حرب أمريكا وكيان يهود على غزة  فشلٌ مستمرٌ ومآزق تتعقد ومسارعة إلى الهاوية
April 04, 2024

حرب أمريكا وكيان يهود على غزة فشلٌ مستمرٌ ومآزق تتعقد ومسارعة إلى الهاوية

حرب أمريكا وكيان يهود على غزة

فشلٌ مستمرٌ ومآزق تتعقد ومسارعة إلى الهاوية

يوم الجمعة 22 آذار 2024 قدمت أمريكا قراراً إلى مجلس الأمن يتعلق بوقف الحرب في غزة، وفشلت في إقراره بسبب الفيتو الروسي والصيني. وبعد ذلك بثلاثة أيام قدم الأعضاء غير الدائمين في مجلس الأمن قراراً يطالب بوقف فوري لإطلاق النار، وتم اعتماد القرار بموافقة 14 من أعضاء المجلس الـ15 وامتناع الولايات المتحدة عن التصويت. وكانت الولايات المتحدة قد استخدمت الفيتو 3 مرات ضد قرارات لوقف فوري لإطلاق النار في غزة. وأدى امتناع الولايات المتحدة عن استخدام الفيتو على هذا القرار إلى زيادة الخلافات بين حكومة نتنياهو وإدارة بايدن.

لقد تبيّن منذ اليوم الأول لهذه الحرب أنها حرب أمريكا بالدرجة الأولى قبل كيان يهود، ولولا الدعم الأمريكي غير المحدود لكيان يهود لما استطاع أن يستمر فيها. ورغم مرور ما يقرب من 6 أشهر عليها، ورغم ضخامتها وتجاوز الأسلحة المستعملة فيها حجمَ قنابل ذرية عدة، فقد فشلت أمريكا وكيان يهود في تحقيق أهدافهما منها. ولطالما أعلنت أمريكا وردَّد كيان يهود أن الحرب لن تتوقف قبل تحقيق أهدافها بالنصر المطلق على حماس والقضاء على أي سلطة أو دور لها في غزة. ولذلك أحبطت أمريكا أي محاولة لوقف إطلاق النار، واستخدمت الفيتو لإسقاط أي قرار يحول دون تحقيق أهدافها.

إلا أن الحرب طالت، وتبيّن لأمريكا عجز كيان يهود عن تحقيق أي من الأهداف التي أرادتها منها، وأن هذه الحرب ليست سوى قصفٍ من بعيد بهدف قتل المدنيين والأطفال وتدمير المساكن والمستشفيات وسائر المباني من غير أي طائل ولا هدفٍ سوى التهجير الذي أفشله صمود الناس. وانكشف للعالم خارج الولايات المتحدة وداخلها حقيقة كيان يهود القبيحة، وأنه كيان مُعتَدٍ وشرِّير، مفتَرٍ ودمويٌّ. وانكشفت أيضاً حقيقة أمريكا الأقبح والأشنع، الماكرة والمناقضة لكل القيم الإنسانية التي تتبجح بها. والأهم من ذلك أنه في غمرات هذه الحرب داهم الرئيس الأمريكي استحقاق الانتخابات الذي يخشى هو وإدارته من خسارة مريعة فيه. فصارت الإدارة الأمريكية في مواجهة مشكلتين، التخفيفُ من إحداهما يُعقّد الأخرى. وبخاصة أن الانتخابات نفسها فيها تناقضات، إذ لا يمكن الجمع بين كسب أصوات اليهود وأصوات الذين يطالبون بوقف الحرب ويعارضون دعم أمريكا لكيان يهود. وهذا ما جعل بايدن في مواجهة مشكلتين عويصتين، أصابه جراءهما اضطراب في الخيارات. فاستمراره بالحرب ضارباً بالرأي العام عرض الحائط سيؤدي إلى خسارة انتخابية أكيدة، واختيار وقف الحرب المؤقت أو الهدنة، لن يفيده ما لم تكن الهدنة هُدَناً تتمدّد إلى ما بعد الانتخابات. وهذا يعني عملياً فشل أمريكا وكيان ويهود وهزيمتهما، وهي هزيمة مصيرية لِمَا لها من تداعيات على وجود الكيان وعلى النفوذ الأمريكي والغربي في المنطقة. إضافةً إلى أن أي هدنة طويلة ستكون نذيراً بإسقاط نتنياهو، وتُفاقم الخلاف بينه وبين وبايدن، وتحرم الأخير من نسبة مهمة من أصوات اليهود. وهذا ما وضع بايدن في مأزق ما زال يشتد عليه، وأوقعه في حيرة وتردد في اتخاذ قرارات بشأن الحرب على غزة.

