا بيع للثروات العامة للأجانب، بل تُدار الموارد بما يحقق مصلحة الأمة، ويتولى بيت المال تمويل الرعاية الصحية والتعليم والمرافق العامة من موارد الدولة والخراج والأنفال والملكية العامة.

أما الفقراء، فتُكفل حاجاتهم الأساسية فرداً فرداً، لا عبر صدقات مؤقتة بل كحقٍّ شرعي مضمون. ولذا فإن محاربة الفقر في الإسلام ليست شعاراً سياسياً، بل نظام حياة متكامل يُقيم العدل ويمنع الظلم ويعيد الثروة إلى أهلها.

ما بين الخطاب الرسمي والواقع المعاش مسافةٌ هائلة لا تخفى على أحد. فبينما تتغنّى الحكومة بمشروعاتها "العملاقة" وبـ"الانطلاقة الحقيقية"، يعيش ملايين المصريين تحت خط الفقر، يعانون الغلاء والبطالة وانعدام الأمل. والحقيقة أن هذه المعاناة لن تزول ما دامت مصر تسير في طريق الرأسمالية، تُسلِّم اقتصادها للمرابين وتخضع لسياسات المؤسسات الدولية.

إن أزمات ومشكلات مصر هي مشكلات إنسانية وليست مادية، وتتعلق بها أحكام شرعية تبين كيفية التعامل معها وعلاجها على أساس الإسلام، وإن الحلول أسهل من غض الطرف لكنها تحتاج إدارة مخلصة تملك إرادة حرة تريد السير في الطريق الصحيح وتريد الخير لمصر وأهلها حقا، وحينها على هذه الإدارة أن تراجع كل العقود التي أبرمت سابقا والتي تبرم مع كل الشركات التي تحتكر أصول البلاد وما هو من ملكياتها العام وعلى رأسها شركات التنقيب عن الغاز والنفط والذهب وباقي المعادن والثروات، وتطرد كل تلك الشركات لأنها في الأصل شركات استعمارية ناهبة لثروات البلاد، ثم تصوغ عهدا جديدا يقوم على تمكين الناس من ثروات البلاد وإنشاء أو استئجار شركات تقوم هي على إنتاج الثروة من منابع النفط والغاز والذهب وغيرها من المعادن وتعيد توزيع هذه الثروات على الناس من جديد، حينها سيتمكن الناس من زراعة الأرض الموات التي ستمكنهم الدولة من استغلالها بحقهم فيها، وسيتمكنون أيضا من صناعة ما يجب أن يصنع ليرتفع باقتصاد مصر ويكفي أهلها، وستدعمهم الدولة في هذا السبيل، وإن كل هذا ليس ضربا من الخيال ولا مستحيل الحدوث ولا مشروعا نعرضه للتجربة قد ينجح أو يفشل، وإنما هي أحكام شرعية لازمة ملزمة للدولة والرعية، فلا يجوز للدولة أن تفرط في ثروات البلاد التي هي ملك للناس بدعوى عقود أقرتها وأيدتها وتحميها قوانين دولية جائرة، ولا يجوز لها أن تمنع الناس منها بل يجب أن تقطع كل يد تمتد ناهبة إلى ثروات الناس، هذا ما يقدمه الإسلام ويجب تنفيذه، إلا أنه لا يطبق بمعزل عن باقي أنظمة الإسلام بل إنه لا يطبق إلا من خلال دولة الخلافة الراشدة على منهاج النبوة، هذه الدولة التي يحمل همها والدعوة إليها حزب التحرير ويدعو مصر وأهلها شعبا وجيشا إلى العمل معه من أجلها، عسى الله أن يكتب الفتح من عنده فنراها واقعا يعز الإسلام وأهله، اللهم عاجلا غير آجل.

﴿وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرَىٰ آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَفَتَحْنَا عَلَيْهِم بَرَكَاتٍ مِّنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ﴾

كتبه للمكتب الإعلامي المركزي لحزب التحرير

سعيد فضل

عضو المكتب الإعلامي لحزب التحرير في ولاية مصر