حرب أوكرانيا كشفت عن فشل حكام المسلمين في توفير الغذاء لشعوبهم
March 30, 2022

حرب أوكرانيا كشفت عن فشل حكام المسلمين في توفير الغذاء لشعوبهم

حرب أوكرانيا كشفت عن فشل حكام المسلمين في توفير الغذاء لشعوبهم

قديما قيل (إن من لا يملك قوته لا يملك قراره). لقد كشفت تقارير صادمة تؤكد مدى اعتماد دول منطقة الشرق الأوسط؛ مصر واليمن ولبنان والسودان، وشمال أفريقيا؛ تونس والجزائر والمغرب، على القمح الروسي والأوكراني، تقول صحيفة اليوم السابع في صفحتها الإلكترونية، حيث أظهرت بيانات الجهاز المركزي للتعبئة العامة والإحصاء، أن قيمة وارادت مصر من القمح سجلت 2.4 مليار دولار خلال 11 شهراً من عام 2021، مقابل 2.9 مليار دولار خلال الفترة نفسها من عام 2020 بنسبة انخفاض قدرها 16.2%. وبلغت واردات مصر من القمح 6.1 مليون طنا خلال 11 شهراً من عام 2021، مقابل 11.8 مليون طن خلال الفترة نفسها من عام 2020، بنسبة انخفاض 48.4%.

تصدرت روسيا قائمة أعلى عشر دول استوردت مصر منها القمح، خلال 11 شهراً من عام 2021، حيث سجلت قيمة واردات مصر منها 1.2 مليار دولار، بكمية بلغت 4.2 مليون طن، بنسبة 69.4% من إجمالي كمية واردات مصر من القمح. وجاءت أوكرانيا في المرتبة الثانية، بقيمة 649.7 مليون دولار، بكمية 651.4 ألف طن، بنسبة بلغت 10.7%. ثم رومانيا بقيمة 407.7 مليون دولار، بكمية بلغت 387.2 ألف طن، بنسبة 6.2%، والقائمة أطول من ذلك.

أما السودان فيعتمد على القمح الروسي والأوكراني بنسبة 60% (المصدر الجزيرة) الأمر الذي أدى إلى زيادة أسعار الخبز، إلى 40-50 جنيهاً للرغيف الواحد بناء على سياسة صندوق النقد الدولي، القائمة على تعويم العملة، وتخفيض قيمتها، ورفع الدعم عن السلع والخدمات.

تونس تعيش أزمة خبز حادة، لاعتمادها على القمح الأوكراني فهي تستورد كذلك ما يقارب 60% من القمح. واليمن يستورد كل قمحه ويأتي ثلثه من روسيا وأوكرانيا. ولبنان الواقعة تحت قبضة الأزمة الاقتصادية، مع ارتفاع التضخم إلى مستوى قياسي يستورد نصف قمحه من أوكرانيا.

فأين أرض مصر الزراعية؟ حيث أكد العلماء أن مصر، فيها ما يقارب ما بين 164 إلى 200 مليون فدان صالحة للزراعة، وفق صحيفة روز اليوسف، وأن المستغل منها فعليا 10.3 مليون فدان. جاءت هذه المعلومات حيث أقيم ملتقى علماء مصر في الداخل والخارج، في محافظة القاهرة بالمنطقة الغربية يوم الثلاثاء 29 نيسان/أبريل 2014.

وفي العراق أعلن الجهاز المركزي للإحصاء أن الأراضي الزراعية الصالحة للزراعة، أكثر من 23 مليون دونم، وقال جهاز الإحصاء التابع للزراعة، إن المساحة المستغلة بلغت 11.4 مليون دونم، يعني أن نصف الأراضي الزراعية، غير مستغلة، مع وجود أكثر من 147 ألف مزارع في البلاد، في الوقت الذي تتنوع فيه مصادر المياه المستخدمة في الري، من السقي الناجم من نهري دجلة والفرات، والمياه الجوفية، فضلا عن مياه الأمطار. (السومرية).