ولذلك، وبعد أن كانت أمريكا ترفض أي طرح لوقف إطلاق النار ما لم ينص على وصم حماس بالإرهاب، وبالتالي إخراجها من أي مشهد سياسي في غزة أو فلسطين، صارت هي بحاجة لوقف إطلاق النار إلى ما بعد الانتخابات الأمريكية. وفي الوقت نفسه تريد نصاً لذلك لا يرفضه نتنياهو ولا يُغضب أنصاره في الولايات المتحدة. ولذلك تقدمت بقرارها الذي أفشلته روسيا والصين، وكان ذلك صفعة لها بوصفها الدولة الأولى في العالم، ما فاقم اضطرابها.

ولما كان بايدن بحاجة لمعالجة وضعه الانتخابي، فقد وجد قرار الوقف الفوري لإطلاق النار في 25 آذار 2024 مناسباً له، ولو كان مستفزاً لنتنياهو وأنصاره. ومع أنه لا يلبي كل ما تريده أمريكا، لم تستعمل الفيتو ضده، واكتفت بالامتناع عن التصويت وهي ترى تصويت سائر الأعضاء لصالحه. وقد كان لافتاً أن الدولة الأولى في العالم بلا موقف، حيث إنها لم تؤيد القرار ولم ترفضه، مع أنها الدولة التي تم إفشال قرارها في الموضوع نفسه قبل 3 أيام. وفوق ذلك، هي تعلم أن هذا القرار ضار بنتنياهو وسيرفضه بشدة. فهذا الموقف لا يخلو من تناقضات تؤكد أن أمريكا في اضطراب يعقِّد عليها اتِّخاذ القرار. ويرجع هذا إلى تزاحم مأزقين عليها: مأزق استعصاء غزة وإفشالها مخططاته، ومأزق وضع بايدن الانتخابي وخشية خسارته المدوِّية.

وسرعان ما أعلن نتنياهو مواجهته السافرة لبايدن ورفضه الالتزام بالقرار. وهو ما يؤجج الخلاف بينهما، ويخدم ترامب وحملاته الانتخابية، ويزيد عناد نتنياهو وحكومته في مواجهة الإدارة الأمريكية الحالية.

وخلاصة الأمر أنّ أمريكا التي عانت من فشل استراتيجي متعاقب منذ مطلع هذا القرن حتى اليوم، أي منذ فشلها في العراق وأفغانستان خلال فترة بوش الابن، ثم فشل استراتيجيَّتَيْ كلٍّ من أوباما وترامب، والتي تعاني اليوم مع بايدن من فشل على صعيد العديد من القضايا، تواجه اليوم استحقاقات ضاغطة وصعبة، سواء في مواجهة الصين الصاعدة، أو روسيا المتمدِّدة والمعانِدة، أو أوروبا الحذرة من مواقفها وغدرها، إضافةً إلى مشكلاتها الداخلية، أو في حربها على غزة التي فشلت فشلاً ذريعاً بسبب عجز كيان يهود عن القيام بالتزاماته فيها. وقد عقد موقفها عدمُ توفر خطة عملية تحقق بها أهدافها من الحرب. وجاء استحقاق الانتخابات ليعقد مأزق بايدن بسبب السقوط الأخلاقي والإنساني أمام الناخب الأمريكي. ثم جاء فشل أمريكا في مجلس الأمن ونجاح قرار آخر ليُظهِر للعالم تراجع مكانتها الدولية، وظهور انحسار نفوذها على المجتمع الدولي.

لم تتوقع أمريكا هذا الفشل أبداً، ولا للحظة واحدة ولا كيان يهود. إذ إن تداعياته قد تتفاقم لتتجاوز المأزق الذي هما فيه الآن إلى كارثة تهدد بالقضاء على كيان يهود وعلى النفوذ الأمريكي والغربي في المنطقة. فهل يُقرّان بالفشل ويتراجعان؟ هل تفعل ذلك أمريكا؟ لقد ضاقت الخيارات عليهما، وبخاصة أن كل ما يقوم به جيش يهود هو القتل والهدم الذي لا يحقق سوى الكراهية والنفور والنقمة. ومن هنا نشأت فكرة الهجوم على رفح.

ولقد شرع جيش يهود بهذا الهجوم، وكادت تعلن عنه إدارة بايدن، لولا أن طار الملك الأردني عبد الله إلى واشنطن في 13 شباط 2024، ليحذره من عواقب مجازره التي ستكون أضعاف ما سبق من مجازر، وقد تؤدي إلى سقوط النظام الأردني وانفجار المنطقة برمتها وحصول الكارثة. فأعلن بايدن التريُّثَ فيه لأجل وضع خطة لرفح تتلافى هذه التداعيات الخطيرة. وظهرت في الوقت نفسه تصريحات أوروبية تحذر من هذا الهجوم، منها تحذير وزير الخارجية البريطاني ديفيد كاميرون، ولقاؤه وزير الخارجية الأمريكي بلينكن لبحث موضوعَيْ هجوم رفح ودعم أوكرانيا. فأعلنت أمريكا تأجيل الهجوم إلى حين وضع خطة مناسبة لا ترفضها أوروبا، ولا تهدد بخروج الحرب والمنطقة عن الضبط. وما زالت أمريكا تحذِّر كيان يهود من هذا الهجوم، وتحذره من أنه إذا بدأه بغير خطة متماسكة فسيَعْلَق فيها وتكون عواقبها عليه وخيمة.

لم يعُد خافياً على مدقِّقٍ في الواقع الحالي لحرب غزة أنه مأزق لأمريكا وكيان يهود معاً، وكلاهما عالقان فيه، فلإيقاف الحرب تداعيات خطيرة عليهما وعلى الغرب كله كما تقدم. واستمرار الحرب مكلف بغير طائل سوى القتل الكثير والتدمير الواسع الذي كشف أمريكا وكيان يهود والغرب للعالم، بأنهم مصدر خطر على البشر، لأنهم شِلَلُ قتَلة تتبجح بالقوانين والقيم. ولقد اختلفت رؤى بايدن ونتنياهو لكيفية الخروج من هذا المأزق بأقل الأضرار فاختلفا وتنازَعا، ما زاد المأزق تعقيداً عليهما. فهذا الخلاف يُضعف حظوظ بايدن الانتخابية، ويزيد من اضطرابه، ويضيق الخناق على نتنياهو الذي قد يدفعه عناده وخوفه مما تحمله له الأيام إلى الهروب إلى الأمام، ومواجهة العالم بهجوم وحشي تدميري على غزة سرعان ما ينطفئ، وقد ينطفئ قبل أن يبدأ.

وفي ختام هذا البيان لصورة ما يجري في غزة، لا بد من الإشادة بمجاهديها الأبطال، صناع الانتصارات بإذن الله، وبأهل غزة الصامدين، المحتسبين، هازمي أمريكا وكيان يهود والغرب، بإيمانهم وجهادهم وحُسْنِ توكُّلهم. ولا بد من الإشادة والافتخار بغزة نفسها، غزَّة العِزة، منبتِ الرجال المؤمنين والمجاهدين والعاملين، والأمهاتِ المربِّيات على الإيمان والتقوى والجهاد والثبات. فهؤلاء هم الذين أفشلوا أمريكا وكيان يهود والغرب، وأوقعوهم فيما هم فيه اليوم من فشلٍ ومآزق، فكبُرت الأمة بهم بتدبير الله وتوفيقه.