أما في المغرب وفقاً لصحيفة السفير العربي في صفحتها الإلكترونية، تقول إن المغرب بلد فلاحي بامتياز إذ يزخر بحوالي 8.7 مليون هكتار كمساحات صالحة للزراعة، وتعد المساحة المزروعة 16% وهي تستغل من طرف 902 ألف شخص، أي ما يعادل 1.7 هكتاراً لكل شخص، علما بأن الهكتار يساوي 10000 متر مربع أي ما يعادل 2.471 فدانا، فالفدان يساوى 4.200 متر مربع، وتقول التقارير إن المغرب يمكن أن يؤمن الغذاء لتونس والجزائر وليبيا.

أما السودان فتبلغ مساحات الأراضي الزراعية الصالحة للزراعة 84 مليون هكتار. أي ثلث المساحة الكلية للسودان، المستغل منها حوالي 21% تقريبا. وتقدر المساحة الصالحة للزراعة في المناطق التي تتراوح أمطارها بين 400 و800 ملم سنويا، بحوالي 25 مليون هكتار، يستثمر منها حوالي 15 مليون هكتار، منها 9 ملايين هكتار زراعة آلية، و2 مليون هكتار من الأراضي لزراعة المحاصيل في المنطقة المروية، وتتركز مواقع الزراعة المطرية التقليدية على نطاق واسع في غرب وجنوب ووسط السودان. ويستخدم حوالي 120 مليون هكتار كمراع طبيعية، وتستخدم حوالي 64 مليون هكتار كغابات، ويوجد تداخل بين أراضي الغابات، والمراعي. (بوابة الاقتصاد السودان).

لعل سياسة الهيمنة الغربية على بلاد المسلمين جعلتها تحت رحمة الغرب، يستفيد منها مالاً ومواد خام، ورهنا للإرادة السياسية، لتظل بلاد المسلمين مسلوبة الإرادة، لا تستطيع أن تنعتق من الغرب وسياسته، في ظل هؤلاء الحكام الذين لا يرقبون في الأمة إلا ولا ذمة، الذين يعرفون خطورة الارتماء لسياسات حكومات الغرب الفاسدة، القائمة على أساس المبدأ الرأسمالي، الماصة لدماء الشعوب، لكن أحرص ما عند هؤلاء الحكام هو حماية عروشهم وبطانتهم على حساب أمن ومستقبل الأمة الإسلامية وتدمير عقيدتها.

فهؤلاء الحكام يأخذون الضرائب الباهظة من الناس، ويحولون الملكية العامة إلى خاصة، ويعطونها لأمهات الشركات الغربية الربوية. ويكنزون المال الحرام ويعطلون الأراضي الزراعية، وما زال القانون الإنجليزي لأحكام الأراضي يعمل في السودان منذ عام 1925 إلى يومنا هذا، فالاقتصاد الرأسمالي ينتعش في بلاد المسلمين على حساب حياة الأمة الإسلامية، فأصبح اقتصاد بلاد المسلمين هشاً لأنه قائم على أساس الفكر الغربي، ولا يعتمد على مقومات بلاد المسلمين مبدأ وعلما وإمكانياته العظيمة عُطلت، وأخرى نقلت خاما للغرب المستعمر.

إن ما يقوم به حكام المسلمين من رهن الأمن الغذائي لصالح بلاد الغرب الكافر، جريمة مكتملة الأركان يعاقب عليها القانون. ثم إن تغيير نمط غذاء أهل بلاد المسلمين ليعتمد على القمح المستورد بأسلوب ممنهج عبر صندوق النقد الدولي والبنك الدولي، عبر تمويل مشاريع فاشلة لزيادة الدين الربوي وتعطيل الإنتاج، لتتحول بلاد المسلمين إلى أضخم سوق لمنتجات الغرب الكافر، دون الاستفادة من الموارد الضخمة البكر، الموزعة هنا وهناك، وإدخال بلاد المسلمين في حالة من الجوع والمسغبة والفقر المدقع، وتردي الخدمات، وإضعاف مستوى دخل الفرد، وعدم تطوير ما عند المسلمين من موارد، وعدم رفع قدراتهم البشرية، وتركهم يعيشون هكذا كأنهم في عصور غابرة، لا ترتقي لمستوى حياة الإنسان الذي كرمه الله تعالى... كل هذه الأمور الأصل أن تشحذ همم المسلمين ليعرفوا أن الذي صيرهم إلى هذا المستوى هم هؤلاء الحكام الرويبضات وأدواتهم.

هؤلاء الحكام تغابوا وتعاموا عن حقيقة الصراع المبدئي ضد أمتهم ومقدرات بلادهم العظيمة، إن الجريمة أكبر، والهول أعظم من تعطيل حياة الناس، وارتهان حياة الأمة الإسلامية لدول الغرب الكافر التي لا تعرف الرحمة ولا حقوق الآخرين.

إن جرائم حكام المسلمين، لم يسبق لها مثيل، فمنذ أن أقام رسول الله ﷺ الدولة الإسلامية لم تمر بالأمة مصائب وفتن في دينها وأمنها الغذائي، بل تقصد هؤلاء الحكام إذلال الأمة الإسلامية وإهانتها في كل ناحية من نواحي الحياة.

فمقولة (من لا يملك قوته لا يملك قراره) مرتبطة برعاية شؤون الأمة، وأمر توفير الغذاء من أوجب واجبات الحاكم العادل، ولا يتم ذلك إلا بوجود دولة مبدئية على أساس الإسلام العظيم؛ دولة الخلافة الراشدة على منهاج النبوة التي لا ترهن إرادة الأمة وإمكانياتها للدول المعادية، بل تستقل من أول يوم بقرارها، وتوقف كل أشكال التبعية والارتهان، بل وتعمل على أن تفهم الأمة دورها، وحقيقة الصراع بين الحق والباطل.

آن للأمة أن تعي على عظمة مبدئها الذي يحتوي على الأفكار المنتجة، وأن تتنبه لمقدراتها العظيمة، من أرض زراعية، ومياه وثروة حيوانية، وموقع استراتيجي، وغيرها من الامتيازات. وآن لها أن تعمل جاهدة مع العاملين لاستئناف الحياة الإسلامية، لتقتلع هؤلاء الحكام الرويبضات، الذين عطلوا حياتها تماما، وأذاقوها التعاسة من كل جانب، وأوقفوا دورها العظيم في نشر الخير بين الأمم.

نعم إن دولة الخلافة الجامعة للأمة الإسلامية، التي توحدها في ترابها الغني، يقول خليفتها للسحابة، اذهبي أين ما حللت، فسوف يأتيني خراجك، كناية عن مدى الاستفادة من الأراضي الزراعية، وتطبيق أحكامها. وقد اقترب زمان هذا الخليفة ليؤمن لنا غذاءنا، وتتحول الأمة لأمة عظيمة، بمبدأ الإسلام العظيم، لتؤمن الغذاء للآخرين، دون مساومة الشعوب، كما يفعل الغرب الآن مع الشعوب، تجويعا وارتهانا لإرادة دولها.

كتبه للمكتب الإعلامي المركزي لحزب التحرير

الشيخ محمد السماني - ولاية السودان

المزيد من القسم null

لا تنخدعوا بالأسماء فالعبرة بالمواقف لا بالأنساب

لا تنخدعوا بالأسماء فالعبرة بالمواقف لا بالأنساب

في كل مرة يُقدَّم لنا "رمز جديد" له جذور مسلمة أو ملامح شرقية، يهلل كثير من المسلمين، وتُبنى الآمال على وهمٍ اسمه "التمثيل السياسي" في نظامٍ كافر لا يعترف بالإسلام حكماً ولا عقيدةً ولا شريعةً.