﴿كَم مِّن فِئَةٍ قَلِيلَةٍ غَلَبَتْ فِئَةً كَثِيرَةً بِإِذْنِ اللهِ وَاللهُ مَعَ الصَّابِرِينَ

كتبه للمكتب الإعلامي المركزي لحزب التحرير

محمود عبد الهادي

المزيد من القسم null

لا تنخدعوا بالأسماء فالعبرة بالمواقف لا بالأنساب

لا تنخدعوا بالأسماء فالعبرة بالمواقف لا بالأنساب

في كل مرة يُقدَّم لنا "رمز جديد" له جذور مسلمة أو ملامح شرقية، يهلل كثير من المسلمين، وتُبنى الآمال على وهمٍ اسمه "التمثيل السياسي" في نظامٍ كافر لا يعترف بالإسلام حكماً ولا عقيدةً ولا شريعةً.

نذكر جميعاً الفرح العارم الذي اجتاح مشاعر كثيرين عند فوز أوباما في 2008. فهو ابن كينيا، وله أب مسلم! وهنا توهم البعض أن الإسلام والمسلمين باتوا قريبين من النفوذ الأمريكي، لكن أوباما كان أحد أكثر الرؤساء إيذاءً للمسلمين فقد دمر ليبيا، وساهم في مأساة سوريا، وأشعل أفغانستان والعراق بطائراته وجنوده، بل كان سفاك الدماء في اليمن عبر أدواته وكان عهده استمراراً لعداء ممنهج ضد الأمة.

واليوم يتكرر المشهد، لكن بأسماء جديدة. فـزوهران ممداني يُحتفى به لأنه مسلم ومهاجر وشاب، وكأنه المنقذ! لكن قليلين فقط ينظرون إلى مواقفه السياسية والفكرية. هذا الرجل من الداعمين الأشداء للشواذ المثليين، ومشارك في فعالياتهم، ويعتبر انحرافهم حقوقاً إنسانية!

أي خزي هذا يُعلق عليه الناس آمالاً؟! ألم يكن تكراراً للخيبة السياسية والفكرية نفسها التي وقعت فيها الأمة مراراً وتكراراً؟! نعم لأنها تُفتن بالشكل لا بالجوهر! تُخدع بالابتسامات، وتتعامل بالعاطفة لا بالعقيدة، وبالأسماء لا بالمفاهيم، وبالرموز لا بالمبادئ!

إن هذا الانبهار بالأشكال والأسماء نتيجة غياب الوعي السياسي الشرعي، لأن الإسلام لا يقاس بالأصل أو الاسم أو العرق، بل بالالتزام بمبدأ الإسلام كاملاً؛ نظاماً وعقيدةً وشريعةً. ولا قيمة لمسلم لا يحكم بالإسلام ولا ينصره، بل يخضع للنظام الرأسمالي الكافر، ويبرر الكفر والانحرافات باسم "الحرية".

وليعلم جميع المسلمين الذين فرحوا بفوزه وظنّوا أنه بذرة خير أو بداية نهوض، أن النهوض لا يكون من داخل أنظمة الكفر، ولا بأدواتها، ولا عبر صناديق اقتراعها، ولا تحت سقف دساتيرها.

فمن يُقدّم نفسه عبر النظام الديمقراطي، ويقسم على احترام قوانينه، ثم يدافع عن الشذوذ الجنسي ويحتفل به، ويدعو إلى ما يغضب الله، فهو ليس نصيراً للإسلام ولا أملاً للأمة، بل هو أداة تلميع وتمييع، وتمثيل مزيّف لا يُقدّم ولا يؤخر.

إن ما تسمى النجاحات السياسية في الغرب لبعض الشخصيات ذات الأسماء الإسلامية، ما هي إلا فُتات يُقدَّم كمسكنات للأمة، ليقال لها: انظروا، التغيير ممكن عبر أنظمتنا.