نذكر جميعاً الفرح العارم الذي اجتاح مشاعر كثيرين عند فوز أوباما في 2008. فهو ابن كينيا، وله أب مسلم! وهنا توهم البعض أن الإسلام والمسلمين باتوا قريبين من النفوذ الأمريكي، لكن أوباما كان أحد أكثر الرؤساء إيذاءً للمسلمين فقد دمر ليبيا، وساهم في مأساة سوريا، وأشعل أفغانستان والعراق بطائراته وجنوده، بل كان سفاك الدماء في اليمن عبر أدواته وكان عهده استمراراً لعداء ممنهج ضد الأمة.

واليوم يتكرر المشهد، لكن بأسماء جديدة. فـزوهران ممداني يُحتفى به لأنه مسلم ومهاجر وشاب، وكأنه المنقذ! لكن قليلين فقط ينظرون إلى مواقفه السياسية والفكرية. هذا الرجل من الداعمين الأشداء للشواذ المثليين، ومشارك في فعالياتهم، ويعتبر انحرافهم حقوقاً إنسانية!

أي خزي هذا يُعلق عليه الناس آمالاً؟! ألم يكن تكراراً للخيبة السياسية والفكرية نفسها التي وقعت فيها الأمة مراراً وتكراراً؟! نعم لأنها تُفتن بالشكل لا بالجوهر! تُخدع بالابتسامات، وتتعامل بالعاطفة لا بالعقيدة، وبالأسماء لا بالمفاهيم، وبالرموز لا بالمبادئ!

إن هذا الانبهار بالأشكال والأسماء نتيجة غياب الوعي السياسي الشرعي، لأن الإسلام لا يقاس بالأصل أو الاسم أو العرق، بل بالالتزام بمبدأ الإسلام كاملاً؛ نظاماً وعقيدةً وشريعةً. ولا قيمة لمسلم لا يحكم بالإسلام ولا ينصره، بل يخضع للنظام الرأسمالي الكافر، ويبرر الكفر والانحرافات باسم "الحرية".

وليعلم جميع المسلمين الذين فرحوا بفوزه وظنّوا أنه بذرة خير أو بداية نهوض، أن النهوض لا يكون من داخل أنظمة الكفر، ولا بأدواتها، ولا عبر صناديق اقتراعها، ولا تحت سقف دساتيرها.

فمن يُقدّم نفسه عبر النظام الديمقراطي، ويقسم على احترام قوانينه، ثم يدافع عن الشذوذ الجنسي ويحتفل به، ويدعو إلى ما يغضب الله، فهو ليس نصيراً للإسلام ولا أملاً للأمة، بل هو أداة تلميع وتمييع، وتمثيل مزيّف لا يُقدّم ولا يؤخر.

إن ما تسمى النجاحات السياسية في الغرب لبعض الشخصيات ذات الأسماء الإسلامية، ما هي إلا فُتات يُقدَّم كمسكنات للأمة، ليقال لها: انظروا، التغيير ممكن عبر أنظمتنا.

 فما حقيقة هذا "التمثيل"؟

الغرب لا يفتح أبواب الحكم للإسلام، بل يفتحها فقط لمن يتماهى مع قيمه وأفكاره. وأي شخص يدخل نظامهم لا بد أن يقبل بدستورهم، وبقوانينهم الوضعية، وأن يتنكر لحكم الإسلام، فإن رضي بذلك، أصبح نموذجاً مقبولاً، أما المسلم الحق، فهو مرفوض عندهم من جذوره.