 فما حقيقة هذا "التمثيل"؟

الغرب لا يفتح أبواب الحكم للإسلام، بل يفتحها فقط لمن يتماهى مع قيمه وأفكاره. وأي شخص يدخل نظامهم لا بد أن يقبل بدستورهم، وبقوانينهم الوضعية، وأن يتنكر لحكم الإسلام، فإن رضي بذلك، أصبح نموذجاً مقبولاً، أما المسلم الحق، فهو مرفوض عندهم من جذوره.

فمن هو زهران ممداني؟ ولماذا يُصنع هذا الوهم؟

هو شخص يحمل اسماً مسلماً لكنه متبنٍ لأجندة منحرفة مخالفة تماماً لفطرة الإسلام، من دعم المثليين، والترويج لما يُسمى بـ"حقوقهم"، وهو نموذج حي لكيف يصنع الغرب نماذجه: مسلم بالاسم، علماني بالفعل، خادم لأجندة الليبرالية الغربية لا أكثر. بل لإشغال الأمة عن طريقها الحقيقي، فبدل أن تطالب بدولة الإسلام والخلافة، تنشغل بالمقاعد النيابية والمناصب في أنظمة كفر! وبدل أن تتوجه لتحرير فلسطين، تنتظر مَن "يدافع عن غزة" من داخل الكونغرس الأمريكي أو البرلمان الأوروبي!

فحقيقة الأمر أن هذا تشويه لطريق التغيير الحقيقي، وهو إقامة الخلافة الراشدة على منهاج النبوة، التي تُعلي راية الإسلام، وتقيم شرع الله، وتوحد الأمة خلف خليفة واحد يُقاتل من ورائه ويُتقى به.

فلا تنخدعوا بالأسماء، ولا تفرحوا بمن ينتمي لكم شكلاً ويخالفكم مضموناً، فليس كل من حمل اسم سعيد أو علي أو زهران هو على طريق نبينا محمد ﷺ.

واعلموا أن التغيير لا يأتي من داخل برلمانات الكفر، بل من جيوش الأمة التي آن لها أن تتحرك، ومن شبابها الواعين الذين يعملون ليلا ونهارا لقلب الطاولة على رؤوس الغرب وأعوانه وأتباعه الخائنين في بلاد الإسلام والمسلمين.

فالمسلمون لن ينهضوا عبر انتخابات الديمقراطية ولا من خلال صناديق الغرب، بل بنهضة حقيقية على أساس العقيدة الإسلامية، بإقامة دولة الخلافة الراشدة التي تُعيد للإسلام مكانته، وللمسلمين عزّتهم، وتحطم أوهام الديمقراطية.

لا تنخدعوا بالأسماء، ولا تعلقوا آمالكم على أفراد في أنظمة كفر، بل ارجعوا إلى مشروعكم العظيم: استئناف الحياة الإسلامية، فهذا وحده طريق العزة والنصر والتمكين.

فالمشهد تكرار مُهين لمآسٍ قديمة: رموز مزيفة، وولاء للأنظمة الغربية، وانحراف عن طريق الإسلام. وكل من يُصفّق لهذا المسار، إنما يضلل الأمة. فعودوا إلى مشروع الخلافة، ولا تجعلوا أعداء الإسلام يصنعون لكم قادتكم وممثليكم. فالعزة ليست في مقاعد الديمقراطية، بل في سدة الخلافة التي يعمل لها حزب التحرير ويُحذر الأمة من هذا الانحدار الفكري والسياسي. فلا خلاص لنا إلا بدولة الخلافة، التي لا تسمح بأن يحكم المسلمين من يدين بدين غير الإسلام، ولا بمن يبرر الشذوذ والانحراف، ولا بمن يُشرّع للناس غير ما أنزل الله.

كتبه لإذاعة المكتب الإعلامي المركزي لحزب التحرير

عبد المحمود العامري – ولاية اليمن

مصر بين الشعارات الحكومية والواقع المرّ  الحقيقة الكاملة عن الفقر، والسياسات الرأسمالية

مصر بين الشعارات الحكومية والواقع المرّ

الحقيقة الكاملة عن الفقر، والسياسات الرأسمالية

نقلت بوابة الأهرام الثلاثاء 4 تشرين الثاني/نوفمبر 2025م، أن رئيس الوزراء المصري، في كلمة ألقاها نيابةً عن الرئيس في القمة العالمية الثانية للتنمية الاجتماعية في العاصمة القطرية الدوحة، قال إنّ مصر تطبّق نهجاً شاملاً للقضاء على الفقر في جميع أشكاله وأبعاده، بما في ذلك "الفقر متعدد الأبعاد".