فمن هو زهران ممداني؟ ولماذا يُصنع هذا الوهم؟

هو شخص يحمل اسماً مسلماً لكنه متبنٍ لأجندة منحرفة مخالفة تماماً لفطرة الإسلام، من دعم المثليين، والترويج لما يُسمى بـ"حقوقهم"، وهو نموذج حي لكيف يصنع الغرب نماذجه: مسلم بالاسم، علماني بالفعل، خادم لأجندة الليبرالية الغربية لا أكثر. بل لإشغال الأمة عن طريقها الحقيقي، فبدل أن تطالب بدولة الإسلام والخلافة، تنشغل بالمقاعد النيابية والمناصب في أنظمة كفر! وبدل أن تتوجه لتحرير فلسطين، تنتظر مَن "يدافع عن غزة" من داخل الكونغرس الأمريكي أو البرلمان الأوروبي!

فحقيقة الأمر أن هذا تشويه لطريق التغيير الحقيقي، وهو إقامة الخلافة الراشدة على منهاج النبوة، التي تُعلي راية الإسلام، وتقيم شرع الله، وتوحد الأمة خلف خليفة واحد يُقاتل من ورائه ويُتقى به.

فلا تنخدعوا بالأسماء، ولا تفرحوا بمن ينتمي لكم شكلاً ويخالفكم مضموناً، فليس كل من حمل اسم سعيد أو علي أو زهران هو على طريق نبينا محمد ﷺ.

واعلموا أن التغيير لا يأتي من داخل برلمانات الكفر، بل من جيوش الأمة التي آن لها أن تتحرك، ومن شبابها الواعين الذين يعملون ليلا ونهارا لقلب الطاولة على رؤوس الغرب وأعوانه وأتباعه الخائنين في بلاد الإسلام والمسلمين.

فالمسلمون لن ينهضوا عبر انتخابات الديمقراطية ولا من خلال صناديق الغرب، بل بنهضة حقيقية على أساس العقيدة الإسلامية، بإقامة دولة الخلافة الراشدة التي تُعيد للإسلام مكانته، وللمسلمين عزّتهم، وتحطم أوهام الديمقراطية.

لا تنخدعوا بالأسماء، ولا تعلقوا آمالكم على أفراد في أنظمة كفر، بل ارجعوا إلى مشروعكم العظيم: استئناف الحياة الإسلامية، فهذا وحده طريق العزة والنصر والتمكين.

فالمشهد تكرار مُهين لمآسٍ قديمة: رموز مزيفة، وولاء للأنظمة الغربية، وانحراف عن طريق الإسلام. وكل من يُصفّق لهذا المسار، إنما يضلل الأمة. فعودوا إلى مشروع الخلافة، ولا تجعلوا أعداء الإسلام يصنعون لكم قادتكم وممثليكم. فالعزة ليست في مقاعد الديمقراطية، بل في سدة الخلافة التي يعمل لها حزب التحرير ويُحذر الأمة من هذا الانحدار الفكري والسياسي. فلا خلاص لنا إلا بدولة الخلافة، التي لا تسمح بأن يحكم المسلمين من يدين بدين غير الإسلام، ولا بمن يبرر الشذوذ والانحراف، ولا بمن يُشرّع للناس غير ما أنزل الله.

كتبه لإذاعة المكتب الإعلامي المركزي لحزب التحرير

عبد المحمود العامري – ولاية اليمن

مصر بين الشعارات الحكومية والواقع المرّ  الحقيقة الكاملة عن الفقر، والسياسات الرأسمالية

مصر بين الشعارات الحكومية والواقع المرّ

الحقيقة الكاملة عن الفقر، والسياسات الرأسمالية

نقلت بوابة الأهرام الثلاثاء 4 تشرين الثاني/نوفمبر 2025م، أن رئيس الوزراء المصري، في كلمة ألقاها نيابةً عن الرئيس في القمة العالمية الثانية للتنمية الاجتماعية في العاصمة القطرية الدوحة، قال إنّ مصر تطبّق نهجاً شاملاً للقضاء على الفقر في جميع أشكاله وأبعاده، بما في ذلك "الفقر متعدد الأبعاد".