منذ سنوات، لا يكاد يخلو خطاب رسمي في مصر من عباراتٍ مثل "نهج شامل للقضاء على الفقر" و"الانطلاقة الحقيقية للاقتصاد المصري". يكرّر المسؤولون هذه الشعارات في المؤتمرات والمناسبات، مصحوبة بصور براقة لمشروعات استثمارية وفنادق ومنتجعات. لكن الواقع، كما تشهد عليه التقارير الدولية، مختلف تماماً. فالفقر في مصر ما زال ظاهرةً راسخة، بل متفاقمة، رغم الوعود الحكومية المتكرّرة بالتحسن والنهضة.

بحسب تقارير اليونيسف والإسكوا وبرنامج الغذاء العالمي لعامي 2024 و2025، يعيش نحو واحد من كل خمسة مصريين في فقرٍ متعدد الأبعاد، أي محروم من أكثر من جانب من جوانب الحياة الأساسية كالتعليم والصحة والسكن والعمل والخدمات. كما تؤكد البيانات أن أكثر من 49% من الأسر تعاني من صعوبات في الحصول على غذاء كافٍ، وهو رقم صادم يعكس عمق الأزمة المعيشية.

أما الفقر المالي، أي انخفاض الدخل مقارنة بتكاليف المعيشة، فقد ارتفع بصورة حادة، نتيجة موجات التضخم المتلاحقة التي أكلت أجور الناس وجهودهم ومدخراتهم، حتى أصبحت نسبة كبيرة من المصريين تحت خط الفقر المالي رغم عملهم الدائم.

وبينما تتحدث الحكومة عن مبادرات مثل "تكافل وكرامة" و"حياة كريمة"، تكشف الأرقام الدولية أن هذه البرامج لم تغيّر بنية الفقر جذرياً، بل اقتصرت على مسكّنات مؤقتة أشبه بالقطرة التي تُسكب في صحراء. فما زال الريف المصري الذي يقطنه أكثر من نصف السكان، يعاني من ضعف الخدمات وانعدام فرص العمل اللائق وتهالك البنية الأساسية. ويؤكد تقرير الإسكوا أن الحرمان في الريف يفوق نظيره في المدن بعدة أضعاف، ما يدل على سوء توزيع الثروة والإهمال المزمن للأطراف.

حين يشكر رئيسُ الوزراء ابنَ البلد "الذي تحمّل مع الحكومة إجراءات الإصلاح الاقتصادي"، فإنه في الواقع يُقرّ بوجود معاناة حقيقية ناتجة عن تلك السياسات. غير أن هذا الاعتراف لا يتبعه تغيير في المنهج، بل مزيد من السير في الطريق الرأسمالي نفسه الذي سبّب الأزمة.

فالإصلاح المزعوم الذي بدأ عام 2016 ببرنامج "التعويم" ورفع الدعم وزيادة الضرائب، لم يكن إصلاحاً بل تحميلاً للفقراء كلفة الديون والعجز. وفي الوقت الذي يتحدث فيه المسؤولون عن "الانطلاقة"، تتجه الاستثمارات الضخمة إلى العقارات الفاخرة والمشروعات السياحية التي تخدم أصحاب رؤوس الأموال، بينما لا يجد ملايين الشباب فرصاً للعمل أو السكن. بل إن كثيراً من هذه المشاريع، كمنطقة علم الروم في مطروح التي تُقدّر استثماراتها بـ29 مليار دولار، هي شراكات رأسمالية أجنبية تستحوذ على الأراضي والثروات وتحوّلها إلى مصدر ربح للمستثمرين، لا مصدر رزق للناس.