منذ سنوات، لا يكاد يخلو خطاب رسمي في مصر من عباراتٍ مثل "نهج شامل للقضاء على الفقر" و"الانطلاقة الحقيقية للاقتصاد المصري". يكرّر المسؤولون هذه الشعارات في المؤتمرات والمناسبات، مصحوبة بصور براقة لمشروعات استثمارية وفنادق ومنتجعات. لكن الواقع، كما تشهد عليه التقارير الدولية، مختلف تماماً. فالفقر في مصر ما زال ظاهرةً راسخة، بل متفاقمة، رغم الوعود الحكومية المتكرّرة بالتحسن والنهضة.

بحسب تقارير اليونيسف والإسكوا وبرنامج الغذاء العالمي لعامي 2024 و2025، يعيش نحو واحد من كل خمسة مصريين في فقرٍ متعدد الأبعاد، أي محروم من أكثر من جانب من جوانب الحياة الأساسية كالتعليم والصحة والسكن والعمل والخدمات. كما تؤكد البيانات أن أكثر من 49% من الأسر تعاني من صعوبات في الحصول على غذاء كافٍ، وهو رقم صادم يعكس عمق الأزمة المعيشية.

أما الفقر المالي، أي انخفاض الدخل مقارنة بتكاليف المعيشة، فقد ارتفع بصورة حادة، نتيجة موجات التضخم المتلاحقة التي أكلت أجور الناس وجهودهم ومدخراتهم، حتى أصبحت نسبة كبيرة من المصريين تحت خط الفقر المالي رغم عملهم الدائم.

وبينما تتحدث الحكومة عن مبادرات مثل "تكافل وكرامة" و"حياة كريمة"، تكشف الأرقام الدولية أن هذه البرامج لم تغيّر بنية الفقر جذرياً، بل اقتصرت على مسكّنات مؤقتة أشبه بالقطرة التي تُسكب في صحراء. فما زال الريف المصري الذي يقطنه أكثر من نصف السكان، يعاني من ضعف الخدمات وانعدام فرص العمل اللائق وتهالك البنية الأساسية. ويؤكد تقرير الإسكوا أن الحرمان في الريف يفوق نظيره في المدن بعدة أضعاف، ما يدل على سوء توزيع الثروة والإهمال المزمن للأطراف.

حين يشكر رئيسُ الوزراء ابنَ البلد "الذي تحمّل مع الحكومة إجراءات الإصلاح الاقتصادي"، فإنه في الواقع يُقرّ بوجود معاناة حقيقية ناتجة عن تلك السياسات. غير أن هذا الاعتراف لا يتبعه تغيير في المنهج، بل مزيد من السير في الطريق الرأسمالي نفسه الذي سبّب الأزمة.

فالإصلاح المزعوم الذي بدأ عام 2016 ببرنامج "التعويم" ورفع الدعم وزيادة الضرائب، لم يكن إصلاحاً بل تحميلاً للفقراء كلفة الديون والعجز. وفي الوقت الذي يتحدث فيه المسؤولون عن "الانطلاقة"، تتجه الاستثمارات الضخمة إلى العقارات الفاخرة والمشروعات السياحية التي تخدم أصحاب رؤوس الأموال، بينما لا يجد ملايين الشباب فرصاً للعمل أو السكن. بل إن كثيراً من هذه المشاريع، كمنطقة علم الروم في مطروح التي تُقدّر استثماراتها بـ29 مليار دولار، هي شراكات رأسمالية أجنبية تستحوذ على الأراضي والثروات وتحوّلها إلى مصدر ربح للمستثمرين، لا مصدر رزق للناس.

النظام يفشل ليس لأنه فاسد فحسب، بل لأنه يسير على أساسٍ فكريٍّ باطلٍ هو النظام الرأسمالي، الذي يجعل المال محوراً لكل سياسات الدولة. فالرأسمالية تقوم على حرية التملك المطلقة، وتسمح بتكديس الثروة في يد القلة التي تملك أدوات الإنتاج، فيما تتحمل الكثرة عبء الضرائب والأسعار والدَّين العام.