النظام يفشل ليس لأنه فاسد فحسب، بل لأنه يسير على أساسٍ فكريٍّ باطلٍ هو النظام الرأسمالي، الذي يجعل المال محوراً لكل سياسات الدولة. فالرأسمالية تقوم على حرية التملك المطلقة، وتسمح بتكديس الثروة في يد القلة التي تملك أدوات الإنتاج، فيما تتحمل الكثرة عبء الضرائب والأسعار والدَّين العام.

ولهذا، فإن كل ما يُسمى "برامج حماية اجتماعية" ما هو إلا محاولة لتجميل وجه الرأسمالية الوحشي، وإطالة عمر نظامٍ جائرٍ يراعي الأغنياء ويجبي من الفقراء. فبدلاً من معالجة أصل الداء؛ أي احتكار الثروة وتبعية الاقتصاد للمؤسسات الدولية، يُكتفى بتوزيع فتات من الإعانات النقدية، لا ترفع فقراً ولا تحفظ كرامة.

إن الرعاية ليست منّةً من الحاكم على الرعية، بل واجب شرعي، ومسؤولية يحاسبه الله عليها في الدنيا والآخرة. وما يجري اليوم، هو إهمال متعمّد لشؤون الناس، وتخلٍّ عن واجب الرعاية لصالح قروضٍ مشروطة من صندوق النقد والبنك الدوليين.

لقد أصبحت الدولة وسيطاً بين الفقير والدائن الأجنبي، تفرض الضرائب وتقلّص الدعم وتبيع الممتلكات العامة لسدّ عجزٍ متضخم صنعه النظام الرأسمالي نفسه. وفي هذا كله تغيب المفاهيم الشرعية التي تضبط الاقتصاد، كتحريم الربا، ومنع تملك الثروات العامة للأفراد، ووجوب النفقة على الرعية من بيت مال المسلمين.

لقد قدم الإسلام نظاماً اقتصادياً متكاملاً يعالج الفقر من جذوره، لا بمجرد دعمٍ نقدي أو مشروعات تجميلية. هذا النظام يقوم على أسسٍ شرعيةٍ ثابتة أبرزها:

1- تحريم الربا والديون الربوية التي تُكبّل الدولة وتستنزف مواردها، فبزوال الربا تزول تبعية الاقتصاد للمؤسسات الدولية، وتُعاد السيادة المالية للأمة.

2- جعل الملكيات ثلاثة أنواع:

ملكية فردية: كالبيوت والمتاجر والمزارع الخاصة...

ملكية عامة: تشمل الثروات الكبرى كالنفط والغاز والمعادن والمياه...

ملكية دولة: كأراضي الفيء والركاز والخراج...

وبهذا التوزيع تتحقق العدالة، إذ تُمنع فئة قليلة من احتكار موارد الأمة.

3- ضمان الكفاية لكل فرد من الرعية: فالدولة تضمن لكل إنسان في رعايتها حاجاته الأساسية من مأكل وملبس ومسكن، فإن عجز عن العمل وجب على بيت المال أن ينفق عليه.

4- الزكاة والإنفاق الإلزامي: الزكاة ليست إحساناً بل فريضة، تجمعها الدولة وتصرفها في مصارفها الشرعية للفقراء والمساكين والغارمين. وهي أداة توزيع فعّالة تعيد الأموال إلى دورة الحياة في المجتمع.

مع التحفيز على العمل المنتج ومنع الاستغلال، والحثّ على استثمار الموارد في مشاريع نافعة حقيقية كالصناعات الثقيلة والحربية لا في المضاربات والعقارات الفاخرة والمشاريع الوهمية. إلى جانب ضبط الأسعار بالعرض والطلب الحقيقيين لا بالاحتكار ولا بالتعويم.

إن دولة الخلافة على منهاج النبوة هي وحدها القادرة على تطبيق هذه الأحكام عملياً، لأنها تُبنى على أساس العقيدة الإسلامية، ويكون هدفها رعاية شؤون الناس لا جباية أموالهم. ففي ظل الخلافة، لا يوجد ربا ولا قروض مشروطة، ولا بيع للثروات العامة للأجانب، بل تُدار الموارد بما يحقق مصلحة الأمة، ويتولى بيت المال تمويل الرعاية الصحية والتعليم والمرافق العامة من موارد الدولة والخراج والأنفال والملكية العامة.