ولهذا، فإن كل ما يُسمى "برامج حماية اجتماعية" ما هو إلا محاولة لتجميل وجه الرأسمالية الوحشي، وإطالة عمر نظامٍ جائرٍ يراعي الأغنياء ويجبي من الفقراء. فبدلاً من معالجة أصل الداء؛ أي احتكار الثروة وتبعية الاقتصاد للمؤسسات الدولية، يُكتفى بتوزيع فتات من الإعانات النقدية، لا ترفع فقراً ولا تحفظ كرامة.

إن الرعاية ليست منّةً من الحاكم على الرعية، بل واجب شرعي، ومسؤولية يحاسبه الله عليها في الدنيا والآخرة. وما يجري اليوم، هو إهمال متعمّد لشؤون الناس، وتخلٍّ عن واجب الرعاية لصالح قروضٍ مشروطة من صندوق النقد والبنك الدوليين.

لقد أصبحت الدولة وسيطاً بين الفقير والدائن الأجنبي، تفرض الضرائب وتقلّص الدعم وتبيع الممتلكات العامة لسدّ عجزٍ متضخم صنعه النظام الرأسمالي نفسه. وفي هذا كله تغيب المفاهيم الشرعية التي تضبط الاقتصاد، كتحريم الربا، ومنع تملك الثروات العامة للأفراد، ووجوب النفقة على الرعية من بيت مال المسلمين.

لقد قدم الإسلام نظاماً اقتصادياً متكاملاً يعالج الفقر من جذوره، لا بمجرد دعمٍ نقدي أو مشروعات تجميلية. هذا النظام يقوم على أسسٍ شرعيةٍ ثابتة أبرزها:

1- تحريم الربا والديون الربوية التي تُكبّل الدولة وتستنزف مواردها، فبزوال الربا تزول تبعية الاقتصاد للمؤسسات الدولية، وتُعاد السيادة المالية للأمة.

2- جعل الملكيات ثلاثة أنواع:

ملكية فردية: كالبيوت والمتاجر والمزارع الخاصة...

ملكية عامة: تشمل الثروات الكبرى كالنفط والغاز والمعادن والمياه...

ملكية دولة: كأراضي الفيء والركاز والخراج...

وبهذا التوزيع تتحقق العدالة، إذ تُمنع فئة قليلة من احتكار موارد الأمة.

3- ضمان الكفاية لكل فرد من الرعية: فالدولة تضمن لكل إنسان في رعايتها حاجاته الأساسية من مأكل وملبس ومسكن، فإن عجز عن العمل وجب على بيت المال أن ينفق عليه.

4- الزكاة والإنفاق الإلزامي: الزكاة ليست إحساناً بل فريضة، تجمعها الدولة وتصرفها في مصارفها الشرعية للفقراء والمساكين والغارمين. وهي أداة توزيع فعّالة تعيد الأموال إلى دورة الحياة في المجتمع.

مع التحفيز على العمل المنتج ومنع الاستغلال، والحثّ على استثمار الموارد في مشاريع نافعة حقيقية كالصناعات الثقيلة والحربية لا في المضاربات والعقارات الفاخرة والمشاريع الوهمية. إلى جانب ضبط الأسعار بالعرض والطلب الحقيقيين لا بالاحتكار ولا بالتعويم.

إن دولة الخلافة على منهاج النبوة هي وحدها القادرة على تطبيق هذه الأحكام عملياً، لأنها تُبنى على أساس العقيدة الإسلامية، ويكون هدفها رعاية شؤون الناس لا جباية أموالهم. ففي ظل الخلافة، لا يوجد ربا ولا قروض مشروطة، ولا بيع للثروات العامة للأجانب، بل تُدار الموارد بما يحقق مصلحة الأمة، ويتولى بيت المال تمويل الرعاية الصحية والتعليم والمرافق العامة من موارد الدولة والخراج والأنفال والملكية العامة.

أما الفقراء، فتُكفل حاجاتهم الأساسية فرداً فرداً، لا عبر صدقات مؤقتة بل كحقٍّ شرعي مضمون. ولذا فإن محاربة الفقر في الإسلام ليست شعاراً سياسياً، بل نظام حياة متكامل يُقيم العدل ويمنع الظلم ويعيد الثروة إلى أهلها.

ما بين الخطاب الرسمي والواقع المعاش مسافةٌ هائلة لا تخفى على أحد. فبينما تتغنّى الحكومة بمشروعاتها "العملاقة" وبـ"الانطلاقة الحقيقية"، يعيش ملايين المصريين تحت خط الفقر، يعانون الغلاء والبطالة وانعدام الأمل. والحقيقة أن هذه المعاناة لن تزول ما دامت مصر تسير في طريق الرأسمالية، تُسلِّم اقتصادها للمرابين وتخضع لسياسات المؤسسات الدولية.

إن أزمات ومشكلات مصر هي مشكلات إنسانية وليست مادية، وتتعلق بها أحكام شرعية تبين كيفية التعامل معها وعلاجها على أساس الإسلام، وإن الحلول أسهل من غض الطرف لكنها تحتاج إدارة مخلصة تملك إرادة حرة تريد السير في الطريق الصحيح وتريد الخير لمصر وأهلها حقا، وحينها على هذه الإدارة أن تراجع كل العقود التي أبرمت سابقا والتي تبرم مع كل الشركات التي تحتكر أصول البلاد وما هو من ملكياتها العام وعلى رأسها شركات التنقيب عن الغاز والنفط والذهب وباقي المعادن والثروات، وتطرد كل تلك الشركات لأنها في الأصل شركات استعمارية ناهبة لثروات البلاد، ثم تصوغ عهدا جديدا يقوم على تمكين الناس من ثروات البلاد وإنشاء أو استئجار شركات تقوم هي على إنتاج الثروة من منابع النفط والغاز والذهب وغيرها من المعادن وتعيد توزيع هذه الثروات على الناس من جديد، حينها سيتمكن الناس من زراعة الأرض الموات التي ستمكنهم الدولة من استغلالها بحقهم فيها، وسيتمكنون أيضا من صناعة ما يجب أن يصنع ليرتفع باقتصاد مصر ويكفي أهلها، وستدعمهم الدولة في هذا السبيل، وإن كل هذا ليس ضربا من الخيال ولا مستحيل الحدوث ولا مشروعا نعرضه للتجربة قد ينجح أو يفشل، وإنما هي أحكام شرعية لازمة ملزمة للدولة والرعية، فلا يجوز للدولة أن تفرط في ثروات البلاد التي هي ملك للناس بدعوى عقود أقرتها وأيدتها وتحميها قوانين دولية جائرة، ولا يجوز لها أن تمنع الناس منها بل يجب أن تقطع كل يد تمتد ناهبة إلى ثروات الناس، هذا ما يقدمه الإسلام ويجب تنفيذه، إلا أنه لا يطبق بمعزل عن باقي أنظمة الإسلام بل إنه لا يطبق إلا من خلال دولة الخلافة الراشدة على منهاج النبوة، هذه الدولة التي يحمل همها والدعوة إليها حزب التحرير ويدعو مصر وأهلها شعبا وجيشا إلى العمل معه من أجلها، عسى الله أن يكتب الفتح من عنده فنراها واقعا يعز الإسلام وأهله، اللهم عاجلا غير آجل.

﴿وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرَىٰ آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَفَتَحْنَا عَلَيْهِم بَرَكَاتٍ مِّنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ﴾

كتبه للمكتب الإعلامي المركزي لحزب التحرير

سعيد فضل

عضو المكتب الإعلامي لحزب التحرير في ولاية مصر