أما الفقراء، فتُكفل حاجاتهم الأساسية فرداً فرداً، لا عبر صدقات مؤقتة بل كحقٍّ شرعي مضمون. ولذا فإن محاربة الفقر في الإسلام ليست شعاراً سياسياً، بل نظام حياة متكامل يُقيم العدل ويمنع الظلم ويعيد الثروة إلى أهلها.

ما بين الخطاب الرسمي والواقع المعاش مسافةٌ هائلة لا تخفى على أحد. فبينما تتغنّى الحكومة بمشروعاتها "العملاقة" وبـ"الانطلاقة الحقيقية"، يعيش ملايين المصريين تحت خط الفقر، يعانون الغلاء والبطالة وانعدام الأمل. والحقيقة أن هذه المعاناة لن تزول ما دامت مصر تسير في طريق الرأسمالية، تُسلِّم اقتصادها للمرابين وتخضع لسياسات المؤسسات الدولية.

إن أزمات ومشكلات مصر هي مشكلات إنسانية وليست مادية، وتتعلق بها أحكام شرعية تبين كيفية التعامل معها وعلاجها على أساس الإسلام، وإن الحلول أسهل من غض الطرف لكنها تحتاج إدارة مخلصة تملك إرادة حرة تريد السير في الطريق الصحيح وتريد الخير لمصر وأهلها حقا، وحينها على هذه الإدارة أن تراجع كل العقود التي أبرمت سابقا والتي تبرم مع كل الشركات التي تحتكر أصول البلاد وما هو من ملكياتها العام وعلى رأسها شركات التنقيب عن الغاز والنفط والذهب وباقي المعادن والثروات، وتطرد كل تلك الشركات لأنها في الأصل شركات استعمارية ناهبة لثروات البلاد، ثم تصوغ عهدا جديدا يقوم على تمكين الناس من ثروات البلاد وإنشاء أو استئجار شركات تقوم هي على إنتاج الثروة من منابع النفط والغاز والذهب وغيرها من المعادن وتعيد توزيع هذه الثروات على الناس من جديد، حينها سيتمكن الناس من زراعة الأرض الموات التي ستمكنهم الدولة من استغلالها بحقهم فيها، وسيتمكنون أيضا من صناعة ما يجب أن يصنع ليرتفع باقتصاد مصر ويكفي أهلها، وستدعمهم الدولة في هذا السبيل، وإن كل هذا ليس ضربا من الخيال ولا مستحيل الحدوث ولا مشروعا نعرضه للتجربة قد ينجح أو يفشل، وإنما هي أحكام شرعية لازمة ملزمة للدولة والرعية، فلا يجوز للدولة أن تفرط في ثروات البلاد التي هي ملك للناس بدعوى عقود أقرتها وأيدتها وتحميها قوانين دولية جائرة، ولا يجوز لها أن تمنع الناس منها بل يجب أن تقطع كل يد تمتد ناهبة إلى ثروات الناس، هذا ما يقدمه الإسلام ويجب تنفيذه، إلا أنه لا يطبق بمعزل عن باقي أنظمة الإسلام بل إنه لا يطبق إلا من خلال دولة الخلافة الراشدة على منهاج النبوة، هذه الدولة التي يحمل همها والدعوة إليها حزب التحرير ويدعو مصر وأهلها شعبا وجيشا إلى العمل معه من أجلها، عسى الله أن يكتب الفتح من عنده فنراها واقعا يعز الإسلام وأهله، اللهم عاجلا غير آجل.

﴿وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرَىٰ آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَفَتَحْنَا عَلَيْهِم بَرَكَاتٍ مِّنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ﴾

كتبه للمكتب الإعلامي المركزي لحزب التحرير

سعيد فضل

عضو المكتب الإعلامي لحزب التحرير في ولاية مصر